نظروا جميعاً لبعضهم البعض. فتسائل الجد: "مين يا زياد؟! نظر إليهم الطفل بإبتسامة متسعة وقال: "بابا، بابا رجع يا جدو." نهضوا جميعاً من حول المائدة ليتحققوا من حديث الصغير، قبل أن يستوقفهم دخول يحيي إلى البيت مبتسماً بأعين باكية ويقول: "أنا يابا." "يحيي؟!! تمتم بها الكل بذهول، وأولهم كانت تلك التي تراجعت للخلف وهي تهز رأسها بنفي وعدم تصديق.
هرول الأب تجاهه يحتضنه بإشتياق كبير، وقد سالت دمعاته بخليط من الفرح والحزن معاً. فقبّل يحيي رأسه ويداه واحتضنه قائلاً: "وحشتني يابا، وحشتني أوي." ركض عبدالقادر نحوه واحتضنه بقوة وهو يقبل رأسه ويقول: "مش معقول، وحشتني أوي يا يحيي." التف حوله أطفاله ليجثو على ركبتيه أرضاً ويقوم باحتضانهما سوياً، وهو يتأمل صغيرته التي كبرت قليلاً وأغدقها بالقبل والأحضان ودمعاته تسيل على خديه بغزارة.
لينظر أرضاً فوجد ذلك الرضيع يزحف نحوه، لينظر إليه مبتسماً ويقول محدثاً أخاه عبدالقادر: "ده ابنك يا قدّورة! أومأ عبدالقادر موافقاً وقال: "يحيي الصغير." تفاجأ يحيي كثيراً وحمله إليه، ليجد زينب وقد تقدمت نحوه بابتسامة صادقة واحتضنته بفرحة. ليقبل رأسها باحترام ويقول: "أومال فين سليمان؟ شحب وجه سليمان واصفر كاصفرار وجه الميت، ونظر إلى أبيه بصدمة. فقال يحيي متقدماً منه: "مش هتسلم عليا ولا إيه يا سليمان؟
ثم احتضنه بشدة، ليربت سليمان على ظهره بخوف وبكاء ويقول: "حمدلله على السلامة يا يحيي." قبل يحيي يداه وأعاد من احتضانه وقال: "متعيطش يا سليمان، أنا بخير الحمدلله، إنكتبلي عمر جديد وربنا أراد أرجع لكوا من تاني." ثم راح يتلفت حوله ويقول: "فين يُسر؟ وفين صافيه؟ التزم الجميع الصمت ونكس رأسه أرضاً. لينظر إليهم ويقول: "يُسر فين؟ عند مامتها ولا إيه؟ قال زياد: "ماما دخلت الأوضة." وأشار بيده إلى غرفة نوم جده.
ليضحك يحيى قائلاً: "إيه مش عاوزة تشوفني ولا عاوزاني أنا أدور عليها؟ يُسر! صدح صوته منادياً باسمها، ثم أدار مقبض الباب لتجفل هي وتنتفض بفزع عندما رأته. افتر ثغره عن ابتسامة واسعة حنونة وهو يتقدم منها ليحتضنها بقوة ويرفعها عن الأرض بحب بالغ، وقد أغمض عينيه وهو يشدد من احتضانها يكاد يعصرها بداخله، بينما تيبست أطرافها واهتز قلبها بين أضلعها. فنظر إليها وقال: "مالك يا يُسر؟ ثم ابتسم لها وقال: "مش مصدقة نفسك مش كده؟
أومأت برأسها أن نعم، ليعود ويضمها إليه مجدداً قبل أن يلاحظ شيئاً غريباً. فابتعد عنها ببطء ونظر إلى بطنها المنتفخ ونظر إليها مقطب الحاجبين. ليجدها تغلق عينيها بشدة ودمعاتها تتساقط على وجنتيها وهي تزدرد ريقها بخوف وترقب. فقال: "إيه ده؟ نظر إليها مستفهماً، فلم تجبه. لينظر خلفه فوجد الجميع يقف مذعوراً باكياً. فقال بتعجب: "إنتي حامل؟ لم تنبس بكلمة. فقال وهو يجيب سؤاله: "حامل إزاي وأنا غايب بقالي سنة! نظرت إليه بخوف وندم.
فقال بهدوء: "ردي عليا، أنا مش فاهم حاجة، إنتي حامل؟ نظرت إلى سليمان لكي يغيثها، ولكنه كان بحاجة لمن يغيثه الآن. فنظر أرضاً بخزي ولم ينطق. برز صوت زينب بقوة حيث قالت: "أيوة حامل." ضيّق يحيي ما بين حاجبيه مذهولاً ونظر إليها وقال: "حامل إزاي يعني؟ أنا مش فاهم حاجة! تولّت زينب تلك المهمة التي لن يقدر عليها سواها، وتقدمت من يحيي وقالت: "يُسر إتجوزت يا يحيي." جحظت عيناه بذهول حتى كاد أن يسقط لولا أن تمسك بتلك الطاولة
الخشبية من خلفه وقال: "إتجوزت؟ إتجوزت إزاي؟ أردفت زينب وهي تطالع يُسر بشماتة وتقول: "إزاي دي إجابتها عندك إنت، لما عملت الحادثة سلمّونا جثة من المشرحة على أساس إنها جثتك وإحنا دفناها على أساس إنها إنت." ضيّق عينيه بتعجب وعدم فهم، وراح ينظر إليهم واحداً تلو الآخر بتعجب وهو يقول: "جثة إيه ومشرحة إيه؟ أنا اللي فاكرة يوم الحادثة إني وقعت من العربية قبل ما تنفجر...
قاطعه عبدالقادر قائلاً: "طب والجثة اللي لقوها متفحمة في العربية دي جثة مين؟ نظر إليهم وقال: "بَسّام.. أكيد جثة الراجل اللي كان معايا يومها في العربية." نظر الجميع إليه بذهول، وباتت الأسئلة تتراقص في عقولهم وعقله من قبلهم. لينظر نحو يُسر مجدداً ويقول: "كلامهم ده صح؟ إنتي إتجوزتي؟ صدقتي إني مت وإتجوزتي؟ ولا ما صدقتي إني مت وإتجوزتي؟ نظرت إليه بخوف شديد وقالت: "يحيي اسمعني... ليقاطعه قائلاً: "اسمع إيه وزفت إيه؟
أنا مش قادر أستوعب اللي بسمعه! إتجوزتي يا يُسر؟ وحامل؟ حتى مصبرتيش يعدّي سنة على خبر موتي!! أجهشت بالبكاء، ليردف بقوة وحدّة امتزجت بالغضب: "وقاعدة هنا ليه؟ لما إنتي إتجوزتي إيه اللي لسه مقعدك في البيت ده." ونظر إليهم وصدح صوته الجهوري غاضباً يقول: "وإنتوا إزاي تسمحوا لها تفضل هنا؟ مخدتوش منها العيال ورميتوها بره ليه تروح للي إتجوزته." هنا برز صوت زينب تقول بغل وتشفي: "يُسر إتجوزت عمي سليمان."
نزل الخبر على أذنيه كالصاعقة، وتجمدت حواسه. لينظر إليهم فاغراً فاه وظل يتمتم بذهول وهيستيريا: "سليمان مين؟ قصدي سليمان إزاي يعني؟ ابتلع سليمان لعابه بتوتر وتنحنح بخوف وقال: "يحيى إنت لازم تقعد وتسمع مننا اللي... قاطعه يحيى قائلاً بصدمة هزت كيانه: "أقعد وأسمع!! يعني الكلام ده صحيح؟ أخفض سليمان بصره أرضاً. لينظر يحيي إلى أخيه الذي أشاح بوجهه للجانب، لينظر بعدها إلى أبيه الذي كان ينظر نحوه بأسف وشفقة.
فقال: "الكلام ده صحيح يابا؟ يُسر إتجوزت سليمان فعلاً؟ لم يجبه والده. فنظر إليهم تباعاً قبل أن ينفجر ضاحكاً حتى تحولت ضحكاته إلى قهقهة هيستيرية وهو يضرب بيده الطاولة من جانبه بعدم تصديق ويقول: "إيه يا جماعة اللي إنتوا بتقولوه ده؟ إنتوا بتهزروا أكيد.. صح؟! انفجرت يُسر باكية، لينظر إليها ويقول: "إنتي بتعيطي ليه؟ إنتي عملتي كده فعلاً؟ إتجوزتي أخويا؟ نظرت إليه باكية وقالت: "يحيي أنا.." ليقاطعه قائلاً: "إنتي إيه؟ إنتي إيه؟
ده أنا كنت راجع وقلبي هيقف من كتر التفكير فيكي ومن كتر ما إنتي وحشاني، أرجع ألاقيِك متجوزة وحامل؟ ومن مين؟ من أخويا؟ طب إزاي؟ متجوزة إزاي أومال أنا أبقى مين؟ يعني أنا دلوقتي اللي جوزك ولا هو؟ حد يفهمني." اقترب عبدالقادر منه وأمسك بيده يقول: "إهدي بس يا يحيي وإحنا هنفهمك كل حاجة.." لينتزع يحيي يده من قبضة أخيه وصاح بتشنج وعصبية بالغة وقال: "متقوليش إهدي، أهدي إزاي يعني؟
قرر سليمان التخلي عن صمته واستعمال الخطة البديلة والأكثر فعالية.
فقال: "يحيى صدقني أنا عملت كده على أساس شهادة الوفاة اللي كانت بين إيديا، إحنا دفنا جثة على أساس إنها جثتك وخدنا العزا وعدى شهر واتنين وتلاتة وأربعة ويُسر خلصت عدتها وإنت مظهرتش، بدأ يتقدملي ناس عايزين يخطبوها وكلهم فرص أحسن من بعض وأنا خوفت على عيالك وخوفت هي تاخدهم وتمشي بيت أمها أو تتجوز وتاخد العيال ومنقدرش ناخدهم أو حتى نشوفهم تاني، صدقني يا يحيى أنا عملت كده خوفاً على عيالك لإني كنت عايز أراعيهم وأواليهم، كان كل همي ألم لحمك...
قاطعه يحيي وقال بإستهجان: "تلم لحمي؟ وهو مينفعش تلم لحمي من غير ما تتجوز مراتي؟ ثم نظر إليهم جميعاً وقال: "مكانش ينفع تسيبوها عايشة في وسطكوا تربي العيال وتصرفوا عليهم؟ حتى لو كانت هتتجوز مكنش من حقها تاخد نور وزياد، كان وقتها أمها أحق بحضانتهم وإنتوا عارفين إنها مش حِمل حضانة عيال تانية.. يعني كده كده مرجوعهم ليكم في الآخر." ثم نظر إلى سليمان
بقوة وغضب عاصف وقال: "ده عذر أقبح من ذنب يا أخويا، إنت بتبرر خيانتك لأمانة أخوك بمبرر حقير." _يحيي.. اسمعني يبني." قالها والده بوهن وضعف وهو يتقدم منه، ليقاطعه يحيي بحدة قائلاً: "أسمع إيه تاني ما خلاص سمعت كل حاجة، هتقولي إيه يابا؟ هتقولي أنا آسف عشان وافقت على حاجة زي كده؟ وراح ينقل بصره بينهم جميعاً ويقول: "هتقولولي إيه كلكم ما خلاص معدش في حاجة تتقال." وتابع بحسرة وصوتٍ
باكي: "يا ريتني مت قبل كل ده ما يحصل، يا ريتني ما كنت رجعت وكنت مت يومها، يا ريتني ما رجعتلي الذاكرة ولا افتكرتكوا ولا افتكرت أنا مين، يا ريتني مت." أنهى كلماته ليخرج من الغرفة بقوة متخذاً سبيله نحو الخارج ركضاً، بينما تهاوت يُسر إلى المقعد من خلفها وانتابتها حالة من البكاء الشديد ندماً على ما ضيّعت وما فقدت. ~~~~~~~~~~~~~~ خرج يحيى من بيته مصدوماً، لا يعرف أنى له أن يصف حاله وما يشعر به.
إنه يشعر بالخذلان كما لم يشعر من قبل. أحس ويكأنه كالغريب الذي لا مأوى له ولا بيت، كاليتيم الذي فقد عائلته بين ليلة وضحاها، كالأسير التائه المشرّد. ثمة أحاسيس بداخله لم يستطع تمييزها أو وصفها. كان يجر قدميه جراً كمكبّل بالأغلال ولا يعلم إلى أين سيذهب مجدداً، ف راح يلعن حاله إذ أنه عاد موهوماً بأنهم ينتظرونه ليفاجأ بأن كلاً منهم يعيش حياته بأريحية وكأنه لم يكن يوماً على قيد تلك الحياة.
ألقى بجسده إلى مقعد من مقاعد ذلك المقهى بشرود وهو يتذكر ما حدث، لتسقط دموعه بحزن وقهر لم يشعر به من قبل. لأول مرة في حياته يتمنى الموت، يكاد يقسم أنه لن ينجو تلك المرة أبداً وراح يقول: "يا ليتني مت قبل هذا." التف حوله جميع الجيران والأصدقاء الذين يعرفونه، وكلاً منهم يقلب كفيه عجباً على ما يرونه الآن، لينصرف الجميع حتى يبلغوا أهلهم وذويهم بتلك المفاجأة التي لم تكن متوقعة بالمرة.
_إلطف بينا يا رب، الراجل رجع من الموت لقي أخوه متجوز مراته! إستطاعت تلك الأحرف المتعجبة أن تصل إلى مسامعه بسلاسة وسهولة دون أدنى مجهود منه، لينهض فوراً ويبتعد عن الحي بأكمله متوجهاً نحو اللامكان.
سار بشرود لا يعلم إلى أين يذهب، ف صار يتطلع حوله وكأن المكان من حوله أصبح غريباً عليه. ضاقت عليه الأرض بما رحبت فلم يجد سوى بيت الله. ذهب إلى المسجد ليجده مكتظاً بالمصلين الذين ينتظرون صلاة التراويح، ف دخل بتؤدة ورفق وتوضأ ليقف بين صفوف المصلين وبدأ الصلاة، ولكن عقله كان مغيباً شارداً يسترجع الكثير والكثير من الذكريات لينخرط في بكاء مرير. ~~~~~~~~~~
على الجانب الآخر كان الجميع يجلس مطأطئ الرأس، حالة صدمة وذهول تعتري الكل، وخاصةً تلك التي كانت تنظر أمامها بشرود وتيه شديدان. كان الأب يرتكز بكلتا يديه على عصاه ويسند جبينه على يديه مغمض العينين وهو يشعر أنه يكاد يفقد عقله. ف نظر إلى عبدالقادر وقال: "إنت هتفضل قاعد كده وإحنا مش عارفين أخوك راح فين؟ قوم روح وراه بسرعة وشوفه." نظر إليه عبدالقادر باكياً
وقال: "مليش عين يابا، مش هعرف أرفع عيني في عينه، يحيي إتصدم فينا كلنا." هز الأب رأسه يميناً ويساراً بحسرة وهو يقول: "آااه يا يحيي، آااه يبني على وجع قلبك، ياااارب، يارب إلطف بيه وعدّيه منها على خير يا رب." ثم تابع بحزن شديد يتغمده وقال بعتاب لا يفيد: "قولتلك بلاش يا سليمان، قولتلك بلاش مرات أخوك، كان قلبي حاسس إن الجوازة دي باطلة، ليه يبني مطاوعتنيش وسمعت كلامي؟ ثم أكمل باتهام صرف: "إنت طمعت يا سليمان!
نظر إليه سليمان بذهول، ليستطرد الأب حديثه قائلاً: "أيوة طمعت، طمعت في مرات أخوك وفضلت تألف وتكذب عشان تتجوزها.. تقول لي صافيه موافقة وتقول لـ صافيه أبويا اللي غاصبني على الجوازة، كنت مع كل واحد فينا بـ وش وأدي النهاية أهي، كل ده حرااام." آثر سليمان الصمت ولم يتفوه بكلمة. ليتمتم والده بنحيب: "اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا ياااارب." نظرت يُسر إليهم بشرود وهي تقول: "هو يحيي فين؟ يحيي راح فين؟ إنتوا سيبتوه يمشي ليه؟
نظر إليها سليمان نظرات فارغة وقد تبدلت كل مشاعره تجاهها بلحظة، لا يعلم هل ذلك نفور أم حقد أم غيرة أم صدمة؟ وقفت يُسر ببطء وهي تمسك ببطنها بكلتا يديها ونظرت إليهم وقالت: "يعني إيه؟ يعني اللي في بطني ده ابن حرام؟ اعتصر سليمان عينيه بألم وغضب، لتعاود تساؤلاتها وتقول: "طب أنا مرات مين دلوقتي؟ مرات يحيي ولا سليمان؟
نظرت إليها زينب شامته وأطلقت ضحكة مقتضبة متهكمة. فنظرت إليها يُسر بالصمت ولم تعقب، لتشعر بأن الآلام تفتك بها. فأمسكت بأسفل بطنها وهي تجاهد لكي تتحمل ذلك الألم الشديد، ولكنها لم تستطع. لتنفلت منها صرخة هزت جدران المنزل وشعرت بأنها تنزف قد سال على جانبي قدميها. لتنظر إليهم بذعر وتقول: "أنا بولد! هرع سليمان نحوها وقال مذعوراً: "في إيه يا يُسر؟ تولدي إيه؟ إنتي مش لسه في السادس؟
قالت ببكاء وخوف: "أنا بولد يا سليمان، وديني المستشفى بسرعة الله يخليك." لم يتمهل وحملها على الفور ليهرول باتجاه سيارته ويضعها على المقعد الخلفي بسرعة، ثم استدار ليركب خلف المقود فوجد الباب المجاور له قد فُتح لتركب زينب إلى جانبه. فانطلق بالسيارة نحو المستشفى. ~~~~~~~~ بعد انتهاء صلاة التراويح، انزوى يحيي إلى ركن بجانب المنبر وجلس يضم ركبتيه إليه ودمعاته لا تتوقف عن السقوط. رآه الإمام ليقترب منه ويجلس إلى جانبه مربتاً
على كتفه وهو يقول: "مالك يبني بتبكي ليه؟ سلّم أمرك لله وكله بيعدي." قال يحيي بصوت حزين متقطع: "ونعم بالله يا سيدنا." ابتسم الإمام وقال: "اسم الكريم إيه؟ _يحيـي." ربت الإمام مجدداً على كتفه وقال: "طيب يا يحيي، خد المصحف ده اقرأ فيه على ما تقدر لحد ما تلاقي نفسك هديت وقلبك اطمئن، مش ربنا سبحانه وتعالى بيقول 'ألا بذكر الله تطمئن القلوب'؟
أومأ يحيى موافقاً، فأضاف الإمام قائلاً: "يبقى خد اقرأ في كتاب ربنا وهو اللي هيريح قلبك ويشرح صدرك إن شاء الله." نظر يحيي إلى الإمام وبـاغته قائلاً: "هو لو واحد يائس من الدنيا دي يا سيدنا واتظلم وحاسس إنه ملوش مكان.. في حالته دي الانتحار يبقى حرام؟ قطب الرجل حاجبيه بتعجب وقد علم بأن المصاب جلل، فجلس متورّكاً
إلى جانب يحيي وقال: "الانتحار في كل الأحوال حرام يبني، مهما اشتد ضيقك وحزنك ويأسك مينفعش أبداً تفكر في الانتحار، لازم تلجأ لربنا سبحانه وتعالى وتدعيه يفرج همك وكربك ويزيح عنك وربنا بإذن الله هيساعدك ويخفف عنك، إنما مينفعش تفكر في الانتحار كده إنت بتكفر والعياذ بالله." تمتم يحيي مستغفراً وهو يمسح وجهه ويقول: "أستغفر الله العظيم من كل ذنبٍ عظيم."
ربت الإمام على فخذه وقال: "استهدي بالله بس كده وروّق، كل حاجة وليها حل بإذن الله." أومأ يحيى نافياً وقال: "إلا مصيبتي يا سيدنا، ملهاش حل أبداً." نظر إليه الإمام مبتسماً وقال: "طب إيه رأيك تحكي لي وتفضفض بدل ما تكتم في قلبك، وبإذن الله أقدر أساعدك." نظر إليه يحيى شارداً
وقال: "أقول إيه بس، الحكاية باختصار إني من سنة حصلت لي حادثة والعربية بتاعتي اتحرقت وفيها واحد كان ركب معايا من عالطريق وجثته اتفحمت، ف أهلي استلموه من المشرحة على أساس إنه أنا واتدفن وطلع له شهادة الوفاة على أساس إنه أنا، وبعد ما مراتي تمت العدة اتجوزت أخويا على أساس إني ميت." تمتم الإمام آسفاً وقال: "لا حول ولا قوة إلا بالله، طب وإنت كنت فين طول السنة دي ولسه راجع النهارده؟
قال يحيي: "يومها لما وقعت من العربية معرفش إيه اللي حصل بعدها بس فوقت لقيتني متكتف ومربوط على سرير مصفح من بتوع التشريح، كنت واقع في إيد عصابة من اللي بيسرقوا الأعضاء واللي أنا فاكره إني هربت منهم بمساعدة واحد فيهم وبعدها حد ضربني على دماغي وقعت فقدت الذاكرة ومن يومها لحد النهارده كنت قاعد عند ناس طيبين هما اللي ساعدوني وعالجوني... قاطعه الرجل متسائلاً: "يعني إنت فضلت فاقد الذاكرة طول المدة دي؟ أومأ يحيى موافقاً
وقال: "أيوة، وكنت شغال في مخزن قطع غيار فوقع على دماغي كوريك، تقريباً صدمة الكوريك دي هي اللي رجعت لي الذاكرة." كان الإمام يستمع له مذهولاً فقال: "لا حول ولا قوة إلا بالله، والله يبني إنت حكايتك تتعمل فيلم، مش عارف أقول لك إيه ولا أواسيك بإيه بس اللي أعرفه إن برجوعك كده زواج أخوك من زوجتك باطل!!
بس كمان أنا مش أهل للفتوى يعني في ناس أفقه مني وأكثر مني دراية وعلم بالأمور دي وهي اللي تقدر تفيدك وتقول لك الفتوى السليمة في حالتك دي." تنهد يحيي بثقل ومسح آثار دموعه، ليربت الإمام على كتفه وقال: "معلش يبني وحد الله، ربنا بيسبب الأسباب سبحانه وتعالى أكيد له حكمة في اللي حصل لك ده لا إنت ولا أنا نعلمها، إنت كل اللي عليك دلوقتي ترسل بسؤالك ده لدار الإفتاء وهما هيردوا عليك بالفتوى الصحيحة بإذن الله." أومأ يحيى موافقاً
ليقول الآخر: "يلا قوم صلي ركعتين لله وادعي ربنا يقدم لك اللي فيه الخير والصلاح.. ومتقلقش، ما ضاقت إلا وفرجت." نهض يحيي وتوضأ مجدداً ووقف بين يدي ربه يصلي ويناجيه أن ينجيه مما قد حل به ويسر له أمره وألهمه الصبر. ~~~~~~~~~~~~~~~ كان سليمان يقف بالخارج بردهة الانتظار في المستشفى أمام الغرفة الموجود بها يُسر، وزينب تجلس على مقعد مقابل له تتأمله وتتفحص لهفته وخوفه بأعين مستنكرة.
_شوفوا الراجل هيموت روحه عشانها إزاي، الله يرحم أيامك يا صافيه والله إنتي الكسبانة إنك بعدتي عن جوز التعابين دول، إنفخ يا أخويا إنفخ دلوقتي تقوم تتنطط زي القردة." تمتمت زينب بتلك الكلمات في نفسها بصمت، ثم أشاحت بوجهها إلى الجانب وأطلقت زفرة ملولة. ثم نهضت واقفة. ليقول سليمان: "هما اتأخروا كده ليه؟ نظرت إليه ببرود وقالت: "دلوقتي يطمنونا."
انفرج باب الغرفة بغتةً ليخرج الطبيب نازعاً عنه قناعه الطبي وزفر مطولاً قبل أن يهرول سليمان نحوه قائلاً بلهفة: "طمني يا دكتور؟ نظر إليه الطبيب بأسف وقال: "للأسف فقدنا الجنين، لكن الأم بخير وهتتعافى قريب، ربنا يعوض عليك." بتلك الكلمات المقتضبة أخبره الطبيب بكل سلاسة بفقدان طفله المنتظر وانصرف بعدها. لينفجر سليمان باكياً بحسرة ونظر إلى زينب قائلاً
وسط بكاؤه: "فضل مات يا زينب، فضلت مستنية عشرين سنة ولما فرحت بيه أخيراً مات." نظرت إليه زينب بأسف وحزن صادق وقالت: "معلش يا عمي سليمان، ربنا يصبرك ويِخلف عليك." بالداخل كانت تجلس يُسر في فراشها بعد إفاقتها تبكي وتنتحب بشدة. فقالت زينب: "حمد الله على السلامة يا يـسر، محتاجة حاجة أعملهالك؟ أومأت برأسها أن لا، وباغتها قائلة: "يحيي فين؟ نظرت إليها زينب بدهشة وقالت: "تقصدي عمي سليمان؟ هو تحت بيجيب لك أكل... قاطعتها يُسر
ببكاء وقالت: "يحيي فين؟ محدش كلمه؟ _يا بجـاحتـك!! قالتها زينب في نفسها، ثم نظرت إلى يُسر وقد عاد إليها برودها فقالت: "معرفش حاجة أنا معاكي في المستشفى من وقتها." وأضافت بنظرة ذات مغزى: "يحـيي الله يكون في عونه ويصبره على حاله بقا. مسكين! قالت الأخيرة وأشاحت بوجهها جانباً، ليدلف سليمان إلى الغرفة وملامح الحزن تكسو وجهه وجلس إلى جانب يُسر وقال
وهو يمد يده إليها بالطعام: "معدتيش تعيطي يا يُسر عشان متتعبيش، خدي اشربي العصير ده." أومأت بالنفي ليقول: "خلاص قدر الله وما شاء فعل متزعليش نفسك، ملناش نصيب فيه." وهنا كانت صدمته الثانية. حيث نظرت إليه بقوة وغضب جامح وانفجرت به بقوة تقول: "أنا في إيه وإنت في إيه؟ كل همك في ابنك اللي مات؟ ده كويس إنه مات، يا ريتني كنت مت أنا كمان وارتحت." نظر إليها بذهول وقال: "يُسر إنتي بتقولي إيه؟ أردفت متسائلة
باستنكار شديد وقالت: "إيه مالك مصدوم كده ليه؟ تقدر تقولي لو كان اتولد كان هيبقا مصيره إيه؟ إذا كان جوازنا كله بااطل كنا هنربي الطفل ده على أي أساس؟ لم يعرف بما يجيبها، ف راح يتطلع نحوها بصمت. لتقول بحسرة: "أنا مش زعلانة إنه مات، أنا زعلانة إني أنا اللي عايشة، يا ريتني كنت مت وارتحت من العذاب اللي مستنيني." تشنّج وجهها وجسدها بالأكمل لتنتابها حالة بكاء
هيستيرية وراحت تردد بحسرة: "يا ريتني مت قبل كل ده ما يحصل، يا ريتني مت... اقترب منها يحاول تهدأتها لتبتعد عنه بحدة وتدفعه بعيداً عنها بقوة وصرخت قائلة: "إبعد عني، إبعد عني إنت مش من حقك تلمسني، إنت السبب! وقف مشدوهاً لما يصدر منها، فقالت بقوة واتهام واضح: "أيوة إنت السبب، إنت اللي فضلت تزن عليا عشان نتجوز وفضلت تقول لي عشان العيال والزفت لحد ما وافقتك وخسرت كل حاجة؟! _يُسر اهدى، إنتي مش واعية للي بتقوليه!
أعادت النظر إليه بقوة وتحدٍ وقالت: "ليه شايفني اتجننت؟ ولا مش مصدق اللي بتسمعه؟ وتابعت بحزم: "خلاص يا سليمان مبقاش فيها كلام، حتى الكلام بقى حرام، اللي بيننا ده كله كان باطل وربنا نجدنا إن الطفل ده متولدش." أنهت حديثها المفاجئ له كلياً وأشاحت بوجهها جانباً. ليقول مخاطباً زينب: "خليكي معاها يا زينب لحد ما تخرج من المستشفى، وأنا هدفع حساب المستشفى." وغادر مسرعاً ليستقل سيارته منطلقاً بها لا يعلم أين!
كانت زينب تجلس برفقة يُسر في الغرفة بالمستشفى لا تطيق الانتظار وكأنها تفترش الجمر من أسفلها. فنهضت قائلة: "طيب يا يُسر أنا مضطرة أمشي عشان العيال ويحيي الصغير سايباه لوحده وإنتي ماشاء الله بقيتي زي القر.... قصدي زي الفل أهو." نظرت إليها يُسر بتعجب وقالت: "هتسيبيني لوحدي أومال مين اللي هيساعدني؟
"اللي بيساعد العباد ربنا يا حبيبتي وبعدين اتصلي على أمك تيجي تقعد معاكي، إنما أنا مش فاضية يا حبيبتي ورايا عيال وعيالك كمان أمانة في رقبتي لحد ما تقومي بالسلامة." نظرت إليها يُسر بغيظ وقالت بحدة: "امشي مش عاوزة حد معايا." أومأت زينب بموافقة وقالت: "ماشي يا حبيبتي تقومي بالسلامة، أنا هتصل لك بأمك تجيلك ويستحسن ترجعي معاها بيتكم على ما الجو يهدى وتشوفي هتعملوا إيه في المصيبة دي."
ألقت كلماتها المستفزة ثم منحتها نظرة شامته وانصرفت. ******************** بات يحيى ليلته بالمسجد، لم يكحل النعاس جفنيه فظل شارداً يفكر بما حدث وما رآه اليوم، وكلما استعادت ذاكرته ذلك المشهد انخرط في البكاء بشدة.
لطالما تمنى أن تعود إليه ذاكرته وأن يستطيع العودة إلى منزله وعائلته التي كان على يقين بأنهم ينتظرون عودته بالرغم من جهله لهم، ليعود اليوم فيجد زوجته المصونة قد تزوجت بأخيه الأكبر والذي كان بمثابة أب له وأخ لها، فكيف استطاعت فعل ذلك! يشعر أنه الآن على حافة الجنون وأنه حتماً لن ينجو تلك المرة. بطش عائلته به كان أشد وطأة على نفسه أكثر مما رآه منذ عام مضى بكل تفاصيله وبكل ما مر عليه فيه.
دفن رأسه بين كفيه ينتحب بقوة علّه يطفئ تلك النيران التي اشتعلت بقلبه ليجد من يربت على ظهره. فمسح وجهه ونظر إليه ليتجهم وجهه ونظر بغضب للجهة الأخرى وقال: "جاي ليه يا عبدالقادر؟ جلس أخيه إلى جانبه وقال: "جايلك يا يحيى، جاي لأخويا... قاطعه يحيي بغضب وقال: "أنا ماليش إخوات، امشي واعتبرني أو اعتبروني كلكم إني لسه ميت." نظر إليه عبدالقادر بحزن وأسف،
فأردف يحيي وقال: "اعتبروا إن اللي حصل ده مجرد كابوس، وأنا كمان هعتبر إنه كابوس هرجع مطرح ما جيت." نظر إليه عبدالقادر بلهفة ووضع يده على كف أخيه وانحنى بجزعه أكثر ليقترب منه وقال: "ترجع فين يا يحيى ده إحنا ما صدقنا إنك رجعت... قاطعه يحيي مرة أخرى متهكماً وقال: "هه.. إنت بتضحك عليا ولا على نفسك يا قدّورة؟ محدش فيكم كان يتمنى إني أرجع أبداً وأولكم هو وهي." شخص الآخر بصره أرضاً لا يعرف بما يبادله الحديث.
ليقول يحيي: "قوم روح بيتك يا عبدالقادر واطمن من ناحيتي لو قلقان يعني.. مش هيجرالي حاجة أسوأ من اللي شفته." نظر إليه عبدالقادر وقد أطفرت دمعاته بندم وقال: "والله يا يحيى كلنا فكرنا في مصلحة.... قاطعه يحيي بإشارة من يده وقال: "عشان خاطر ربنا أنا مش متحمل كلام في الموضوع ده دلوقتي." أومأ موافقاً والتزم الصمت. ثم تساءل بحذر: "طيب إنت ناوي تعمل إيه دلوقتي؟ أقصد يعني وضعك معاها إيه؟
آثر يحيي الصمت. ليردف أخيه قائلاً: "على فكرة هي تعبت امبارح وولدت والعيل نزل ميت." لم يجبه يحيي بل أومأ باقتضاب وقال: "هطلع دلوقتي على دار الإفتاء وهسأل وأشوف المفروض إيه اللي يحصل." _طب تعالي نروح سوا.. ثواني وهجيب العربية." أومأ يحيى برفض وقال: "لا أنا هروح لوحدي مش عايز حد معايا." تبين أخيه ضيقه فلم يكرر سؤاله وأومأ بهدوء مربتاً على رأسه ونهض قائماً. ثم قال: "طيب إنت هترجع البيت امتا؟ نظر إليه يحيي مطولاً
وقال: "البيت لأصحابه يا عبدالقادر، وأنا خلاص بقيت غريب مليش مكان في البيت ده." همّ عبدالقادر بالحديث مجدداً ليقاطعه يحيي بحزم ويقول: "إمشي يا عبدالقادر، إمشي ومتحاولش تدور على مكاني تاني ولا تحاول تعرف أنا فين لإنك مش هتلاقيني وحتى لو لقيتني هتلاقيني شخص تاني إنت متحبش تشوفه ولا تكون لك بيه أي صلة!
هكذا خرجت تلك الأحرف العارية من فم يحيي ولكنها كانت تحمل كنايات أخرى مغايرة تماماً لم يستطع أخيه فهمها، ولكن الأيام كفيلة بها. انصرف عبدالقادر عائداً نحو المنزل، بينما غادر يحيي المسجد على الفور متجهاً نحو دار الإفتاء لكي يقدم فتواه وبدأ بسرد كل ما حدث منذ ذلك اليوم.
ليقول المفتي: "بسم الله الرحمن الرحيم فالزوجة إذا بلغها خبر وفاة زوجها الغائب، ثم اعتدت وتزوجت، ثم ظهر زوجها الأول. فإن كان ذلك قبل أن يدخل بها الزوج الثاني، فإنها ترد للأول، وإن كان الزوج الثاني قد دخل بها؛ فإنها لا تفوت بالدخول بل تعود للزوج الأول أيضاً بعد أن تنقضي عدتها من الزوج الثاني وبحدوث الإجهاض تسقط العدة... نظر إليه يحيي مشتتاً وقال: "أنا مش فاهم حاجة يا شيخنا ياريت معلش تبسطهالي."
ابتسم المفتي قائلاً: "حضرتك بتقول إنك غبت سنة وكنت فاقد الذاكرة وأول ما الذاكرة رجعتلك رجعت بيتك لتجد زوجتك متزوجة من أخيك." أومأ يحيى بتأكيد. ليضيف المفتي قائلاً: "وكانت حامل في شهورها الأخيرة، مظبوط؟ أومأ يحيى موافقاً
ليقول الآخر: "إذاً بمجرد ظهورك فإن زواجها من الثاني اللي هو أخوك باطل وترد إلى عصمتك ولكن بعد قضاء عدتها من أخوك وبما إنها كما تقول وضعت اليوم والجنين قد مات بأحشائها إذاً لا عدة لها عملاً بقوله في كتابه الكريم "وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ " يعني يا أستاذ يحيي هي زوجتك وتحل لك بإذن الله."
غادر يحيي شارداً، لم تزده تلك الفتوى إلا حيرة وتخبط وجلس بتعب إلى مقعد مقابل للمبنى وشرود بما ينتظره.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!