الفصل 20 | من 25 فصل

رواية ليتني مت قبل هذا الفصل العشرون 20 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
18
كلمة
5,418
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

في المشفى بقسم الاستقبال والطوارئ. دخل يحيي مهرولاً وهو يحمل طفلته بين يديه، والتي ساءت حالتها وارتفعت حرارتها أكثر. وقف أمام الممرضة التي التقطت منه نور على الفور وذهبت لعمل اللازم، بينما وقف هو أمام الغرفة ينتظر والقلق قد أخذ منه كل مأخذ. ارتفع رنين الهاتف وكانت غزل، فأجابها بهدوء. "ألو؟ "أيوة يا يحيي، طمني، إيه الأخبار؟

تنهد بتعب وقال: "مش عارف لسه، هما خدواها بيكشفوا عليها في الأوضة جوا وأمها معاها. أنا واقف برا بستني." "طيب إن شاء الله خير.. لما تطمن ابقى طمني." "تمام ماشي.. مع السلامة." أنهى المكالمة بتعجل عندما رأى الطبيب يخرج من الغرفة، فاتجه نحوه مسرعاً وتساءل بلهفة: "مالها يا دكتور؟

نظر إليه الطبيب بعملية شديدة وأردف قائلاً: "متقلقش هي زي الفل.. عدوى من الجو وكل الأطفال بيصابوا بيها اليومين دول. هي خدت خافض للحرارة وكتبتلها علاج تاخده بانتظام وهتبقى كويسة إن شاء الله.. ألف سلامة." "الله يسلمك." ألقاها بإيجاز عندما رأى يسر تخرج من الغرفة وهي تحمل نور، فأسرع نحوها وحملها عنها وهو يتفحصها ويقول: "عملتوا إيه؟ نظرت إليه

يسر بملامح متحفزة وقالت: "الدكتور بيقول إن حرارتها دي بسبب الإهمال في الأكل اللي بتاكله وأكيد أكلت حاجة سخنتها، وكمان أوقات الشاور بتاعها مش مناسب مع الجو البرد اللي إحنا فيه." نظر إليها متعجباً، فتابعت قائلة: "يعني اللي هي فيه ده بسبب إهمال المدام اللي إنت مسلمها ولادي أمانة في إيديها." ظل ينظر إليها بثبات حتى توترت وقالت: "إيه مالك بتبصلي كده ليه؟ "عشان عمرك ما هتتغيري.. اتفضل."

برز صوته بالأخيرة حاداً صارماً لا يقبل النقاش، فانصاعت خلف أمره واستقلت المقعد المجاور له بالسيارة، ليركب هو منطلقاً بالسيارة عائداً نحو البيت. "أنا مش هسيب ولادي مع واحدة مهملة زي دي تاني." ألقتها يسر في محاولة منها لجذب طرف الحديث معه، فإذ به يتجاهلها، لتعود قائلة: "يا إما آخد نور وزياد يعيشوا معايا، يا إما أفضل أنا معا... "يُسـررررر."

قاطعها بحدة وأكمل: "متخليش عقلك الخايب ده يصورلك إن يحيي هيتضحك عليه تاني.. لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.. وشوفي بقا أنا اتلدعت منك كام مرة.. يعني وفري على نفسك وعليا كل الحوارات دي." "قصدك إيه؟!! تساءلت بغضب، ليجيبها بغضب مماثل: "قصدي إنتي عارفاه وفاهماه.. عيالي هيتربوا معايا أنا ده أولاً.. وإنتي ملكيش قعاد عندي بعد بكرة ده ثانياً."

ثم نظر إليها وأضاف بقوة: "والمدام اللي بتقولي عليها مهملة دي هي اللي بتربي لك عيالك وبتراعيهم أحسن مما كنتي إنتي بتعملي وأنا مش شايف منها أي تقصير أبداً.. بالعكس، وقتها ومجهودها كلهم رايحين عليهم.. وعلى فكرة أنا سألت الدكتور قبل ما تخرجي وقال لي إن دي عدوى من الجو.. بطلي الكذب اللي في دمك ده بقا." ألقى بالأخيرة وهو يحدق بها بنظرات يائسة، لتلتزم هي الصمت كحالتها حتى وصلوا أمام المبنى،

فقال: "تطلعي تاخدي بنتك وعلى الأوضة من سكات.. مش عايز لكلكة فارغة أنا قولتلك أهو." ترجل من السيارة وحمل نور ثم صعدا إلى الشقة، فقام بفتح الباب لتسرع غزل نحوهم بلهفة وتساءلت: "عملتوا إيه طمنّي؟! أومأ بهدوء وقال: "الحمد لله بسيطة، عدوى من الجو." دخل إلى الغرفة ووضع نور بفراشها، ثم توجه إلى غرفته بصمت، فتبعته غزل، بينما صفقت الأخرى الباب بحدة. تنهد يحيي بثقل وقال: "زياد نام إمتا؟ "بعد ما مشيتوا فوراً." أومأ موافقاً

وقال: "أنا هنام يا غزل لإني مش قادر خلاص وحاسس إن جسمي مهمد." "أجيبلك مسكن طيب؟ "لأ مش ضروري، هنام وأبقى كويس." "ماشي، تصبح على خير." دخلت إلى فراشها كما فعل هو أيضاً ليغط في النوم سريعاً، بينما بقت هي تتطلع نحوه بألم داخلي يملؤها.

كم تمنت أن تحظى بلحظةٍ كهذه، أن تراه عن قرب غافٍ إلى جانبها كما هو الآن، تستمع إلى أنفاسه وتشتم رائحته، تراقب كل حركاته وسكناته حتى أثناء نومه. لم يكن بمخيلتها أبداً أنها ستتمكن يوماً من نيل ما تمنت، ولم تتوقع أيضاً أنها ما إن نالته ستقف مكتوفة الأيدي تشاهد من بعيد ولا تقوى على الاقتراب! ولكنها تستحق ولو فرصة واحدة!

مدت أطراف يدها المرتعشة تتحسس ملامحه الهادئة التي تعشقها، فمررت أصابعها الناعمة على خصلاته السوداء، أنفه المنمق، وجنتيه الدافئتين، شفتيه البارزتين ولحيته النامية قليلاً. أرادت الاقتراب أكثر والنوم إلى جانبه ففعلت، ثار قلبها وطلب المزيد فلم تبخل عليه، والتصقت به ووضعت رأسها على ساعده المفرود إلى جانبه، ووضعت يدها موضع قلبه تلتمس دقاته بيدها، اشتمت أنفاسه عن قرب فكانت لها بمثابة إكسير للحياة وأكثر.

إنها الآن لا تتمنى أكثر من ذلك، فأسبلت أجفانها ونامت قريرة العين. استمع هو إلى انتظام أنفاسها، فعلم أنها قد تعمقت في النوم، ففتح عينيه ناظراً أمامه بشرود وهو يتأمل فعلتها تلك! ألهذا الحد تعشقه؟ وما الذي يجعلها تتحمل وتتحامل على نفسها وتقبل بكل ما يقدمه إليها من فتات المشاعر وبقايا الأحاسيس؟ لما هي التي تعشقه لهذا الحد والأخرى لا؟ ولما لا يستطيع هو أن يمنحها ولو نصف ما تستحقه؟ هل أصبح ظالماً لذلك الحد؟

إنها حتماً تستحق أن يمنح نفسه فرصة ثانية! أحاطها جيداً بذراعه الذي تستند عليه، ويده الأخرى تزيح خصلات شعرها من فوق جبينها، ليجدها تحيط خصره بيدها بإحكام، مما جعل قلبه يهتز بين أضلاعه وهو يجاهد كي لا يتأثر بقربها الشديد منه، فقرر أن يتجاهل مشاعره وليدة اللحظة تلك وأن يخلد إلى النوم! *** ظلت يسر بغرفتها مستيقظة، لم يطأ النعاس جفنيها، يتآكل داخلها من فرط الغيظ وقد عبث الفضول بها.

تود لو ذهبت إلى غرفتهم وعلمت ماذا يفعلون! تحدثت إلى نفسها وقالت: "بقا على آخر الزمن يوصل بيا الحال إني أبقى مع يحيي في نفس البيت وكل واحد منا في أوضة؟! لأ وكمان الحرباية غزل هي اللي نايمة في حضنه!! والله لو كانوا حلفوا لي على المية تجمد إن ده هيحصل ما كنت أصدق أبداً." وزفرت بقوة وتابعت: "فكري يا يُسـر.. دي فرصتك الأخيرة ولازم تستغليها، إنتي مش ضامنة هتعرفي تيجي هنا تاني ولا لأ.. فكري.. فكري.. بسسس.. لقيتهـا !!!

دخلت إلى فراشها مجدداً بحماس واستسلمت للنوم وهي تعتزم فعل ما تنويه غداً. *** تململت غزل في نومها لتشعر وكأنها مقيدة بمكانها، فتحت عينيها لتصطدم بصاحب أكثر وجه تعشقه في العالم يسلط نظره نحوها مبتسماً وهو يحيط خصرها بيمناه، مما أثار ذهولها فقالت وهي تحاول التملص من تحت ذراعه: "صباح الخير." "صباح النور.. كل ده نوم! قالها وهو يزيد من إحكام قبضته على خصرها وأضاف: "هو إنتي بتحلوّي وإنتي نايمة ولا أنا متهيألي؟!

هوى قلبها أرضاً لمغازلته اللطيفة تلك، فابتسمت ابتسامة مفعمة بالحب، ليبادلها الابتسامة فقالت: "ما شاء الله مزاجك حلو على الصبح، يا رب تفضل كده دايماً." "هحاول يا غزل، هحاول أفضل كده على قد ما أقدر." ألقاها بغموض قليلاً، ثم قال مبتسماً وهو يمسح على شعرها بحنان: "سيادتك هتفضلي نايمة كده وتسيبي جوزك من غير فطار؟! يرضيكي أخرج على لحم بطني ولا كإني متجوز؟!

نهضت بحماس وحيوية وقالت: "حالاً هعمل لك تفطر.. على ما تاخد شاور وتجهز هيكون الفطار جاهز." ثم خرجت من الغرفة ومنها إلى المطبخ لتجد يسر تقوم بإعداد القهوة، فقالت بإيجاز: "صباح الخير." "يا أهلاً." ألقتها يسر بفظاظة، فعادت غزل لتتساءل قائلة: "نور عاملة إيه دلوقتي؟ "كويسة."

نطقتها بإيجاز وحملت قهوتها وخرجت من المطبخ، ثم عادت إلى الغرفة، بينما أنهت غزل إعداد الفطور وذهبت به إلى غرفة يحيي لتجده يقف أمام المرآة ممسكاً باثنتين من ربطات العنق الخاصة به، فنظر إليها وقال: "إيه رأيك يا غزولة.. الكرافتة الرمادي ولا السودا؟ دنت منه أكثر ثم طالعتهم سريعاً ونظرت إليه قائلة: "السودا أحلى." أومأ مؤيداً ثم ارتدها وجلس ليتناول فطوره سريعاً وقال: "هدخل أشوف نور بسرعة وبعدها أنزل عشان عندي شغل كتير."

ذهب إلى غرفة أولاده وطرق الباب بخفة لتفتح يسر مبتسمة، فقال بإيجاز: "نور صحيت؟ "أيوة من شوية.. وزياد كمان." دلف إلى الغرفة ليجد زياد يجلس بجانب أخته، فمنحه ابتسامة صافية وقال: "صباح الخير يا زيزو." "صباح الخير يا بابا." قبله يحيي وجلس إلى جوارهما ومد يده يتحسس جبين نور وقال مبتسماً: "الحمد لله يا بابا بقيتي جميلة؟ أومأت الصغيرة بموافقة، فقال: "الحمد لله.. كلي وخذي العلاج عشان لو أخذتي العلاج هنروح الملاهي." "وماما؟

تساءلت نور وتابعت: "إيه يا بابا؟! تجاهل سؤالها ونهض من جانبها وقال وهو يتجه نحو الخارج: "أنا هروح الشغل ولما أرجع هجيبلك حاجة حلوة." ثم همس إلى يسر وقال: "متحاوليش تلعبي في عقل العيال وتوعديهم بحاجات مش هتحصل.. عشان في الآخر إنتي اللي هتزعلي." تركها تغلي وتزبد من شدة الغيظ وغادر منصرفاً إلى مقر شركته. *** تلقت غزل اتصالاً من صافية، فأغلقت باب الغرفة وأجابتها فقالت: "صباح الخير يا عمتو."

"صباح النور يا حبيبتي.. طمنيني إيه الأخبار؟ "الحمد لله.. زي ما إحنا." "والحرباية دي لسه عندك؟ "أيوة المفروض تمشي النهارده." "مش هتمشي؟ "إشمعنا؟ "يحيي أكد عليها إنها هتمشي النهارده." "وأنا بقول لك مش هتمشي.. هتعمل أي حاجة وتتحجج وتقعد." "لأ ده أنا مش هسكت أبداً لو ده حصل." "بصي.. أنا جايلك، مينفعش تقعدي مع واحدة زي دي لوحدك أصلاً.. ساعة بالظبط وتلاقيني عندك." "أيوة يا ريت يا عمتو أنا اتخنقت.. يلا هستناكي."

أنهت غزل المكالمة وقامت بالاتصال بيحيي... "أيوة يا غزل؟ "أيوه يا يحيى.. بقول لك عمتو جايه تقضي معايا اليوم النهارده.. لسه مكلماني دلوقتي فقولت أعرفك." "مش محتاجة تبلغيني يا غزل ده بيتك وتستقبلي فيه اللي إنتي تحبيه.. على العموم كويس عشان متقعديش لوحدك.. وأنا هحاول أرجع قبل ما صافية تمشي عشان أشوفها." "تمام ماشي.. مع السلامة." *** رن جرس الباب ليهرول زياد نحوه وقام بفتحه لتتهلل أساريره قائلاً: "طنط صافية!!

احتضنته صافية بقوة وراحت تغدقه بالقبل والأحضان وقالت: "وحشتني أوي يا زيزو.. أخبارك إيه ونور عاملة إيه؟ "الحمد لله كويسين." خرجتا كلاً من غزل ويسر من غرفهن في نفس الوقت، فهرولت غزل نحو عمتها تستقبلها، بينما تمتمت الأخرى بنزق: "آاااه.. العصابة كملت! دُلفت صافية إلى الداخل وهي تتفحص المكان من حولها وتساءلت بهمس: "هي فين؟ همست إليها غزل وهي تشير برأسها تجاه الغرفة وقالت: "في الأوضة دي مع نور."

نظرت صافية إلى زياد وقالت: "بسرعة يا زيزو ناد لي نور عشان أشوفها.." انصرف الطفل على الفور، بينما نظرت صافية إلى غزل وقالت: "محضرة لك حتة مفاجأة إنما إيه؟! وقبل أن تتساءل غزل، كان قد ارتفع رنين جرس الباب معلناً عن وصول تلك الضيفة التي قامت صافية بدعوتها. "زينب؟! نطقت بها غزل بابتسامة متحمسة وهرولت تجاهها تحتضنها بشدة، بينما بادلتها الأخرى الاحتضان وهي تقول: "إيه ده يا بت يا غزولة؟

عيني باردة عليكي، احلويتي على الجواز يبت! ضحكت غزل باتساع، لتنظر صافية إلى يسر وقالت: "الله أكبر يا زيزي.. إحنا طول عمرنا حلوين يختي." نظرت إليها زينب وتساءلت بهمس قائلة: "هي فين؟ ارتفعت ضحكات الجميع، بينما تجلس يسر بالغرفة والغيظ يأكل داخلها، لتنصدم بـ زينب والتي تقف على باب الغرفة وتقول: "ياااه يا سوسو.. مين كان يصدق إننا نتقابل تاني بعد ما يحيي طلقك؟! لأ ونتقابل في بيت يحيي وغزل كمان!!

زفرت يسر بضيق وتحاهلت حديثها، لتستطرد قائلة: "بس بصراحة لعبتيها صح.. طول عمرك معلمة بردو.. عملتي العيال حجتك عشان تقعدي معاهم هنا ويحيي الغلبان صدقك زي كل مرة! نهضت يسر بنفاد صبر وصفقت الباب بغتةً بوجه زينب، التي قالت: "لأ اتفضل فين أنا مش فاضية للضيافة والكلام الفاضي ده.. اتفضل إنتي يا حبيبتي." انفجرت غزل ضاحكة، بينما صافية كانت تهز رأسها بيأس من أفعال زينب

المضحكة ونادتها قائلة: "طب اتفضل بجد بقا وتعالي اقعدي.. خلينا نتكلم شوية قبل ما أروح." نظرت غزل إلى صافية وقالت: "تروحي إيه؟ هو إنتي لحقتي تقعدي؟ "نعمل إيه يا حبيبتي حكم القوي.. منتي عارفة أبوكي وتحكماته.. ده كان عايز ييجي معايا عشان يشوفك بس أنا اللي فضلت أتوه في الكلام لحد ما زوغت منه." قالت زينب: "وحشتيني أوي يا صافية ووحشتني قعدتك وإنتي كمان يا بت يا غزل.. فاكرة أيام رمضان لما كنتي تفطري معانا أول يوم؟

أومأت غزل بتأكيد، بينما شردت صافية بعيداً ثم تساءلت بإنتباه: "أخبار عمي علي إيه يا زينب؟ كل ما أقول لإبراهيم أروح أزوره ميرضاش." تنهدت زينب بحزن وقالت: "عمي الحج اتغير أوي.. هزل وكبر ييجي عشرين سنة في السنة ونص اللي فاتوا دول.. ومبقاش لا يضحك ولا يهزر معانا زي زمان.. زعله على ولاده هد حيله.. الله يكون في عونه." أومأت

غزل بتفهم لتعود وتقول: "يحيي كان عنده قريب، الظاهر بدأ ينسى ويسامح.. بس سليمان اللي ميعرفش عنه حاجة غير إنه ساب إسكندرية." توترت صافية قليلاً وحاولت إخفاء ذلك، ثم تساءلت بفضول: "ساب إسكندرية وراح فين؟ رفعت كتفيها بجهل وقالت: "محدش عارف." حاولت غزل تغيير مجرى الحديث فقالت: "بقول لكم إيه.. قوموا نعمل كيك وشاي ونقعد في البلكونة أحسن من القعدة في الخنقة هنا.. الجو بره جميل."

أومأت كلاً من صافية وزينب وذهبوا لإكمال جلستهم بالشرفة، غير غافلين عن زوج العيون الحانق الذي يراقبهم بضيق وغيظ. *** بعد انصراف زينب ومن بعدها صافية،

التي أخبرتها قبل أن تغادر: "خدي بالك وفتحي عينك كويس.. إنتي قاعدة مع حرباية بتتلون على كل لون، شوية أهم حاجة عندها مصلحتها وبس.. ومتستبعديش عنها أي حاجة وتوقعي منها أي شيء، دي إنسانة طماعة واستغلالية وقلبها أسود.. خلي بالك من نفسك ومن جوزك وبيتك وأوعي تسمحي لها تخرب حياتك.. وأهم حاجة قعدتها هنا متطولش وإلا مش هيحصل كويس من وراها."

وأضافت: "لما ييجي يحيي سلمي لي عليه وقولي له إني هبقى أجي وقت تاني وأقعد معاه بس المرة دي سماح عشان خاطر إبراهيم." أومأت غزل وقالت: "الله يسلمك يا عمتو.. هتوحشيني." احتضنتها صافية بشدة وقالت: "هجيلك يا حبيبتي.. يلا خلي بالك من نفسك وابقي طمنيني عليكي." غادرت صافية المنزل لتدلف غزل إلى المطبخ تحاول إنهاء تلك الفوضى العارمة التي حدثت به، قبل أن تصلها رسالة

على هاتفها وكان مفادها: "جوزك بيخونك مع واحدة أعرفها.. لو مهتمة ممكن تروحي وتشوفييهم بنفسك في العنوان ده.... انقبض قلبها وحاولت تجاهل تلك الرسالة العابثة، إلا أنها لم تستطع، فأسرعت تبدل ملابسها وهرولت مغادرة المنزل قاصدة ذلك العنوان. *** عاد يحيي من عمله فوجد البيت هادئاً ساكناً، راح يتطلع حوله، فظهرت يسر فجأة وهي تبتسم، فقال بوجه متجهم: "غـزل فين؟

أجابت بخبث: "مش عارفة الصراحة.. هي كانت قاعدة وفجأة تليفونها رن، دخلت البلكونة ترد وبعدها فجأة غيرت هدومها ونزلت جري.. مش عارفة بقا نزلت راحت فين! انزوى حاجبيه بتعجب ثم تجاهلها ودلف إلى غرفته وأخرج هاتفه محاولاً الاتصال بها عدة مرات ليأتيه الجواب المعتاد في كل مرة "الهاتف الذي طلبته مغلق".

زم شفتيه بتعجب واستنكار، ثم بدأ بتبديل ثيابه، خلع سترته وفك ربطة عنقه وألقاهم إلى الفراش بتعب، حل أزرار قميصه وهم بخلعه، واستدار ناحية خزانته ليحضر ملابسه، فإذ بالباب ينفرج لتظهر يسر من خلفه ترتدي قميصاً قصيراً خاصاً بغزل. وقف أمامها متعجباً وهو ينظر إلى هيئتها بإشمئزاز، ثم قال: "إيه اللي جايبك هنا وإيه اللي إنتي عاملاه في نفسك ده؟ توقفت أمامه مباشرةً ووضعت يدها على صدره موضع قلبه

وهي تنظر نحوه بشغف وقالت: "وحشتني يا يحيـي... نزع يدها عنه بحدة وقال: "اخرجي بره حالاً قبل ما غزل تشوفك.. واعملي حسابك مش هتقعدي هنا ثانية واحدة بعد كده." التصقت به أكثر وقالت: "إنت ليه مش حاسس بيا.. بقول لك وحشتني، وأنا متأكدة إني أنا كمان وحشتك وهتموت عليا." نظر إليها باحتقار بادٍ على ملامحه الممتعضة، لتقول: "متبصليش كده.. أنا عارفة إنك كل ده بتقاوح وبتحاول تنساني بيها بس مش قادر.. بدليل ده."

وأشارت إلى الثوب الذي ترتديه، فنظر إليها باستفهام، لتقول: "ده قميص غزل.. إزاي معرفتوش؟! هو في واحد ميّعرفش هدوم مراته؟! إلا لو كان مبشوفهاش أصلاً!! تجهّم وجهه واستشاط غضباً وقال: "وإنتي إيه اللي يخليكي تلبسي لبس غزل؟! روحي اقلعي اللي إنتي لبساه ده حالاً." "ليه؟ خايف تضعف؟! نظر إليها مذهولاً وراح يقلب كفيه بتعجب وقال: "أضعف إيه وزفت إيه؟! كل الحكاية إن اللبس اللي إنتي لبساه ده أنضف من إنه يتحط على لحم رخيص زيك."

أحاطت عنقه بقوة وهي ترغمه على الاقتراب منها وقالت بإصرار: "لما إنت بتحبها كده مقربتش منها كل ده ليه؟! بتنام في أوضة وهي في أوضة ليه؟! قطب حاجبيه بتعجب وقال: "مين اللي قال لك الكلام ده؟ تحاهلت سؤاله وأضافت: "أقول لك أنا ليه، عشان عمرك ما هتلاقي نفسك غير معايا أنا، متضحكش على نفسك يا يحيي إنت لا يمكن هتعرف تبقى لحد غيري." دفعها بعيداً

عنه بحدة وقال: "أنا كرهتك.. كرهتك وقرفت منك وزعلان على نفسي إني في صلة بيني وبينك.. اخرجي من هنا حالاً واقلعي القميص ده وخذي بعضك وامشي من البيت ده ومتفكريش مجرد إنك تمشي من جنبه حتى بعد كده." تجاهلت حديثه وسارت بخطوات متمايلة نحو الفراش وجلست على طرفه، ليُسرع نحوها ويجذبها من ملابسها بحدة وهو يقول بغضب هادر: "اخرجي بره... إنتي مكانك الزبالة اللي إنتي عايشة فيها طول عمرك مش هنا."

احتدم النقاش بينهما بين شد وجذب، مقاومتها أمام إصراره، غضبه أمام برودها وثباتها، لتنفلت أعصابه فجأةً وزجر بغضب عاصف وقبض على لياقة قميصها بقوة يجبرها على النهوض من الفراش، فانقطع الثوب الذي ترتديه.

استمعت هي لصوت الباب فعلمت بقدوم غزل واقترابها من تحقيق هدفها، لتجذبه من ساعده فجأة بحركة سريعة حتى سقط فوقها على الفراش، فإذ بالباب ينفرج وتظهر غزل من خلفه جاحظة الأعين وهي تنظر إليهم بصدمة، فوضعت يدها فوق فمها تكتم شهقة كادت أن تنفلت منها، بينما سالت دمعاتها بقهر وحسرة وهي تهز رأسها بنفي وعدم تصديق. تصنعت يسر الخوف والارتباك، فنهضت على الفور وهي تحاول تخبئة ما ظهر من جسدها وانصرفت إلى الغرفة بسرعة.

استغرق الأمر ثوانٍ معدودة حتى استطاع يحيي استيعاب وإدراك ما حدث منذ قليل، فنظر إلى غزل وقال بشفتين مثقلتين: "غزل.. متفهميش غلط، الموضوع مش زي ما متهيألك! اقتربت منه تجر قدميها جراً كمُكبّل بالأغلال، وقفت أمامه مشدوهةً ورفرفت بجفنيها تحاول جمع شتاتها. أصاب جسدها رعشة قوية لم تستطع هزيمتها، فحاولت البقاء صامدة إلى آخر لحظة. وقفت تطالعه بغموض وهو يحاول تفسير نظراتها، لكن دون جدوى،

فقال بصوت مختنق: "صدقيني وحياة ربنا محصلش بيني وبينها حـ...... صفعته! هي كل ما ناله منها، لتتسع عيناه بذهول وهو ينظر إليها، فامتدت يده يتفقد أثرها وكأنه يتأكد من أنها قد صفعته فعلاً! "إنت مفيش عندك ذرة ضمير." نطقتها غزل بين بكائها، ليتناسى يحيي ما فعلته للتو وعاد إلى إحساسه بالذنب وقال: "غزل، أقسم لك بالله الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة، أنا هشرح لك كل حاجة بس إهدي." "تشرحلي؟!!

تشرحلي إيه وأنا شوفت كل حاجة بعنيا.. هتبرر موقفك إزاي؟! هل إنت متخيل إن في أي مبرر هتقوله للي شوفته ده هيدخل دماغي وأصدقه؟! "اللي إنتي شوفتيه ده مجرد فخ معمول لي ولك.. والله العظيم مظلوم." "كداب.. كداب مش مظلوم يا يحيي.. أنا مش هاممني اللي شوفته لإن ده المتوقع من ناس شبهكوا.. أنا بس عايزة أفهم حاجة." نظر إليها متسائلاً، فقالت: "لما إنت لسه بتحبها اتجوزتني ليه؟! أو بلاش اتجوزتني ليه لإن الإجابة واضحة.. طلقتها ليه؟!

طلقتها عشان تنتقم منها وترد كرامتك مش كده؟! وجوازك مني ده بقية انتقامك.. صح؟! أومأ نافياً وقال: "اسمعيني يا غزل.. والله العظيم كل اللي حصل ده تمثيلية يسر عاملاها ومتعمدة إنك تشوفينا بالوضع ده عشان تفرقنا عن بعض." أطلقت ضحكة ساخرة مقتضبة سرعان ما تحولت إلى قهقهة عالية يتخللها نشيجها وقالت: "تفرقنا؟! انتابتها حالة من الضحك الهستيري وأضافت باستنكار: "تفرقنا؟! .. إحنا مفيش حاجة بتجمعنا أصلاً يا يحيي عشان تفرقنا!

نظر إليها بحزن بالغ على رؤيتها بتلك الحالة واقترب منها، لتمنعه هي بإشارة ناهية من يدها وقالت: "متقربش مني.. خليك بعيد.. أنا بقيت بقرف منك وبكرهك." ابتلع غصة بحلقه وقال بهدوء: "أنا مش هعرف أتكلم معاكي يا غزل وإنتي في الحالة دي.. أنا هسيبك لوحدك شوية على ما تهدي وبعدها أفهمك كل حاجة." احتدم صوتها وقالت: "لأ مش هقعد ولا ههدي.. أنا همشي يا يحيي بس الأول تطلقني! ارتفع حاجبيه بتعجب وتمتم: "أطلقك؟!!!

أومأت بتأكيد وقالت: "أيوة هتطلقني، طالما مش قادرين على بعض كده يبقا تطلقني وترجع لها على الأقل هي أحق برعاية أولادها." "لأ مش هطلقك يا غزل.. إهدي وبعدين نتكلم." هم بالخروج من الغرفة لتستوقفه هي ممسكة به بكلتا يديها تمنعه من المغادرة وهي تقول: "لأ مفيش كلام بعد اللحظة دي.. ومش هتخرج من الأوضة غير لما تطلقني." صدح صوته غاضباً

يقول: "قلت مش هطلقك يا غزل.. بمزاجك أو غصب عنك لازم هتفهمي اللي حصل وتعرفي إن محصلش بيني وبينها حاجة." نظرت إليه بعينيه بقوة مصطنعة وقالت: "مش عايزة أفهم.. افهم إنت وخذ عندك كرامة وطلقني.. بقول لك طلقني يا بارد! قضم شفتاه بغضب شديد وهو يمسك بذراعيها بكلتا يديه بغلظة ضاغطاً عليهما بشدة دون وعي منه وقال بصوت حاد: "قلت طلاق مش هطلق.. متختبريش صبري عشان أنا مش عارف أتحكم في أعصابي دلوقتي."

نظرت إليه باستخفاف ودفعته بصدره للخلف وهي تقول بتحدٍ: "مش قادر تتحكم في أعصابك هتعمل إيه يعني؟! وأعادت الكرة وقالت: "هتضربني؟! وفعلتها مرة أخرى وقالت: "اضربني، اضربني مستني إيه؟! اعتراه الذهول والتعجب الشديد من أفعالها، ليجدها تدفعه مرة ثانية حتى التصق بجدار الغرفة وقالت: "مهما تعمل فيا مش هيأثر يا يحيي.. أنا خلاص بقيت معدومة الإحساس بسببك.. مبقاش يأثر فيا أي حاجة." أغمض عينيه

بألم لتستطرد حديثها وتقول: "إنت طول عمرك بتموتني بالبطيء يا يحيي بس النهارده خلاص إنت قضيت عليا." امتدت يداه تحيطان بوجنتيها وقال وهو يقترب بوجهه منها وينظر داخل عينيها بأسف ويقول: "أقسم بالله يا غزل ما عملت معاها حاجة... "ليه كده يا يحيـي؟! ده أنا اللي حبيتك بجد! قالتها ببكاء تتمزق له نياط القلب ليجيبها قائلاً: "وحياة أولادي إنتي فاهمة غلط." "ده أنا ضيعت سنين عمري عشانك وحرّمت على عينيّ تشوف ولا تبص لراجل غيرك."

"أنا آسـف." قالها مغمضاً عينيه وهو يسند جبينه على جبينها وتابع: "سامحيني.. أنا السبب في كل حاجة وحشة حصلت لك."

"إنت أول حب في حياتي يا يحيـي.. من أول ما فتحت عينيّ على الدنيا وأنا بحبك.. كنت بحبك وأنا عارفة ومتأكدة إنك مش هتكون لي.. كنت بحبك وأنا عارفة إنك ميت ومبقيتش موجود.. كنت بحبك وأنا متجوزاك وعارفة إنك مش بتحبني وقلبك معاها لسه.. أنا قبلت بيك في كل الحالات يا يحيي وقبلت بأقل من اللي أستحقه بكتير.. كل ده عشان أكون معاك." قبّل كلتا عينيها بأسف

ومنح جبينها قبلة وأردف: "أنا آسف.. إنتي أنضف إنسانة قابلتها في حياتي.. عشان خاطري سامحيني وصدقيني.. كل اللي أنا طالبه منك تصدقيني وأنا مستعد أحلف لك على كتاب ربنا.." رفعت عينيها تنظر إليه، ليقول وهو ممسكاً بوجهها بين راحتيه: "هتصدقيني؟! كان رجاءً أقرب منه إليها سؤال، فأومأت بموافقة،

ليقول: "أنا دخلت لقيتها بتقول إنك جالك تليفون وأول ما رديتي نزلت جري.. حاولت أتصل بيكي كذا مرة تليفونك مش مجمع.. دخلت الأوضة وبغير هدومي لقيتها فتحت الباب ودخلت بالمنظر اللي شوفتيها بيه ده.. قولتلها إيه اللي إنتي عاملتيه في نفسك ده لقيتها قربت أكتر وبدأت تتمايع وتقرب مني بكل بجاحة.. طردتها مرة واتنين مسمعتش مني وراحت قعدت على السرير وقالت لي إن القميص اللي هي لبساه بتاعك وبدأت تلمح تلميحات سخيفة، فانا قربت منها وبشدها بغيظ القميص اتقطع زي ما شوفتي وفجأة هي شدتني عليها ووقعت جمبها زي ما إنتي دخلتي وشوفتينا.. أقسم لك بالله ده اللي حصل بالظبط.. لا أكتر ولا أقل من كده."

بدا عليها الاقتناع قليلاً، فنظرت إليه وتساءلت: "وهي إزاي هتجيلها الجرأة تدخل أوضتك كده وهي عارفة إن إني ممكن أرجع في أي وقت وأشوفكم سوا؟! "اعقليها إنتي واربطي الخيوط ببعضها... هي عارفة إنتي نازلة فين وليه وهترجعي امتى.. وكل خطوة عملتها بحساب وكانت مرتبة ليها كويس أوي." "تقصد إنها هي اللي ورا التليفون اللي جالي ده؟ أومأ موافقاً وقال: "معنديش ذرة شك." نظرت إليه بحيرة، ليقول: "لازم أمشيها حالاً.. خليكي هنا هرجع لك."

عدل ثيابه وخرج متحفزاً من غرفته إلى الغرفة التي تختبئ بها، وأدار مقبض الباب ليجده مغلقاً من الداخل، فركله ركلة واحدة من قدمه لينفتح الباب على الفور، فإذ بها تنتفض وهي تجلس تحتمي بأطفالها، ليجذبها من شعرها بقوة متجاهلاً صرخاتها واستغاثاتها وتوسلات أطفالهما، ثم دفعها أمام باب الشقة بقوة لتسقط أرضاً، ثم عاد إلى الغرفة مرة أخرى والتقط ثيابها من على الفراش وأحكم إغلاق الباب على الصغار، ثم أسرع إليها

وألقى إليها بملابسها وقال: "دقيقة واحدة تلبسي هدومك ومشوفش وشك هنا." قالت ببكاء: "عشان خاطري يا يحيي خليني مع زياد ونور." جلس القرفصاء وهو يقبض بيديه على شعرها قبضة قوية وقال: "مش عايز أشوف وشك تاني.. وانسى إن ليكي عيال من أصله.. لو سمعت اسمك بس بعد كده همحيكي من على وش الدنيا.. هخلي عيشتك جحيم.. إنتي فاهمه؟!

أومأت بموافقة ملتاعة وهي تحاول الفرار من بين يديه، لينهض وهو يرمقها بكره شديد، فما كان منها إلا أن ارتدت ثيابها سريعاً وانصرفت بصمت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...