بمجرد عودتها إلى البيت، استوقفها والدها بحدة، وعيناه تنطق عن كم الغضب الذي يخفيه. حاول أن يتماسك وألا يثور منفعلاً عليها، فقال بحدة هادئة: "حمد الله على السلامة يا أستاذة غزل." "الله يسلمك يا بابا." قالتها وهي غير منتبهة لوجهه الغاضب المتجهم. لكنها التفتت إليه بصدمة عندما قال: "يحيى عامل إيه؟ نقلت بصرها بينه وبين صافية التي كانت تقف تنظر أرضاً بخزي، قبل أن ترمقها بأسف. لتبتلع غزل ريقها في توتر، وعادت تنظر إلى والدها
الذي تفاقمت حدته وقال: "إيه مش سامعاني؟ بقول لك أخبار يحيى إيه؟ مش إنتي لسه راجعة من عنده؟ ولا ناويه تكذبي تاني؟ أدركت أنه لا سبيل للفرار من المواجهة، فاقتربت من والدها وقالت بلين: "أنا آسفة... قاطعها قائلاً بضيق واستهجان: "آسفة؟ بتكذبي على أبوكي عشان خاطر إيه؟ عشان خاطر واحد زي ده؟ اعتري الضيق ملامحها فقالت: "ماله يحيى يا بابا؟ "ماله يحيى؟ ماله ولا مالوش ده ما يخصناش. إنتي إيه يا بنتي؟
مفرطة في كرامتك وعزة نفسك ليه كده؟ واحد عمره ما حس بيكي ولا هيحس في يوم من الأيام، ترمي نفسك عليه ليه؟ فاكرة إنك كده هتكسبيه مثلاً؟ تعجبت من أسلوب والدها ومنطقه! لماذا كل هذا التعسف تجاه يحيى، والذي لم ير منه أبداً سوى الخير!! "حضرتك أنا مش فاهمة موقفك تجاه يحيى حاد أوي كده ليه؟ إحنا طول عمرنا متربيين سوا وما شفناش منهم غير الخير! "خير؟! تساءل والدها مستنكراً وأضاف: "أنهي خير ده سيادتك؟
ممكن تعرفيني إيه هو مفهوم الخير من وجهة نظرك؟ الخير اللي عمله أخوه لـ عمتك لما اتجوز عليها؟ ولا الخير اللي عملته مراته ليها لما خربت بيتها وظلمتها واتسببت في طلاقها؟ ولا يكونش الخير اللي عمله أبوه لما وقف يتفرج عليهم وهما بيفتروا عليها وسكت! فهميني أنهي خير! دي عيلة كلها معدنها مغشوش وملهاش أصل. إشمعنى سي يحيى بتاعك ده اللي هيبقى الحلو اللي فيهم؟
"مش شرط عشان كلهم وحشين يبقى هو كمان زيهم. أي عيلة فيها الكويس وفيها الوحش." "آآه.. ويحيى بيه هو الفرع العِدِل الوحيد بين كل الفروع المايلة دي، مش كده؟ همّت بقول شيء ما ليعلو صوت رنين هاتفها قبل أن يجتذبه والدها من بين يديها بحدة وهو ينظر به قائلاً: "ده يحيى باشا.. بيطمن عليكي وصلتي ولا لسه. ليه حق طبعاً مش الخدامة بتاعة عياله! حملقت به بذهول لتجده يجيب المكالمة بحدة ويقول: "ألو؟ على الجانب الآخر، قطب
يحيى حاجبيه بتعجب وقال: "ألو، ده رقم غزل؟ "لا يا سيدي ده رقم مدام غزل، أي خدمة؟ "حضرتك عمي إبراهيم؟ "أيوة أنا عمك إبراهيم، مين حضرتك؟ "أنا يحيى يا حج إبراهيم، إزي حالك؟ "كويس، يلزم خدمة؟ ازداد تعجب يحيى من أسلوبه المقتضب وحدته غير المبررة بالنسبة له فقال: "لا أبداً.. كنت عايز أبلغ مدام غزل إني مش هنزل الشغل بكرة، تقدر ترتاح هي."
"كويس أوي، وبالمناسبة أحب أبلغ حضرتك إن مدام غزل هترتاح على طول، تقدر تشوف لعيالك جليسة تانية تقعد معاهم. مع السلامة." أنهى إبراهيم المكالمة باقتضاب وألقى بالهاتف إلى الطاولة المجاورة له تحت نظرات غزل المندهشة والتي قالت: "حضرتك عملت ليه كده يا بابا؟ "عشان ده الصح. مرور عند يحيى ده تاني لأ. كفايانا أوي اللي خدناه من العيلة دي لحد كده. أنا معنديش استعداد أختلط بحد منهم تاني."
دخل إلى غرفته بهدوء ينافي الفوضى العارمة التي صنعها بقلب ابنته، فقد ألهب بقلبها ضجيجاً لا ينضب. بأعين دامعة، نظرت إلى صافية التي اقتربت منها وتحدثت بنبرة آسفة: "أنا آسفة والله يا غزل، حلّفني برحمة أبويا وأمي وما عرفتش أكدب عليه واضطريت أقول له إن الباشمهندس ده يبقى يحيى." "إنتي سمعتي اللي قاله يا عمتو؟ ده قال ليحيى إني مش هروح هناك تاني!! ربتت صافية على وجنتها تحاول مواساتها وقالت:
"معلش يا غزل، إن شاء الله ليها حل. هو بس مضايق إننا خبينا عليه، لكن مجرد ما يروق هيوافق ترجعي بإذن الله." هزت غزل رأسها بيأس وقلة حيلة، ثم التقطت هاتفها ودلفت إلى غرفتها وقامت بمهاتفة يحيى، الذي أجاب على الفور قائلاً: "أيـوة؟ "أيوة يا يحيى." "أيوة يا غـزل، فـي إيـه؟ عمي إبراهيم كان بيكلمني ليه كده؟ زفرت غزل بتعب وقالت:
"أصل أنا كنت مخبية عليه إني sitter لعيالك، كنت قيلاله إني بروح لناس تانية، ولما عرف النهارده اتخانق معايا وقال لك الكلام اللي قاله ده." "طب وليه كنتي مخبية عليه؟ "مش فاهم." "لإنه لو كنت قلت له ما كانش هيوافق. بابا من ساعة اللي أخوك عمله مع عمتي وهو واخد موقف من العيلة كلها." لعن تحت أنفاسه غاضباً وقال: "هو أنا مالي ومال اللي عمله أخويا؟ هو مكتوب عليا أتحاسب على عمايل أخويا طول العمر ولا إيه؟ صاحت بحدة:
"مش عارفة بقا يا يحيـي، أهو ده اللي حصل." "طب إهدي خلاص، أنا هتصرف." تساءلت بفضول وترقب: "هتتصرف إزاي يعني؟ "بكرة هاجي أتكلم معاه وأستأذنه ترجعي تاني." قالت بيأس: "لا متتعبش نفسك، بابا ما بيرجعش عن موقفه بسهولة." "يستي هنحاول، ماهو بصراحة إحنا مش هنقدر نستغني عنك، زياد ونور اتعلقوا بيكي وأنا مش هآمن عليهم مع حد غيرك." ابتسمت بسخرية وقالت: "شكراً على ثقتك فيا يا يحيى، عالعموم اللي يريحك اعمله. تصبـح على خير."
أنهت المكالمة وأغلقت الهاتف، ثم وضعته أسفل وسادتها بملل، وبدلت ثيابها لتتدثر بعدها بغطائها مستسلمة إلى سلطان النوم. لم يكحل النعاس جفنيه، بات ليلته شارداً يفكر بما حدث اليوم. لقد تلقى أكبر صفعة في حياته اليوم! لم يغفل عن خضوعها واستسلامها إليه حتى تنال مرادها وتستحوذ عليه كما كانت تفعل سابقاً، لتنفلت منه ابتسامة متكبرة وهو يتذكر كيف كان يبسط لها ذراعيه ممدودتين بكل ما تشتهي نفسها قبل أن تطلب.
الآن فقط تيقن أنه كان مخطئاً بحق نفسه قبل الآخرين، لقد تهاون كثيراً حتى فقد كل شيء. حاول أن يسبل جفنيه مستسلماً للنوم، ولكن صورة أطفاله قفزت إلى خياله، فنهض سريعاً وذهب إلى غرفتهم وألقى بجسده المنهك إلى الفراش الفارغ بالغرفة، وراح يتطلع نحوهم بأعين آسفة نادمة. "أنا عارف إن مش من حقي أحرمكم منها، إنتوا مالكمش ذنب في كل اللي بيني وبينها ودي مهما كان أمكم، يمكن تكونوا محتاجينها أكتر مني، دي حاجة متزعلنيش!
أيوة متزعلنيش إنتوا لسه صغيرين متفهموش حاجة، حتى لو بتحبوها أكتر مني دي حاجة متزعلنيش بردو! أهم حاجة متزعلوش مني ومتتظلموش بسببي، بكرة لازم أخَيِّركم تفضلوا معايا ولا ترجعوا لها، وأيّاً كان قراركم أنا موافق أهم حاجة راحتكم وسعادتكم." هكذا حدث نفسه بما يشغل باله وقلبه، ليعتزم أمره بأنه سيخيرهم بالبقاء معه أم الذهاب إلى والدتهم، وليكن ما يختاروه، ثم أغمض عينيه غارقاً في نوم عميق.
"إنت متأكد من اللي بتقوله ده يا جوز أمي ولا هتودينا في داهية؟ تساءلت يسر بخوف يتملك منها، ليجيبها إسماعيل بتأكيد ويقول: "إلا متأكد.. زي ما الست ميجيبهاش غير ست زيها، كمان الراجل ميكسرش شوكته غير راجل زيه، إمشي ورايا تاكلي الشهد." مسحت على وجهها بتوتر وتساءلت: "طب افرض يحيى فهم الموقف غلط وبقت فضيحة! يبقى إزاي الحال ساعتها؟ "يفهم غلط إيه يا غبية إنتي، هو له هيوقفك في وضع مخل لا سمح الله!
كل الحكاية إننا هنخليه يتلحلح، هنخلي نار الغيرة تاكل قلبه من تاني ويقول حقي برقبتي." "ربنا يستر بقا، أنا قلبي مش مطمن." "لا يختي اطمني وخلي قلبك يطمن، بس أمانة عليكي لما ترجعي مرات يحيى الهنداوي من تاني متنسيش عمو إسماعيل اللي كان السبب." لم تجبه، فقال: "قومي يلا البسي كده واتغندري وانزلي هتلاقي الواد زيكا واقف مستني بالتاكسي، اطلعي معاه وزي ما اتفقنا اعملي."
فعلت يسر كما أخبرها واستعدت، ثم ذهبت برفقة ذلك الشاب إلى تلك الشقة التي قاموا بتأجيرها لتنفيذ مخططهم الفاشل بها. كانت يسر تجلس والتوتر يأكل داخلها، تفرك يديها بقلق وهي تنتظر ما سيحدث عما قريب، آملة أن تجدي تلك الخطة ثمارها. "فـي هدية حلوة مستنياك في العنوان ده دلوقتي، متتأخرش!
بينما كان يحيى يقوم بإعداد الفطور لأولاده، وصلته تلك الرسالة التي قرأها بقلبٍ وجل وهو يحاول تخمين مفادها، ولكن تغلب عليه الفضول ليسرع بتبديل ملابسه والذهاب إلى العنوان المرسل إليه. صعد درجات السلم بتوتر وتوقف أمام الشقة ليطرق بابها بترقب، ففتح له شاب في مقتبل العشرينيات من عمره، هز رأسه متسائلاً: "عايز مين حضرتك؟ ظل يحيى ينظر إليه بهدوء ثم قال: "لا أبداً، الظاهر العنوان غلط! همّ بالانصراف ليستوقفه ذلك الصوت
الذي يحفظه عن ظهر قلب: "ميـن يا زيـكـا؟ هوى قلبه أرضاً فور أن استمع لصوتها، فعاد ينظر خلفه وهو يدقق النظر بداخل الشقة، ثم دفعه إلى الداخل ودلف مسرعاً ليجدها تجلس بأريحية على الأريكة وتتناول الفاكهة ببساطة، وأمامهما زجاجتي خمر وبعض التسالي. وقف يحيى يطالعها مشدوهاً ويقول: "إنتي بتعملي إيه هنا؟! لم تتصنع الخوف والقلق، فقد انبعثا من عينيها صادقين، فقالت: "يحيى....
بخطوة متسعة، كان هو يقف أمامها يقبض على شعرها بقبضة فولاذية وهو ينظر إليها شزراً، ثم قال: "يحيى إيه وزفت إيه؟ إنتي بتعملي إيه هنا؟ هي حصّلت تروحي شقق؟ رأت أن الأمر يتخذ مساراً غير الذي كانت تبغي، فقالت بعينين باكيتين: "استني بس يا يحيى أنا هفهمك، والله العظيم الموضوع مش زي ما إنت فاهم." قاطعها صارخاً بغضب هادر: "مش زي ما أنا فاهم، زي ما أنا شايف، بيرة ومَزّة والدنيا حلوة."
أضاف الأخيرة وهو يصفعها بقوة بكل ما يملك من غضب ونفور، لتنفجر هي باكية وتقول: "صدقني يا يحيى والله العظيم ده.... "اخرسـي.. متتكلميش اسم ربنا على لسانك الوسـ..خ ده، إنتي إيه يا بنتي، إيــــه يا بنتي الزبالة اللي إنتي عايشة فيها دي؟ هو أنا كنت أعمى عن حقيقتك للدرجادي، كنت مغفل وبرياله للدرجادي، كنت إزاي واحدة زيك في بيتي؟!! نظرت إليه باستعطاف واستجداء وقالت: "والنبي يا يحيى اسمعني، اديني فرصة أشرح لك."
همس إليها بصوت مخيف أثار الرعب في قلبها فقال: "أنا مش عايز أسمع صوتك، صوتك ده بيقرفني وبيخليني مش طايق نفسي، اخرسي خالص." وراح من ثم يتطلع حوله بعينيه القلقتين، ثم نظر إليها بثبات وقال بضعف: "أعمل فيكي إيه؟ أولّـ.ـع فيكي ولا أدبحـ.ـك وأشرب من دمك! بس المـ.وت خسارة فيكي لإنك هترتاحي، أعمل فيكي إيه؟ أفضـ.ـحك وأوديكي في داهية؟ بس عيالك! عيالك ذنبهم إيه تبقى أمهم بالأخلاق دي؟ أجهشت في بكاء قوي، لينظر
إليها باشمئزاز ويقول: "بتعيطي؟ بذمتك مش مكسوفة من نفسك؟ مفكرتيش في بنتك؟ بنتك دي ذنبها إيه تكبر تلاقي أمها واحدة **** زيك؟ انحنت تقبّل يديه ببكاء واستعطاف وقالت: "عشان خاطري يا يحيى اسمعني، والله العظيم إنت فاهم غلط، طب عشان خاطر عيالنا..... أشار لها بسبّابته وهو يهز رأسه بإيجاب ويقول: "عشان خاطر عيالنا فعلاً.. عشان خاطر عيالنا." استل هاتفه من جيب سترته وقام بالاتصال بمحاميه الخاص يستدعيه للحضور إليه على وجه السرعة.
أنهى المكالمة ونظر إليها بتحفز وقال: "المحامي جاي، هتمضي على تنازل عن حضانة زياد ونور بالذوق لإما هلبسك قضية وأرميكي في السجن مع اللي شبهك! هنا انفجرت في بكاء وعويل أذهب صوتها وهي ترجوه دون أن يرف جفنه أو ينصت إليها. "عشان خاطري يا يحيى، ورحمة أمك اسمعني." أشار لها واضعاً سبابته على فمه وقال: "هش.. اخرسي مش عايز أغلط فيكي أكتر من كده.. سيرة أمي متجيش على لسانك نهائي.. ووفري دموع التماسيح دي للي جاي بعدين."
ارتفع رنين جرس الباب معلناً عن قدوم المحامي، ففتح له يحيى وقال باقتضاب: "بسرعة يا متر، جهز أوراق التنازل عن حضانة زياد ونور وخليها تمضي عليهم." نظرت إليه تحاول ثنيه عن قراره بعينين باكيتين، ليقول بحدة: "امضي وانفدي بجلدك بدل ما أخلي عيشتك سواد إنتي واللي جايبينك.. وإنتي عارفة أنا ممكن أعمل إيه." بقلب مشتعل وأعين غاضبة مستنكرة، كان يقف يتطلع نحوها وهي تقوم بتوقيع الأوراق حتى فرغت، ليأخذ المستند من المحامي وينظر
إليها بامتعاض ونفور ويقول: "مش عايز أشوف وشك تاني ولو صدفة حتى! وانسى إن ليكي عيال عندي." ألقى كلماته الصارمة الصادمة، ثم غادر مسرعاً وتركها تبكي وتنوح وهي تلعن غباءها الذي أودى بحياتها. مع رنين جرس الباب، ارتفعت دقات قلبها بضجيج وفوضى وازداد توترها، فنظرت إلى صافية وقالت: "ده أكيد يحيى يا عمتي." تركت صافية ذلك الكتاب الذي كانت تقرأه ونهضت من مقعدها متسائلة بتعجب: "يحيى؟ ويحيى إيه اللي هيجيبه هنا؟
"قال لي إنه هييجي يستأذن بابا إني أرجع الشغل تاني." زفرت صافية بتوتر وقالت: "طيب خليكي هنا وأنا هخرج أشوف إيه الأخبار." خرجت صافية لتجد إبراهيم قد فتح الباب ليتفاجأ بيحيى الذي يقف أمامه يبتسم بهدوء وترقب، استوعبه هو فقال باقتضاب: "أهلاً وسهلاً." "أهلاً بيك يا عمي، ممكن أدخل؟ أفسح له المجال قائلاً بترحيب مصطنع: "اتفضل."
دلف يحيى ليتفاجأ بـ صافية التي ركضت نحوه تحتضنه باشتياق كبير، ليضمها هو بتقدير واحترام، ثم قبل رأسها ونظر إليها مبتسماً فقال: "عاملة إيه يا صافية؟ نظرت إليه صافية بحزن وشفقة، ولمعت عيناها فقالت: "الحمد لله يا حبيبي إنت عامل إيه؟ ونور وزياد عاملين إيه؟ مجبتهمش معاك أشوفهم ليه؟ أجابها بهدوء وقال: "كويسين الحمد لله، مرة تانية أبقى أجيبهم." "اتفضل يا باشمهندس! برز بها صوت إبراهيم مقتضباً، ولكن جلس على كل حال، ثم نظر إلى
إبراهيم ليجده يقول لصافيه: "اعمليلي شاي يا صافية وشوفي الباشمهندس يشرب إيه؟ "يشرب قهوة مظبوط، مش كده يا يحيى؟ قالتها صافية لتحصل على ابتسامة هادئة مرفقة بإيماءة مؤكدة من يحيى، فذهبت على الفور إلى المطبخ. "اتفضل يا أستاذ يحيى، خير؟ نظر إليه يحيى منتبهاً ثم قال: "أولاً يا عمي إبراهيم، اسمح لي أعتذر عن الزيارة من غير ميعاد سابق." أومأ إبراهيم ببساطة وقال: "ولا يهمك، حصل خير." حمحم يحيى واستطرد حديثه قائلاً:
"ثانياً.. ممكن أعرف إيه سبب موقفك الحاد ناحيتي؟ حضرتك مكانش ده أسلوبك معايا أبداً قبل كده! ويهمني أعرف إيه السبب، جايز أكون أخطأت بدون علمي لا سمح الله." تجاهل إبراهيم حديثه وقال باستهجان مبطن: "وثالثاً؟ "اتفضلوا أدي الشاي، والقهوة بتاعتك أهي يا يحيى، يا رب أكون لسه بعملها حلو زي زمان." قاطعهم دخول صافية تحمل آنية المشروبات، فنظر إليها يحيى مبتسماً وقال: "تسلم إيديكي."
أومأت بابتسامة وانصرفت، ليعود وينظر باتجاه إبراهيم الذي كان يسفّ ويحد النظر إليه، ثم قال: "لو سمحت يا عمي إبراهيم أنا حاسس إن وجودي مش مرحب بيه. لو ده صحيح ممكن حضرتك تقولي أنصرف بهدوء." تنهد إبراهيم بضيق وتمتم مستغفراً، ثم قال: "لا يبني العفو، اتفضل كمل كلامك أنا سامعك." أومأ يحيى بارتياح بعض الشيء، ثم استكمل حديثه فقال: "كنت بسأل حضرتك إيه سبب معاملتك الحادة معايا؟ ارتشف إبراهيم أول رشفة من كوب الشاي خاصته، ثم قال:
"بص يا يحيى، إنت عارف إني راجل دوغري وماليش في الكلام المزوق ولا المجاملات." أومأ يحيى موافقاً ليكمل الآخر كلامه قائلاً: "بصراحة أنا بقيت بخاف من أي احتكاك أو تعامل يربط بيني أو بين حد من عيلتي وبينكوا إنتوا عامةً كعيلة." ابتسم يحيى وأومأ بتفهم، ليستطرد إبراهيم حديثه ويقول:
"أنا اللي شوفته من عيلتك مش قليل، كفيل يقطع كل حبال الود اللي كانت بيننا. معلش أنا يمكن دقة قديمة أو عقلية رجعية على رأي شباب اليومين دول، بس أنا دماغي كده وسواء بنتي ولا أختي مجبرين يمشوا زي ما دماغي ماشية." لم يتحدث يحيى وأعطاه فرصته كاملة للإسهاب في كل ما يجول بخاطره، فأكمل قائلاً:
"أخوك أذى أختي أذية لا تحتمل وأخطأ في حقها خطأ لا يغتفر، وأظن إنت عارف التفاصيل، فـ ملوش داعي نقلب في الماضي، وبناءً عليه أنا ليا كل الحق آخد موقف من أي طرف يقرب لكوا من قريب أو من بعيد.. خصوصاً إن محدش وقف جنب أختي ولا رد الظلم عنها.. ومتهيألي حقي إني أخاف على بنتي من الاختلاط بيكوا من تاني. عشان كده منعتها إنها تيجي للولاد تاني، ما أنا مش لاقيهم في الشارع.. ولا إيه؟
سحب يحيى شهيقاً طويلاً ملأ به رئتيه وزفره ببطء، ثم أردف قائلاً: "حضرتك كل كلامك صحيح مية في المية، أنا مش معارضك في ولا حرف، بس عندي استفسار صغير." هز إبراهيم رأسه متسائلاً وقال: "إيه هو؟ تحامل يحيى على آلامه وقال مستفهماً: "هل مهما كان حجم الظلم اللي اتظلمته صافية من عيلتي، يساوي الظلم اللي اتظلمته أنا؟ نظر إليه إبراهيم بعين الشفقة والعطف، ليكمل يحيى حديثه قائلاً:
"أنا اللي خسرت كل حاجة بين يوم وليلة، مهما أحكيلك عمرك ما هتتخيل ذرة من العذاب اللي أنا شوفته واللي مازلت بشوفه. أنا شفت الموت بعيني أكتر من مرة، أول مرة ساعة الحادثة وبعدها لما وقعت في إيدين تجار أعضاء وكانوا بالفعل هيفضوني لولا إرادة ربنا اللي كانت أقوى من كل شيء، وبعدها لما وقع عليّ راسى كوريك وأنا شغال عتّال في مخزن قطع غيار، تخيل!
كوريك ميتسببش في موتي، بالعكس اتسبب إن الذاكرة ترجع لي وأعرف أنا مين وأهلي فين بعد سنة بحالها كنت عايش مجهول الهوية، نفس داخل وخارج مش أكتر! شوفت كل موته أصعب من اللي قبلها وعمري ما تمنيت أو قلت يا ريتني مت، ما عدا اليوم اللي رجعت فيه ولقيت مراتي حامل من أخويا وأبويا مبارك الجوازة وعايشين حياتهم ولا كأن مر عليهم واحد اسمه يحيى!!
يومها بس قلت يا ريتني مت قبل كل ده.. لو كنت مت فعلاً من ساعتها كانت كل حاجة هتبقى كويسة وطبيعية، كانوا هيزعلوا يوم، شهر، سنة وفي الآخر هينسونى وسيرتي هتدفن معايا تحت التراب." شعر إبراهيم بوخزات في صدره من فرط التأثر والشفقة اللذين شعر بهما تجاه يحيى، والذي أضاف بنبرة منكسرة فقال: "تفتكر بعد ده كله مين أكتر حد اتظلم منهم؟ مين أكتر حد كرههم ومبقاش طايق يسمع عنهم؟ مين أكتر حد بيتجنب إنه يشوفهم أو يختلط بيهم؟ ثم اتكأ على
ساعده وأضاف بهدوء مقهور: "مين أكتر حد بقى يخاف يظلم لإنه داق مرارة الظلم؟!! تنهد إبراهيم بقلة حيلة لا يدري بما يجيبه، فالتزم الصمت، ليقول يحيى: "متقلقش يا عمي إبراهيم أنا لا عايز يكون ليا صلة بيهم من قريب ولا من بعيد، وبالنسبة لـ غزل تأكد إنها عمرها ما هتتمس بسوء أبداً." أنهى كلماته ليرفع فنجال قهوته عن الطبق ويحتسيه بهدوء، قبل أن ينظر إليه إبراهيم قائلاً:
"والله يا يحيى يبني منا عارف أقول لك إيه، طيب قول لي طلباتك إيه؟ وضع يحيى فنجال القهوة من يده ونظر إليه بتركيز وثبات ثم قال: "أنا طالب إيد غزل! حملق به إبراهيم بدهشة، ليعود يحيى ويقول:
"أنا عارف إن طلبي مفاجأة بالنسبة لحضرتك و أكيد بالنسبة لـ غزل كمان، بس أتمنى حضرتك تفهمني، أنا محتاج غزل في حياتي جداً ومش هكذب عليك ولا هداري، نور وزياد متعلقين بيها جداً جداً ويعتبر هي اللي مقضية معاهم أغلب اليوم وعارفة كل حاجة عنهم، أنا بحاول أأسس نفسي وضغط على نفسي في الشغل عشان أكبر ويبقالي وزن في السوق وللأسف كل ده على حساب علاقتي بيهم، هما محتاجين غزل يمكن أكتر مني كمان الفترة دي وبالنسبة لأمهم فهي اتنازلت عن حضانتهم والوضع بقى أصعب كمان.. أنا صارحتك بحقيقة الأمر و أتمنى حضرتك تتفهم موقفي وصراحتي دي تشفع لي عندك، وفي الأول والآخر أنا مستني رأي غزل لإن ده الأهم من كل شيء."
تجهم وجه إبراهيم وتدفقت الدماء به بغزارة وآثر الصمت، فقال يحيى وهو ينهض عن الأريكة: "أنا مش مستعجل على الرد، خدوا وقتكم خالص وبلغوني بقراركم وإن شاء الله أنا واثق إن حضرتك هتحكّم عقلك وهتحسن التصرف.. عن إذنك." صافحه يحيى وانصرف، بينما جلس إبراهيم يفكر ملياً بما أخبره به يحيى للتو وعقله يرفض الاستيعاب.
وعلى الجانب الآخر، كانت غزل تقف خلف باب الغرفة تستمع لما يدور بالخارج، ودموعها قد انهمرت بكثرة على خديها من فرط الصدمة والفرحة، وراحت تنظر إلى صافية بعدم تصديق وهي تقول: "إنتي سمعتي اللي أنا سمعته يا عمتو؟ يحيى عايز يتجوزني؟!!! أنا مش مصدقة نفسي، هو قال أنا طالب إيد غزل بجد؟ يعني أنا سمعت صح؟
"أيوة سمعتي صح يا غزل، بس أعتقد إنك كمان سمعتي بقية كلامه، قال عشان العيال متعلقين بيها وأمهم اتنازلت عن حضانتهم.. يعني عايز يتجوزك عشان العيال مش أكتر! هكذا ألقى والدها كلماته اللاذعة التي أخرجتها من حالة السعادة التي سيطرت عليها، لتنظر إليه بترقب وقالت: "أيوة يا بابا سمعت، يحيى صريح والمفروض نحترم صراحته، وأظن لو قال غير كده حضرتك ما كنتش هتصدقه." نظر إليها والدها مستنكراً ثم قال: "يعني إيه؟ أفهم من كده إنك موافقة؟
دون تردد ولا لحظة تفكير واحدة، أومأت بموافقة، لينظر إليها أبيها متعجباً وقال: "موافقة تتجوزيه عشان تكوني دادة لعياله اللي متعلقين بيكي مش أكتر؟ تقبلي على نفسك كده؟ أومأت بتأكيد، لتتفاقم دهشته، لينظر إليها متسع العينين يطالعها بذهول وقال: "إنتي واعية للي بيتقال؟ أنا مش مصدقك بجد." اهتز قلبها بشدة واقتربت من أبيها وأمسكت بيده وقالت:
"لو سمحت يا بابا متصعبش عليا الأمور أكتر من كده، حضرتك عارف اللي في قلبي إيه، أنا عشت عمري كله بستني لحظة زي دي وما كنتش عمري أتخيل إنها تتحقق، فـ لما تحصل أكيد مش هيفرق معايا السبب أو المبرر إيه، أنا راضية بأي تفسير طالما هكون جنب يحيى." راح يقلب كفيه مذهولاً من حديثها الهزلي بالنسبة له، لتستطرد حديثها وتقول:
"لو سمحت يا بابا، أنا طول عمري بسمع كلام حضرتك، اتخطبت لـ إسلام إرضاءً لرغبة حضرتك واتجوزت أكرم الله يرحمه إرضاءً لرغبة حضرتك بردو، بلاش تستكتر عليا فرصة زي دي وتحرمني من السعادة اللي طول عمري بتمناها." "سعـادة؟ إنتي بتوهمي نفسك إنك هتكوني سعيدة.. بس الحب عامي عينك عن الحقيقة ومش عايزة تشوفيها.. فوقي يا غزل، ده مش طالب إيدك حباً فيكي ده طالب إيدك عشان عياله!
.. يعني متستنيش منه حب ولا يحزنون، هو مش شايفك زوجة أصلاً عشان يعاملك كزوجة." "هحـاول.. هحاول أحببه فيا وأقرب منه وأقربه مني.. مش عيب ولا حرام.. أكيد من كتر حبي ليه هيحبني." أردفت بالأخيرة بأمل، فقال: "هتقدري؟ هتستحملي بعده عنك وإنتوا متجوزين؟ هتستحملي يعاملك زي أخته زي ما هو بيعتبرك وإنتي شيفاه حبيبك وجوزك وحلالك؟ أومأت بتأكيد وقالت:
"هستحمل كل حاجة طول ما أنا بحبه، طول عمري مستحملة وأنا بعيدة عنه، ويوم لما أبقى مراته مش هستحمل؟!! "يوم ما تبقي مراته الأمر هيختلف.. متطلباتك هتختلف.. هتبقي خلاص ملكتيه وشايفة إنه من حقك إنه يكون معاكي بجسده وروحه وعقله وكل ذرة في كيانه.. مش هتقبلي بأقل من كده وقتها." "إنت ليه بتسبق الأحداث يا بابا؟ نطقتها بيأس وأضافت: "هو أنا للدرجة دي متحبش؟ أحاط وجهها بكفيه وقال بنبرة حنونة:
"تتحبي.. وتتحبي أكتر من أي حد في الدنيا كمان.. بس القلوب دي يبنتي بين إيدين ربنا، مش بإيدينا عشان نتحكم فيها، متقدريش تجبريه يحبك، عمرك ما هتزرعي حبك في قلبه غصب." "و عشان القلوب بين إيدين ربنا أنا عندي أمل إنه يحس بيا ويحبني، وحتى لو محبنيش كفاية إني بحبه، كتير جداً متجوزين وحب من طرف واحد بس عايشين في منتهى السعادة، مش شرط عشان أكون مبسوطة معاه يكون هو كمان بيحبني."
زفر بقلة حيلة ويأس من إصرارها والذي يبدو أنها لن تتراجع عنه تلك المرة، ليجدها وقد تشبثت بقميصه تستجديه وقالت: "وحياتي عندك يا بابا، لو بتحبني وعايزني أكون مبسوطة وافق." رنق النظر إليها ثم تمتم مستغفراً وقال: "لله الأمر من قبل ومن بعد، اللي يريحك اعمليه يا غزلي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!