الفصل 25 | من 25 فصل

رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
22
كلمة
7,820
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

حاسب يا يحيي! صرخت بها غزل بخوف وعينان مذعورتان. لينتبه يحيي لتلك السيارة التي كادت أن تصطدم به لولا أن كبح فرامل السيارة بغتةً. ليتفاداه سائق السيارة الأخرى بعد أن أطلق مسبةً غاضبة. انزوى يحيي إلى جانب الطريق مصطفاً بسيارته، وأسند رأسه إلى طارة القيادة يحاول جمع شتات عقله الذي يصرخ بألم من فرط التفكير. يحيي... نطقت بها غزل وهي تمد يدها تمسح على شعره بحنان وتابعت: مالك يا روحي؟

دون أن ينظر إليها، رفع رأسه عن الطارة وأدار محرك السيارة مرةً أخرى وهو يقول: أنا تعبان يا غزل، خلينا نرجع البيت على طول وأبقى أكلم قدورة يجيب نور وزياد. انطلق عائداً نحو بيتهِ، وفور أن دلف إلى الشقة ذهب إلى غرفته على الفور وخلع حلّته واستبدلها بملبسٍ آخر مريح، ودخل إلى فراشه بصمت وهدوء. تبعته غزل إلى الفراش فالتصقت به وأحاطت رأسه بيدها. ليضمها إليه بقوة دافناً رأسه بـ كَنَفِها وهو يقول: احضنيني يا غزل...

تعجبت طلبه ولكنها حتماً سَعِدت به فأزادت من ضمها إليه وقالت: مالك يا يحيي مزاجك وحش ليه؟! شعرت بتنهيدته المثقّلة بالهموم، فنزلت إلى مستوى جسده وهي لا تزال تغمره بذراعيها حتى باتت عيناهما في مقابل بعضهما البعض. نظر إليها بعمق وقال متسائلاً: هو أنا لو مكنتيش في حياتي كنت هعمل إيه؟

ابتسمت بهدوء فاستطرد قائلاً: بالرغم من كل اللي شفته ومررت بيه، بس ساعة ما ببص في وشك بقول الحمد لله. رُبّ ضارة نافعة. يعني لو مكنش حصل اللي حصل ده كله مكنتش هتجوزك. كنت هفضل عايش أوهب الحب لقلوب رخيصة... اقتربت هي منه وقبّلته بحبٍ طاغٍ وأخبرته قائلة: طيب لما إنت تقول كده أنا أقول إيه؟ أنا كنت عايشة والسلام، مكنتش أتخيل أبداً إني أتجوزك. لحظة زي دي عمرها ما خطرت في بالي...

ابتسم لحديثها الذي يؤكد له بأنه لم يعشقه أحد بقدر ما عشقته هي. فمد أنامله يعبث بخصلاتها ويقول: مش ناويه تجيبيلي نونو بقا يا غزولة؟ خفق قلبها بشدة ليستطرد قائلاً: نفسي في حتة صغيرة منك أشوفها بتكبر قدامي وأعوضك فيها عن كل لحظة وكل دقيقة وكل ثانية فوتتها من غير ما أقول لك إني بحبك... تساءلت لحاجةٍ في نفسها: إنت بتتكلم بلهفة كأنك مخلفتش قبل كده...

مش كده.. خلفت طبعاً واللي خلفتهم أغلى من نور عيني. نور وزياد هما أول فرحة في حياتي وعشانهم مستعد أديهم عيني ولا تكثر عليهم، بس بردو مش هينكر إني ملهوف عشان أخلف منك. أينعم عمري ما هفرق بينهم أبداً بس ابننا أو بنتنا هيبقالهم غلاوة خاصة، مش زيادة لكن من نوع خاص... ابتسمت بحب وقالت: إشمعنى بقا؟! عشان منك إنتي، هحبه عشان هو مني ومنك، هو الرابط بيننا. وياسلام بقا لو جت بنت وكانت شبهك... هتعمل إيه؟! هاكلها هي وأمهاا...

ارتفعت ضحكاتها ليباغتها مائلاً فوقها فقالت: إنت رايح فين؟! أجاب ببساطة: هطفي النور. رفعت حاجبها وقالت: طيب ما تطفيه من جمبك.. لا أصل الزرار اللي جمبي بعيد عنك.. مالو؟! معلّـق.. *** في صباح اليوم التالي وبعد أن استعد يحيي للذهاب إلى عمله، قبّل كلاً من زياد ونور، ومن ثمّ التقط يد غزل مقبلاً إياها قائلاً: ادعيلي، اليوم كله شغل وحاسس إني مصدع من دلوقتي...

حبيبي ربنا معاك.. أنا هبقى أنزل أروح لعمتو، قاسم رايح لهم النهارده... أومأ موافقاً وقال: ماشي وابقي طمنيني عملوا إيه؟! مش هتيجي معاه؟ لأاا بلاش المرة دي بدل ما عمي إبراهيم يفتكرني جاي معاه واسطة ولا حاجة، خليها مرة تانية. ماشي.. مع السلامة. بعد أن انصرف إلى الخارج، بدأت بترتيب المنزل لتشعر فجأة بالدوار يهاجمها وكأن الأرض تميد بها. أمسكت رأسها بيدها وهي تحاول أن تستعيد توازنها، ثم سارت نحو الأريكة وتهاوت إليها...

سيطر عليها النعاس فجأةً وفشلت في مقاومته لتغط في النوم بمكانها. إلى أن مرت الساعات وأفاقت على يد زياد توكزها بلطف ويقول: غزل، أنا جعان.. انتفضت من نومها في الحال ونظرت إلى الساعة المعلّقة بالحائط أمامها فجحظت عيناها وقالت: إيه ده؟! أنا نمت كل ده؟! مصحتنيش ليه يا زياد بس أديني أهو معملتش أكل... قال زياد حانقاً: منا يعني بقالي شوية كتير بصحي فيكي وإنتي مش راضية تقومي...

خلاص خلاص قمت أهو.. استني نص ساعة بس وهعمل الغدا... عايز سمك فيليه زي اللي عملتيه امبارح... قصدك زي اللي بعمله كل يوم، إنت يا ابني زهقت من السمك؟ في حاجات تانية ربنا خلقها بتتاكل برضو، دنتا معدتك اشتكت... لأ مليش دعوة، اعمليلي سمك فيليه.. حاضر يا زياد حاضر، من عنيا يا حبيبي، وإنتي يا بسكوته عايزة إيه؟! توجهت بحديثها لـ نور التي قالت: فيليه مع زياد... رفعت كتفيها بإستسلام وقالت: زي ما تحبوا إنتوا حرين..

دَلفت إلى المطبخ وبدأت بتجهيز الطعام لتشعر فجأة بحاجتها للقيء. فأسرعت إلى المغسل وخرجت منه وهي تلهث بتعب وقد ملأها النفور والإشمئزاز كلما وصل لأنفها أيّاً من روائح الطعام.. غزل خلصتي بقاا، إحنا جعانين. قالها زياد بنفاذ صبر وتأفف فقالت: اصبر بس يا زياد خمس دقايق وهجيب لكوا تاكلوا.. تحاملت على آلامها وإرهاقها وأخذت تعد لهم الطعام حتى فرغت فقدّمته إليهم وأسرعت مجدداً نحو المغسل تتقيأ مرة أخرى..

ارتفع رنين هاتف المنزل فأجاب زياد مسرعاً يقول: أيوة يا بابا.. إحنا بنتغدي.. لأ غزل في الحمام وتعبانة خاالص.. طيب استنى.. ناداها زياد قائلاً: غزل تعالي كلمي بابا... بعد دقائق اتجهت غزل لمحادثة يحيي والذي قال بلهفة: في إيه يا غزل تعبانة مالك؟! سحبت شهيقاً طويلاً ملأت بهِ رئتيها ثم قالت: مفيش أنا كويسة، تقريباً خدت برد في معدتي. أجيبلك الدكتور وآجي طيب؟ لاالا أنا بقيت كويسة، هعمل حاجة دافية أشربها وهبقى تمام.

طيب ارتاحي وأنا شوية وجاي.. لو حسيتي إنك تعبانة كلميني فوراً. تمام ماشي، يلا سلام. أنهى يحيي الاتصال وهو لا يزال شارداً يفكر بتعبها المفاجئ. حاول كثيراً التركيز بعمله ولكن دون جدوى فعاد مسرعاً إلى البيت.. دلف إلى البيت فأسرعت نور نحوه فحملها وهو يتحدث إلى زياد قائلاً: فين غزل يا زياد؟ غزل في الحمام برضه يا بابا، تعبانة خالص...

أسرع إلى الخلا ليجدها تسند رأسها إلى صنبور المياه أمامها بتعب وإعياء فربت على ظهرها قائلاً: إنتي لسه تعبانة يا غزل؟ نظرت إليه واحتضنته بشدة وقالت: يحيي كويس إنك جيت، أنا تعبانة جداً ومش قادرة أرفع راسي حاسة إنها أتقل من جسمي. مسح على ذراعيها بحنوٍ بالغ وأردف بحسم: تعالي عشان تغيري ونروح للدكتور. يلا. اصطحب أولاده إلى منزل جدهم ومن بعدها ذهب إلى طبيب باطني ليفحصها فأخبره بالتوجه إلى طبيب نساء ففعل....

كانت تتمدد على سرير الفحص وإلى جانبها يقف يحيي الذي يؤرقه خوفه عليها. فقال حانقاً: حضرتك بقالك ربع ساعة عمال تجيب البتاعة دي يمين وشمال ومقولتش مالها يا دكتور! نظر إليه الطبيب بإستهجان ثم قال: أستاذ يحيي، اتفضل ارتاح. أشار له الطبيب ليجلس على مقعده فأتجه نحوه بنزق قبل أن ينتفض عندما استمع إلى ما أخبر به الطبيب زوجته: ألف مبروك يا مدام غزل، إنتي حامل في ٣ أسابيع. اتجه يحيي نحوها مندهشاً وقال: جد يا دكتور؟! حامل بجد؟!

أومأ الطبيب بتأكيد وهو يشير بذلك الجهاز الطبي المعروف بالسونار قائلاً: النقطة السودا دي هي الجنين، هو حالياً لسه في بداية طور النمو وأهم حاجة الغذا الكويس والسوايل الكتير. هنمتنع عن مواظبة الكافيين والمنبهات وعن التدخين نهائي لو بندخن وهنواظب على مكملات الحديد والكالسيوم عشان الجنين ينمو نمو سليم بإذن الله. نهض الطبيب عن مقعده بجانب سرير الفحص ثم اتجه لمقعده الذي يقبع خلف مكتبه وبدأ بتدوين

الأدوية اللازمة وهو يقول: أهم حاجة الراحة التامة يا مدام غزل، ونبعد عن أي ضغط نفسي الفترة دي. وحاجة أهم.. الرسول عليه الصلاة والسلام قال "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان" يعني يفضل منقولش دلوقتي عشان ربنا يكرمنا إن شاء الله. أومأت غزل بتفهم وابتسامتها تعبر عن مدى سعادتها فتابع قائلاً: بإذن الله هشوفك بعد أسبوعين، ألف مبروك.

صافحه يحيي ونهض ممسكاً بيد غزل وانصرفا للخارج وهو يرمقها بابتسامة صامتة. حتى استقل كلاهما السيارة فجذبها إليه يحتضنها بقوة مقبلاً جانب رأسها ثم قال: مبروك يا روحي ربنا يتمملك على خير. احتضنته بفرحة مماثلة وقالت: أنا مش مصدقة نفسي يا يحيي، ده إحنا كنا لسه امبارح بنتكلم.... زم شفتيه قائلاً: امبارح بالليل... أهو أنا لو كنت أعرف إنك حامل امبارح بالليل... هز رأسه بأسف مصطنع فقالت: كنت هتعمل إيه؟! رفع كتفيه ضاحكاً

وقال: مكنتش هعمل حاجة خالص. فهمت ما يرنو إليه فضحكت بشدة وهي تخرج هاتفها وتقوم بالاتصال بـ صافيه التي أجابتها على الفور: أيوة يا غزل، مجيتيش ليه أنا بستناكو... عمتو أنا حامل... قالتها غزل بابتسامة متسعة فقالت صافيه بفرحة صارخة: بجد؟! مبروك يا روح قلبي ألف مبروك، ربنا يكملك على خير يا حبيبتي، عرفتي إمتا؟! لسه خارجين من عند الدكتور دلوقتي حالاً وقولت أعرفك عشان تفرحي بابا.

مبروك يا غزل ألف مبروك يا حبيبتي ربنا يكملك على خير يا رب، ارتاحي إنتي أهم حاجة لحد ما أجيلك بكرة. إن شاء الله، هبقى أكلمك بعدين أشوف عملتوا إيه. أنهت الاتصال بحماس لتجد يحيي يطالعها وهو يهز رأسه يائساً فقالت: مالك يا يحيى بتبص لي كده ليه؟ ببص لك ليه؟! ده على أساس إننا مش لسه خارجين من عند الدكتور وقال استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان ومتقولوش لحد.. هو ده الكتمان بتاعك؟ يووه يا يحيي وهي عمتو غريبة؟!

مش الفكرة، بس كنتي اصبري حتى كمان أسبوعين لحد ما نروح له المرة الجاية، مستعجلة على إيه؟ لوحت بيدها بعدم اكتراث وأردفت: مش مهم بقا يا يحيي هبقى أقوللها متقولش لحد. أومأ موافقاً واتجه نحو منزل والده لإصطحاب أطفاله. وبينما كان جالساً برفقة والده سأله باهتمام: الدكتور طمنكوا يا يحيي؟! أومأ يحيي مبتسماً وقال: الحمد لله يا حج، غزل حامل. تهللت أساريره وانبسط فرحاً

وراح يتمتم: اللهم صل على النبي، ربنا يقومها بالسلامة يبني ويتربوا في عزك وتفرح بيهم. ربت يحيي على كتفه وقال: في حياتك يا حج إن شاء الله. همست غزل إليه قائلة: وبتعتب عليا؟! ده على أساس إننا مش لسه خارجين من عند الدكتور وقال استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان ومتقولوش لحد.. هو ده الكتمان بتاعِك؟! ضحك قائلاً: ميهمش يا غزل يعني هو أبويا غريب؟! وبعدين بترديهالي يعني؟! اتسعت ابتسامتها فضحك هو عليها قبل أن ينهض مستعداً

وهو يقول: إحنا هنستأذن بقا يابا.. ابق سلم على قدوره وعياله. طب ما تسيب العيال معايا عشان غزل ترتاح اليومين دول. برز صوت غزل تقول: لا يا عمي أنا مقدرش أستغنى عنهم وبعدين هما مش متعبين أبداً ماشاء الله، دول حبايبي. ربنا يراضيكي يبنتي ويقومك بالسلامة. صافح الجد أحفاده متخذاً منهم وعداً باللقاء عما قريب، ومن ثمّ انصرف الجميع مغادرين إلى بيتهم. ***

تأهبت صافيه بحماس استعداداً لاستقبال قاسم، اختارت مظهراً كلاسيكياً بسيطاً لائمها كثيراً وأضفى إليها سحراً خاصاً... ارتفع رنين جرس الباب فخرج إبراهيم ليستقبله قائلاً: أهلاً وسهلاً يا أستاذ قاسم، اتفضل. دلف قاسم متنحنحاً بحرج ووضع ما كان يحمل من حقائب على الطاولة المستديرة المجاورة لباب الشقة فقال إبراهيم: تاعب نفسك ليه بس؟! مكانلوش لزوم كل ده؟! لا أبداً مفيش تعب ولا حاجة دي حاجة بسيطة.

أشار له إبراهيم بالجلوس وهو يجلس قائلاً: اتفضل اقعد. فتح قاسم الزر الأوسط من سترة بدلته وجلس بتهذيب فقال إبراهيم: نورتنا والله. ابتسم قاسم بلطف وبداخله تتقلب الأفاعيل وكأنه ولأول مرة يتقدم لخطبة إحداهن فقال: البيت منور بأهله يا أستاذ إبراهيم، أنا هدخل في الموضوع مباشرة حفاظاً على وقت حضرتك ووقتي.. أومأ إبراهيم موافقاً ببشاشة وقال: اتفضل. حمْحَمَ

قاسم بحزم وقال: أنا طالب إيد صافيه أخت حضرتك.. أكيد حضرتك عرفت منها إني جاي عشان كده وأنا سبق ووضحت موقفي ليك قبل كده وأكيد حضرتك اتخذت قرار واضح يعني... أومأ إبراهيم مبتسماً وقال: شوف يا أستاذ قاسم، أنا برتاح أوي للراجل الدوغري ولما إنك جيت معايا دوغري فأنا كمان هاجيلك دوغري... هز قاسم رأسه وقال: اتفضل.. برز حينها صوت إبراهيم منادياً: ياا صافيه...

دقيقة واحدة وخرجت صافيه التي بدت لطيفة كعادتها في كل مرةٍ يراها فيها. فانحنت لتضع آنية ذهبية أنيقة فوقها فنجالين من القهوة وبعدها صافحت قاسم بوقار فقال إبراهيم: اتفضلي يا صافيه اقعدي.. تعجبت طلبه الغير متوقع ولكنها جلست على كل حال فقال هو: أستاذ قاسم طالب إيدك، وأنا شايف إنك الوحيدة اللي ليها حرية الاختيار في الموضوع ده والرأي رأيك... برز صوتها المنمق تقول: العفو يا إبراهيم، اللي تشوفه إنت..

قاطعها بهدوء وقال: أنا عن نفسي معنديش مانع، أستاذ قاسم راجل واضح وصريح واللي أعرفه عنه إنه إنسان محترم بشهادة الجميع. حتى لو ليا تحفظ على أي حاجة تانية بس ده ميدنيش الأولوية في إني أقول رأيي، إنتي إنسانة ناضجة وعاقلة وأنا واثق في حكمتك وعارف إنك بتقدرى توزني الأمور كويس ولا يمكن تختاري على أسس واهية، لذلك أنا بقول لك القرار قرارك إنتي..

نظر قاسم إليهم بتقديرٍ جم لما رآه بهما من تقدير واحترام لبعضهما البعض وازداد إعجابه بـ صافيه عندما استمع لإثناء أخيه على رجاحة عقلها وحسن تدبيرها للأمور. فركت صافيه يديها ببعضهما البعض بتوتر لم ينمح عنها وقالت: وأنا موافقة. على بركة الله. تمتم بها إبراهيم مبتسماً فقال قاسم بسعادة: الحمد لله، حيث كده بقا فأنا عايز نعمل الخطوبة وكتب الكتاب مرة واحدة وبعدها بإذن الله نسافر أي مكان صافيه تختاره نقضي يومين هناك ونرجع...

والله الجاي ده بقا بتاعكوا أنا شخصياً مليش علاقة..... هكذا أعطى لهم إبراهيم مطلق الحرية في اختيار ما يخص حياتهم المستقبلية ثم أضاف قائلاً: شوف يا أستاذ قاسم الوقت اللي يناسبك امتى وإحنا مستعدين إن شاء الله. خلاص بإذن الله الخميس الجاي نعمل حفلة خطوبة ونكتب الكتاب وتاني يوم نسافر بإذن الله. على خيرة الله.. ربنا يتمم عليكوا بخير. بعد أن انصرف قاسم هنأ إبراهيم أخته محتضناً إياها ثم قال: هتتجوزي يا صفصف؟!

هتسيبيني لوحدي خلاص؟! ربتت صافيه على ظهره وقالت: لوحدك ليه يا حبيبي بعد الشر عليك من الوحدة، كلها تسع شهور بإذن الله وابن غزل ولا بنتها ينوروا الدنيا ويملوا عليك حياتك.. أبعدها عنه قليلاً ثم قال: بتقولي إيه؟! بتتكلمي بجد؟! أومأت بابتسامة وقالت: غزل حامل ماشاء الله، كلمتني من شوية وقالت لي إنها لسه راجعة من عند الدكتور وقال لها إنه حامل.. مبروك يا هيما هتبقى جدو صغنن.. راقت له اللقب كثيراً وراح يتمتم بسرور: جدو؟!

الله.. أنا فرحان أوي يا صافيه.. ربنا يفرحك بقومتها بالسلامة إن شاء الله وعقبال ما تشيل ولاد ولادها كمان. تمتم مؤمّناً وقال: آمين يا رب، ربنا يراضيكي يا صافيه ويجبر بخاطرك. ياارب يا حبيبي، هروح أنا بقا أغير هدومي وأحضر لك العشا. انصرفت صافيه بينما بقي هو يتخيل تلك اللحظة التي سيصبح فيها جداً و لكم راق له ذلك الخاطر. *** أتى اليوم الموعود سريعاً وحضر حفل خطبة صافيه وقاسم عدداً لا بأس به من الأهل والأصدقاء..

اجتمع الكل بمنزل إبراهيم الذي تزين بالبهجة والسرور واستقبل بـ كَنَفِه التهاني والتبريكات وعالت بجوانبه أصوات الزغاريد والضحكات العالية. طلّت صافيه عليهم بثوبٍ حريري من اللون الأبيض اللؤلؤي وزينت وجهها بزينةٍ خفيفة حيث نأت عن مظاهر البهرجة والمبالغة فـ بدت مشرقة وجذابة أكثر... التف الجميع حولهم.. غزل ويحيي، زينب والتي أصرت على الحضور لتهنئة أختها الغالية، البعض من أصدقاء قاسم وقليل من الجيران.

بدا قاسم جذاباً للغاية، ملبسهُ المنمق، ابتسامته البشوشة، شعره الأشيب صاحب الحضور الطاغي وعطره المميز الذي منحه وقاراً لاق بهِ كثيراً. انتهت مراسم عقد القران لتبدأ بعدها وصلة الاحتفال المميزة القصيرة والتي شارك بها كل الحضور وسط جو ملئ بالألفة والبهجة والسعادة الصادقة. كان يحيي يحيط خصر زوجته بكلتا يديه وهو يقف خلفها مبتسماً لرؤية الجميع من حوله سعيداً مسروراً فهمس إلى غزل قائلاً: إيه يا غزول مش هنروح بقا؟!

دون أن تنظر إليه أجابت: مستعجل على إيه يا يحيي لسه السهرة في أولها... همس بأذنها قائلاً: يا عمي يلا خلي كل واحد يشوف نفسه.. ما كل الناس قاعدة أهي إشمعنا إحنا اللي هنمشي.. وبعدين نور راحت مع جدها هي وزياد، قلقان ليه بقاا؟ عيبك الوحيد إن فهمك بطيء، يبنتي يلا خلي الليلة دي تتفض قاسم عمال يغمزني عايز يروح... وقاسم مستعجل ليه ما يصبر شوية.. أقول لها إيه دي ياربي، عايز يدخل يا غزل هيكون عايز إيه يعني... قاطعته بنظرةٍ

حادة وقالت: إيه الوقاحة دي؟! خلاص اسكت. ارتفع جانب فمه بحنق وقال: وقاحة؟! طب إيه رأيك بقا إني أنا كمان...... كممت فمه بيدها وقالت: خلاص يا يحيي، خلاص يا بابا هنمشي حاضر.. ثواني أقول لبابا إننا ماشيين. قبل أن تتجه غزل نحو والدها كان هو قد سبقها ليقول: واقفة ليه يا حبيبة أبوكي، تعالي اقعدي أنا جبت لك طبق جاتو بالشيكولاتة زي ما بتحبي... أمسك والدها بيدها يحثها على السير برفقته بينما أمسك يحيي

بيدها الأخرى وهو يقول: لأ معلش يا عمي إحنا هنمشي بقاا لإن الوقت اتأخر... وقت إيه اللي اتأخر يبني ده العشا يدوب أذن من حبه.. معلش بقا أصل غزل تعبت من الوقفة وعايزة ترتاح.. مالك يا حبيبتي، لو تعبانة ادخلي ريحي في اوضتك شوية على ما تخلصي طبقك... وجه حديثه لابنته بينما أجاب يحيي بدلاً منها وقال: لا معلش هي أصلاً مش حابة الشيكولاتة اليومين دول، هنمشي بقا عشان ترتاح...

والله يبني اللي يريحكوا.. مش عارف أقول لك إيه.. اتفضلي يبنتي مع جوزك. نظرت إليهم غزل واحداً تلو الآخر وقالت: إنتوا بتتعازموا على إيه؟! ثم نظرت إلى يحيي وقالت: أنا هفضل مع بابا النهارده يا يحيي! ارتفع حاجبه بضيق ولم يعقب فقال والدها: لا يا حبيبتي روحي بيتك وابقي تعالي مرة تانية. لأ هفضل معاك. جادلته فبادله الجدال قائلاً: لا روحي مع جوزك قولت لك أنا مش عايز يفضل معايا.. يلا يا يحيي خد مراتك واتكل على الله.

ظهر الضيق جلياً على وجهها فصافحت العروسين على الفور وانصرفت برفقة زوجها عائدين إلى البيت... دَلفت إلى شقتها بغضب ونظرت إلى يحيي بوجه عابس وقالت: إنت إنسان أناني على فكرة. نظر إليها بتعجب وقال بضيق أشد: أناني؟! وإنتي بياعة.. كنتي عايزة تسيبيني لوحدي وتفضلي مع أبوكي؟! والله لما أسيبك ليلة لوحدك مش هيجري حاجة، بس بابا حبيبي اللي هينام لوحده لأول مرة في حياته، مشوفتوش كان بيبص لي وعينيه متعلقة بيا إزاي؟

وأنا يعني كنت نطقت، ماهو اللي قال مش عايز حد يفضل معاه... مهو قال كده عشان شافك قلبت وشك وبوزك بقا شبرين فحب يجيبها من عنده عشان منتخانقش بسببه.. قلبت وشي؟!! ما تتكلمي كويس.... قالها وهو يشهر سبابته بوجهها بتحذير فابتلعت المسافة بينهما ووقفت أمامه مباشرةً وقالت بتحدٍ: ولو متكلمتش كويس يا يحيي هتعمل إيه يعني؟!

باغتها باعتصارها بين أحضانه وسلبها أنفاسها بقبلةٍ ضارية بينما يديه تعتصر جسدها حتى كاد يزهق روحها. وحملها بحرص راكضاً بها نحو غرفتهما صافقاً الباب خلفه بقدمه وراح يخبرها ماذا سيفعل إن لم تتوقف... ***

دلفت صافيه إلى عشها الجديد برفقة قاسم. رمشت بعينيها عدة مرات قبل أن تفتحهما لتطالعها ردْهة منزل واسعة وكأنها قد انتقلت إلى قصر من قصور الخيال. ارتسمت ابتسامة إعجاب على شفتيها وابتعدت عنه وهي تتجول في الردْهة بعينيها بين لوحات طبيعية تسر العين وآيات قرآنية تريح القلب. قطبت وهي تشعر بقدمها تغوص للأسفل كلما سارت لتنظر أسفل منها فتفاجأ بسجاد أعجمي وثير تكاد قدماها تختفي بداخله. رفعت عيناها تنظر إلى قاسم الذي يقف إلى جانبها مبتسماً

بحنان فقالت: بسم الله ما شاء الله البيت جميل جدًا وذوقه حلو. أردف بإبتسامة: ذوقي. ذوقك حلو جدااا. أردفت بتأكيد ليفاجئها إذ حملها بين ذراعيه ليجد وجنتيها قد تخضبت بدماء الخجل فقال بإبتسامة: تعرفي؟! أخوكي إبراهيم قال عني تلت حاجات في محلهم... إيه هما؟! تسائلت بخجل فقال: إني واضح وصريح ومحترم.. بس نسي يقول أهم حاجة... إي هي؟! تسائلت بخجل أشد وطأةً فقال: إني سافل!! جحظت عيناها بتعجب وصدمة فقال

وهو يدلف بها إلى غرفتهما: متستغربيش أوي كده، أنا هشرح لك بس تعالي... صفق الباب خلفه بقدمه وتقدم من الفراش وجلس وهو لا يزال يحملها وينظر إلى ملامحها الفاتنة يتشربها ويتفرس بها وقد أضحت قريبة منه للغاية ولأول مرة. تنفس أمام وجهها وهو لا يزال يتفحص هيئتها بافتتان عاشق بينما غاصت هي بأبحر عيناه لينتهز فرصة شرودها به وقبّل ثغرها وهو ينظر إليها بثبات مما جعلها تجفل بين ذراعيه وقالت بخجل: قاااسم. نطق بصوتٍ

أجش أثار حياءها: يا عيون قاسم.. أمري. ازدردت ريقها بتوتر وقالت: إنت مستعجل ليه كده خلينا الأول نتعرف على بعض.. نتعرف على بعض إيه أنا أبويا وأمي اتعرفوا على بعض وأنا في الابتدائية، أهم حاجة الدُخْلة... ضحكت رغماً عنها ليذوب حياءها بين يديه وهو يغرقها في بحورٍ من الحب والسعادة لا يوجد بها مكان لأياً مما حدث بالماضي وراح يخطّ برفقتها أول أسطر في كتابهما الجديد، كتاباً لا يوجد به سوى الفرحة والعشق الخالص. ***

بعد مرور شهرين، كانت غزل تستعد لاستقبال صافيه وقاسم الذين قام يحيي بدعوتهما لتناول الغداء سوياً وقضاء وقت ممتع معاً... وقفت غزل أمام المرآة تطالع بطنها المنتفخ بفرحة طفولية قبل أن يدلف يحيي إلى الغرفة ضاحكاً على هيئتها. فوقف خلفها يحيط بطنها بيديه بفرحة وقال: أهلاً يا علي باشا.. نظرت إلى انعكاس صورته في المرآة وقالت بابتسامة: ومين اللي قال لك إنه ولد؟! ما يمكن بنت..

لأ ولد.. باين عليكي.. أهو مناخيرك بقت شبه مناخير بينوكيو.. نظرت إليه بغيظ وقالت: والله؟! انفجر ضاحكاً وقال: أكدب عليك يا غزال؟! وبعدين يا روحي لو حتى بقت شبه زلومة الفيل أنا بحبك بردو وفي عيني أجمل غزالة في الدنيا. ابتسمت بحب وفرحة فقال: بتثبتي إني في اتنين كلام. أومأت بابتسامة فقال: طيب يلا عشان زمانهم على وصول. ارتفع على الفور جرس الباب معلناً عن قدومهم فأسرع يحيي يفتح الباب مستقبلاً إياهم بترحيبٍ جم.

بعد الترحيب والمصافحة والتحيات بدأت غزل وصافيه يقمن بإعداد الطعام والتف الجميع حول المائدة يتناولون الطعام في وسط جو ملئ بالألفة والمرح. مبتاكليش ليه يا صوفي؟! تساءل قاسم باهتمام فقالت صافيه: لأ باكل أهو، كل إنت. همّت بتناول طعامها من جديد لتستوقفها رغبة ملحّة في التقيؤ فأسرعت إلى دورة المياه مما أثار تعجب الجميع. ذهبت غزل خلفها وهي تحاول مساعدتها فقالت بلهفة: مالك يا عمتو؟! إنتي تعبانة ولا إيه؟! قالت بصوتٍ

واهن: والله يا غزل منا عارفة، باين كده خدت برد من التكييف. طب تعالي ارتاحي... خرجت برفقة غزل وجلست بغرفة المعيشة وقد أعربت عن عدم رغبتها في استكمال طعامها فاسرع البقية بتناول طعامهم ومن بعدها جلسوا برفقة بعضهم البعض قبل أن يرن جرس الباب فقالت صافيه: دي أكيد زينب كانت قايلة إنها هتيجي..... قطعت حديثها وهي تركض ناحية الخلا مرة أخرى عندما داهمها القئ مجدداً... دَلفت زينب وصافحت الجميع وتساءلت: أومال فين صافيه؟!

أجابت غزل: عمتو تعبانة أوي يا زينب.. تقريباً واخدة برد في معدتها ومش فاضل في معدتها حاجة إلا وجابتها... و ساكتين ليه؟؟ المفروض تكشف ليكون ميكروب أو حاجة.. أنا هاخدها ونروح للدكتور. خرجت صافيه للتو من المغسل وقالت وهي تسحب نفساً عميقاً: لا يا زينب أنا هبقى كويسة.. ادخلي اقعدي. لاا ورحمة سيدي ياقوت مايحصل، الجو مليان ميكروبات اليومين دول، لو لا قدر الله خدتي الدور مش هتسلمي منه وإنتي مناعتك ضعيفة، تعالي نروح نكشف.

هنا برز صوت قاسم قائلاً: أنا رأيي من رأي مدام زينب، تعالي نكشف ونطمن.. قالت زينب: لا يا أستاذ قاسم اتفضل إنت ارتاح وأنا هنزل أنا وغزل. أرضخت صافيه لإصرارهم وخرجت لزيارة الطبيب برفقة غزل وزينب التي قالت: ودينا للدكتور بتاعك يا غزل. تعجبت صافيه وقالت: أنا هروح لدكتور غزل أعمل إيه هناك؟ ماهو دكتور نساا وبيفهم في كل حاجة يا صافيه!! تعالي بس متقاوعيش. ذهبن ثلاثتهن إلى الطبيب والذي قام بفحص صافيه

بعد الاستماع لشكواها وقال: ألف مبروك يا مدام صافيه إنتي حامل! نهضت صافيه من فوق الفراش بصدمة وقالت: حامل؟! اتأكد يا دكتور لو سمحت أنا متأكدة إنه مفيش حمل. قطب حاجبيه بتعجب وقال: ليه متأكدة؟! السونار قدامي مبين إنك حامل في آخر الأسبوع الرابع.. قالت بذهول: حامل إزاي؟! أنا قعدت ٢٠ سنة متجوزة ومحصلش حمل وكل التحاليل كانت بتثبت إن المشكلة مني أنا !!

أردف الطبيب مبتسماً: لو كل التشخيصات كانت سليمة فعلاً فـ ده ملوش غير تفسير واحد... تساءلت باهتمام: إن دي معجزة إلهية يا مدام صافيه، على العموم ربنا لما يريد مفيش حاجة بتمنع إرادته، الحمل طبيعي جداً وسليم الحمد لله، هكتب لك على مقويات تمشي عليها وأهم حاجة تهتمي بصحتك واكلك وهشوفك بعد أسبوعين إن شاء الله. انصرفن ثلاثتهن من عيادة الطبيب والذهول رابعهن حتى رجعن إلى البيت ليتساءل قاسم بلهفة: الدكتور قال لك إيه يا صافيه؟!

نظرت إليه بصدمة وقالت: قال لي إني..... بترت حديثها وتقوست شفتيها بحزن وطفقت الدموع تسيل على وجنتيها وقالت: قال لي إني حاامل!!! فرغ فاه بصدمة لا تقل عن صدمتها ولم يسعه سوى أن يحملها ويدور بها عدة مرات وقد انفجر ضاحكاً بهيستيرية وفرحة بينما طوّقت عنقه بيداها وتحولت دمعاتها إلى ضحكات فرحة امتزجت بضحكاته في مشهدٍ جعل الجميع يبكي بفرحة من أجلهما.

انقضى النهار والجميع يتحدث عن ذلك الخبر السعيد الذي زُفّ إليهم. فهمست زينب بمرح لـ صافيه وقالت: بس إيه يختي قاسم ده!! ده راجل من بتوع الأفلام زي ما بيقولوا. ضحكت غزل بشدة فأكملت زينب وقالت: ده لفحك لفحة الغلبانة اللي جمبي دي متلفحتهاش ليلة دخلتها... تمتمت غزل بحزن مصطنع: أه والله معاك حق. ضحكت صافيه وقالت: والله يا زينب إنتي فايقة ورايقة.

نهضت زينب واقفة وقالت: يختي تفوقي فوقتي عن قريب إن شاء الله، سيف امتحاناته بكرة ومطلع عين أم أمي ويحيي باشا زمانه كاشف راسه وبيدعي عليا دلوقتي عشان سيبته مع جده. ما تقعدي يا زينب هتفركشي القعدة ليه؟! قالتها غزل بحنق فقالت زينب: لا يا حبيبتي معلش تتعوض، قدورة قايل لي متتأخريش ولو عرف إني اتاخرت هتبقى ليلة مش فايتة.. يلا هبقى أجيلكوا وقت تاني.

انصرفت زينب ومن بعدها صافيه وقاسم لتخلد غزل إلى النوم سريعاً بعد يومٍ شاق وطويل. *** بعد مرور سبعة أشهر.. كان الاستعداد على قدمٍ وساق للاحتفال بقدوم "علي" الصغير حيث كان الكل يجتمع بمنزل العائلة يقومون بالتحضير ليوم غد حيث ستقام الولائم وتُذبح الذبائح.. هاا يا يحيي؟! كلمت كل معارفنا وعزمتهم؟! أومأ يحيي موافقاً وقال: أيوة يا حج، الجيران والقرايب والتجار اللي بتتعاملوا معاهم وكل اللي أعرفهم كلمتهم. أومأ والده موافقاً

وقال: عال.. وكلمت أخوك سليمان؟! تساءل "علي" بترقب ليتجهم وجه يحيي على الفور وقال: هو لازم أكلمه يابا؟! شعر أبوه بالاستياء الشديد وقال: لازم؟! يعني إنت عزمت القريب والغريب واخوك معزمتوش؟! إنت مستني إيه يبني عشان تكلم أخوك؟! إن مكنتش تكلمه في مناسبة زي دي هتكلمه إمتى؟! مستني لما أموت وتتكلموا في دفنتي؟! بعد الشر عليك يا حج، ربنا يبارك في عمرك..

قاطعه والده بحدة وقال: طب ولما أموت يا يحيي.. هتقفوا تتعاتبوا وتصفوا حساباتكوا؟ ولا هتركن راسك على كتفه وتعيط؟! لزومه إيه يا حج الكلام ده دلوقتي؟ لزمته إن الضفر ميطلعش من اللحم يا يحيي، مهما حصل بينكوا إنتوا دم واحد.. كفاية عليه الوحدة اللي فرضها عن نفسه وبعده عن أهله، إنت مش هتاذيه أكتر ما هو بيأذي نفسه يبني... أنا مش عايز أأذيه يابا.. هو اللي أذاني وظلمني... قالها يحيي

بألم فقاطعه والده وقال: سامح يا يحيي، يا بخت من قدر وعفى يبني ده ثوابه عند ربنا عظيم. اصفي يا حبيبي الكره لو اتملك من قلب البني آدم بيملاه سواد، وإنت قلبك أبيض ونضيف. تنهد يحيي بحيرة فقال والده: إنت ربنا رزقك بمولود جديد، محتاج يتربى بحب ويكبر يلاقي أبوه إنسان طيب وقلبه يسع الكل، انسى اللي حصل يبني ده مهما كان أخوك. أومأ يحيي موافقاً بهدوء وقال: اللي تشوفه يابا، هاخد رقمه من قدورة وأكلمه أقول له. ربت والده

على كتفه بتقدير وقال: روح يبني ربنا يراضيك ويرضي عنك زي ما مراضيني دايماً. قبّل يحيي يد والده وانصرف لمهاتفة سليمان الذي سعد كثيراً بدعوة يحيي ووعده بالحضور في الغد. كان الكل يجتمع بساحة المنزل الواسعة يشهدون ذبح الذبائح وتوزيعها والقسم الآخر منشغلون بالطهي وإطعام الجيران والأصدقاء.. كان قاسم وعبد القادر وسليمان الذي انضم إليهم على استحياء يشاركون في الذبح برفقة يحيي..

تقدم "علي" نحوهم وهو يحمل المولود الصغير وقام بغمس أصابعه في الدماء ومسح على يده وقدمه بفرحةٍ ثم نظر إلى سليمان وقال: شوفت يا سليمان، علي الصغير شبهي إزاي؟ حمله سليمان مبتسماً وقال: يتربى في عزك يابا تعيش وتشوفه عريـ...

بتر كلمته بصدمة عندما رأى صافيه تقف بغيظٍ إلى جوار غزل لينزل ببصره إلى بطنها المتكور البارز ليشعر وكأن دلواً بارداً من الماء قد سكب فوقه فانتابته القشعريرة واستأذن من والده منصرفاً قبل أن يستوقفه صبي القصّاب قائلاً: لا مؤاخذة يا ذوق، العشرة كيلو دول كان أستاذ يحيي موصيني عليهم أقطعهم أنصاص، أنا بدور عليه مش لاقيه هو فين؟!

استرعت نبرة صوته المميزة كل اهتمام سليمان فضيق عينيه يتذكر ذلك الصوت الذي لم ينساه أبداً فقال متسائلاً: أنا قابلتك فين قبل كده؟! على الفور تذكره الشاب الذي تلعثم وتوتر وهمّ بالمغادرة سريعاً ليتشبث به سليمان قائلاً: استنى هنا، إنت اللي كلمتني قبل كده وقولت لي إن مراتي خدت منك عضمة كتف مش كده؟! وأكيد تعرف النصاب اللي عامل نفسه دجال وكلمني يقول لي إن مراتي راحت له تعمل عمل لمراتي التانية، مش كده؟!! شحب وجهه وتصبب

العرق من وجهه بغزارة وقال: والله أنا ما ليا دعوة، هي مراتك اللي طلبت مني أقول لك كده وأنا أيامها كنت خالي شغل واضطررت أنفذ كلامها وآخد الفلوس، أمي كانت راقدة.... قاطعه سليمان قائلاً: كل ده مش مهم، المهم دلوقتي عايزك تقول لي، اللي خدت منك العضمة هي الست الحامل اللي واقفة عند البوابة اللي هناك دي؟!! نظر إليها الشاب مطولاً فحثه سليمان بلهفة وقال: هااا؟! هي؟! أومأ الشاب نافياً

وقال: لأ مش دي اللي خدت مني قشرة اللوح يومها، دوكها كانت طويلة وقمحاوية شوية... أغمض سليمان عينيه بندم قد تفاقم بداخله أكثر وانصرف على الفور غائباً عن الأنظار... انقضى النهار وسط تحضيرات السبوع التي انهمكت بها النسوة حتى أسدل الليل ستاره وبدأ المتوافدون يزدادون لحضور حفل السبوع المقام بمنزل العائلة...

كان الجو بهيجاً، مليئاً بالسعادة والفرح، الأقارب والأصدقاء والجيران كلٌ يقدمون التهاني والمباركات بقدوم الحفيد الجديد لعائلة الهنداوي. وقفت غزل تحمل مولودها الذي يشبه والده كلياً حتى في نحتة أطراف يده وقدميه وتغمره بفرحة وحب. بينما إلى جانبها كانت تقف صافيه التي تتحسس بطنها البارز بتعب وقالت: ماشاء الله الناس كتير أوي، تفتكري أكياس السبوع هتكفي كل دول؟!

أومأت غزل بتأكيد وقالت: إن شاء الله هتكفي، يحيي جايب كتير وعامل حساب الناس كلها.... بارت غزل حديثها عندما رأت سليمان يتقدم منهما فابتسمت بهدوء ليبادلها الابتسامة بهدوء مماثل وقال: لو سمحتي يا صافيه ممكن كلمة؟! تململت صافيه بقلق وقالت: بعد إذنك يا سليمان بلاش مشاكل..... بترت حديثها وقد صاح بصوتٍ مرتفع يجذب انتباه الجميع فقال: اسمعوني لو سمحتوا.

عمّ الصمت المكان حولهم فقال موجهاً كلامه لـ صافيه التي أخذ منها الخوف كل مأخذٍ: أنا عندي كلمتين عايز أقولهم لـ مدام صافيه قدامكم كلكم.. هما مش كلمتين هما اعتذار أو رد اعتبار بمعنى أصح... جالت صافيه ببصرها يميناً ويساراً تراقب نظرات الجميع من حولها وخاصةً قاسم الذي كان يقف متأهباً... بنظرات آسفة نادمة أكمل سليمان حديثه قائلاً: أنا سبق واتهمت مدام صافيه إنها عملت عمل لـ..... توقف

عن الحديث لبرهة وتابع: للإنسانة اللي كنت متجوزها وقتها... استشاط يحيي غضباً وقتها لتذكره ما مر لينتبه لحديث سليمان الذي أضاف: أنا عايز أعترف دلوقتي إني ظلمتها وجنيت عليها، زي ما افترت عليها قدام الكل وكلكوا صدقتوني لازم أقول دلوقتي إني غلطت وظلمتها وعايزكم تعرفوا إنها بريئة من الذنب ده. اهتز قلبها بين

أضلعها فنظر إليها وقال: أنا آسف يا صافيه، أنا هفضل عايش بذنبك في رقبتي طول العمر، سامحيني لو ضايقتك دلوقتي بس يمكن اللي عملته ده يهون عليا واحد في المية من اللي بحس بيه. طفقت عيناها تغيم بالدموع فنظرت إليه بهدوء وقالت: مسامحاك يا سليمان، عارف ليه؟!

لإن قلبي أنضف من إنه يشيل من حد مهما عمل، أنا فوضت أمري لربنا والحمد لله ربنا رد عليا حقي في حياة عيني، على العموم يا سليمان عفا الله عما سلف أنا مش زعلانة لا منك ولا من غيرك، لإن عوض ربنا ليا كبير أوي لدرجة خلاني أحس بتفاهة كل حاجة حصلت قبل كده. قال سليمان بنظرات نادمة: إنتي تستاهلي كل خير يا صافيه. أومأت بهدوء ولم تعقب فانصرف هو مبتعداً ودنا قاسم منها فقالت هي: قااسم أنا.... قاطعها مبتسماً

وقال: أنا عارف كل كلمة عايزة تقوليها يا صافيه، متخافيش أنا مش زعلان أبداً من المواجهة دي بالعكس أنا أسعد واحد في الدنيا عشان الحقيقة بانت للكل. احتضنته صافيه بقوة وقالت: أنا مش عارفة لولا وجودك في حياتي كنت هعيش إزاي. ربت على ظهرها يضمها إليه بقوة وقال: إنتي اللي بتقولي كده؟! ده إنتي الحلو اللي في حياتي يا صوفي وروح قلبي، إنتي وصفا.. نظرت إليه بابتسامة متعجبة وقالت: والله؟! وكمان سميتها؟! أومأ موافقاً

وقال: صفا بإذن الله، عشان أنا واثق إنها هتبقى نسخة منك في كل حاجة. ابتسمت بحب وقالت: طيب يلا عشان منتأخرش على يحيي وغزل زمانهم مستنيين. انصرفوا لاستئناف حفل السبوع وهم يشاركون الجميع فرحتهم وسعادتهم متطلعين نحو اقتراب فرحتهم الخاصة أيضاً.... *** بعد مرور خمس سنوات.. يجتمع الكل في فيلا يحيي الهنداوي حيث قام بدعوة الكل على فطور أول أيام رمضان.

يترأس المائدة كالعادة "علي"، وإلى جانبه يحيي، وبمقابله غزل التي تحمل صغيرتها "غزل"، وإلى جانبها زينب وبمقابلها عبدالقادر، عن يمينه قاسم وأمامه صافيه، وإلى جانبها يحيي وسيف أولاد عبدالقادر، وبجانبهم زياد ونور، وصفا وعلي الذي كان يسند رأسه على قبضته الصغيرة وهو ينظر إلى "صفا" بهيام ووله. نهره قاسم قائلاً: مالك هتاكل البت بعينيك يالا كده!! ما تبص قدامك.

لم يعره "علي" أي اهتمام وكأنه لم يستمع لحديثه فقال يحيي ممازحاً: ابني طالع دنجوان زي أبوه، بيوقع البنات من نظره وابتسامة.. ابن الوز عوام بقا. قال الجد: ابن الوز عوام فعلاً طالع لي.. أنا كنت زيك كده وأنا في سني.. برز صوت زينب تقول بمرح كعادتها: ابن الوز عوام وابن ابن الوز عوام، وعوام على عوام وبعودة الأيام... انفجر الجميع ضاحكاً بشدة فقال "علي": والله يا زينب إنتي ماليكي حل.

ابتسمت زينب قائلة: ربنا يديم حسك وسطنا يا با الحج وكل رمضان وإنت منور لمتنا. تمتم الجميع داعياً فقال عبدالقادر: سليمان باعت السلام للكل وبيقول لكوا كل سنة وانتوا طيبين وبيقول لك يا با إنه هو دعالك عند النبي. عليه أفضل الصلاة والسلام.. يا بختك يا سليمان زرت الحبيب المصطفى، ربنا يديني الصحة ويمد في عمري لحد ما أنولها كمان مرة قبل ما أموت.. إحنا هنقف وجدع ينزلنا...

ألقاها بحدة لترتفع ضحكات الجميع والتي ملأت أركان المكان تحفر بكل جدارٍ منه ذكرى طيبة، تخلّد به أياماً مليئة بالحب والسعادة، تزرع بهِ بداياتٍ قُدّر لها الفلاح من قبل الإفصاح عنها. اليوم.. واليوم فقط.. يستطيع أن يقرّ الجميع ويعترف بأنه راضٍ عن كل ما صار، مؤمناً بأنه قد نال الأفضل بإرادة الله وليس بسعيهِ وتدبيره. اليوم قد أعرب كلاً منهم عن سعادته بما وصل إليه وما حصل عليه في نهاية المطاف.

اليوم بات الكل هادئ النفس، قرير العين، مرتاح القلب يتطلع نحو القادم بقلبٍ شغوف بالحياة وما عاد لكلمة "ليتني" حيزاً تشغله. تمت النهاية..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...