الفصل 24 | من 25 فصل

رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
19
كلمة
3,658
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

تعرفي يحيي الهنداوي منين؟! تسائل غسان قبل أن تتلهج شفتاها بلهجةٍ مرتابه وأضافت: ليه حضرتك هو في مشاكل بينكوا ولا حاجة؟! أعاد سؤاله بحدة: أنا هنا اللي بسأل بس، تعرفي يحيي الهنداوي منين؟ طليقي، و معايا منه بنت و ولد. إبتسم ساخراً وأردف وهو يشير إليها بسبابته مستنكراً: يحيـي الهنداااااوي، كان متجوزك إنتي!!؟؟ تغاضت عن إهانته الساخرة و أومأت بتأكيد وقالت: أيوة ، بس حضرتك بتسأل ليه؟! هو إنت ناوي تأذيه ولا حاجة؟!

عاد يطالع الأوراق من أمامه مجدداً وقال بهدوء: تعرفي تدخلي مكتب يحيي؟! تعجبت وقالت: مكتبه في البيت؟! أكيد لأ أنا مش بروح هناك خالص. لازم تروحي، إتصرفي و روحي ضروري، في ورق مناقصه مع يحيي لازم تجيبيهولي. بس حضرتك دي مش حاجة سهلة هتخلص في يوم ولا اتنين، دي محتاجة تفكير و تخطيط بعقل... قاطعها قائلاً: مفيش وقت! الورق لازم يجيلي النهارده أو بكرة بالكتير أوي، ولو حصل ليكي عندي مكافأة ٢٠٠ ألف جنيه.

هوي قلبها أرضاً عندما إستمعت إلي الرقم الذي ألقاه علي مسامعها ببساطة لتزدرد لعابها بتوتر وقالت: حااضر، بكرة الورق هيكون عندك. أومأ موافقاً ثم قال: هستني، إمشي إنتي دلوقتي. خرجت من المكتب بتخبط و حيرة، تفكر مليّاً في ما طلبه منها ذلك المدعو غسان، شيئاً ما يدفعها لتنفيذ ما أمرها به و شيئاً ما يجعلها تتراجع! أنهت عملها سريعاً وعادت إلي الشقة التي تسكن بها برفقة إحدي الفتيات اللواتي يعملن برفقتها في الڤيلا.

بعد أن تناولت طعامها و بدلت ملابسها و دخلت إلي فراشها بدأت تفكر في عرض غسان والذي بدا صعباً للغاية. تململت في فراشها كثيراً تحاول الوصول إلى مخرج ولكن دون فائدة إلي أن دخلت رفيقتها بالسكن إلي الغرفه. مالك يا يُسر بتتبرمي في السرير كده ليه؟! تسائلت فأجابتها يُسر: في حوار شاغل دماغي و مش عارفه أتصرف إزاي يا مريم. جلست مريم إلي جوارها بالفراش وقالت بفضول: حوار إيه ده؟!

إنتي عارفه أختك مفيش حاجة تعصي عليها أبداً، قوليلي بتفكري في إيه؟! تنهدت يُسر بقلق وأردفت: بصي هحكيلك بإختصار بس حذاري الكلام ده يخرج برانا إحنا الاتنين انتي فاهمه؟ أومأت الأخرى بموافقة لتسرد يُسر قائلة: بصي يا ستي، غسان بيه النهارده قال لي إنه عايزني أجيب له ورق من بيت يحيي مقابل إنه يديني ٢٠٠ ألف جنيه. جحظت عينا مريم وقالت: بتقولي كاام؟! طب و إنتي مترددة لسه بعد ما سمعتي الرقم ده؟! زفرت يُسر

وقالت: مش عارفة يا مريم أنا خايفة، مش هاين عليا أضر يحيي، و في نفس الوقت مش عارفة أضيع فرصة زي دي، المبلغ مغري بصراحة و أنا عايزة أبطل خدمة الڤيلا دي و أشوف حياتي. قالت الأخري: طبعاً يا بنتي، متتردديش و خدي الفلوس إنتي أحق بيها، وبعدين يعني هو كان نفعك لما طلقك و خد منك عيالك و طردك شر طردة، متفكريش غير في نفسك يا ماما و كفاية حنيتك اللي مودياكي في داهية دي. حسمت يُسر أمرها

و هزت رأسها بموافقة وقالت: طب أتصرف إزاي، أجيب الورق إزاي و أنا مش هعرف أدخل البيت أصلاً. راحت الأخري تدق بسبابتها فوق ذقنها بتفكير قليلاً ثم قالت: أنا أعرف. ألقتها ببساطة فقالت يسر: تعرفي ازاي؟! قصدك إيه؟! قوليلي بس مواعيد الشغل بتاعته إيه و سيبي الباقي عليا.. الموضوع مش صعب زي ما متهيألك، دي بخاخة بنج بخمسين جنيه تخلص المهمة. إبتهجت يُسر وقالت: بجد مش عارفة أقول لك إيه يا مريم! إنتي أنقذتيني. نظرت

إليها مريم بخبث و أردفت: لا مهو كله بتمنه، أنا مش هعمل حاجة لله و للوطن يعني. تجهم وجه يسر والتي نطقت قائلة: مش فاهمة تقصدي إيه؟ أقصد إن الفلوس هتقسم بينا النص بالنص. إيه؟! عايزة تاخدي ١٠٠ ألف جنيه؟! رفعت مريم كتفيها بعدم اكتراث ثم قالت: والله إحسبيها انتي و شوفي، انتي مش هتعملي حاجة، أنا اللي هعمل كل حاجة، هخطط و انفذ وانتي قاعدة مرتاحة و بعيد عن الصورة خالص.

لم يسعها سوي أن تخضع لرغبتها و توافق أملاً منها في تحقيق مرادها. سليمان؟!! دمدمت بها صافيه بدهشة بصوتٍ خفيض مرتعش لتجده يحدق بها بعينان يفيض منهما الشوق ثم توقف أمامهما وقال وهو ينظر إليها: إزيك يا صافيه؟! اقشعر جسدها بريبةٍ ثم تجاهلت حديثه و همّت بالانصراف ليستوقفها ناطقاً بإسمها : صاافيه.. إستني! حينئذٍ انسحب قاسم قائلاً: أنا هستني في العربية لحد ما تخلصوا كلامكوا.

غادر قاسم منصرفاً بينما اقترب سليمان من صافيه خطوةً لتقول هي بحدة: ابعد يا سليمان و قول عايز تقول إيه خليني أمشي. ياااه يا صافيه، للدرجة دي مش طايقاني؟! قالها بحزن لتنظر إليه شزراً و قالت: عايز إيه يا سليمان؟! لخص وهات من الآخر. مين اللي معاكي ده؟! تسائل بحنق ليرتفع حاجبها بمكر ثم قالت: يخصك في إيه؟! حاجة متهمكش بتسأل عليها ليه؟! لم يجيبها فقالت: عالعموم ده خطيبي! خطيبك؟! نطقها بإستنكار

شديد فأومأت بموافقة وقالت: أيوة خطيبي، عندك مانع؟! انفجرت الدماء بوجهه غضباً وقال: أنا مش قادر أستوعب... قاطعته بحدة وقالت: ليه مش قادر تستوعب؟! كنت مفكر إني هفضل العمر كله أبكي عليك؟! فوق لنفسك يا سليمان.. أنا رميت أيامك ورا ضهري و مبقيتش عايزة أفتكرها أساساً.... صافيـه أناااا..... إنت إيه يا سليمان؟! أقول لك أنا إنت إيه؟!

إنت أكتر إنسان ظالم أنا شوفته في حياتي، إنت بني آدم جاحد مبتحبش غير نفسك، ظلمتني و جيت عليا و في الآخر سمحت إني أتهان و صدقت كلامها اللي افترت عليا بيه و طلقتني! .. إنت خاين للعشره يا سليمان وأنا بحمد ربنا إني خلصت منك. نظر إليها بإستجداء و قلبه يكاد ينفطر من شدة الندم فأكملت: كل واحد بياخد على قد نيته يا سليمان، و إنت خدت اللي تستحقه وزيادة، تعرف؟!

أنا دعيت ربنا محدش فينا يموت قبل ما أقابلك وأقول لك كل اللي في نفسي و الحمد لله ربنا استجاب. نظر إليها بحزن وتسائل متهكماً وقال: و قولتي اللي كان نفسك فيه يا صافيه؟! أيوة، بس لسه كلمة أخيرة. إيه هي؟! أنا بكرهك يا سليمان.. بكرهك. ألقتها بقوة وتركته و ذهبت لتستقل السيارة برفقة قاسم ثم انطلق بها في طريقهما بصمت لم يقطعه أياً منهما. توقف بها أمام منزلها ففتحت باب السيارة و نزلت ثم دلفت مجدداً و أغلقت

الباب وهي تنظر إليه وتقول: أنا موافقة. نظر إليها بتعجب وقال: موافقة؟! بسرعة كده أخدتي قرار؟ أومأت بموافقة فقال: يا ترى مقابلتكوا دي هي اللي خليتك توافقي؟! وتابع شارحاً: يعني.. أنا مش عايز الموضوع يكون مجرد انتقام لكبريائك أو عِند، أرجوكي فكري على مهلك أكيد إنتي مش في مود يسمح إنك تاخدي قرارات دلوقتي. تجهم وجهها وقالت بحدة طفيفة: هو إنت شايفني عيلة صغيرة ولا إيه؟! لو عايزني أصرف نظر عن الموضوع ده قول لي على فكرة...

قاطعها قائلاً: لأ و على إيه الطيب أحسن، طالما قولتي موافقة يبقى أنا هاجي بكرة بإذن الله أكلم أخوكي وربنا يقدم اللي فيه الخير. هزت رأسها بهدوء وقالت: بإذن الله، تصبح على خير. ترجلت من السيارة و صعدت سريعاً إلي الشقة بينما غادر هو عائداً نحو منزله وهو يمنّي نفسه باقتراب تلك اللحظة التي لطالما انتظرها!

كانت غزل تقوم بالإستعداد للخروج برفقة يحيي، بدلت ثيابها و ساعدت نور و زياد في تبديل ملابسهما ليرتفع رنين هاتفها معلناً عن قدوم اتصال من يحيي فأجابت: ألو؟ أيوة يا غزولة، جاهزين؟ أيوة خلاص لبسنا أهو، ثواني و نازلين. طيب أنا مستني تحت في العربية.. يلا. ارتفع رنين جرس الباب فقالت وهي تتقدم من الباب تفتحه: خليك معايا لما أشوف مين! فتحت الباب لتجد شابة حسناء تقف أمامها وقالت: منزل يحيي بيه الهنداوي؟!

أومأت غزل بتأكيد وقبل أن تتفوه بكلمة كانت قد سقطت أرضاً بفعل ذلك المخدر الذي قامت الفتاة برش أمام أنفها و دلفت إلى المنزل سريعاً و منه إلى غرفة المكتب حسب وصف يسر.

كانت المكالمة لا تزال مستمرة، غاب صوت غزل فجأة مما أثار قلق يحيي الذي كرر نداؤه باسمها كثيراً دون أن يصله رد، خرج من سيارته مسرعاً و صعد إلى شقته ثم فتح الباب و دلف ليجد غزل ملقاة أرضاً مغيبة عن الوعي فأسرع يرفعها عن الأرض ثم وضعها على الأريكة لينتبه إلى حركة خفيفة بداخل غرفة ا... أسرع إلى غرفة زياد و نور ليجدهم فاقدين للوعي أيضاً مما جعله يفقد السيطرة على أعصابه.

وقف ساكناً دون حراك ينقل بصره بين أطفاله و غزل وهو لا يدرك ما يحدث فأسرع بإتجاه غرفة المكتب ليجد تلك المدعوة مريم تفتش بين أغراضه وهي تحمل حقيبةٍ من الجلد تضع بها كل الأوراق الموجودة على المكتب. شحب وجهها و تسمرت بمكانها فور أن رأته يقف أمامها فألقت بالأوراق من بين يديها بذعر عندما تقدم منها بنظرات نارية وهو يقول: إنتي مين و إيه اللي دخلك هنا؟! تراجعت

للخلف بخوف و ذعر وقالت: أنا مليش دعوة، يُسر هي اللي قالت لي آجي و آخد الأوراق بتاعة المناقصه. نظر إليها بصدمة وعدم تصديق ثم قال: يُسر؟! و يسر هتعمل إيه بورق زي ده؟! تلجلجت بخوف وقالت: ممـ..مش عارفهه.. إقترب منها و أطبق على فكيها بيدهِ بقبضةٍ حديدية وقال بهمس أثار الرعب في نفسها: مش عارفة إزاي يعني؟! انطقي بدل ما أموتك هنا ومحدش يعرف عنك حاجة. غسـان منصور... قالتها بصوتٍ متحشرج ليبتعد للخلف مضيقاً

عيناه بتفكير ثم قال: غسان منصور؟! ماله غسان زفت؟! أومأت بموافقة وقالت: أنا و يسر بنشتغل عنده في الڤيلا، وهو عرف إنك كنت متجوزها فطلب منها إن هي اللي تجيب له ورق المناقصه من عندك من المكتب وهي قالت لي أجي اخده لإنها مش هتعرف تيجي... نظر إليها بإحتقار وقال: تمام، إبقي خلي يسر تنفعك بقا و خلي غسان ينفعكوا انتوا الاتنين.

أخرج هاتفه وقام بالإتصال بالمحامي الخاص به و أبلغه بما حدث و طلب منه الحضور على الفور و من بعدها قام بإبلاغ الشرطة و إخطارهم بمحاولتها سرقة مستندات من مكتبه و التعدي على زوجته و أولاده و تخديرهم. تم حبسها على ذمة التحقيق لمدة أربعة أيام و الأمر بإحضار يسر لما نُسب إليها من تهم حسب تصريحاتها. بعد انتهاء التحقيق حكمت النيابة العامة بالحبس لمدة سنة على كلا من مريم و يُسر لاعتبارها شريكة لتحريضها على السرقة.

كانت يُسر تقف بداخل قفص الاتهام تذرف الدمعات بصمت قبل أن تنظر إلى يحيي وهو يهم بمغادرة قاعة المحكمة فصرخت باسمه تستجديه و تتوسل إليه. ذهب إليها و وقف أمامها مباشرةً و راح يتطلع نحوها بأسف وقال: كل ده ليه؟! استفدتي إيه دلوقتي؟! مفكرتيش في عيالك؟! مفكرتيش في نفسك حتى ؟!

أنا بإمكاني أتنازل و أخليكي تخرجي من هنا حالاً بس لأ يا يسر.. إنتي عملتي كتير و جه وقت السداد، لازم تدفعي التمن لعل وعسى تتعظي بعد كده وتعرفي إن آخرة الغلط غلط. عشان خاطري يا يحيى.. طيب عشان خاطر عيالنا حتى!! يرضيك لو سألوا عني يقولوا لهم أمكم في السجن؟ و مفكرتيش في عيالك من الأول ليه؟! دلوقتي بس افتكرتيهم و شايلة هم هيقولوا لهم إيه! عالعموم اطمني عيالي محدش هيمسهم بكلمة، لا قريب ولا غريب.

ألقى بكلماته الصارمة الحادة و انصرف إلى الخارج ثم استقل سيارته عائداً نحو البيت بينما ظلت هي تنظر في أثره بندم على ما صنعت يداها. بعد مرور شهر... كانت تقف بالمطبخ تقوم بإعداد طعام الغداء لتتفاجأ بـ يحيي الذي تقدم منها وأحاط خصرها وهو يقف خلفها و يسند ذقنه إلى كتفها فنظرت إليه بابتسامة وقالت: حمدلله على السلامة.. طمني إيه الأخبار؟! أهدي وجنتها قبلةً وقال: الحمدلله رست علينا أنا وقاسم.

ابتسمت بفرحة وقالت: طب الحمدلله، مبروك يا حبيبي. الله يبارك فيكي، بقول لك يا غزل؟! التفتت إليه باهتمام فقال: فاضية تيجي معايا النهارده مشوار ضروري؟ قطبت جبينها بتعجب وقالت: أيوة فاضية، بس هنروح فين؟ أومأ موافقاً وقال: بعدين هقول لك، خلصي بسرعة و نفوت على أبويا نسيب زياد و نور عنده و نروح. طيب فهمني بس هنروح فين حتى أبقى عارفة ألبس إيه. إلبسي حاجة بسيطة، مشوار أنا مأجله من زمان و ده وقته خلاص.

أوقف يحيي السيارة أمام باب منزل العائلة و ترجل من السيارة ثم استدار للجهة الأخرى وفتح الباب لتنزل غزل ومن بعدها الأطفال الذين أسرعوا يركضون إلى الداخل. دلف يحيي و برفقته زوجته ليتجهم وجهه فور أن رأى آخر شخص كان يتوقع رؤيته الآن. نهض سليمان من مقعده بتوتر وظل ينقل بصره بين أخيه و غزل ثم تهادى صوته خافتاً يقول: إزيك يا يحيي. شعر يحيي أنه قد أصابه أحدهم بسهمٍ اخترق قلبه ولم

يقو على النطق فقال والده: سليمان كان جاي يسلم عليا قبل ما يرجع مصر تاني يا يحيي. أومأ يحيي موافقاً بهدوء وقال: بالسلامة إن شاء الله. إزيك يا غزل! قالها قاسم بابتسامة مترددة فقالت: الحمدلله يا عمو سليمان إنت عامل إيه؟ قاطع يحيي حوارهم المقتضب وقال: أنا هسيب زياد و نور معاك يا حج على ما أروح مشوار وأرجع. أومأ الأب موافقاً ونظر إليهم بابتسامة وقال: ياا سلااام، دول يآنسوا و ينوروا حبايب جدو.

حينها برز صوت سليمان يقول: أنا همشي يابا، محتاج حاجة؟ ربت والده على كتفه وهو يطالعه بأسى لما آل إليه حاله وقال: عايزك طيب يبني، خلي بالك من نفسك. انحنى يقبّل يديه ثم نظر إلى يحيى وتقدم منه خطوات وقال: عايز حاجة يا يحيي؟! نظر إليه يحيي مطولاً بشرود وهو يشعر بأن لسانه قد عُقد ولم ينطق فأدار سليمان وجهه و همٌ بالانصراف ليمسك يحيي ذراعه بغتةً فالتفت إليه سليمان مجدداً ليقول يحيى بنبرة مرتعشة: خلي بالك من نفسك.

سرت رعشةً قويةً بجسده وهو ينظر إلى عينا أخيه و صغيرُه الذي طالما شبّ فوق ظهره ليحتضنه بقوة وقد طفق الدمع يسيل من عيناه عندما احتضنه يحيي بدورهِ مربتاً على كتفه وقال: توصل بالسلامه. انصرف سليمان نادماً على ما بدر منه و على ما خسر وفرط متجهاً نحو القاهرة لكي يقضي بها أيامه وحيداً تاركاً خلفه عائلته وكل ما يملك مضطراً آسفاً.

وقف يحيي بسيارته أمام ذلك البيت المتهالك و ظل ينظر إليه وهو يسترجع سريعاً ذلك العام الذي قضاه به! دق الباب و دقات قلبه كانت أشد وطأةً فنظرت إليه غزل وقالت: مالك يا يحيي متوتر ليه كده؟! لم يجيبها بل ضغط على يدها بيده وكإنه يستمد منها قوته فإذا بالباب ينفرج لتظهر تلك السيدة العجوز من خلفه متهللة الأسارير عندما رأته يقف أمامها فقالت وهي تحتضنه: محمد، يا حبيبي يبني.

ضحك على ذلك الاسم الذي أطلقته عليه و ما زالت تناديه به واحتضنها بقوة مربتاً على ظهرها وقال: وحشتيني يا ست الكل. أبعدته عنها قليلاً تتفحص ملامحه باشتياق وعادت تضمه إليها بحنان وقالت: شكلك اتغير أوي يا محمد، بس وشك لسه بشوش زي ما انت. ابتسم باتساع و ربت على يدها بتقدير ونظر إلى غزل وقال: أعرفك، غزل مراتي. نظرت إلى غزل ببهجة واحتضنتها وهي تقول: يا حبيبتي زي القمر...

ادخلواا.. اومال فين عيالك يا محمد، معلش بقى أنا لساني خد على قولة محمد، يحيي ده بنساه. إنتي تقولي اللي إنتي عايزاه. قالها وهو يربت على كتفها وقال بحماس: اومال فين مصعب؟! ثوانِ معدودة و انفرج الباب مرةً أخرى ليدلف مصعب والذي تفاجأ برؤية يحيي فهرول إليه حيث نهض يحيي واقفاً واستقبله بأيدي ممدودة على مصرعيها..

بادر يحيي بالحديث قائلاً: أنا عارف إني ندل، بس من يوم ما رجعت والدنيا ملخبطة معايا، أول ما الأمور استقرت قولت لازم آجي أطمن عليكوا. ابتسم مصعب ببشاشة وقال: فيك الخير يا صاحبي والله، أنا روحت لك البيت أسأل عليك بعد ما رجعت بفترة قالوا لي إنك سبت البيت! أومأ يحيي موافقاً وقال: فعلاً، أنا حالياً قاعد في بيت لوحدي. مجبتش عيالك معاك ليه أشوفهم؟! تسائلت

والدة مصعب فقال يحيي: المرة الجاية بإذن الله أجيبهم يشوفوكي، المرة دي عالطاير بس كده... قاطعته قائلة: لاا عالطاير إزاي و دي تيجي! إنتوا مش ماشيين إلا لما نتغدا، يلا يا مصعب قوم امسك قصادي دكر البط خلينا ندبحه وألحق أولع عليه. لاا والله ما تتعبي نفسك، إحنا جايين نشوفكوا و ماشيين. يادي العيبة!! بقا تيجي بعد الغيبة دي كلها و تمشي من غير ما تتغدى معانا؟! طب حتى عشان غزل تدوق طبيخي. نظرت غزل

إلى يحيي بابتسامة وقالت: خلاص بقى يا يحيي خلينا قاعدين شوية كمان. رضخ يحيي لرغبتها و قضوا معظم النهار برفقتهم وسط جو ملئ بالألفة و الدفء حتى قرر الانصراف بمجرد حلول الليل. طيب هنشوفك تاني إمتا؟! تسائلت والدة مصعب بحزن فقال يحيي بعد أن قبّل رأسها: بإذن الله قريب، هبقى أطمن من مصعب عليكي و هتلاقيني بزورك أنا و زياد و نور في أقرب وقت. ربنا يخليهوملك يا حبيبي و تفرح بيهم.

يااارب.. زي ما قولتلك يا مصعب هستناك تعدي عليا بكرة في الشركة وتستلم الشغل الجديد. ودعه مصعب و والدته بعناقاً حاراً ثم انصرف و برفقته زوجته ليستقل كلاً منهما السيارة.. في طريقه شرد كثيراً وهو يسترجع ما حدث ذلك اليوم، فطوره برفقة أهله، سفره إلى القاهرة بمفرده، ولادة يحيي، حادث السيارة، عصابة سرقة الأعضاء و أخيراً إنقاذ مصعب له. ظل يتطلع إلى الطريق من حوله و رغبةً شديدة في البكاء تتملك منه.

حتى رائحة الطرقات من حوله تحثه على الانهيار! اضطرب و ثارت أعصابه حتى فقد السيطرة عليها، تسارعت نبضات قلبه و راحت تدق كمن يقرع طبول الحرب استعداداً للنزال، شرد و تخبط و أحس بالاختناق عندما رأى ذلك المفرق الذي اصطدمت به السيارة فمدّ أنامله يحرر ربطة عنقه و من بعدها انحنى ببصره يبحث عن محرمهِ بأنامل مرتعشة ليستمع إلى صراخ غزل والتي قالت: حـاااسب يا يحيـي!!!!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...