الفصل 1 | من 51 فصل

رواية ليتني لم احبك الفصل الأول 1 - بقلم شهد الشوري

المشاهدات
30
كلمة
3,962
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

بمدينة الأسكندرية عروس البحر المتوسط تمشي بثقة بذلك الممر المؤدي لغرفة مدير الجريدة. وقفت أمام الباب وقبل أن تطرق تنهدت بعمق، فهي ما أن تدخل من ذلك الباب ستبدأ الشجار معه كما اعتادت يومياً. سمح لها بالدخول وما أن دخلت قال بغضب جملته المعتادة والتي أصبحت تحفظها على ظهر قلب، فاليوم سيكون ناقصًا إن لم تحدث تلك المشاجرة وتسمع تلك الكلمات: "أهلاً باللي ربنا بعتها ليا عشان تكفر عن ذنوبي." كتمت ضحكتها وقالت بمشاكسة:

"صباح النور يا أستاذ مدحت." مدحت بغضب: "صباح زفت ومنيا على دماغك ودماغ اللي شغلك عنده." وضعت يدها على فمها لتداري ضحكتها. ليتابع هو بغضب: "أنتي مش هترتاحي غير لما تقفلي الجريدة دي، وقبل كل ده مش هتسكتي غير لما تنهي حياتك بإيدك." لترد هي بكل جدية: "سبق وقلت لحضرتك إني مش هسكت غير لما أكشف حامد صفوان للكل. أنا مش بعمل حاجة غلط، أنا بكشف حقايق للناس." مدحت بحدة:

"أنتي بتعاملي مع الموضوع على كأنه انتقام للي حصل من حوالي كام شهر، مش على أساس إنه راجل فاسد عايزة تكشفيه وتبيني حقيقته للناس." جيانا بغضب بدأ يتملك منها: "مفرقتش، اللي الاتنين بيودوا لنتيجة واحدة. قولتهالك قبل كده وهقولهالك تاني، يا جوز خالتي يا أنا يا حامد صفوان. هفضل وراه ومش هسيبه غير لما آخد حقي، يا أنا يا هو."

وقالتها وغادرت المكتب بغضب متوجهة لمكتبها. كلما تتذكر ما فعله ذلك الحقير بها منذ ذلك الحادث التي تعرضت له تقسم أنها ستريه العذاب. لكن صبرًا، فكل شيء بوقته جميل. بأحد القصور الضخمة يجلس ذلك الرجل ويقرأ ذلك المقال الذي كُتب عنه بأحد الصحف الشهيرة، وعيناه تشع غضبًا شديدًا. ليصرخ بغل وغضب بعد أن انتهى من قرأته: "البت دي مش ناوية تجيبها لبر ولا إيه." ليرد ذراعه اليمين ويدعى (حسين)

"يا حامد باشا دي من ساعة ما قرصنا ودنها من كام شهر وهي مش ساكتة وبتنخرب ورانا أكتر من الأول." حامد بشر: "تبقى هي السبب في اللي هيحصلها. دبور وزَن على خراب عشه." حسين بجدية: "تأمر بأيه يا باشا." حامد بشر: "عينك تفضل عليها أربع وعشرين ساعة ما تغيبش عني، وأنا هتصرف بمعرفتي." أومأ له الرجل واستأذن منه وخرج ليردد الآخر بتوعد وشر: "خلاصك هيبقى على إيدي يا بنت النويري." صباحًا بأحد الدول الأوروبية وتحديداً بألمانيا.

كانت تلك تلك الجميلة صاحبة البشرة البرونزية تركض بالشوارع تمارس الرياضة كعادتها كل يوم صباحًا. جلست على أحد المقاعد الخشبية الموجودة بالطريق تلتقط أنفاسها، ثم أخرجت هاتفها تتصل بصديقتها الوحيدة التي تعرفت عليها صدفة وكانت أجمل صدفة حقًا. ما أن أجابت الأخرى قالت هي بابتسامة: "جيانا أخبارك إيه." لترد الأخرى بابتسامة وحب: "الحمد لله، طمنيني أنتي أخبارك إيه وناوية تنزلي مصر إمتى بقى يا رونزي." لترد الأخرى بسعادة:

"أنا يا ستي خطوبتي بعد عشر أيام وهنزل مصر بكرة عشان العريس مصري وهيستقر في مصر، فبالتالي أنا هعيش في المكان اللي هيعيش فيه جوزي." ضحكت جيانا وقالت بصدمة: "آه يا سوسة هتتخطبي كده مرة واحدة ومخبية عليا، إيه كنتي ناوية تقوليلي يوم الفرح." ضحكت رونزي وقالت: "كل حاجة جت صدفة صدقيني. هو عرض عليا الجواز من يومين واتفقنا على كل حاجة." جيانا بابتسامة: "اتعرفت عليه إزاي." رونزي بابتسامة:

"كان فيه شغل بينه وبين بابا وشوفته صدفة واتقابلنا كذا مرة." ابتسمت جيانا بسعادة من أجلها وقالت: "اسمه إيه صحيح." كادت أن تجيب رونزي ولكن اهتز الهاتف في يدها معلنًا عن وصول مكالمة أخرى لها. فقالت سريعًا: "سوري يا جيجي مضطرة أقفل، بيرن عليا." ضحكت جيانا وقالت: "روحي يا أختي كلميه، بس اتئلي كده." ضحكت رونزي وأغلقت معها الهاتف لتجيب عليه سريعًا.

بينما جيانا جلست على الأريكة بكتبها تنظر أمامها بشرود. حالة رونزي والحماس الذي تشعر به الآن كانت تشعر به قديمًا مثلها تجاه شخص لا يستحق. أوصدت عينيها وتلك الجملة تتردد بأذنها منذ سبعة أعوام: "حبك نعمة كبيرة وغبي اللي يفرط في الحب ده ويضيعه من إيده." ابتسمت بسخرية، لقد كان أول من أضاعها من بين يديه، كان أول من فرط بها وبحبها، بل كان أول من يلقنها درسًا بالحياة وعنوانه هو: لا تثقي في الرجال.

نفضت تلك الذكريات عن رأسها، لن تفكر به، لا يستحق حتى مجرد أن يخطر على بالها، أصبح ماضي وانتهى. جلست خلف مكتبها تتابع عملها بتركيز شديد متجاهلة تلك الذكريات التي عصفت بعقلها الآن. بأحد المناطق الراقية التي تدل على ثراء من يسكنها. بتلك البناية الكبيرة والفخمة وتطل على البحر مباشرة، مكونة من طوابق عديدة وهي ملكًا للمحامي الكبير أكمل النويري.

الذي اتخذ آخر ثلاث طوابق له ولعائلته، حيث أن آخر طابقين متصلين ببعض ويمكث فيهم برفقة زوجته حنان وأبنائه جيانا وتيا ورامي. أما الطابق الذي أسفلهم فيمكث فيه آسر ابن أخيه الراحل يحيى وزوجته والذين توفوا في حادث منذ عامين تقريبًا. بمنزل أكمل النويري. بالطابق الثاني بتلك الغرفة التي يطغى اللون الأبيض على كل جزء منها ويتداخل معه اللون الزهري.

مكونة من مرحاض ويتوسط الغرفة فراش كبير وخزانة ملابس كبيرة بعرض الحائط ومكتب صغير وطاولة للزينة. وهي غرفة تيا أكمل النويري الابنة الوسطى. استيقظت من نومها لتدخل للمرحاض وبعد وقت خرجت وأدت فرضها. ثم ارتدت ملابسها وهي فستان طويل باللون الزهري الفاتح وحجاب باللون الأبيض وأخذت متعلقاتها. ونزلت للأسفل حيث والدتها، فبالتأكيد ذهب والدها للعمل. وجدت والدتها حنان تجلس على الأريكة ببهو المنزل تشاهد التلفاز. اقتربت منها وقالت:

"ماما أنا رايحة الجامعة وهخلص محاضرات وأرجع." حنان بابتسامة: "ماشي يا حبيبتي بس استني افطري الأول." تيا بابتسامة: "هبقى أفطر في الجامعة عشان مستعجلة. مع السلامة." غادرت لتقول هي بدعاء: "ربنا يوفقك يا تيا يا بنتي ويهديكي يا جيانا." انتفضت بفزع عندما شعرت بابنها يلقي نفسه على الأريكة بجانبها وهو يقول بغيظ: "طبعًا تدعي لتيا وجيانا وأنا لأ، ما أنا ابن البطة السوداء." نظرت له بغيظ وما أن مسكت خفها انتفض

هو من مكانه وهو يقول بمرح: "لا كله إلا الشبشب." ألقت به بوجهه وهي تقول بغيظ: "امشي من وشي يا حيوان." نظر لها بغيظ وقال بغرور وهو يخرج من باب المنزل: "همشي أنا، أصلًا خسارة في البيت ده وربنا ما أنا قاعدلكم فيه. أنا هنزل أضيع مع صحابي، سلام يا مزة." ضربت يدها بالأخرى وهي تقول: "عوضني عوض الصابرين يارب." تركب التاكسي وهي تعبث بهاتفها لكن توقفت السيارة فجأة. نظرت للسائق وقالت: "وقفت ليه يا أسطى." ليرد الرجل ذو الوجه

البشوش وكان كبير في السن: "معلش يا بنتي البنزين خلص، انزلي خدي تاكسي تاني معلش." أومأت له وقالت بابتسامة: "ولا يهمك." ثم أخرجت النقود وأعطتها له ونزلت تقف بانتظار تاكسي آخر. وأخيرًا وجدت واحدًا فاشارت له وقالت: "تاكسي." بنفس الوقت جاء شخص آخر وهو يقول: "تاكسي." اقتربت من التاكسي وكادت أن تركب وجدت ذلك الرجل يفتح الباب وكاد أن يركب. لتقول له بهدوئها المعتاد: "لو سمحت حضرتك أنا وقفته قبلك، ممكن تشوف تاكسي تاني."

ليرد عليها بضيق: "أنا شاورتله قبلك، شوفي أنتي واحد تاني. أنا مش ناقص عطله." تنهدت بضيق وقالت: "أنا كمان عندي محاضرة ومتأخرة، فلو سمحت سيبني أركب وشوف تاكسي تاني." ليرد هو بضيق: "مليش فيه، أنا وقفته وهركب. تتصرفي أنتي. كانت ناقصاكي انتي كمان ع الصبح." إلى هنا وفقدت هدوءها لتقول بعصبية ولكن ليس بصوت عالي: "جرى إيه يا أستاذ، ما تتكلم باحترام وخلي عندك ذوق. إيه كانت ناقصاكي ومش ناقصاكي دي؟ بني آدم قليل الذوق."

ليهدر فيها بغضب: "جرى إيه يا بت انتي، ما تلمي نفسك واظبطي كده. واعرفي أنتي بتكلمي مين. ده أنا أوديكي ورا الشمس." تيا بغضب وغيظ: "هكون بكلم مين يعني غير بني آدم قليل الذوق ومترباش عشان يمشي يكلم الناس بقلة الذوق دي ويشوف نفسه عليهم. وبلاش تهدد عشان أنا كمان ممكن أهدد زيك، بس أهلي علمني إني ما أشوفش نفسي على حد أقل مني في الأخلاق والتربية، وكله." كاد أن يرد عليها بعجرفة ويلقنها درسًا. ليقاطعهم صوت السائق وهو يصيح بضجر:

"ما تخلصونا بقى يا أخونا، ورانا أكل عيش مش طالبة خناق الصبح." نظرت له بغيظ وأوقفت تاكسي آخر وأملته العنوان لتغادر تاركة ذلك المغرور يكاد ينفجر من شدة الغيظ. في ألمانيا. بذلك المنزل الكبير ذو الذوق الرفيع يجلس ذلك الرجل على الأريكة ببهو المنزل ويضع قدمه فوق المنضدة التي أمامه. والظلام يعم المكان وهو ينظر للفراغ بشرود. يفكر هل ما فعله صحيح؟ تلك الخطوة التي اتخذها بدون مقدمات خطأ أم صواب؟

ليدخل في حرب مع قلبه الذي يتعارض مع عقله فيما فعله الآن وقديمًا. قلبه يريد وصال أخرى أضاعها من بين يديه. أما عقله يريد تخطي تلك التجربة التي عاشها في الماضي. وأن يبدأ من جديد، لعله يستطيع النسيان. لينتهي ذلك النقاش بقوله تلك الجملة مثل كل مرة. يفكر بذلك الأمر وهي أن من يريدها لا تناسبه، وكفى تفكير بها. انتبه على رنين هاتفه فالتقطه ليجيب على ابن عمه الذي رد بمشاكسة:

"إيه يا عريس، أخيرًا قررت ترفق بينا وتنزل مصر وتستقر بدل ما أنت قاضيها سفر رايح جاي." ابتسم فريد وقال: "آه يا أخويا، أخيرًا." ثم تابع بجدية: "أخبار الشغل عندك إيه." أيهم بجدية مماثلة: "كويس." ثم تابع بوقاحة: "مجهزلك حتة سهرة إنما إيه، لا تقلي مزز ألمانيا ولا بتاع. الواد أركان كلمته امبارح وهيظبط الدنيا." ضحك فريد وقال بيأس: "مش ناوي تبطل عك وقلة أدب أنت وهو بقى." أيهم بسخرية:

"شوفوا مين بيتكلم، حبيب قلب البنات. يا بني ده أنت تخطيت الرقم القياسي في العك وقلة الأدب." أوصد فريد عينيه بسخرية، ومع ذلك يصعب عليه نسيانها. كلما اقترب من أخرى يتخيلها هي التي بين أحضانه ويردد اسمها بشغف، لكن كل مرة يستيقظ يشعر بالاشمئزاز من ذاته. لكن يبرر لنفسه كل مرة هي السبب وهي من أوصلتهم إلى هنا. آخر مرة رآها، ألقته بنظرة احتقار واشمئزاز، لن ولن يستطيع نسيانها أبدًا. أفاق من شروده على صوت ابن عمه يصيح فيه:

"أنت يا بني روحت فييييين." "بتقول حاجة." أيهم بتساؤل: "سرحت في إيه؟ بقالي ساعة بكلمك ومش بترد." فريد ببرود مصطنع: "مفيش ولا حاجة." يريد أن يسأله على شيئًا ما، لكنه يشعر بالتردد بعدما جاء هذا السؤال بمخيلته الآن. ترى كيف هي الآن؟ هل تزوجت؟ هل أحبت؟ كيف تعيش حياتها؟ هل ما زالت كما هي أم تغيرت... الكثير والكثير من الأسئلة عصفت برأسه الآن. لكنه حسم أمره، لن يسأله.

أنهى معه المكالمة سريعًا وارتدى ملابسه وذهب للشركة ليباشر عمله. بأحد الجامعات الخاصة بكلية التجارة. في الكافتيريا تجلس تيا مع زميلاتها الاثنان، رغد ومير. رغد بغيظ: "أما مش عارفة امتحان إيه ده اللي يعملوه وإحنا لسه بادئين دراسة مبقالناش شهر ونص." مير بضيق: "يلا هنعمل إيه. هضطر ألغي سفرية الجونة، كان نفسي أروح." تيا بابتسامة: "يا بنتي ارحمي نفسك بقى، أنتي حياتك كلها سفر. ركزي في دراستك دي آخر سنة." رغد بضحك:

"سيبك منها دي، كل اللي بتفكر فيه هتسافر فين بعد ما تروح الجونة وترجع." مير بغيظ: "إنتوا هتمسكني تريقة إنتوا الاتنين ولا إيه. ثم تابعت بحماس: متنسوش الأسبوع الجاي عيد ميلادي، هستناكم وإنتي يا تيا ابقي خلي جيانا تيجي معاكي هي ورامي." أومأت لها تيا وقالت برقتها المعتادة: "حاضر." استمر الحديث بينهم خمس دقائق ثم توجه الثلاثة للمحاضرة الثانية. انقضى اليوم سريعًا ليحل المساء. كانت تيا تجلس بغرفتها وتضع الحاسوب أمامه.

تبحث عن شركة لتستطيع أن تتدرب بها مثلما سيفعل الباقي من الطلاب بالجامعة. بحثت كثيرًا ووجدت العديد من الأماكن يمكن أن تتدرب بها، ولكن الأغلبية يضعون شروط للتدريب مثل التقدير ويجب أن تكون أخذت بعض الدورات التعليمية وأن تكون تتقن لغة. تنهدت بعمق، جميع الشروط تتوافر لديها، لكن يجب أن تختار شركة أو بنك من هؤلاء. بحثت عن كل منهم واختارت الأفضل وعزمت على أن تذهب للتقديم غدًا. دعت ربها أن يوفقها.

أغلقت الحاسوب ثم ذهبت لتدرس قليلاً قبل أن تغفو. في قصر فخم وكبير يدل على الثراء الشديد لمن يسكنه. هو قصر الزيني. يلتف الجميع حول مائدة الطعام الكبيرة يتناولون الطعام بصمت. قطعه كبير صلاح الزيني بقوله: "أيهم فين." ليرد جمال ابنه الأصغر ووالد أيمن: "خلص شغل وخرج مع أصحابه." صلاح بتهكم: "هي شلة الصيع دول يتسموا أصحاب." ثم تابع حديثه موجهًا لابنه الأكبر محمد:

"أنا سكت كتير على طيش ابنك إنت وجمال، إنما للصبر حدود. إن مكنتش عارف إنت وهو تربوا عيالكم أنا هربيهم." لتتدخل دولت زوجة محمد: "أنا ابني متربي يا عمي، وبعدين هو هيتجوز خلاص أهو، بعدين يعمل اللي يعمله طالما سيرة العيلة محدش لمسها." صلاح بغضب وسخرية: "أنا مش عارف كنت مستني إيه منه، طبعًا كان لازم أتوقع التصرفات دي طالما أنتي أمه... أمه اللي محاسبتهوش على غلطاته وماشية معاه طالما كله في الدرج." تنهدت بغضب وقال:

"بتقوليلي متربي، آه ما أنا عارف، ما هو الشرب والسهر كل ليلة والنوم مع واحدة كل يوم من أصول التربية." محمد باعتراض: "بابا." صلاح بغضب: "إنت تخرس خالص. ده إنتوا العيشة معاكم تقصر العمر وتقرف. واحد رامي بنته ومش يعرف عنها حاجة غير اسمها، وكله عشان خاطر عيون دولت هانم. والتاني وقف حياته على موت مراته، والتانية معرفتش تربي عيالهم وطلعتهم طماعين والغل والحقد مالي قلوبهم."

قالها وغادر غرفة الطعام تحت نظرات الحزن من جمال والضيق من محمد والغل الشديد من دولت التي تكره ذلك الرجل وبشدة. انتهى اليوم سريعًا ليبدأ يوم جديد مليء بالأحداث. بمنزل أكمل النويري. بغرفة جيانا ارتدت ملابسها وهي بنطال جينز أسود وتي شيرت بحمالات رفيعة باللون الأبيض وقميص أحمر به خطوط عديدة ومتداخلة وحذاء رياضي باللون الأبيض. وأخذت الكاميرا الخاصة بها وحقيبة ظهرها البيضاء ومتعلقاتها بعد أن رفعت شعرها بعشوائية.

ثم نزلت للأسفل حيث غرفة الطعام بينما الجميع يجلس يتناول الطعام بهدوء. سحبت مقعدها وهي تقول: "صباح الخير." ليرد الجميع الصباح. لتنظر حنان لملابس ابنتها بعدم رضا. ثم قالت بضيق: "جيانا إيه رأيك يا حبيبتي تنزلي مع تيا انهارده أو بكرة تشتري كده كام فستان حلوين هيبقوا حلوين أوي عليكي." جيانا بهدوء: "حضرتك عارفة إني مش بحب الفساتين، أنا مرتاحة في هدومي دي أكتر." حنان بحدة نفاذ صبر:

"بس أنا قولت يبقى تعملي اللي أنا قولته، إيه ملكيش كبير ومش بتسمعي كلام حد. أنا زهقت منك ومن تصرفاتك اللي لا تطاق دي، حسسيني مرة واحدة إني مخلفة بنتين مش واحدة." ابتلعت غصة مريرة بحلقها دون أن تدري والدتها أنها بحديثها ضغطت على جرحها الغائر دون أن ترفع رأسها تجاه أي أحد. أخذت أغراضها ثم غادرت المنزل متوجهة لعملها دون أن تقول أي كلمة، متجاهلة نداء أختها عليها وكذلك رامي.

بعد أن غادرت صعد ذهب رامي لمدرسته فهو في الصف الثاني الثانوي. أما تيا فذهبت لموعدها. التفت أكمل لحنان وقال: "ليه كده يا حنان، أنا قولتلك هتكلم معاها." حنان بحزن: "أهو اللي حصل بقى. مش هاين عليا أفضل ساكتة وأنا شيفاها دافنة نفسها في الشغل ومش عايشة حياتها زي باقي البنات، دي بقى عندها ٢٦ سنة يعني اللي في سنها متجوزين ومخلفين بدل العيل اتنين." تنهد أكمل بضيق وقال: "سيبها انهارده وبكرة الصبح أنا هكلمها." ثم تابع بتذكر:

"صحيح، قالتلي امبارح إن صحبتها جايه تقعد معانا فترة لحد فرحها، فجهزي ليها أوضتها." أومأت له وقالت: "حاضر." قبل رأسها ثم غادر هو الآخر متوجهًا لعمله وعقله مشغول بابنته التي يشعر أنها تخفي شيئًا، ليس منذ فترة بل منذ زمن. وصلت لمكان عملها ثم صعدت لمكتبها سريعًا ثم دخلت وأغلقت الباب لترتمي على أقرب مقعد لها تتنفس بقوة. كلمات والدتها أثرت بها كثيرًا.

لا أحد يفهمها ويشعر بها، الجميع يظن أن سبب رفضها للزواج أنها تحب عملها ولا تريد الانشغال عنه، يظنون أنها قوية. لكن لا يعلمون أن بداخل تلك الفتاة القوية فتاة حزينة تريد شخص يحبها مثل ما هي بدون شروط. تريد شخص يتحملها بكل ما فيها، وتقسم أنها ستتغير لأجله. لكنها لم تجد من أحبته من قلبها بكل صدق خذلها، وليس هناك أسوأ من شعور الخذلان. ذهبت للمرحاض الموجود بمكتبها وأخذت تصفع وجهها بالماء.

ثم جففت وجهها وخرجت لتتابع عملها بتركيز. بعدما نفضت تلك الذكريات بعيدًا عن رأسها. جاءها اتصال من مكتب المدير لكي تذهب له. تنهدت بعمق وذهبت له وما أن دخلت قال لها بابتسامة: "تعالي يا ستي اقعدي، عايزك في شغل مهم." أومأت له وقالت بعد أن جلست على المقعد الموجود أمام مكتبه: "اتفضل حضرتكم." مدحت بجدية: "طبعًا أنتي أكيد عندك خبر بالمستشفى الخيرية اللي بناها رجل الأعمال أيمن الغانم." أومأت له ليتابع هو قائلاً:

"حفلة افتتاح المستشفى هتكون بعد ٣ أيام. هتروحي أنتي ونادين وهند تغطوا الحفلة دي بدل مكرم وتعملوا لقاء صحفي مع الموجودين وتصوروا كل حاجة لأنه هيبقى بث مباشر على صفحتنا." تنهدت بعمق وقالت: "حاضر. حاجة تانية." مدحت بابتسامة: "لا يا ستي مفيش. قوليلي بقى مالك، باين عليكي متضايقة. حصل حاجة معاكي." جيانا بابتسامة باهتة: "مفيش، اتخانقت مع ماما كالعادة." "طبعًا عشان نفس الموضوع." أومأت له بنعم ثم قالت بمرح باهت:

"يلا أنا أصلًا اتعودت خلاص. لو عدى يوم الصبح من غير ما أسمع الكلمتين يومي ما يكملش." ضحك مدحت بخفوت. فاستأذنت منه وغادرت بعد أن أخبرته أنها ستذهب باكرًا لأن لديها موعد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...