كعادتها لا تطيق الانتظار عندما تحوي بجعبتها أخباراً جديدة، فأمسكت بهاتفها على الفور وقامت بالاتصال بصافية التي أجابتها بهدوء وقالت: أيوة يا زينب. ألو، إزيك يا صافية عاملة إيه؟ الحمد لله يا زينب، العيال عاملين إيه؟ كلهم بخير الحمد لله، غزل حبيبتي أخبارها إيه؟ تنهدت صافية بحزن عميق وقالت: الحمد لله على كل حال، هتعمل إيه حبيبتي أهي نايمة، ادعيلها ربنا يصبرها. تمتمت زينب بأسف شديد وقالت: ربنا يخلف عليها ويعوضها يا رب.
يا رب. مش هتصدقي اللي حصل امبارح! قالتها زينب بحماس ومراوغة لتتساءل صافية بتعجب: إيه اللي حصل؟ أيوة صح مش انتوا كنتوا بتفطروا سوا امبارح، خير حد اتخانق ولا إيه؟ يحيي رجع! قالت صافية بتلقائية شديدة: رجع منين؟ جرا إيه يا صافية بقولك يحيي رجع! نهضت صافية واقفة وقالت: انتي بتقولي إيه؟ انتي أكيد بتهزري. ابتسمت زينب وقالت: وهي الحاجات دي فيها هزار يا صافية؟ ده انتي فاتك عمرك كله امبارح مش بس نص عمرك.
تساءلت صافية بلهفة وقالت: رجع إزاي وكان فين طول السنة اللي فاتت دي؟ في إيه يا عمتو؟ هو مين اللي رجع؟ كان هذا الحديث منبعثاً من غزل التي ركضت سريعاً من فراشها تتساءل بلهفة. فنظرت إليها صافية وقالت بفرحة: زينب بتقول إن يحيي رجع! تساءلت غزل بترقب وعدم تصديق فقالت: رجع منين؟ نظرت إليها صافية ثم إلى الهاتف بين يديها وقامت بتشغيل مكبر الصوت وتحدثت إلى زينب فقالت: معلش يا زينب قولي من الأول، هو إيه اللي حصل امبارح؟
قالت زينب بحماس يتطاير من عينيها: امبارح وقت الفطار لقينا يحيي داخل... لم تكمل غزل الاستماع إليها حيث أنها لم تستطع التماسك لتسقط أرضاً مغشياً عليها. *** في فراشه يرقد بتعب وقد تهالك جسده القوي بين ليلة وضحاها وأخذ منه التعب كل مأخذ. كان ينظر أمامه نحو اللاشيء وعيناه مشخصان للفراغ قبل أن يدخل عبدالقادر إلى غرفته ويجلس إلى جانبه ممسكاً بيديه يقول بنبرة واهية: إزيك دلوقتي يا بابا؟ نظر إليه والده وقال بصوت مهزوز:
يحيي فين يا قدورة؟ زم عبدالقادر شفتيه بأسف وقال متنهداً: مشوفتهوش من بعد ما كنا في الجامع، هو قالي متدورّش عليا. قاطعه والده قائلاً بعصبية مفرطة: وهو عشان قال لك متدورّش عليا يبقى تسيبه؟ انتوا دماغكوا دي فيها إيييييه؟ جايلك قلب تقعد هنا وأخوك منعرفش عنه حاجة؟ مش كفاية اللي هو فيه؟
ماهو عشان كفاية اللي هو فيه يبقى لازم أسيبه يا بابا، يا بابا افهمني. يحيي فقد الثقة فينا كلنا ومش عايز يشوف حد فينا، مينفعش آجي في عز وجعه وأجبره يشوفني أو يتعامل معايا، هو مش ناقص. أمسك الأب بحافة الفراش وبيده الأخرى كان يحاول التقاط عصاه ليقول عبدالقادر متسائلاً: رايح فين يا بابا؟ رايح أشوف ابني فين.. رايح أشوف أخوك فين يا عبدالقادر، أنا مش هسكت تاني. قالها بنبرة صارمة وصوت قوي لا يقبل المناقشة، فقال عبدالقادر
وهو يحاول ثنيه عن قراره: يا بابا استنى بس، انت تعبان مش هتقدر تلف في الشوارع. نزع "علي" يده من بين يدي ابنه وقال: حاسب يا عبدالقادر، اوعى، أنا مش هستنى تاني، أنا غلطت لما كذبت إحساسي في كل مرة كان بيقولي ابنك مماتش، يمكن لو كنت تعبت نفسي شوية ودورت على الحقايق مكانش كل ده حصل، أنا أول واحد غلطت في حق أخوكم.
بوهن ويدان ترتجفان التقط عصاه وهرول نحو الخارج ليلحق به عبدالقادر ويتجهان نحو المسجد أملاً منهما أن يجدونه هناك. *** كان يجلس على مقعد بالشارع ويضم يديه إلى بعضهما البعض يحيط بهما نفسه، شارداً ينظر إلى الفراغ من أمامه غير آبه بما يحدث حوله وكأنه مغيباً. جلس إلى جواره رجل أربعيني فلم يكترث وتحاشى النظر إليه ليجده يمد يده إليه بسيجارة فنظر إليه يحيي نظرة خاطفة وقال: شكراً مش عايز. قال الرجل دون أن ينظر إليه:
يا عم متتأمرش وخدها، أهي حاجة تطلع فيها غلّك وقرفك، ولا إنت مش قرفان؟ قال الأخيرة بسخرية ليلتقط يحيي السيجارة من بين أصبعيه ويشعلها بواسطة قداحته ويبدأ في تدخينها بشراهة ثم نظر بعدها إلى الرجل مجدداً وقال: هات سيجارة كمان! نظر إليه الآخر ضاحكاً وقال: للأسف لقد نفذ رصيدي، بس معايا اللي أقوى منها. وأخرج من جيب سترته الداخلي قنينة خمر ناولها إلى يحيي وهو يقول: خد بل ريقك. نظر إليه يحيي بتفحص وقال: لا مبشربش.
يا عم متعملش فيها داعية إسلامي بقى، يعني الخمرة حرام والسجاير لأ؟ خد اشرب وانسى، بؤ واحد هيخليك تطير وتنسى إنت مين وابن مين. ضحك يحيي ساخراً وفك وثاق ساعديه عن بعضهما ونظر إليه قائلاً: حلو ده أنا عايز أنسى، هات. التقط قنينة الخمر من بين يديه وتجرعها بأكملها جرعة واحدة ليمتعض بعدها امتعاضاً شديداً ونظر إلى الرجل فقال: إيه ده طعمها مقرف أوي. أومأ الآخر مؤيداً وقال:
أيوة طعمها مقرف بس مفعولها سحري.. بص قدامك كده وعد لحد خمسة هتلاقي نفسك بتطير. نظر إليه يحيي متعجباً ثم انفجر ضاحكاً بقوة فضحك الآخر بدوره وقال: ها طيرت ولا لسه؟ حاول يحيي كبح جماح ضحكاته وقال: آه بطير أهو. أومأ الآخر بجدية وقال: طب امسك فيا بقى لأحسن نقع احنا الاتنين. ثم نهض واقفاً ونظر إلى يحيي ثم قال: قوم يا امسك فيا. نهض يحيي عن مقعده بتثاقل وهو يترنح يميناً ويساراً ويقول: أنا مش شايف قدامي.
أسنده الرجل وسار باتجاه سيارته وفتح الباب ثم قال وهو يتخذ مكانه خلف طارة القيادة: اركب يلا. دلف يحيي إلى السيارة واستقل المقعد المجاور له ثم قال: اركب فين يا عم.. مش راكب. نظر إليه الآخر وارتفعت ضحكاته وقال: يبني ما انت ركبت خلاص. نظر يحيي حوله وقال: إيه ده هو أنا ركبت بجد! أومأ الآخر موافقاً ليقول يحيي: طب طالما ركبت نزلني بقى على جنب.
ثم انفجر ضاحكاً بهيستيرية ليترنح فاصطدمت رأسه بالمقعد من خلفه ليسبح في النوم سريعاً فنظر إليه الرجل وقال بثمالة: إيه ده هو نام؟ ثم نظر إلى انعكاس صورته بالمرآة وقال: أكيد يعني نام مش سامعه بيشخر؟ لينخرط بعدها في نوبة ضحك هيستيريه هاجمته مجدداً ثم انطلق بالسيارة نحو منزله. *** كانت صافية تجلس برفقة إبراهيم إلى جانب غزل ينتظرون إفاقتها فقال إبراهيم بخوف: ما كنا نجيب لها دكتور يا صافية، جايز حامل!
نظرت إليه صافية وهمت بإخباره بحقيقة الأمر قبل تتململ غزل في فراشها وقد بدأت تستعيد وعيها فقال والدها: هه.. الحمد لله فاقت أهي. أمسك بكلتا يديها بين يديه ونظر إليها مبتسماً وقال: حمد الله على سلامتك يا روح أبوكي. نهضت غزل لتعتدل في جلستها ونظرت إلى عمتها وقالت بخوف: هو أنا كنت بحلم يا عمتو ولا يحيي رجع فعلاً؟ ربتت صافية على ذراعها بلين وقالت:
لا يا حبيبتي مكنتيش بتحلمي، زينب بتقول إنه رجع امبارح فعلاً بس يا حبيبي محدش عارف هو فين دلوقتي. إبراهيم رأسه بشفقة وقال: مسكين يحيي، صدمة كبيرة أنا مش عارف هيتجاوزها إزاي ربنا يكون في عونه. حاولت غزل الخروج من فراشها فقال والدها وهو يمسك يدها يمنعها: رايحة فين؟ هنزل أدور على يحيي يا بابا! قالتها بكل بساطة ليردف بقوة ويقول: انتي اتجننتي؟ تنزلي إزاي؟
أولاً إنتي مفاتش على وفاة جوزك الله يرحمه أسبوع، ثانياً إنتي تعبانة، ثالثاً بقى والأهم هتنزلي تدوري عليه بصفتك إيه؟ تراجعت بصمت فأضاف قائلاً: اعقلي كده ومتخليش حد يتكلم علينا كلمة ملهاش لازمة. هكذا أعطاها أوامره وخرج من الغرفة ليتركها هي تائهه تسبح في بحور من ضياع. *** كانت يسر تجلس في منزل والدتها شاحبة الوجه ترتسم سيماء الحزن والندم على وجهها بوضوح. جلست والدتها إلى جوارها وتنهدت قبل أن تقول: وبعدين يا يسر؟
هتفضلي متعلقة كده لا طايلة سما ولا أرض؟ دون أن تنظر إليها أطلقت زفرة رتيبة وقالت: هعمل إيه بس؟ عمّالة أتصل بالزفتة زينب عشان أعرف منها آخر الأخبار مبتردش عليا. توقفت لبرهة ثم قالت بحماس: أنا عندي فكرة! هزت والدتها رأسها بتساؤل لتردف الأخرى قائلة: أنا هروح بحجة إني أجيب زياد ونور وهناك هشوف الوضع عامل إزاي وإذا كان يحيي موجود ولا. أنظرت إليها والدتها بتعجب وقالت: عايزة تخرجي وإنتي تعبانة كده؟
مينفعش طبعاً إنتي عايزة الناس تقول عليكي إيه؟ تأففت بملل وقالت: بلا ناس بلا زفت، أومال عايزاني أقعد هنا وأنا مش عارفة أنا مصيري إيه؟ لتعود والدتها وتنظر إليها قائلة: طب حتى اثبتي إنك تعبانة ومتأثرة باللي حصل، إنما لما تخرجي تاني يوم كده هيقولوا إيه؟ وبعدين متستعجليش يا خبر النهارده بفلوس بكرة يبقى ببلاش.
قاطع حديثهم دخول زوج والدتها يحك ذقنه محدثاً صوتاً غليظ أشبه بالخشخشة وجلس أدعالي حافة الفراش الذي ترقد عليه يسر وقال محدثاً زوجته: هو مفيش عشا ولا إيه؟ هتفضلي قاعدة جمب سوسو طول النهار ونضيع إحنا ولا إيه؟ نظرت إليه يسر بغيظ وحنق فاضا من عينيها وقالت: قومي يا ماما اعمليله أكل أصل ده لو جاع ممكن ياكلنا. نظر إليها غير مبالياً وهز رأسه باستهجان وقال: إلا قوليلي يا سوسو؟ ناوي تقعدي هنا لحد إمتى؟
نظرت إليه زوجته باستياء وهي تمنعه عن الإسهاب في حديثه بعينان زاجرتان ليتجاهلها ويكمل قائلاً: أقصد يعني هترجعي لجوزك إمتى؟ راحت يسر تنظم أنفاسها تأخذ شهيقاً وتزفره ببطء لتمنع نفسها من الانفعال وقالت: أنا تعبانة وعايزة أنام. أومأ موافقاً ونهض واقفاً ثم قال: نوم العوافي يا بنت مراتي، تصبحي على خير. وخرج من الغرفة ليتركها تغلي وتزبد من فرط الغيظ فاقتربت منها والدتها وربتت على كتفها بأسف وقالت:
معلش يا حبيبتي هو إسماعيل كلامه دبش كده متاخديش على خاطرك منه.. البيت بيتك يا قلب أمك. نظرت إليها يسر بصمت وخانتها دمعة من عينها كانت تجاهد كي لا تسقط وقالت: أنا اللي أستاهل كل اللي بيحصل لي ده يا ماما. قاطعتها والدتها حيث قالت:
متزعليش نفسك يا حبيبتي انتي معملتيش حاجة حرام ولا حاجة تتكسفي منها ده انتي اتجوزتي على سنة الله ورسوله، وبعدين هو إبليس اللي اسمه سليمان ده هو اللي فضل يحوم حواليكي لحد ما اتجوزك يعني انتي ملكيش ذنب في حاجة. نظرت إليها يسر بفرحة وقالت بأمل: بجد يا ماما؟ تفتكري فعلاً يحيي ممكن يسامحني؟ أومأت والدتها بتأكيد وقالت: طبعاًااااا، وهو يقدر يعيش من غيرك إنتي وعياله؟
متبقيش عبيطة أوماال، أومال فين يسر اللي طول عمرها دماغها توزن بلد! متقلقيش انتي بس وإن شاء الله هي فترة وتعدي ويحيي مجرد ما يفوق من صدمته هيرجعلك أوام إنتي والعيال. أومأت يسر بموافقة وقالت: معاكي حق يا ماما، بس انتي متأكدة من الكلام بتاع جوز خالتي ده؟ أومأت والدتها أن نعم وقالت:
طبعاً متأكدة هو أنا هسأل أي حد بردو، جوز خالتك ده أخوه الصغير بيدرس في الأزهر وسأل شيوخ كتير وكلهم قالوله إن طالما الزوج الأولاني رجع يبقى مراته من حقه بس لما تخلص عدتها من الأولاني وانت سقطتي يعني ملكيش عدة يعني ترجعوا لبعض في أي وقت عادي. نظرت يسر أمامها بأمل وأومأت بابتسامة وقالت: إن شاء الله ده اللي هيحصل، أنا عارفة إن يحيي بيحبني وهيسمعلي. ربتت أمها على رأسها وقالت:
إن شاء الله يا حبيبتي، يا نامي انتي وارتاحي، تصبحي على خير. خرجت والدتها من الغرفة بينما ظلت هي تتطلع أمامها بابتسامة حالمة وهي تمني نفسها بعودة يحيي قريباً. *** استيقظ بتعب شديد وهو يشعر بأن أحدهم قد أبرحه ضرباً ليتأوه بشدة وهو يحاول الاعتدال بمجلسه ناظراً حوله بتعجب جم وهو يحاول معرفة هوية المكان المتواصل به قبل أن تقع عيناه على زجاجات خمر متعدده ملقاه بإهمال في كل مكان بعشوائية.
فنهض قائماً يضع يده فوق جبهته بشرود والأخرى تخصّر بها وتمتم بخوف: إيه ده؟ هو أنا هببت إيه؟ استمع إلى صوت خطوات أقدام آنية من مكان ما لينظر حوله فوجد رجلاً أربعينياً وسيم للغاية يقترب منه فنظر إليه يحيي وقطب حاجبيه مندهشاً في حين بادله الآخر ذات النظرات المتعجبة وقال: إنت مين؟ نظر يحيي حوله بشرود وقال: انت اللي مين وايه اللي جابني هنا؟ نظر إليه الرجل بشك وهو يدنو منه وقال: انت حرامي ولا إيه؟ نظر إليه يحيي بقوة وقال:
حرامي مين يا أخينا انت فوق كده واعرف انت بتكلم مين. نظر الآخر حوله ودقق نظره نحو زجاجات الخمر الملقاه أرضاً وقال متذكراً: أيوة أيوة صح، انت اللي قابلتك امبارح عالـبحر وركبت معايا العربية. قاطعه يحيي بإيماءة من رأسه وقال: أيوة فعلاً كلامك صحيح.. لا مؤاخذة أنا مكنتش واعي وقتها ودلوقتي كنت ناسي اللي حصل. ابتسم الرجل ببشاشة وقال: ولا يهمك، حصل خير، وأنا كمان مكنتش مركز امبارح وكنت متقل في الشرب ومعرفش حصل إيه.
مد يده ليصافح يحيي وقال: أعرفك بنفسي.. قاسم عبدالرحمن. صافحه يحيي بود وقال: يحيي الهنداوي. ابتسم قاسم قائلاً: أهلاً بيك يا يحيي اتشرفت بمعرفتك. بادله يحيي الابتسام وقال وهو ينحني ليلتقط سترته من على الأريكة: الشرف ليا وآسف على الإزعاج. قاطعه قاسم قائلاً: لا طبعاً مفيش إزعاج ولا أي حاجة، إنت رايح فين؟ أجابه يحيي بهدوء: هستأذن أنا بقى. ليقاطعه قاسم قائلاً: لا طبعاً مش قبل ما نفطر مع بعض. ابتسم يحيي ببشاشة وقال:
معلش اعذرني لازم أمشي. يا عم هتمشي تروح فين بس؟ استوقفته تلك الكلمات وانتبه لسؤال قاسم ليتساءل بداخله "أين سأذهب حقاً؟! فأعاد النظر نحوه وضحك بخفة وقال: مش عارف والله. ابتسم قاسم بلطف واقترب منه ليجلس بأريحية على الأريكة ويشير له بالجلوس قائلاً: اقعد اقعد انت شكلك حكايتك حكاية. جلس يحيي مستسلماً وشرد أمامه وقال بعد أن أطلق تنهيدة محملة باليأس: لا حكاية ولا رواية، عادي. نظر إليه قاسم بتفحص ثم قال:
عادي إزاي بقى ده انت شكلك شايل كتير.. زيي كده. قال الأخيرة متهكماً يسخر من حاله فنظر إليه يحيي وابتسم قائلاً: أوقات كتير بيبقى الواحد شايل في قلبه ياما مبيقدرش يحكيه، لا في طاقة يحكي ولا عايز حد يواسيه ويقول له معلش حتى، بيبقى كل اللي عايز يعمله إنه ينسى ويا سلام لو يفقد ذاكرته ويرجع لنقطة البداية كإنه لسه مولود دلوقتي حالاً.. يسلاااااام راحة مجربتهاش انت. تساءل الآخر ضاحكاً وقال: على أساس إنك انت اللي جربتها؟
أومأ يحيى موافقاً وقال: أيوة جربتها سنة كاملة، كنت عايش ملك، بس كنت غبي مش مقدر قيمة النعمة اللي أنا فيها. نظر إليه قاسم مطولاً وقال: مش بقوللك حكايتك حكاية! انت شغال إيه يا يحيي؟ أجابه يحيي بهدوء وقال: إحنا تجار قماش أصلاً أبًا عن جد، كل واحد منا أنا وإخواتي كان له محل، بالرغم من إني معايا بكالوريوس تجارة وكان طموحي غير كده خالص بس والدي أصر إني أكون تاجر زي إخواتي. أومأ قاسم متفهماً وقال بغتةً: تشاركني؟
نظر إليه يحيي متعجباً وقال: أشاركك؟! إزاي مش فاهم؟ اعتدل قاسم بمجلسه وبدأ حديثه قائلاً: أنا عندي شركة استيراد وتصدير.. يعني مجالك.. حابب تدخل شريك بالخبرة والمجهود تمام، حابب تدخل شريك بالمال والخبرة والمجهود تمام، اللي يريحك ويناسب إمكانياتك، ونكبر الشركة أنا وانت وبدل ما يبقى فرع يبقى فروع. إيه رأيك؟ نظر إليه يحيي شارداً حيث كان يحاول لملمة شتات نفسه والتركيز بحديث الآخر فقال:
معلش اعذرني أنا حالياً مش مركز ولا قادر أستوعب حاجة، سيبني فترة أفكر وهرد عليك إن شاء الله. أومأ قاسم موافقاً وقال: اللي تحبه طبعاً وأي قرار تختاره أنا معاك فيه، بس نصيحة مني الشغل هو اللي هينسيك كل حاجة ويخليك تقدر تقف على رجليك من تاني. أومأ يحيى بتأكيد ليضيف ويقول: بإذن الله هفكر في الموضوع بجدية وهرد عليك في أقرب وقت. ثم نهض واقفاً لينظر إليه قاسم ويقول: رايح فين تاني؟
معلش لازم أمشي.. كفاية الإزعاج اللي عملتهولك امبارح. لا أبداً ولا إزعاج ولا حاجة، وبعدين حتى استنى نفطر سوا ولو مصمم تمشي بعدها ابقى امشي. أومأ يحيى موافقاً وجلس من جديد منصاعاً خلف حديثه. *** كانت تجلس إلى جانب صافية وهي تقوم بمهاتفة زينب حيث كانت تنقل لها آخر التطورات التي طرأت عليهم منذ عودة يحيي فقالت:
من يوم ما رجع منعرفش عنه حاجة يا صافية.. كإنه فص ملح وداب والله.. أبوه هيتجنن عليه وقدورة كل يوم ينزل يستناه في الجامع على أساس إنه جاي أو هييجي ويرجع مهموم وحزين.. حتى عياله كل شوية يسألوا عليه وزياد ابنه مش مبطل سؤال عنه وكل شوية يسأل جده ويقوله هو بابا راح فين تاني.. واللي زاد وغطى سليمان كمان مش عارفين له طريق جرّه من يومها طلع بعربيته مرجعش البيت ومحدش عارف هو فين. تنهدت صافية بضيق شديد وقالت: هيكون فين بس؟
أنا قلقانة عليه والله لو ينفع انزل أدور عليه هعمل كده. قالت زينب بتعجب: بعد كل اللي شوفتيه منه يا صافية ولسه بتفكري فيه؟ قاطعتها صافية بحنق وقالت: بتقولي إيه انتي كمان أنا قصدي على يحيي.. طيب ويُسر أخبارها إيه بعد موت البيبي؟ أجابت زينب ببساطة وهدوء: هي دي بتتهد ولا بتزعل على حاجة، أهي من يومها وهي متلقحة عند أمها. تنهدت صافية بسأم وقالت: ربنا يعديها على خير ويسترها معاه ويرجع بالسلامة. ياااارب. تمتمت بها زينب وقالت:
غزل عاملة إيه؟ نظرت صافية إلى تلك الباكية صاحبة الوجه الهزيل التي تجلس إلى جانبها وقالت: هتعمل إيه، الحمد لله على كل حال. سلمي عليها كتير وهبقى أكلمك وقت تاني. أنهت صافية الاتصال لتنظر إلى غزل والتي كانت تبكي بحرقة وقالت: يعني بعد ما يرجع وأقول أخيراً رجع يختفي تاني وبالشكل ده؟ ربتت صافية على رأسها وجذبتها إلى صدرها تهدئ من روعها وتقول: معلش يا حبيبتي كله مقدر ومكتوب، ربنا يكون في عونه يحيي مصيبته كبيرة.
نظرت غزل إليها وقالت والعشق يفيض من عينيها: تفتكري هيرجع يا عمتو؟ لو مرجعش المرة دي أنا هموت فيها بجد. أومأت صافية بتأييد وقالت: أكيد هيرجع أنا متأكده.. بس متأكده كمان إنه هيرجع واحد تاني خالص، يحيي على قد ما كان طيب وهادي بس لو حد ظلمه مبينساش أبداً وهو متظلمش من واحد بس، ده احنا كلنا ظلمناه بموافقتنا على الجوازة دي. وانتي ذنبك إيه يا عمتو؟ انتي انضحك عليكي وأكتر واحدة اتظلمتي في البيت ده وبسبب الجوازة دي.
تنهدت صافية بحزن وقالت: ذنبي إني كنت سلبية.. في أوقات كتير يا غزل مينفعش تتنازلي عشان خاطر حد حتى لو الحد ده أقرب حد ليكي، لإنك متعرفيش هتدفعي تمن تضحيتك وتنازلك ده إيه!
لازم تعرفي إن القلوب بتتقلب ومحدش ضامن اللي قدامه ده لو بيحبه وروحه فيه النهاردة، بكرة هيبقى شعوره إيه من نحيته.. فإنتي مهما كان مينفعش تقدمي حاجة فوق طاقتك واحتمالك لإن ممكن ييجي اليوم اللي تندمي فيه على تضحياتك دي وتقولي زيي كده يا ريتني مت قبل ما أوافق على حاجة زي كده.. لإن في النهاية مهما تعملي مش هترضي الناس ولا حد هيقدر اللي عملتيه عشانه ولا حتى هيشيلوهالك جميلة.. يبقى انتي تعملي اللي تقدري عليه وبس وإووعي في حياتك مرة تضغطي على نفسك ولا تجبريها عشان خاطر حد. محدش يستاهل!
أومأت غزل بموافقة واقتناع عندما اختتمت صافية حديثها النادم بتنهيدة يائسة بينما شردت الأخرى بحديثها وهي ترجو الله في نفسها بأن يعود سريعاً. *** كانوا جميعاً يجلسون حزاني شاردون، يفكرون بما يحدث حولهم من أحداث متلاحقة.. عودة يحيي ومن ثم اختفاؤه مرة أخرى، غياب سليمان أيضاً والذي زاد من حيرتهم وقلقهم. مفيش أخبار عن إخواتك يا قدورة؟ تساءل الأب حيث كان يجلس متكئاً بكلتا يديه على عصاه كعادته يستند عليها ليقول عبدالقادر:
مفيش يا بابا.. سليمان مبيفتحش المحل ولا بيروح عند حد من معارفه وحتى كان في بضاعة المفروض هو اللي يستلمها لسه في المصنع، ويحيي كإنه فص ملح وداب محدش عارف عنه حاجة. بتر حديثه عندما استمع إلى طرقات على باب المنزل فقال محدثاً ابنه: شوف مين يا سيف. فتح ابنه الباب لينظر إليهم بفرحة ويقول: ده عمو يحيي. دخل يحيي واحتضن الصغير مربتاً على رأسه كعادته السابقة لينهضوا جميعاً راكضين نحوه قبل أن يستوقفهم بإشارة من يده ويقول:
زي ما انتوا. توقف والده متعجباً ونظر نحوه بتفحص فقال وهو يتلاشى النظر لأبيه: أنا مش جاي أقعد.. أنا جاي أقولكوا كلمتين وأمشي. تجاهل والده حديثه واقترب منه أكثر ووقف أمامه قائلاً بهدوء: هتتكلم وانت واقف يا ابني؟ نظر يحيي أرضاً وقال: معلش، هما كلمتين عالسريع وهمشي.. لو سمحتي يا أم سيف تلبسي نور وزياد وتجهزي حاجتهم. نظروا جميعاً لبعضهم البعض بتعجب وقال والده: ليه انت عايز حاجتهم ليه؟ انت ناوي على إيه بالظبط؟
نظر إليه والده بقوة وأضاف قائلاً: ناوي آخد عيالي وأمشي، إيه حد عنده اعتراض؟ دنا منه شقيقه وقال مستفهماً: تاخدهم وتمشي إزاي يا يحيي؟ تمشوا تروحوا فين؟ أي مكان بعيد عن هنا هيبقى أحسن ليا وليهم، وأظن هما مش محتاجين غيري دلوقتي. هكذا خرجت تلك الكلمات الحادة من فم يحيي ليقول والده محاولاً تهدئته: اصبر بس يا ابني واستهدي بالله.. هتروح فين وتسيب بيتك؟ وبعدين ذنبهم إيه العيال يتبهدلوا؟ نظر إليه يحيي وقال:
ذنبهم إنهم عيالي.. ومضطرين يستحملوني سواء حلو أو وحش.. وأنا مصمم آخدهم معايا مطرح ما أروح حتى لو هموت أنا وهما هيكون أحسن ليهم من إني أسيبهم وسطكوا. تفاجأ والده بتلك الكلمات ليقول بصوت مختنق: كده يا يحيى؟ ده كلام يتقال يا ابني؟ انت مش مصدق إني وافقت عشانهم؟ قاطعه يحيي بغضب عاصف وقال:
لو سمحت يا حج بلاش كلام في الموضوع ده.. أنا قفلت الموضوع ده بالضبة والمفتاح.. ومش هقبل فيه أي أعذار أو حجج ملهاش لازمة.. انت بالذات كان بإستطاعتك تربي عيالي وتصرف عليهم بدل ما تجوز أمهم لابنك. قال والده بحزن: خوفت يا يحيي، مراتك كان بيتقدملها كل يوم والتاني راجل شكل وخوفت تتجوز وتاخد العيال أو العيال يروحوا لأمها وأتحرم منهم. قاطعه يحيي مجدداً وقال متهكماً: ده كلامه مش كده؟! هو اللي أقنعك بكده عشان تبارك الجوازة!
وانت طبعاً وافقت وقولت تضرب عصفورين بحجر.. عيال ابنك يبقوا معاك وأهو فرصة ابنك التاني يخلف ويبقى له عيال وأهو الله يرحم اللي مات. أومأ والده بنفي وقال: أبداً والله يا ابني، والله ما فكرت في حاجة أبداً غير فيك وفي عيالك. أومأ يحيى برأسه بهدوء وقال: مبقاش ييجي منه يا بابا، اللي حصل حصل خلاص.. وأنا روحت المحكمة النهاردة وثبت إني لسه حي أُرزق وسألت في دار الإفتاء وقالولي إنها رجعت لعصمتي. تساءل أخيه بترقب وقال:
وإمتى هترجعها؟ أجاب باقتضاب: مش هرجعها. فقالت زينب بفضول: هتطلقها؟ أومأ موافقاً وقال: طلقتها! تهللت أساريرها وابتسمت بحماس لم تستطع إخفاؤه ليقول والده: وهي خدت خبر بالكلام ده؟ ورقتها هتوصلها النهارده إذا مكانتش وصلتها. قال والده بحزن: طب والعيال؟ هتسيبهم لها؟ نظر إليه والده بقوة وصرامة وقال: عيالي مش هسيبهم لحد قلت، هيفضلوا معايا أنا غصب عن عينيها وعينين التخين. وتابع بصوت جهور: يلا يا زينب هاتي حاجتهم خلينا نمشي.
أومأت زينب بموافقة وأسرعت على الفور تقوم بتجهيز أغراض الصغار بينما نظر يحيي إلى أبيه وقال: أنا عايز فلوسي. قطب والده حاجبيه بتعجب وقال: الفلوس كلها تحت رجليك يا ابني، شاور وخد اللي انت عايزه. أضاف بنبرة جامدة: أنا مش هاخد حاجة زيادة ولا حاجة مش من حقي، أنا عايز فلوسي اللي اشتغلت بيها من يوم ما وعيت عالدنيا ونزلت السوق.. وعايز الـ 200 ألف اللي عند سليمان اللي كان واخدهم مني عشان شقة القاهرة. برز صوت عبدالقادر حيث قال:
حقك يا يحيي.. متقلقش أنا هتصرف في الموضوع ده وفلوسك كلها هتبقى عندك في ظرف يومين. أومأ موافقاً ليقول والده: انت ناوي على إيه يا يحيي؟ نظر إليه يحيي وقال: ناوي على كل خير.. ناوي أشوف حياتي وأبدأ من جديد. زفر والده بتعب وقال: ربنا ييسر لك أمرك يا ابني.. وهترجع إمتى تعيش وسطنا؟ ابتسم يحيي متهكماً وقال: مبقاش ينفع يا بابا.. البيت ده مبقاش يسعنا احنا الاتنين.. وأنا هقدر أصرف أموري إنما هو ملوش مكان تاني يعيش فيه.
قال عبدالقادر: هو من يومها واحنا منعرفش عنه حاجة.. أكيد مش عارف يواجهك ومكسوف منك.. صدقني يا يحيي. قاطعه يحيي ناهياً ذلك الحوار وقال: وليه متقولش إنه متأثر بموت ابنه اللي كان مستنيه وكلها يومين ويرجع تاني؟ مفيش حاجة اسمها مكسوف يا عبدالقادر.. اللي اختشوا ماتوا. ألقى بكلماته بقوة وذهب ليحمل حقائب الأغراض الخاصة بأطفاله واصطحبهما ليخرج من الباب فاستوقفه والده قائلاً بلهفة: هنشوفك تاني إمتى يا يحيي؟ نظر إلى والده وقال:
هاجي يا بابا.. متقلقش! خرج برفقته أطفاله واستقل سيارة قاسم الذي كان ينتظره بالخارج فقال مرحباً بالأطفال: أهلاً أهلاً يا حلوين.. هاتي بوسة. قالها مقبلاً نور التي منحته ابتسامة واسعة ثم قال مخاطباً يحيي: هاا عملت إيه؟ قال يحيي باقتضاب: بلغتهم باللي حصل وجبت حاجة زياد ونور. أومأ قاسم موافقاً وقال: بلغتهم إنك طلقتها؟ أومأ يحيى موافقاً وقال: أيوة قلتلهم.. معلش يا قاسم هنتقل عليك أنا والولاد على ما الفلوس تيجي واشتري شقة.
نظر إليه قاسم بعتاب وقال: متقولش كده يا يحيي انت زي أخويا الصغير، وأنا قولتلك القدر هو اللي وقعك في طريقي ووقعني في طريقك، يعني لبسنا يا معلم. قالها ممازحاً إياه ليبتسم يحيي بخفة فقال له: روق كده.. أهم حاجة إن عيالك معاك والبااقي يتعوض. أومأ بتأكيد واحتضن طفليه بشدة يعوض فقدانه لهما طيلة الأيام الماضية. *** كانت تقف أمام مرآتها تستعد للمغادرة قبل أن تدخل والدتها إلى غرفتها وتتساءل قائلة: أومال انتي رايحة فين يا يسر؟
برز صوت زوجها من خلفها يقول: جايز زهقت من القعدة ونزلت تدور على شغل. رمقته يسر بضيق واشمئزاز وقالت لوالدتها: رايحة أجيب عيالي يا ماما. قال زوج والدتها قاصداً إثارة غضبها وحنقها: رايحة تجيبي عيالك بردو ولا تطمني على حبيب القلب. تجاهلته ونظرت إلى والدتها وقالت:
لازم أشوف آخرة اللي أنا فيه ده إيه يا ماما.. نور وزياد هما آخر أمل قدامي والحاجة الوحيدة اللي هترجعلي يحيي.. مش هتأخر هجيبهم وأجي أوام.. حضري المكرونة والبانيه لزياد على ما نرجع. قالت الأخرى بابتسامة ليقول إسماعيل: حيلك حيلك.. بتتشترطي كده ولا كأنك قاعدة في فندق خمس نجوم. ثم حك ذقنه قائلاً: هو مش الأكل ده يلزمه فلوس ولا البعيدة مبتشوفش.. ده حتى على رأي المثل، اللي ميشوفش من الغربال يبقى أعمى! نظرت
إليه يسر بغضب شديد وقالت: أما قليل الذوق بصحيح.. عالعموم أنا هجيب فلوس من جد زياد ونور وأنا جايه وهصرف على نفسي وعيالي.. ربنا ما يحوجنا لأمثالك. أومأ ساخراً وقال: ماااشي.. مقبولة منك يا بنت مراتي.. بس زودي المعلوم شوية ألّا العيشة غليت. لم تجبه وانصرفت مغادرة على الفور في طريقها نحو منزل عائلة الهنداوي. *** وصلت أمام المنزل لتطرق الباب بأيدي مرتجفة من فرط التوتر فانفرج الباب لتظهر زينب من خلفه التي تفاجأت بقدومها
فنظرت إليهم بالداخل وقالت: دي يسر. ثم نظرت إلى يسر بابتسامة مصطنعة وقالت: يا خسارة حظك زفت. نظرت إليها يسر بتعجب لتستطرد حديثها وتقول: أصل يحيي كان هنا ولسه ماشي حالاً. اهتز قلبها بين أضلعها وتسارعت نبضاته لتتمتم بذهول: يحيي؟! بجد؟! أومأت زينب برأسها أن نعم ولم تنطق فدخلت يسر تمشي على استحياء وألقت تحية السلام باقتضاب ثم قالت: أومال نور وزياد فين؟ ناموا بدري كده؟ نظر إليها "علي" وقال: عيالك مع أبوهم يا يسر. ضيقت
عينيها باستفهام وقالت: مع أبوهم فين؟ تولت زينب مهمة إخبارها وقالت: يحيي خدّهم وخد هدومهم وكل حاجتهم كمان. اعترتها الصدمة ونظرت إليهم واحداً تلو الآخر بذهول وقالت: خدهم إزاي يعني؟ وخذهم على فين؟ رفعت زينب كتفيها بجهل ليجيبها عبدالقادر قائلاً: منعرفش يا يسر خدّهم على فين.. كل اللي نعرفه إنهم هيفضلوا معاه. طب وأنا؟ تساءلت بلهفة وأضافت: أقصد أنا موقفي إيه يعني من كل ده؟ هنا نطق "علي" قائلاً:
المحكمة حكمت برجوعك لعصمة يحيي. أغتر ثغرها عن ابتسامة عريضة لتنقشع بغتةً عندما أضاف: ويحيي طلقك! تجهم وجهها بقوة وكادت الدماء أن تنفجر من عينيها وقالت بصوت متقطع: طلق... طلقني إزاي يعني؟ أجابتها زينب بشماتة وقالت: طلقك في المحكمة وورقتك هتوصلك قريب. تملكتها الصدمة وشعرت بأن الأرض تميد بها وابتلعت لعابها بصدمة ثم نظرت لهم تباعاً وقالت: هو يحيي اللي قال إنه طلقني فعلاً؟ يعني هو معدش عاوزني؟ أومأ عبدالقادر بأسف وقال:
يحيي اتغير يا يسر.. الصدمة خلته إنسان تاني خالص.. حتى مع أبوه. نظرت إليه وقد سالت دمعاتها وقالت: طب وانتوا مدفعتوش عني ليه؟ كنتوا قولوا له إنه غصب عني وإن سليمان اللي فضل يزن عليا لحد ما وافقت. نظرت إليها زينب بصدمة وتعجب وتمتمت بصوت خافت: يخرب بيت شيطانك! تابعت يسر ببكاء حار: أنا دلوقتي ذنبي إيه؟ إنتوا عارفين إني كنت بعشق التراب اللي يحيي كان بيمشي عليه. نظر إليها "علي" وقال:
والله يا بنتي منا عارف أقوللك إيه.. أنا ذات نفسي مبقتش فاهم حاجة.. ولا بقيت عارف مين الظالم ومين المظلوم.. كل اللي أقدر أقولهولك ربنا يعينك. خارت قواها وأجهشت بالبكاء وقالت: طيب وزياد ونور ذنبهم إيه يتحرموا من أمهم؟ هو يحيي ناوي يعاقبني بيهم هما كمان؟ نظرت إليها زينب بملل وقالت ببرود: والله يا يسر إحنا منعرفش يحيي ناوي على إيه بالظبط.. هو جه خد عياله ومشي أوام. وأضافت: أجيبلك كرسي تقعدي ولا هتمشي؟
نظرت إليها يسر مطولاً حيث كانت زينب تبادلها النظرات بتحدٍ ثم انصرفت مغادرة بصمت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!