أغلق الباب خلفها ووقف يحاول تنظيم أنفاسه لبرهة قبل أن يعود إلى غرفته مجدداً. دلف إلى الغرفة ليجدها تقبع فوق فراشه بشرود، فما كان منه إلا أن ذهب وجلس إلى جوارها على حافة الفراش وقال بصوتٍ خافت: مشيتها. دون أن تنظر إليه، أومأت بهدوء وقالت: ادخل لـ زياد ونور، حاول تراضيهم أو شوف هتتصرف معاهم إزاي. نهض على الفور وذهب إلى غرفتهم لينتفض فجأة فور أن دلف أبيهم إلى الغرفة، فتقدم نحوهم بأسف وقال لـ
زياد الذي كان يحتضن أخته: ممكن أنام جنب منكم شوية؟! نظر إليه الصغير بعينين باكيتين وأومأ برأسه أن نعم، فدخل يحيي إلى الفراش بجانبهم وأحاطهم بذراعه وقال بنبرة آسفة: أنا آسف، متزعلوش مني.. مكنتش أقصد أخليكم تخافوا. "إنت ضربت ماما ليه يا بابا؟! تساءل زياد بحزن وخوف، فتنهد يحيي بألم وحزن وقال: في حاجات مش هتفهموها مش زياد.. إنتوا لسه صغيرين، لما تكبروا وتفهموا هبقى أحكي لكم كل حاجة. "يعني هي مش هتيجي هنا تاني؟!
تساءل مجدداً، فزفر والده بحيرة من أمره وقال: خلونا نتعشى دلوقتي وننام عشان بكرة محضر لكم مفاجأة هتعجبكم أوي. حاول أن يبدو صوته متحمساً كي يثير حماسهم ولكن فشل، فتنهد بيأس وقال: طيب إنتوا عايزين إيه دلوقتي وأنا أعمله؟! قالت الصغيرة بصوتٍ باكٍ: عايزة ماما. احتضنها بقوة وقال متسائلاً: وبابا لأ؟! أومأت بلطف وقالت: وبابا كمان. قبّل وجنتيها بعمق وقال بصوت يتخلله الحزن والحسرة: أنا بحبك يا روح بابا، وبحب زياد كمان.
ثم نظر إلى زياد واحتضنه بقوة مماثلة وأضاف: عايزين تسيبوني لوحدي؟! أومأ كلاهما نافياً، فقال بابتسامة: طيب يلا عشان نتعشى كلنا وأنا اللي هعمل العشا كمان.. وبعد ما نتعشى هقول لكم على المفاجأة اللي عاملها لكم. نهض وحملهما كلاً على ساعديه وخرج من الغرفة إلى غرفته وأطل برأسه ليجد غزل ما زالت تجلس كما كانت، فتساءل بقليل من المرح وقال: ممكن يا غزولة تيجي تساعدينا؟ عشان إحنا خايبين خالص. رسمت ابتسامة لطيفة على شفتيها
ونهضت على الفور وقالت: ممكن، يلا بينا. دلفوا جميعاً إلى المطبخ بحماس مصطنع، وكلاً منهم يحاول خداع الآخر بسعادته وحماسه المزعوم. عكست شعرها إلى الأعلى بواسطة أُنْشوطة صغيرة وارتدت مريول المطبخ، بينما شمّر هو ساعديه ووقف متخصراً بيديه بعد أن وضع أطفاله فوق مقاعدهم الخاصة ونظر إليها قائلاً: هاه هتعملي إيه عشان أساعدك؟ نظرت إلى الأطفال وتساءلت: تحبوا تتعشوا إيه؟! اللي هتطلبوه هنعمله أنا وبابا.
رفع زياد يده قائلاً: أنا عاوز بيتزا زي اللي عملتيها قبل كده. "وأنا كمان! أضافت نور، فقالت غزل متوجهة بحديثها لـ يحيي: هات العلبة اللي فيها الدقيق من فوق يا يحيى على ما أجهز بقية الحاجات. مد ذراعيه للأعلى يلتقط علبة الطحين وهو ينظر إليها قائلاً: إيه اللي مطلعها فوق أو.... لم يكمل جملته حين سقط محتوى العلبة بأكمله فوق رأسه وملابسه التي اتشحت كاملة بالبياض، بينما نظرت إليه غزل بصدمة وتمتمت: سلامٌ قولًا من رب رحيم!!
نظر إلى زياد ونور اللذان انفجرا صارخين وخرجا من المطبخ مسرعين ليلحقهم وهو يركض خلفهم، بينما ارتفعت ضحكاتهما وهما يركضان أمامه وهو يحاول اللحاق بهما وإخافتهم. كانت غزل تقف على باب المطبخ تستند بجذعها وهي تطبق كلتا يديها على بعضهما تشاهد مرحهم وضحكهم بابتسامة فرحة قطعتها عندما ظهر يحيي من خلفها فجأة لتنتفض بمكانها فجأة بفزع، مما جعله ينفجر ضاحكاً بشدة فقال: أنا هطلب دليفري، وعلى ما يوصل أكون أخذت شاور.
دلف إلى غرفته، بينما بدأت هي بتنظيف المطبخ، ومن بعدها تناولوا العشاء وخلد الأطفال إلى النوم. كان يقف بالشرفة يدخن سيجارة، فرآها تتجه إلى غرفتها فناداها باهتمام: غـزل.. رايحة فين؟! أجابته ببساطة: هدخل أنام.. محتاج حاجة؟ سحب نفساً عميقاً من السيجارة لتلقي حتفها بين يديه ثم ألقاها في المنفضة وتقدم من غزل وقال: وهتنامي هنا ليه؟ نظرت إليه بعدم فهم وقالت: مش فاهمة.. أومال أنام فين؟ "تنامي في أوضتك.. معايا!
أجابها ببساطة لتتلعثم هي قليلاً وتقول: ملوش داعي.. خليك براحتك طالـ...... قاطع حديثها وهو يجذبها من يدها ويدلف بها إلى الغرفة صافقاً الباب خلفه وقال وهو يتقدم بها تجاه الفراش: مفيش حاجة اسمها ملوش داعي.. دي أوضتك وهتنامي معايا هنا من هنا ورايح.. مفهوم؟ أومأت بموافقة لتجده وقد دخل إلى الفراش وقال: يلا نامي.. انتي تعبتي النهارده. فتحت جانب فراشها ودلفت إليه وتمددت بإنهاك قائلة: تصبح على خير.
أغمضت عينيها بتعب وكادت أن تغوص في أبحر من النوم العميق قبل أن يقترب منها فجأة ويقول: غزل.. فتحت عينيها مسرعة ونظرت إليه متسائلة ليقول: لسه زعلانة؟ أطالت النظر إليه ثم هزت رأسها بنفي وقالت: لا يا يحيـي مش زعلانة. زم شفتيه بهدوء وقال: أنا متشكر جداً على كل حاجة عملتيها عشاني وعلى كل حاجة لسه بتعمليها، أنا مديونلك بكتير أوي يا غزل. أسعدها حديثه الممتن كثيراً فمنحته
ابتسامة صافية ثم قالت: مفيش حاجة تستاهل الشكر يا يحيى، أنا مش بقف جنب حد غريب.. أنا بقف جنب جوزي! نظر إليها مبتسماً واقترب منها بغتةً ثم طبع قبلةً عميقة بطيئة متمهلة على وجنتها جعلت لهيب عشقها يشتد ضراوةً عن ذي قبل، ناهيك عن قلبها الذي اضطربت دقاته وارتفعت وكأنها طبول حرب قد دُقّت لتوّها معلنةً عن بدء النزال.
ابتعد عنها ببطء وهو يراقب انفعالات وجهها ليجدها وقد استكانت تماماً، فنظر إلى عينيها لتُصدّهما خجلاً وخوفاً مما جعله في حيرة من أمره. كان قلبها يهتز بين أضلاعها وقد شحب وجهها كشحوب وجه الميت من فرط الخجل والتوتر. اقترابه المهلك منها أودى بها وأطاح بما تبقى لديها من ثبات لتجده يهمس باسمها قائلاً: غزل. فرّقت بين أجفانها وهمهمت بتساؤل ليقول هو: بتحبيني بجد؟
ازدردت لعابها تحاول تهدئة انفعالاتها المتلاحقة ثم حمحمت تجلي حلقها وهمّت بقول شيءٍ ما ليسبقها قائلاً: غزل أنا عندي سؤال عايز أعرف إجابته منك بس أتمنى إنك تفهمي قصدي صح. أومأت بموافقة وقالت: سؤال إيه؟ نظر إليها لا يحيد ببصره عنها وقال: لو كنت اتقدمتلك قبل كده، أو لو في ظروف غير ظروفنا دي كنتي هتوافقي؟
ابتسمت وقالت: بس إنت بتصيغ السؤال غلط يا يحيـي، إنت قصدك تقول لو كنت اتقدمتلي في ظروف غير ظروفي دي كنت هوافق ولا لأ.. مش كده؟ أومأ بتأكيد وقال: بصراحة أيوة.. يعني لو كنت اتقدمتلك وإنتي لسه بنت كنتي هتوافقي بواحد في ظروفي؟ مطلق ومخلف وحياته ملخبطة! نظرت إليه بإمعان وقالت: طيب خلينا نعكس الموقف، لو إنت كنت شاب أعزب مسبقلوش الجواز قبل كده هل كنت هتقبل بواحدة مطلقة؟
مطّ شفتيه قائلاً: بصي.. هو أكيد كل شاب بيفرق معاه إنه يتجوز بنت يكون هو أول حد في حياتها زي ما هي هتكون أول حد في حياته.. وأكيد هكون سعيد لو مراتي مسبقلهاش الجواز قبلي.. بس برضو في حاجات تانية هراعيها وههتم إني ألاقيها في مراتي قبل الموضوع ده.. يعني البكارة بالنسبة لي مش كل حاجة ومش من ضمن أولوياتي يعني طالما أنا واثق ومتأكد إن الإنسانة دي عفيفة.. فوقتها هتغاضى عن كونها اتجوزت قبل كده طالما فيها الصفات التانية اللي هتخلينا نعيش مرتاحين مع بعض.
أضافت: وأنا زيك.. حتى لو كنت متجوزتش قبل كده كنت هتغاضى عن كونك متجوز قبلي أو لأ.. طالما شخصيتك مناسبة لشخصيتي وفيك الصفات اللي تخلينا نعيش مرتاحين ومبسوطين. "يعني لو مكنتيش اتجوزتي كنتي هتوافقي تتجوزيني بردو وأنا مطلق وعندي أولاد؟! تساءل يريد منها تأكيداً وإبراماً وإقراراً، فأومأت بقوة وقالت: أيوه يا يحيى، حتى لو كنت متجوزتش قبل كده كنت هوافق أتجوزك حتى لو كنت متجوز قبلي خمسة مش بس واحدة. نظر إليها بعين
الرضا والامتنان ثم قال: أنا مش.. أنا مش لاقي كلام أقوله بجد.. إنتي هدية من ربنا ليا يا غزل. تراقص قلبها فرحاً بين أضلاعها واتسعت ابتسامتها قبل أن تنقشع بغتةً عندما اقترب منها ببطء ووضع رأسه فوق صدرها يحيط خصرها بكلتا يديه قائلاً: تصبحي على خير. غابت الكلمات عن شفتيها للحظات حتى تمتمت بشرود قائلة: وإنت من أهل الخير. احتضنها بقوة فما كان منها إلا أن أحاطت عنقه بيدها الحرة وأغمضت جفنيها مستسلمة للنوم.
بعد عودتها إلى منزلها أسرعت إلى غرفتها متجاهلة نداء والدتها وزوجها اللذان كانا يتساءلان بإلحاح عن اليومين المنصرمين فيما وأين قضتهم. صفقت الباب خلفها بحدة وغيظ يتملك منها لتنفجر صارخة بغضب كبير يملؤها وراحت تسير في الغرفة ذهاباً وجيئة تفكر أني لها أن تنتقم منهم وتشفي غليل قلبها. أمسكت بهاتفها وطلبت رقماً ما كانت تدسه في ورقة معها إلى أن حان وقت حاجته، فأجاب صاحب الرقم قائلاً: "ألو؟ سرعان ما سالت دموع التماسيح
خاصتها وقالت بانهيار متقن: أيوه يا سليمـان، أنا يُسر! صمت سليمان لبرهة وأجابها ساخراً: يسر؟! خير؟! وقعتي ولا الهوا رماكي؟! تجاهلت سخريته وقالت بحزن تجيد تأديته: أنا محتاجالك يا سليمان، الدنيا ضاقت بيا ومش عارفة أروح لمين يا سليمان وقولت أكيد محدش هيحس بيا ولا يحبني غيرك! نبرت حديثها الهزلي عندما استمعت إلى ضحكاته المتتابعة وهو يقول: ده من إمبارح الكلام ده؟! دلوقتي بس افتكرتي سليمان؟!
طب ما إنتي بقالك شهور وأيام بتدوري حوالين يحيـي زي الكلبه وهو مش معبرك! صدمها نعته المهين لها، ليستطرد قائلاً: دلوقتي لما لقيتي نفسك هتخسري الجلد والسقط بتدوري في دفاترك القديمة؟ "سليمان اسمعـ..... "اسمعيني إنتي يا يسر، إنتي شيطانة وأنا خسرت بسببك كتير أوي، خسرت كل حاجة بسببك وبسبب طمعي فيكي، متحاوليش تكلميني تاني ولا أقولك؟ أنا هغير الرقم ده تاني عشان مسمعش صوتك النجس ده تاني!
ألقى كلماته القاسية الصارمة وأنهى المكالمة بغضب ليلقي بالهاتف إلى الطاولة من أمامه بضيق شديد وهو يسب تحت أنفاسه لاعناً تلك اللحظة التي رنا إليها ببصره فيها. أمسكت بالهاتف بين يديها وهي تنظر إليه بصدمة وعدم تصديق، لم تكن تتوقع ردة فعله الهجومية تلك بالمرة، ولكن على الأغلب أن ساعة حظها قد ولّت وانتهى زمنها. رمت المرآة من أمامها بالهاتف لتتهشم وتتحول إلى جزيئات صغيرة، لينفرج الباب بقوة وتدلف
والدتها بلهفة وتساءلت: بسم الله الحفيظ.. مالك يبنتي؟ نظرت إليها يسر بحنق وسرعان ما انفجرت باكية وهي تقول بغضب قد أطاح بعقلها: مالي؟! كل اللي أنا فيه ده ومش باين مالي؟! أنا انتهيت واتدمرت وخسرت كل حاجة.. خسرت بيتي وجوزي وعيالي.. كل ما أحاول أصلحها من ناحية تخرب بزيادة.. قوليلي دلوقتي أنا عايشة لازمتي إيه؟! اقتربت منها والدتها تحاول تهدئتها وقالت: معلش يا حبيبتي كل واحد بياخد نصيبه.... "نصيب؟! نصيب إيه؟!
وكان فين كلامك ده من الأول؟! ليه مقولتليش كده من الأول على الأقل كنتي زرعتي جوايا الرضا اللي أنا محرومة منه!! طول عمرك تقوليلي نقي يا يسر، اختاري يا يسر، المِقرش يا يسر، اللي معاه فلوس وعنده شيء وشويات يا يسر، إنتي تتاقلي بالدهب يا يسر!! نطقت بالأخيرة بصراخ مقهور وتابعت: إنتي السبب، إنتي اللي ربتيني على الطمع والاستغلال! نظرت إليها والدتها بتعجب وذهول وقالت: أنا يا يسر؟!
ده جزاتي إني كنت عايزة أطلعك واعية وميتضحكش عليكي؟! أفلتت منها ضحكة ياخرة مقتضبة وقالت: هه، ومبسوطة دلوقتي؟! حالي عاجبك دلوقتي وأنا عايشة لوحدي؟ نفعني بإيه إني بقيت واعية وميتضحكش عليا؟! نظرت والدتها أرضاً لتصيح بها يسر بحدة قائلة: ردي عليا!! ساكتة ليه؟! صاح إسماعيل صارخاً بقوة وصوت جهور: فيه إيه يا بت ما تلمي نفسك شوية، هو سكتناله دخل بحماره ولا إيه؟!
بقالك ربع ساعة نازلة سلخ في الولية وكإن هي اللي قالتلك تحومي على أخو الراجل وتتتجوزيه، ماهو طمعك وفراغة عينك دول هما اللي جابوكي ورا. تقدمت منه بتحفز ورمقته بسخط وقالت: إنت بالذات متتكلمش نص كلمة، الأنطاع اللي زيك ميفتحوش بؤهم بنص كلمة أساساً، ومتنساش إني اتجوزت سليمان عشان أصرف عليكوا إنت وأمي وإخواتي اللي ممشيهم في الإشارات بورد ومناديل عشان إنت نططططع وعايز اللي يصرف عليك.
اغتاظ بشدة من كلماتها الفظة ونظر إليها بقسوة قائلاً: بقا أنا نطع يا روح أمك؟! طيب نطاعه بنطاعه بقا ملكيش قعاد في البيت ده! قبض على شعرها بقوة يكاد يقتلعها بين يديه وهو يجرها إلى الخارج وسط صرخاتها وصرخات والدتها التي تستجديه أن يتركها ليصرخ بها بصرامة قائلاً: اخرسي خالص وإلا هتحصليها في الشارع إنتي وعيالك! دفع يسر خارج المنزل لتصرخ ببكاء قائلة: طيب خليني آخد هدومي وأمشي.
"ولا فتلة حتى هتاخديها معاكي، شوفي لك خرابة بقا اقعدي فيها وإياكي أشوف وشك هنا تاني." صفق الباب بوجهها ودخل لتبقى هي تتطلع حولها بشرود وتيه وضياع لا تدري أين تذهب ولا لمن تلجأ الآن! *** استيقظت صباحاً لتجده ما زال يحتضنها وهو غافٍ بعمق، فهزته برفق حتى أفاق. "صباح الخير." "صباح النور.. إحنا إمتا دلوقتي؟ "الضهر أذن من ربع ساعة.. مرضيتش أصحيك لإنك قولت مش هتروح الشركة النهارده!
"أيوة صح.. أنا وعدت زياد ونور إننا هنقضي اليوم سوا." "طيب يلا قوم نفطر عشان زمانهم مستنيين من بدري." نهضا كلاهما فذهب هو إلى المغسل وبدأ للإستعداد بينما كانت هي تقوم بتحضير طعام الإفطار ليتناولوا جميعاً فطورهم ويبدلوا ملابسهم منطلقين نحو السيارة، فقال يحيى وهو ينظر إليهم متسائلاً بحماس: هااا تحبوا تروحوا فين؟ قال زياد: غزل اللي تختار! انبسطت أساريرها لتنظر إلى يحيي وهو يقول متسائلاً: هاا يا غزال، نروح فين؟
حاولت السيطرة على انفعالاتها المبتهجة وقالت بهدوء: خلينا نروح مكان مفتوح وفيه هوا وشمس، ولو حابين مكان تاني قولوا إنتوا. أدار يحيي محرك السيارة قائلاً: نروح على البحر، من زمان مقعدناش في مكان مريح للأعصاب.
أومأت بتأييد لينطلق بالسيارة نحو طريق البحر، ثم قام بتشغيل أغنية "قولوله" لـ "عبد الحليم حافظ" وراح يختلس النظر إليها بين كل فينةٍ وأخرى، بينما هي كانت شارده به تحاول التحكم في انفعالاتها المضطربة ودقات قلبها الثائرة معلنةً عن وقوعها بالحب للمرة الألف.
وصلوا إلى البحر.. استقبلها البحر بهوائه الطلق والذي يحمل تلك الرائحة الأقرب إلى قلبها، فرائحة اليود دائماً تبعث إلى قلبها بالذكريات المحببة منذ الصغر وقبل أن تتوفى والدتها. انطلق الصغار بفرح يلعبون ويمرحون بسعادة بالغة، بينما شردت هي بالمكان من حولها. أحاط ذراعها بيده وتساءل فقال: سرحانة في إيه؟ رنت بعينيها ناظرةً سريعاً إلى يده التي تحيط ذراعها، ثم نظرت أمامها مجدداً
وقالت: سرحانة في البحر.. هوا البحر وريحته دايماً بيفكروني بماما الله يرحمها.. كانت بتحب قعدة البحر أوي. "ربنا يرحمها." تمتم بتأثر ثم قال: إيه رأيك تكلمي صافيه تيجي تقضي معانا اليوم. نظرت إليه بحماس وقالت: تصدق دي هتنسط أوي. أومأ موافقاً وقال: وأنا هكلم قاسم وأخليه ييجي وتبقا فرصة يقعدوا مع بعض. قام بالاتصال بـ قاسم الذي هرول إليهم مسرعاً، ولحقت به صافيه بعدها بقليل من الوقت.
صافحت صافيه الجميع وجلست تحت أنظار قاسم الذي كان يتفحصها بلهفة وهو ينتظر الفرصة لمحادثتها وجهاً لوجه. نظر إليه يحيـي ليبادله الآخر نظرات مستغيثة فقال: قومي يا غزل نشوف الغدا وقاسم وصافيه يفضلوا هنا على ما نيجي. أدركت مغزى نظراته، فنهضت معه وذهبا لطلب الغداء، بينما ظل قاسم برفقة صافيه ينتظران عودتهما. "الجو لطيف أوي النهارده، مش كده؟ تساءل قاسم يحاول تجاذب أطراف الحديث مع صافيه لتومأ بموافقة هادئة وتقول: فعلاً.
"واضح إنك بتحبي الهدوء والاستجمام! "دي حقيقة." زمّ شفتيه باستياء من ردودها المقتضبة، ثم عاد ليقول: لو حابة تقعدي لوحدك وتستجمي أنا ممكن أستأذن عادي... "لا أبداً حضرتك مش مضايقني في حاجة.. أنا بس مبعرفش أتكلم مع حد مش عارفاه أو مفيش بينا سياق كلام يعني، إنما وجودك مش مضايقني خالص." أومأ بهدوء وتفهم ثم تساءل: إنتي مش مرتبطة؟ قطبت حاجبيها بتعجب وأضافت بهدوء: منفصلة. "بصيرة! قالها مبتسماً بمزاح
لتبتسم هي بهدوء فقال: أكيد الموضوع كان فيه طرف تالت. نظرت إليه بانتباه وأومأت باقتضاب، فقال متنهداً: الواحد زي ما يكون بيمد إيده في الزبالة وينقي الناس اللي يعرفهم. ضحكت على تشبيهه ليضحك بدورهِ قائلاً: سيبك إنتي.. ضحكتك دي بالدنيا ومافيش حد يستاهل تزعلي عشانه. أطالت النظر إليه وقد لمست كلماته شغاف قلبها وألجمت لسانها عن النطق والتعبير.
عمّق النظر إلى عينيها وهو يتمنى لو أصبح وأمسى ينظر إليهما دون حراك، بينما كانت هي تتلاشى نظراته الثاقبة تلك والتي تشعر بأنها تكاد تخترقها. نظر أمامه شارداً وبدأ يتمتم بكلمات أثرت انتباهها وجُل اهتمامها، فراحت تستمع إليه بقلبها لا بأذنيها.. لا تبكيني ذهبت ومات هواها في القلبِ متسعٌ غداً لسواها أحببتُها وطويتُ صفحتَها وكمقرأَ اللبيبُ صحيفةً وطواها يا شاطئَ الأحزانِ كم مِن موجةٍ هبها ارتطامةَ موجةٍ وصداها
تلك الوليدةُ لم تطُل بشرَاها لما تكد تطأُ الثرى قدماها زفَّ الصباحُ إلى الرمالِ نداءَها وسرى النسيمُ عشيةً فنعاها هاتِ اسقني واشرب على سرِّ الأسى وعلى صبابةِ مهجةٍ وجواها مهلاً نديمي كيف ينسى حبَّها من ينشدُ السلوى على ذكراها ما زلتَ تسقيني لتنسيني الجوى حتى نسيتُ فما أدركتُ سواها كانت لنا كأسٌ وكانت قصةٌ هذا الحبابُ أعادَها ورواها كأسي وشمسُ هوايَ والساقي الذي عصرَ الشعاعَ لمهجتي وسقاها
الآنَ غَشَّاها الضبابُ وها أنا خلفَ المدامعِ والهمومِ أراها غالَ الفناءُ حبابَهَا وضبابَهَا وتبخرت أحلامُهَا ورؤاها *** بعد عودتهم إلى البيت مساءً بعد قضاء يوم ملئ بالحركة والحماس، قامت غزل بمساعدة زياد ونور ليأخذا حماماً ساخناً ومن ثم خلدا إلى النوم سريعاً. دَلفت غزل إلى المغسل لكي تحصل على قسط من الراحة بواسطة المياه الدافئة، ثم ارتدت منامةً خاصة بها وخرجت لتجد الغرفة فارغة.
صففت شعرها ودخلت إلى فراشها لينفرج الباب ويدلف يحيي مبتسماً، فتقدم نحو الفراش ودلف إليه واقترب منها دون أي مقدمات وأحاط خصرها بيده، وبالأخرى كان يمسح على شعرها بحنان. نظرت إليه بتعجب فابتسم متفهماً سبب تعجبها وتجاهل تساؤلها وتعجبها وقال: اتبسطي النهارده؟ أومأت بحماس وقالت: كان يوم حلو جداً وزياد ونور غيروا جو واتبسطوا كمان. "فعلاً حتى نفسيتهم اتحسنت شوية." "توقعت إنك هتاخدنا بيت العيلة."
قطب حاجبيه باستغراب وقال: إشمعنا؟! إيه اللي فكرك ببيت العيلة دلوقتي؟ "عادي، بس أصل أكيد العيال هيفرق معاهم إنهم يقضوا يومين مع جدهم وعيال عمهم.. وأظن إنت كمان محتاج تشوف أبوك وتطمن عليه." ثم قالت بترقب: إيه رأيك نرجع بيت العيلة تاني؟ نظر إليها بتعجب شديد وقال: نرجع بيت العيلة؟! ليه؟!
رفعت كتفيها ببساطة وقالت: يعني.. الأحسن إنك تبقى وسط أهلك ونور وزياد كمان.. جايز ده يخفف عنهم إن أمهم مش معاهم.. وانت كمان محتاج تحس إن أهلك حواليك زي زمان. "وإنتي مفيش عندك مانع تعيشي مطرح ما هي كانت عايشة؟! تساءل بسخرية فقالت: مش الفكرة.. بس أكيد على الأقل هنغير عفش البيت أو نقفل الشقة خالص ونعيش في الشقة الفاضية. "لأ مش هينفع." "ليه.. إيه المانع؟ عايز تقنعني إنك مبتحنش لأهلك؟ أشاح بوجهه بعيداً وقال: بيتهيألك.
اعتدلت بمقعدها وجلست بنفس مستوى جلسته وقالت: لأ مش بيتهيألي يا يحيى.. إنت مهما حصل عمرك ما هتقدر تبعد عن أهلك.. وخصوصاً عمي علي.. ده أبوك يا يحيى.... "أبويا هو أكتر واحد ظلمني فيهم! قالها بحدة لتنفجر الدماء بوجهه غضباً وقالت: كفاية بقاا.. كل شوية تقول إنه ظلمك كنت عايزة يعمل إيه يعني؟! ماهو كمان ابنه زي ما انت ابنه.. حط نفسك مكانه وانت هتعذره.
لم يجيبها فقالت: كل اللي انت فيه ده بتحاول تغطي بيه فشلك في انك تنساها يا يحيي. نظر إليها متجهم الوجه لتستكمل حديثها وتقول: دي الحقيقة.. برغم كل اللي عملته فيها بس إنت من جواك مش قادر تنساها.. هي قالتلي إنك هتفضل ملكها وقلبك معاها هي بس أنا حاولت أنكر كلامها حتى بيني وبيني، كنت رافضة أقتنع بكلامها ده وقولت لأ أكيد نسيتها بس أنا اللي طلعت غلطانة. "نامي يا غزل." قالها وهو يستدير للجانب الآخر لتتشبث بذراعه
تجبره على مواجهتها وقالت: مش كل مرة يا يحيي هتبدأ الكلام وتنهيه بمزاجك.. أنا كمان لازم أتكلم وتسمعني زي ما أنا بسمعك في كل الأوقات. نظر إليها متعجباً ثورتها المفاجئة ليجلها تجلس متأهبة للجدال وقالت: أنا لازم أفهم موقفي بالتحديد، أنا تعبت من الوضع ده ومبقاش عندي قدرة أستحمل، مش عارفة إنت معايا ولا معاها، جسمك هنا بس عقلك وقلبك وروحك لسه معاها.. "مش صحيح.... "لأ صحيح يا يحيي."
قالتها ببكاء وأضافت: صحيح.. أنا يأست، حاسة إني مهما اعمل مش هعرف اخليك تحبني ولا تحس بيا. اقتربت منه وقالت باستجداء: خليك صريح معايا يا يحيي وقوللي.. لو أنا مش هقدر اخليك تحبني يبقى قوللي أوفر على نفسي كل اللي بعمله ده. التزم الصمت ونظر إليها نظرات فارغة لم تفهم هي مفادها، لتومأ هي بيأس وقالت: جوابك وصلني يا يحيي.. إنت مش محتاج تتكلم خلاص.
نهضت من الفراش فجأة وخرجت من الغرفة ومنها إلى غرفتها، ثم غطت في النوم سريعاً، في حين قضى ليلته شارداً بحديثها الذي قالته وحديثه الذي لم يتسنى له قوله. *** استيقظت صباحاً وعلى وجهها آثار البكاء والإعياء، ولكنها حاولت إخفاءهما قدر استطاعتها، وبعد أن أنهت أعمالها دلفت إلى غرفته وقالت: أنا عايزة أروح أشوف بابا. قال بهدوء: خير هو تعبان ولا حاجة؟ أومأت بنفي وقالت: لأ الحمدلله كويس.. بس عايزة أقعد معاه يومين أغير جو.
قطب حاجبيه بتعجب وقال: يومين؟! ليه يومين؟! "عادي.. كده كده زياد عنده كامبينج تبع المدرسة وهيفضلوا مخيمين يومين ونور هاخدها معايا." "لأ مش هينفع.. سيبيها وأنا هاخد إجازة لحد ما ترجعي." "ماشي براحتك." قالتها باقتضاب مما أزاد حيرته وتعجبه، ثم قال: إنتي هتمشي من هنا زعلانة؟! ولا عشان تشوفي باباك فعلاً؟
"لا أبداً مفيش زعل ولا أي حاجة.. بس بابا عاتب عليا إكمني من يوم ما اتجوزنا وأنا مبقيتش أروح أشوفه ولا أقعد معاه، فقولت فرصة بصراحة إن زياد مش هنا وأخد نور معايا ونقضي يومين هناك.. يومين بس وهنرجع إن شاء الله." أومأ موافقاً وقال: بإذن الله.. بس سيبي نور معايا عشان تكوني براحتك وتريحي أعصابك.. أنا كضمان هاخد إجازة النهاردة وبكرة ولما ترجعي إن شاء الله أبقى أنزل. "تمام ماشي.. أنا هروح ألبس بقى وأنزل."
"تمام .. على ما تلبسي هتلاقيني مستنيكي بالعربية." "لا معلش.. أنا حابة أروح أنا وأشوف الشوارع زي الأول وأركب تاكسي.. يعني." "ماشي .. على راحتك، محتاجة حاجة؟! "لأ متحرمش منك." بدلت ثيابها وصافحته والتقطت حقيبتها مغادرة إلى بيت والدها. دقت الباب ففتح والدها والذي تعجب قدومها وحقيبتها تلك التي تحملها بين يديها! احتضنت والدها فور أن رأته وتحاملت على نفسها كي لا تنخرط في بكاء مرير، ولكن قلب الأب! "إنتي زعلانة مع جوزك؟!
تساءل إبراهيم بقلق، فرسمت ابتسامة صافية على وجهها وقالت: جرى إيه يا هيما هو أنا مينفعش أجي هنا غير وأنا زعلانة ولا إيه؟! ربت على كتفها وقال: لا أبداً يا حبيبة أبوكي، بيتك وتيجي في أي وقت وكل وقت.. ادخلي. دَلفت فنادى هو قائلاً: صافيه.. تعالي شوفي مين هنا. خرجت صافيه من المطبخ لتفاجأ بوجودها، فقال وهي تسرع ناحيتها تحتضنها: يا حبيبتي يا غزل.. البيت نور من تاني والله. احتضنتها
غزل بشدة وقالت بمرح: عايزاكم بقى تأكلوني على قد ما تقدروا وتدلعوني على قد ما تقدروا.. عايزة أستجم اليومين اللي أنا قعداهم هنا. "هتقعدي يومين؟! يبقى أكيد في حاجة." قالها إبراهيم باستنتاج فقالت بابتسامة: أمشي عشان تصدق إن مفيش حاجة؟!
والله يا بابا إحنا كويسين الحمدلله وكله تمام.. كل الحكاية إن زياد هيخيم يومين مع المدرسة بتاعته، فقولت أجيب نور وأجي نقعد هنا يومين فرصة يعني.. بس يحيي قالي لأ أنا كده كده مفيش عندي حاجة مهمة اليومين دول ومش ناوي أنزل خليها معايا.. بس. "يعني مش زعلانين سوا؟! تساءل بتأكيد فقالت: لا والله أبداً.. حتى هو قالي ممكن ييجي يتعشى معانا بكرة ونروح سوا. أومأ والدها موافقاً
وقال: طيب الحمدلله.. يلا ادخلي غيري هدومك وتعالي عشان نقعد في البلكونة سوا وتعمليلي قهوة زي زمان. قالها بابتسامة لتبتسم هي أيضاً وذهبت لتبدل ملابسها ومن ثم ذهبت لتجلس برفقته في الشرفة يتجاذبان أطراف الحديث. في المساء.. حيث كانت تجلس برفقة صافيه في غرفتها وكلاهما تفضي ما بجعبتها للأخرى. أطلقت تنهيدة متعبه
ومحملة بالآلام وقالت: بابا كان عنده حق يا عمتو.. للأسف أنا مهما أعمل مش هقدر أخليه يحبني، أنا عاذراه لإن قلبه مش ملكه والحب مش بالقوة.. بس أنا تعبت، حاسة إني زي اللي بينفخ في قربة مخرومة على الفاضي.. مفيش جديد بيحصل ولا هيحصل. ربتت صافية على يديها وقالت بحزن: معلش يا غزل، إنتي وافقتي من الأول وإنتي عارفة إنك هتتعبي وتعاني لحد ما تكسبي قلبه.
قاطعتها غزل قائلة: كان عندي أمل وقتها بس دلوقتي لأ، زهقت ويأست.. عمره ما حس بيا ولا هيحس... "لأ هيحس... اللي زي يحيي ده بليد.. محتاج اللي يحركه ويخليه ينتبه للي جواه." نظرت إليها غزل باستفهام وقالت: إزاي؟ "لازم إحنا اللي نخليه يتلحلح وينطق ويحس بيكي..") ضحكت غزل بتهكم وقالت: هه، هشحت منه الحب كمان؟!
"مش هتشحتي.. كل الحكاية إنك هتلفتي نظره.. هتخليه يحس إنك مش موجودة زي الأول، وقت ما يحس بغيابك صدقيني هيخاف وهيبدأ يتحرك." "وأنا هخليه يحس بغيابي إزاي؟ ده أنا عشان هقعد يومين بابا مش مقتنع إننا مش زعلانين." "يا خايبة مش شرط غيابك يكون وكل واحد في مكان، ممكن تحرميه منك وإنتوا في نفس البيت، اتجاهليه، اتقلي عليه، خليكي بعيدة على قد ما إنتي قريبة.. أقوللك؟! همهمت بتساؤل: هممم؟! شردت قليلاً بتفكير وقالت: خليه يغير!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!