الفصل 6 | من 25 فصل

رواية ليتني مت قبل هذا الفصل السادس 6 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
20
كلمة
4,462
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

كانت غزل تجلس إلي جوار السيدة كاريمان تسند يديها أسفل خديها وتستمع إلي حكاياتها التي أصبحت جزءاً هاماً من يومها لتقول: أفهم من كده إنك فضلتِ تحبيه رغم اللي كان بيعمله فيكي و رغم إنه اتجوز عليكي! أومأت كاريمان بإبتسامة تمتزج بها آلام الذكريات وقالت: لله يرحمه مكانش سايبلي إختيار غير إني أحبه كل يوم أكتر من اللي قبله، طول عمره كان حنين عليا و عمره ما كان قاسي. تسائلت غزل بتعجب وقالت: كل ده و مكانش قاسي!!

هي القسوة بالنسبة لك إيه؟! نظرت كاريمان أمامها بشرود و أردفت:

القسوة ليها معاني كتيرة يا غزل غير اللي إنتي فاهماها، أو يمكن أنا عشان كنت بحبه أوي كنت ببص للأمور من زاوية تانية غير كل الناس، القسوة بالنسبه لي هي مش إنه يضرب و يهين و يخاصم و يجافي، لأ، القسوة بالنسبه لي كانت لو جيت في يوم بكيت و ممسحش دموعي، لو لقاني عايزة أعيط و محضنيش، لو حسيت لمسته ليا راح منها الدفا اللي كان ملازمها، لو نبرة صوته وهو بيتكلم معايا مبقاش فيها نفس اللهفة اللي بيتكلم بيها. ثم نظرت إلي غزل وقالت:

لو هنحسب القسوة بالمقاييس بتاعتي يا غزل فهو عمره ما كان قاسي عليا. لم يَسعها سوي أن تبتسم لتلك الكلمات التي مست قلبها لتردف الأخري بتأكيد وقالت: القساوة قساوة القلب يا غزل مش أي حاجة تانيه. نظرت إليها غزل وقالت: إنتي غريبة أوي يا ماما كاريمان، للدرجة دي كنتي بتحبيه!! وهو إزاي مقدرش إنك بتحبيه الحب ده كله و راح اتجوز عليكي؟! نظرت كاريمان للجانب و لمعت عيناها بألم وقالت:

لله يرحمه كان مهووس بالستات، كان دايماً يقوللي دي حاجة غصب عني و الحب حاجة و الجواز حاجة تانية. سألتها غزل بفضول: هو اتجوز كام مرة! _6 مرات! نطقتها كاريمان بإبتسامة ساخرة لتجد غزل وقد اتسعت عيناها بدهشة وقالت: 6 مرات وإنتي علي ذمته و موافقة و راضية! أومأت بنعم وقالت: كنت خايفة عليه يعمل حاجة حرام و خصوصاً إني تأكدت إن الستات بالنسبة له زي مرض هو مش عارف يتعالج منه، عمره ما كان ضعيف قدام حاجة غير الستات.

قالت غزل بإمتعاض: بس ده مش مرض، دي فراغة عين و طفاسة، طالما مكانش قادر يكتفي بيكي يبقا كان لزمته إيه الحب اللي بينكوا! ثم أضافت بقوة: اسمحلي أقولك إنك كنتي مغيبة وهو كان بيستغل حبك ليه أبشع استغلال. قالت كاريمان بنفي: لا أبداً متقوليش كده، عمره ما استغلني أنا كنت راضية بكل حاجة وهو مغصبش عليا ولا مرة إني أوافق أو أقبل بالوضع ده. جادلتها غزل قائلة:

لأنك مكنتيش محتاجة للضغط أو الغصب أساساً هو وصلك لمرحلة من الابتزاز العاطفي خليتك مهيئة لكده، إنك تدوري علي راحته و سعادته علي حساب راحتك و سعادتك و... و كرامتك كمان! نطقت الأخيرة بقوة لتنظر لها كاريمان بضيق وتقول: اطلبي لي أكرم ابني! قامت بالاتصال بولدها الذي أتى في غضون دقائق لتنصرف غزل على الفور فقالت له: أنا مش عايزة البنت دي تاني. نظر لها ابنها بتعجب وقال: ليه يا أمي مالها ضايقتك في إيه؟! أردفت بغضب:

من غير ليه.. مش عايزها تيجي هنا تاني! زم شفتيه بحيرة وقال: حاضر يا ست الكل اللي تشوفيه. ثم قام بالاتصال بـ غزل التي أجابت على الفور متسائلة باهتمام فقالت: أيوة يا باشمهندس، خير في حاجة؟! تتنحنح قائلاً بحرج: مساء الخير يا آنسة غزل، الحقيقة مش عارف أجيبهالك إزاي بس والدتي مبقتش عايزة حد ييجي يقعد معاها. ابتسمت ببساطة وقالت: كنت متأكدة إنها هتاخد مني موقف بعد اللي حصل النهارده. ليتسائل مستفهماً فقال:

إيه هو اللي حصل النهارده؟! أجابت غزل ببساطة: أبداً، كانت بتحكيلي عن والدك الله يرحمه وإنه كان راجل مزواج وإنها كانت راضية و موافقة فأنا قولتلها إنه كان بيستغلها وبيستغل حبها ليه. ضحك قائلاً:

يعني إنتي اللي جنيتي على نفسك، أصل بابا الله يرحمه يا ستي من المحظورات عندها مبتسمحش لحد يقول عليه حرف مش على هواها، بتحبه بجنون زي ما إنتي شايفة كده فإنتي كنتي بتلعبي في الثوابت عندها عشان كده هي قالت تلحق نفسها وتستغني عنك قبل ما تتأثر بكلامك. ابتسمت غزل وقالت: على العموم حصل خير، ربنا يخليهالك و يديها الصحة وطول العمر. تمتم قائلاً: اللهم آمين يارب، أتمنى تتفهمي موقفي ومتكونيش متضايقة. أردفت بهدوء:

لا أبداً مفيش حاجة، مع السلامه. أنهت الاتصال بعدها لتذهب بخيالها إلى مؤنس وحدتها ورفيق أحلامها الأوحد وقد أنَّ قلبها شوقاً إليه لتتمتم قائلة: الله يرحمك يا يحيي. مر أسبوع وقد نفذ صبر سليمان وهو ينتظر جواب يُسر التي أهلكت أعصابه بغنجها الزائد ليقرر أنه سيقوم بالاتصال بها اليوم وليكن ما يكن. أمسك بهاتفه بأيدٍ مرتجفة وقام بمهاتفتها لتتجاهل هي اتصاله مرات ومرات لتجيب أخيراً فقالت بصوتٍ ناعس راقه كثيراً: ألو، أيوة يا عمو.

تنحنح قائلاً: أيوة يا يُسر إنتي كنتي فين كل ده؟ _معلش مسمعتش التليفون، كان في حاجة؟! قال بضيق: أيوة في، فات أسبوع على آخر مكالمة بيننا و قولتيلي هتفكري وتردي عليا وبرضو مردتيش لا بـ آه ولا بـ لأ، ممكن أعرف ده تجاهل ولا طناش ولا رفض ولا إيه بالظبط؟! قالت بهدوء: لا والله أبداً لا تجاهل ولا طناش. ضيّق عينيه قائلاً: يبقا رفض! زفرت مطولاً وقالت:

بص يا عمو بصراحة أنا فكرت في الموضوع ده لقيت إني كده هظلم صافية وأنا مش هقدر أظلمها لأني مشوفتش منها حاجة وحشة.... قاطعها قائلاً: لااا لو صافية هي اللي شغلاكي متقلقيش أنا اتفاهمت معاها وهي موافقة. تمتمت بصدمة: موافقة؟! موافقة إننا نتجوز؟! قال مؤكداً: أيوة موافقة، هي عارفة إننا بنفكر في مصلحة العيال وبس.. لو على صافية متحمليش هم. أردفت بتفكير و تمهل: طيب وبابا الحاج خد خبر؟

_أيوة طبعاً عارف هو أنا معقول هخطو خطوة من غير علمه ومباركته كمان، اطمني هو كمان موافق. صمتت ليتابع هو قائلاً: أظن كده مبقاش في أي موانع! هااا بقا موافقة ولا مش موافقة؟ =موافقة. نطقتها بتمهل ليبتهج وجهه ويعلوه البشر والسرور فقال مسروراً: على خيرة الله.. أنا هبلغ الحاج ونكتب الكتاب على آخر الأسبوع إن شاء الله. تمتمت بموافقة: ماشي بإذن الله.

أنهى الاتصال وقلبه يتراقص طرباً وسعادة بهذا الخبر السعيد ثم قام بالاتصال بصديقه قائلاً: ألو، إزيك يا أبو يونس. _سليمان إيه أخبارك عاش من سمع صوتك يا راجل. =بخير الحمدلله والله، اسمعني، عايزك تجهز لي طقم دهب كامل مكمل بس تكون حاجة نقاوة على ذوقك، وهفوت عليك بالليل إن شاء الله آخده. _إيه ناوي تتجوز ولا إيه؟! مسح سليمان جانب فمه بإبهامه وأردف بِزهو فقال: أه، عقبال عندك. قال الآخر متعجباً: بتتكلم جد؟! ده أنا كنت بهزر!

على العموم ربنا يتمم بخير يا ريّس. شكره سليمان قائلاً: تسلم يا غالي عقبال أولادك. و أنهى المكالمة ليغلق متجره ويعود إلى البيت ثم دلف إلى شقة والده ليجده قائماً يصلي فانتظر حتى فرغ من صلاته وقال: حرماً يا حج. _جمعاً بإذن الله. قالها والده وهو يجلس إلى مقعده ليبادر سليمان بالحديث قائلاً: يُسر وافقت يابا. نظر إليه والده وهز رأسه بهدوء علامة منه في عدم رغبته بالحديث ليتابع سليمان قائلاً:

وصافية كمان اتفاهمت معاها وخدت منها الموافقة. أعاد والده النظر إليه وقال باقتضاب: على خيرة الله يا سليمان. ذهب سليمان وجثا على ركبتيه أمام مقعد والده وأمسك بيده يقبلها قائلاً: إنت مش مبسوط يابا؟! صدقني لو مش عاوز الموضوع ده أنا هصرف نظر عنه للأبد، أهم حاجة رضاك. ربت والده على كتفه قائلاً: اللي ميغضبش ربنا ميغضبنيش يبني، أهم حاجة متظلمش يا سليمان! نظر إليه سليمان مستفهماً ليردف والده قائلاً:

متَمِلش لواحدة على حساب التانية يا سليمان، لازم تعدل بينهم على قد ما تقدر، وتراعي إن يُسر هتيجي مراتك زي صافية بالظبط يعني الاتنين ليهم نفس الحقوق. أفتر ثغره عن ابتسامة حتى تبينت نواجذه ليقول بحماس: من الناحية دي متقلقش يابا. أومأ والده موافقاً وقال: على بركة الله. _إن شاء الله كتب الكتاب يوم الخميس. قالها سليمان لينظر إليه والده ويقول: بإذن الله على خير. _ياارب، هطلع بقى أبلغ صافية.

ثم انصرف صاعداً نحو شقته ليجد صافية تجلس متجهمة الوجه فبدأ هو بارتداء قناع الحزن ودخل يجر قدميه جراً وتهاوى بجسده إلى الأريكة التي تجلس عليها صافية منتظراً أن تبادر هي بالحديث كعادتها كل يوم متسائلة عن حاله أو عن سبب ضيقه ليجدها آثرت الصمت دون النبس بكلمة واحدة لينظر إليها متعجباً وتتبدل الأدوار ليبادر بالحديث قائلاً: مالك يا صافية؟! قاعدة سرحانة كده ليه؟ قالت باقتضاب دون النظر إليه: مفيش حاجة.

زاد تعجبه ليجلس مقابلاً لها ويمسك بيدها قائلاً: مفيش إزاي؟! أكيد في حاجة مضايقاكي. نظرت إليه بقوة وأردفت: إيه أخبار العروسة الجديدة؟! نظر إليها بتعجب وقال: العروسة الجديدة؟! أومأت بموافقة وقالت: أيوة، أصل أنا بقالي كذا يوم مشوفتهاش، أما إنت على اتصال معاها عشان كده بسألك إنت عنها. قال مستفهماً: على اتصال معاها؟! مين اللي قالك كده؟! أجابت بحدة: زينب اللي قالتلي، كانت عندها وشافت موبايلها بيرن باسمك. قال مغتاظاً:

وإنتي معينّة مخبرين عليا ولا إيه يا صافية؟! جري إيه، إنتي هتخيبِني ولا إيه؟! قالت بضيق: وأنا من إمتى كنت بعمل كده يا سليمان ولا هو ده طبعي أصلاً؟! قال مستفهماً: أومال في إيه؟!

_الحكاية وما فيها إن زينب كانت فوق بالصدفة وشافت اسمك على تليفونها وكمان وقفت تتصنت عليها وهي بتكلمك وسمعتها بتقولك جواز ومش جواز، وإنت عارف زينب مبتصدقش خبر وبتحب تعمل خير أوي، نزلت تجري تبلغني.. وأنا قعدت قدامها زي العيلة الصغيرة مش عارفة أرد عليها أقول إيه. ثم أردفت بحزن: أنا اتحطيت في موقف وحش أوي يا سليمان. تأفف قائلاً:

صاااافيه، عشان خاطر ربنا أنا مش ناقص لت حريم ملوش عازة، كفاية عليا القرف اللي أنا فيه، مش عارف هلاقيها من الشغل اللي مضروب ولا من أبويا اللي بيضغط عليا في الطلعة والنزلة ومش راضي يتكلم معايا إلا أما أعمله اللي هو عايزه، ولا منك إنتي كمان وأنا شايفك بتضغطي على نفسك عشان تريحيني وأنا مش عارف أخفف عنك إزاي. قال وهو يضع رأسه بين كفيه: حراام كل ده والله، ده فوق طاقتي بجد.

لم يَفشل يوماً في ابتزازها عاطفياً ليجعلها هي من تقدم له الحلول التي يريدها على طبق من فضة بالإضافية إلى شعورها بالذنب تجاهه أيضاً لكونها أفصحت عن ما بها من ضيق واستياء. اقتربت أكثر منه لتجذبه إلى صدرها وتمسح على رأسه وقالت: خلاص يا سليمان أنا آسفة، حقك عليا مش هتكلم معاك في الموضوع ده تاني، اسمع كلام أبوك واكسب رضاه وأنا عليا الاستحمال. احتضنها بشدة وأردف قائلاً:

مش عارف أعمل إيه يا صافية، تعبت، وأبويا مش راحمني، ده حتى لسه وأنا طالع بيقولي اعمل حسابك كتب الكتاب يوم الخميس! ابتلعت غصة في حلقها وقالت بألم: معلش يا سليمان، الخميس من الجمعة مفرقتش طالما كده كده مصمم على حاجة هيعملها. أومأ متنهداً ليمنح جبينها قبلة عميقة ويقول: معلش يا صافية يا بنت الأصول، وضع وكلنا مجبرين نتقبله، ربنا يسامحه أبويا بقى. ابتسمت هي ببشاشة على عكس ما يعتمل بداخلها من ألم وحسرة وقالت:

ولا يهمك يا حبيبي، يلا ادخل غير هدومك وتعالى نتعشى، عملالك كل الأكل اللي بتحبه. أومأ مبتسماً لتنصرف هي باتجاه المطبخ فـ زفر براحة وهو يمني نفسه باقتراب مراده.

كانت تجلس شارده كعادتها تفكر بهِ فكيف لها أن تنساه وهو من أول من داعب قلبها و انتزع ابتساماتها فل طالما عشقته وانتظرته ولكنها أبت أن يبدو ذلك عليها فهي كانت لا تزال صغيرة وتراه قد لا يلتفت لها يوماً فكيف لها أن تطمح في ذلك وقد يراها طفلة في نظره، فـ كبتت مشاعرها بينها وبين نفسها وعانت من لوعة الحب الصامت الذي لم يُلهب إلا وجدانها وحدها.

كانت تأمل أن ربما بداخله شيء نحوها هو الآخر ولم ير منها شيئاً يدفعه لأن يصرح لها بما بداخله فانتظرته ليالٍ طوال. هكذا قيدت غزل تلك المشاعر و دعتها تكبر بداخلها فقط هي وحدها حتى فوجئت بخبر زواجه من يُسر لتنسحب على الفور من وسط ذلك الجمع الغفير وهي تحبس دمعاتها لأنها لم تحمل بداخلها إلا لوعة الحب والفراق. مسحت دمعاتها التي طفقت تسبح فوق وجنتيها و أسبلت جفنيها تود النوم حتى تنعزل به عن عالمها المهلك ولكن أنَّى لها ذلك.

رأت يحيي يجلس مبتسماً لها وهي تدنو بخطواتها منه حتى اقتربت منه وتوقفت أمامه لتجده ما زال ينظر باتجاهها ويبتسم ولكن ليس لها فنظرت خلفها لتجد يُسر في مكتمل أنوثتها تقف وعلى ثغرها ابتسامة فاتنة ويحيي ينظر لها ويبتسم ثم نهض عن مقعده وسار إليها حتى توقف أمامها ليجد أنها لا تنظر له ولا زالت تبتسم فنظر خلفه ليجد سليمان وقد بدا وسيماً للغاية يختلط شعره بسواد الليل وبياض الفجر معاً ينظر لـ يُسر ويبتسم ثم سار نحوها ليحتضنها

على مرأى عينيّ يحيي ليسقط هو أرضاً من هول الصدمة ويضرب الأرض حزناً بيديه وينتحب بشدة فهرولت هي ناحيته لتجد قدميها وقد تثبتت بالأرض لا تقوي على رفعهما وكأنهما قد التصقتا بالأرض لتقف هي حزينة تبكي على ما آل إليه حال يحيي وهو يجلس بمكانه ينظر لـ زوجته وشقيقه وهما يتعانقان وينظران نحوه بحقد ويضحكان بسخرية لتنتفض هي

من نومها بفزع وراحت تتمتم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. خرجت من غرفتها لتجد والدها ما زال مستيقظاً ويدخن السجائر وهو شارد لتقترب منه وقالت: لسه صاحي ليه يا بابا؟! نظر إليها قائلاً: مفيش حاجة يا غزل إنتي إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟! زفرت بتوتر وقالت: قلقت مفزوعة، كنت بحلم حلم وحش أوي! نظر إليها قائلاً باهتمام: خير اللهم اجعله خير، اقعدي واحكيلي. قصت له ما رأته ليبتسم متهكماً ويقول: ده مش حلم ده حقيقة!

نظرت إليه بتعجب وقالت: حقيقة إزاي مش فاهمه؟! سحب نفساً من سيجارته وأردف: عمتك صافية كانت بتكلمني دلوقتي وقالتلي إن سليمان هيتجوز مرات يحيي الله يرحمه. فعرت فاها بصدمة وقالت: معقول؟! وإزاي يُسر توافق على حاجة زي دي؟! وإزاي عمتي صافية تقبل بالوضع ده؟ زفر قائلاً: عمتك مغلوبة على أمرها يا غزل، إنتي عارفة هي بتحب جوزها قد إيه، وبعدين هو هيعمل كده بأمر من أبوه عشان عيال أخوه يتربوا وسط أهلهم، يعني هو كمان مغلوب على أمره.

نظرت إلى والدها بعدم اقتناع وقالت: مفيش حاجة اسمها مغلوب على أمره، هو مش عيل صغير، وكمان هي مسمهاش مغلوبة على أمرها لا دي اسمها سذاجة وضعف واستسلام.... قاطعها قائلاً: متحكميش على حاجة إنتي مش عايشة فيها ولا مجرباها يا غزل ربنا يعين كل حي على حاله. أومأت بهدوء وقالت: معاك حق، هدخل أنا أكمل نوم، تصبح على خير.

دخلت إلى غرفتها ولم يكحل النعاس جفنيها فبقت شارده تسب وتلعن يُسر التي سرقت منها يحيي أولاً وعادت لتسرق سليمان من عمتها ثانيةً. آتي الموعد المنتظر على أحرّ من الجمر ليستقبله سليمان بفرحة وسرور جاهد أن يخفيها ولكنه فشل مما أثار خوف صافية من القادم ولكنها حاولت التحلي بالصبر حتى لا تتسبب في أي شيء قد يفسد ذلك اليوم فبدأت بتحضير ثياب سليمان والذي كان يستعد أتم الاستعداد. _صافية، أنا طالع عايزة حاجة؟!

نطقها ببساطة حتى أنه قد نسي أن يتصنع الحزن لتنظر صافية له بألم ثم قالت: عايزة سلامتك. طبع قبلةً باردة على رأسها وانصرف للأعلى مسرعاً متخذاً سبيله إلى شقتها هرولةً ثم دق الباب دقات متلهفة ليفتح له زياد فحمله وقبّل وجنته قائلاً: ماما فين يا زيزو؟ _ماما في الأوضة، أناديلها؟ =قوللها عمو سليمان جه بره. قال الطفل بعفوية: هو إنت جاي عندنا ليه؟! لم يعرف بما يجيبه ليقول: يلا ادخل قوللها اللي قولتهولك.

دخل زياد إلى غرفتها وأبلغها بقدوم سليمان ثم خرج ليرتفع بعدها جرس الباب مسفراً عن قدوم المأذون وعلي وعبدالقادر. فتح سليمان الباب لهم ليرمق كلاً منهم بنظرات خاطفة تبينت منها عدم رغبتهم في تلك الزيجة ليدخل المأذون ويبدأ في تحضير الأوراق بينما جلس سليمان إلى جانب أخيه وأبيه ينتظرون قدوم يُسر التي خرجت بعد أن تسائل المأذون قائلاً: العروسة فين؟! _أنا أهو يا حضرة المأذون.

برز صوتها وهي تتهادي بخطواتها الممشوقة لينتبه عليها الحضور وبالأخص "علي" الذي رمقها بنظرات متفحصة أسفرت عن تحليل صائب لموقفها وانطباعها عن تلك الزيجة مما جعله يتعجب بشدة. كانت يُسر ترتدي ثوباً أبيض يرسم قوامها الفتان ببراعة وتضع من الزينة ما يكمل جمالها الذي حباها به الله فأقبلت عليهم تمشي بثقة ثم جلست مقابل سليمان الذي كاد فاه أن يسقط أرضاً من فرط إعجابه بها.

عُقد القران بشهادة عبدالقادر وعلي لينصرف كلاً منهم برفقة المأذون وبقي سليمان مع يُسر بشقتها ليقف أمامها ويقول مبتسماً: مبروك يا يُسر. تمتمت بهدوء: الله يبارك فيك يا عمو. ابتسم باقتضاب قائلاً: لأ عمو إيه بقا مبقاش ليها لزوم عمو دي.. كفاية سليمان وبس! أومأت بموافقة ليفاجئها هو عندما أخرج من الجيب الداخلي لسترته علبة قطيفة حمراء اللون وقام بفتحها أمامها لتتسع عيناها بدهشة وإعجاب وتقول بسعادة لم تنجح في إخفائها: الله!!

تحفففة بجد. ثم نظرت إليه وهي تلتقط العلبه من بين يديه وقالت: متحرمش منك يا عمو.. الطقم فظيع أوي. سُرّ قلبه وقال مبتهجاً: دي أقل حاجة، إنتي تستاهلي أحلى من كده بكتير. ثم نزع الإسوار من العلبه وقال: إيدك بقا عشان ألبسهالك.

بسطت كف يدها بسعادة ليقوم بإلباسها الإسوار ثم تلاه الخاتم ثم أمسك بالكوليه وهو ينظر لها ليتفاجأ عندما وجدها تستدير وتوليه ظهرها وترفع حجابها ليتقدم هو منها أكثر ويقف خلفها ويقوم بإلباسها العقد وقلبه يكاد يتوقف من فرط شغفه بها لتستدير هي سريعاً وتنظر إلى العقد الذي يزينها ومن ثم نظرت إلى سليمان بغبطة وقالت: شكله حلو عليا مش كده! نظر إليه سريعاً وقال: حلو جداً، تعيشي وتدومي. ابتسمت وأومأت بهدوء لينظر إليها قائلاً:

طب إيه مش هنتعشى ولا إيه؟! حتى العيال يتعشوا معانا. قالت بأسف: إيه ده! أنا نسيت أجهز عشا، أصلي مكنتش عاملة حسابي إنك هتفضل معانا بعد كتب الكتاب يعني. ضحك قائلاً: وهو يصح أنزل يعني في ليلة زي دي! أخفضت بصرها أرضاً ليردف قائلاً: على العموم مش مشكلة، هطلب أكل من بره، أساساً مكانش ينفع إنتي اللي تطبخي. قام بالاتصال بخدمة توصيل الطعام للمنازل وطلب عشاءً فاخراً وقال: نص ساعة والأكل هيوصل. أسرع زياد باتجاهه وقال:

عمو هو إنت قاعد عندنا ليه؟! نظر إليه باسماً وقال: إيه يا زياد باشا عايزني أمشي؟! أومأ زياد نافياً وقال: هو إنت هتتعشى معانا؟! قال سليمان ضاحكاً: ده لو مش هيضايق حضرتك. أضاف زياد متسائلاً: وهتنام عندنا؟! نظر سليمان إلى يُسر وقال: ده لو ماما تسمح. أكمل زياد وصلة تساؤلاته فقال: ليه هو إنت بابا ولا إيه؟ انقبض قلبها لتقول بحدة طفيفة: زياد بطل كلام كتير ويلا عشان تغير هدومك.

ذهبت لتساعد أطفالها في تبديل ملابسهم بينما دق جرس الباب ليفتح هو ويقوم بتحضير طعام العشاء على الطاولة فخرجت الأطفال ليجلس زياد إلى جانبه ونورا على قدمه فإذ به ينظر تجاه غرفة يُسر لتجدها تخرج وقد بدلت ثيابها إلى رداء رياضي "تريننج" محكم مكون من قطعتين ثم جلست إلى جانبهم وبدأوا جميعاً بتناول العشاء وسط جو لا يخلو من المزاح بين سليمان والطفل زياد. فرغ الجميع من طعامهم لتقول يُسر:

أنا ممكن أنام مع زياد ونور في الأوضة بتاعتهم وإنت تنام على السرير الكبير لوحدك. أردف بلهفة قائلاً: لالا..بلاش الأوضة دي. طالعته بتعجب ثم أضافت قائلة: خلاص أنا هاخدهم معايا في الأوضة بتاعتي وإنت نام في أوضتهم. زم شفتيه وقد خابت آماله بأن يبيتا سوياً فقال: خلاص ماشي. انصرف كلاً منهم إلى غرفته وهو يرقد على السرير كمن يفترش الجمر من أسفله ويتمتم بحسرة:

بنت الإيه زي لهطة القشطة .. آاااه بقا بعد ده كله أنام في أوضة وهي في أوضة! يعني بينا حيطة واحدة ومش عارف أطولها. ثم قال مؤازراً نفسه: الصبر يا سليمان.. الصبر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...