كانت تجلس برفقة نور وزياد تطعمهم وتلاطفهم بعد أن أنهت كل واجباتها اليومية والتي اعتادت أن تفعلها بحب بالغ. قبل أن ينفرج الباب بغتةً لتلتفت بلهفة ظناً منها بأن يحيي قد عاد باكراً. لتتفاجأ به يدلف إلى البيت ويسر تتأبط ذراعه بكل كبر وغرور. ليتجهم وجه كل منهما فور رؤيتها للأخرى. ولكن انقباضة قلب غزل كانت أشد حيث خفق قلبها بشدة وهي تنقل نظراتها بينهما باستفهام وتعجب. ليتقدم يحيي منها ويقول وهو يتلاشى النظر إلى عينيها:
شكراً يا غزل، تقدري تتفضلي إنتي دلوقتي. نظرت إليها يسر بتحدٍ وغرور يفيضان من عينيها. لتومئ هي بموافقة مقتضبة وتلتقط حقيبتها من أعلى الطاولة التي كانت تجلس خلفها. وانصرفت على الفور تحاول كبح جماح دموعها اللعينة التي كانت تود الفرار بإلحاح. التف كل من زياد ونور حول أمهم يحتضنونها بقوة واشتياق. بينما أغدقتهم هي بالقبل والأحضان باشتياق أكبر. فقال الصغير زياد: ماما إنتي خلاص هتقعدي معانا كل يوم؟ أومأت يسر بتأكيد وقالت:
أيوه يا حبيبي. ونظرت إلى يحيي بملامح وجه تشي بالضيق وقالت: هي البنت دي كانت بتعمل إيه هنا؟ ابتسم لرؤية غيرتها من غزل والتي لم تتبدل أبداً. فقال بعدم اكتراث: غزل تبقى الجليسة اللي بتقعد مع نور وزياد لحد ما أرجع من الشغل، وكتر خيرها شايلة عني كتير جداً. تجهم وجهها وقالت بحدة: وإنت الدنيا ضاقت في وشك ملقيتش غير دي؟ أومأ بتأكيد وقال: هي ضاقت في وشي فعلاً وملقتش غير دي! ثم نظر يحيي إليها بخبث وهي تتطلع نحوه.
وقبض على خصرها بأصابعه قبضة خفيفة ولكنها كان لها أثقل تأثير عليها. فنظرت إليه بابتسامة متسعة وأحاطت جيده بكلتا يديها وهي تنظر داخل عينيه بثبات ولا تحيد النظر عنهما. لينظر إليها وينظر إلى أطفاله ويقول: اقعد يا زياد اكتب واجبك وخلي بالك من نور، أنا هقول لماما كلمة وجايين فوراً. اتجه بها نحو غرفة نومه وقلب كل منهما يكاد يتوقف من شدة التوتر والترقب. فدلف إلى الغرفة لتدخل هي خلفه تتطلع إلى الغرفة بإعجاب شديد وقالت:
البيت ده ذوقه حلو قوي يا يحيي.. بس في حاجات محتاجة تعديل نبقى نعدلها سوا بعدين بقى. نظر إليها باقتضاب هازئاً وأومأ موافقاً. ثم خلع سترته عنه وألقاها على مد ذراعه إلى الفراش من خلفه. وااقترب منها بغتةً يحيط خصرها بكلتا يديه. لتنظر له بأعين دامعة واحتضنته بقوة وقالت: وحشتني قوي يا يحيي، والله العظيم وحشتني. إنت مش متخيل أنا كنت بموت إزاي في بعادك كل يوم، أنا كنت ميتة والروح ردت فيا لما إنت رجعت. ربت على ظهرها
وقال وهو ينظر إليها بقوة: ولسه الروح هترد فيكي كمان وكمان! ثبتت وجهها بضعف أمام وجهه وهي تصوب نحوه نظرات لا يغفل عن مفادها أبداً. وقد أوصدت عيناها كدعوة صريحة منها. ولكنه لم ينصاع لرغبتها. لقد أراد أن يتلذذ برؤية احتياجها له. ومجرد انصياعها خلف رغبته قد أشعره بالزهو وملأ قلبه بالراحة. ثمة أحاسيس شعر بها ولكنهم لم يهتم بتفسيرها الآن. وظل ينظر إليها وهي تنتظر قربه منها. حتى فتحت عينيها باستفهام واستهجان. وااقتربت
منه أكثر وهي تقول: مالك يا حبيبي؟! إنت مش في المود؟ نظر إليها ساخراً وقال: وهو في واحد يبقى معاه واحدة زيك وميبقاش في المود؟! لم تروقها نظراته ولا تلميحاته. فقالت بضيق طفيف: في إيه يا يحيي؟! إنت جايبني هنا ليه بالظبط؟ اقترب منها ليقف أمامها مباشرةً وتحدث بصوت هامس وقال: مش أنا اللي جيبتك يا يسر، أنا مجرد عرضت عليكي نقضي وقت حلو سوا وإنتي وافقتي! ازدردت ريقها بتوتر وقالت: قصدك إيه يعني؟
وبعدين مش إنت اللي صممت إنك مش هترجعني ليك غير بالطريقة دي، أعملك إيه أكتر من كده يعني؟! أحاط وجهها بكفيه وقال بنبرة أكثر لطفاً: مالك بس يا روحي اتضايقتي كده ليه؟ أنا مش قصدي أضايقك! هدأ توترها قليلاً لتحيط عنقه بقوة وأغمضت عيناها وهي تقترب منه لتقبله قبلة أثارت الاشمئزاز في نفسه. لم يبادلها ولم يبتعد أيضاً. كان ينظر إليها وهي تحاول الوصول إليه بأي شكل. لتشعر هي بالبرود من ناحيته. ففتحت عيناها
وهي تهمس أمامه بدلال مغوي: مالك بقى يا يحيي؟! إمشي يا يسر! نطقها بحدة هادئة وهو لازال ينظر إليها بثبات. فابتلعت ريقها بتوتر وقالت: نعم؟! إمشي بقول لك! كرر كلماته لتنفجر الدماء بوجهها غضباً وقالت بصوت حاد جهور: هو إيه اللي أمشي دي؟! أومال إنت جايبني هنا ليه؟! رفع كتفيه باكتراث وقال: كيفي كده.. كنت عايز أثبت لنفسي حاجة وخلاص أثبتها. حاجة إيه دي إن شاء الله؟ قالتها وهي تتخصر بيديها. لينظر نحوها مبتسماً بتهكم وقال:
مش مهم تعرفي، أهم حاجة إني أنا عرفت.. وعالعموم لو زعلانة إنك جيتي عالفاضي.. اتفضلي! برز صوته بالأخيرة وهو يستل جزدانه من جيب سرواله ويخرج منه النقود ويمد يده إليها قائلاً: اعتبري دول حق المشوار. غضبت وزمجرت وعبست واغتاظت فقالت: هي حصّلت يا يحيي!!! زفر بملل وقال: يوووه يا يسر، الواحد مبقاش فاهم دماغك بصراحة ولا عارفة إنتي عايزة إيه بالظبط؟! ثم نظر إليها بهدوء وأردف مصطنع الجدية فقال: طب قوليلي الفلوس قليلة؟!
تحبي أزودهالك؟! ثم زم شفتيه باستغراب وقال: مع إني شايف إن المبلغ كويس جداً، دول ألف جنيه وإنتي معملتيش حاجة يعني! وابتسم وهو يحك ذقنه قائلاً: ده أي واحدة لو جت اتشقلبت هنا مش هتاخد نصهم وهتبوس إيديها وش وضهر! إلى هذا الحد ولم تحتمل أكثر. فالتقطت حقيبتها بحدة وهندمت ثيابها سريعاً وخرجت من الغرفة مسرعة باتجاه الباب لتصفقه خلفها بقوة. مما جعل أطفالها يسرعون من غرفتهم إلى غرفة أبيهم ويقولون: في إيه يا بابا؟
نظر إليهم يحيي بأعين مشتعلة وقال بصوت حاول أن يكون هادئاً قدر استطاعته: خد أختك وادخلوا الأوضة بتاعتكوا وناموا. بس إحنا مش عايزين ننام..... قاطعه والده صارخاً بعصبية بالغة وقال: زيااااااد. على الفور هرع زياد إلى غرفته مصطحباً أخته وأغلق الباب بخوف شديد واحتضنها متدثرين بغطاء واحد وظلا يبكون في صمت. أمّا هو.... ظل يتنفس بقوة وهو يشعر أن الهواء قد نفذ من رئتيه. يحاول تنظيم أنفاسه المضطربة المتلاحقة بصعوبة.
أشد ما يحتاج إليه الآن هو إفراغ غضبه حتى لا يموت غيظاً في التو. ظل يتطلع حوله بشرود حتى امتدت يده إلى مزهرية صغيرة موضوعة بجانب سريره. فالتقطها بقوة وألقاها بجبروت تجاه المرآة لتسقط أرضاً على الفور وقد تهشمت وتحولت إلى فتات منثور يملأ المكان. آااااااااااااااااااااه. صرخ بها يحيي بقوة وهو يشعر بأن قلبه سيقفز خارج صدره من فرط الآلام التي يشعر بها. ليكرر صرخاته المقهورة مراراً وتكراراً عله يهدأ قليلاً.
ثم جثا أرضاً على ركبتيه وقد خارت قواه بالكامل لينفجر باكياً بقوة وقد اعتلى صوت نحيبه. لأول مرة يمر بمثل هذا الموقف أو يشعر مثل هذا الشعور. إنه حتى لا يستطيع وصف ما يشعر به الآن. ليضم ركبتيه إليه وأسند رأسه إلى يديه اللتان تحيطان جسده وانخرط في بكاء مرير. بتوتر وضيق وملامح وجه متجهمة إلى أبعد حد.. كانت يسر تزرع الغرفة ذهاباً وإياباً وعقلها ما زال لا يستوعب ما تعرضت له اليوم.
ماشي يا يحيي، ورحمة أبويا لأردلك القلم عشرة. تمتمت بتوعد وغضب. لينفرج الباب بقوة ويدخل زوج والدتها يتفحصها بهدوء ثم بسط كفه أمامها وقال: إيدك عالمعلوم. نظرت إليه بكره شديد وقالت: بقوللك إيه إنت كمان إخفي من وشي الساعة دي أنا عفاريت الدنيا بتتنطط قدامي. هأوأوأووو..لا يا حبيبتي شغل السبع ورقات ده ميمشيش معايا يا روح ماما، إنتي مش كنتي عند طليقك النهارده في شقته؟ ارتفع حاجبيها بتعجب وقالت: إنت مراقبني يا إسماعيل أفندي؟
والله عال. أيوة طبعاً مراقبك وعارف بتروحي فين وتيجي منين، أصل اللي زيك مش مضمون بصراحة، فأنا لازم أكون مأمن نفسي. طالعته باحتقار ليقول ببرود: متبصيليش بقرف كده يا سوسو وقِبي بالجنيهات. صاحت بعصبية مفرطة: مفيش زفت.. يحيي طردني من بيته أصلاً. قهقه ساخراً وقال: اخص، حد يطرد حتة الجمارة دي، والله راجل دغف ولا بيفهم. أزادت كلماته من حنقها وضيقها لتتمتم قائلة:
ماشي يا يحيي وديني لأربيه وهاخد عيالي منه وهحرق قلبه عليهم وأخليه يبوس رجلي عشان يشوفهم بس. لااا.. عيال مين إنتي كمان؟! المشرحة مش ناقصة قتلي يا بنت مراتي وأديكي شايفه، اعقلي كده وسيب العيال عايشين متبغددين في عز أبوهم بدل ما تجيبيهم هنا يسرحوا مع اخواتك بمناديل في الإشارات. نظرت إليه بتفكير قليلاً ليستطرد حديثه قائلاً:
وبعدين إنتي كلها خمس ست شهور وتتجوزي تاني، قصدي تالت، وساعتها كده كده العيال هيرجعوا لأبوهم، أديكي شايفة أمك الغلبانة مش ملاحقة على مصاريف ولا خدمة اخواتك، يبقي تفكري بالعقل كده ومتخسريش واحد زي يحيي. زفرت بقوة ثم قالت: أعمل إيه يعني؟ اقترب منها ووقف إلى جانبها وهو يشير إلى عقلها بإصبعه وقال: تشغلي ده!
.. الراجل لما بيلاقي الواحدة مدلوقة عليه زي الهبلة شبهك كده بيركب ويدلدل رجليه ويقول شي كمان، إنما بقا لو لقاها عاشت حياتها وعرفتي غيره ورمتي طوبته عرق الكرامة ينقح عنده وهو اللي يلف وراها من تاني. ابتسمت بخبث ومكر قد إلتمعت عيناها بهما ليقول: سيبي الموضوع ده عليا وأنا أرجعلك يحيي الهنداوي خاتم في صباعك.. بس ساعتها متنسيش جوز ماما بالحلاوة يا حلو إنت يا حلو.
عادت غزل إلى بيتها ودخلت غرفتها بهدوء أثار حفيظة والدها وعمتها. فقال إبراهيم: مالها دي؟! لما أقوم أشوفها! استوقفته صافيه قائلة: لا يا إبراهيم بلاش دلوقتي، هي شكلها راجعة مضايقة سيبها براحتها. وإيه اللي مضايقها؟! ليكون صاحب الشغل هو اللي مضايقها... قاطعته قائلة: لا متقلقش أكيد مش كده، هي ممكن بس مرهقة شوية ولا حاجة، أنا هقوم أشوفها دلوقتي. دلفت غزل إلى غرفتها محاولة التماسك بكل ما أوتيت من قوة.
وبمجرد ما إن أغلقت الباب حتى أجهشت في بكاء ضارٍ أعياها وأنهك روحها الهشة. فراحت تنتحب بقهر وذلك المشهد يأبى الفرار من مخيلتها. بعجالةٍ.. امتدت يداها تزيل تلك الدموع عن وجهها فوراً عندما استمعت إلى صوت طرقات الباب. فأذنت بالدخول لعمتها والتي تعلم بصوت طرقاتها المميزة. فقالت: ادخلي يا عمتو. أدارت صافيه مقبض الباب ببطء وتقدمت للداخل لتجد غزل تقبع فوق فراشها وملامحها يكسوها الحزن والأسى.
فـاقتربت منها وجلست إلى جوارها واضعة إحدى يديها على كتفها وقالت باهتمام: مالـك يا غزل؟ كأنما كانت غزل تنتظر ذلك السؤال البسيط لتدخل في نوبة بكاء أخرى أقوى وأعتى من ذي قبل. وقالت بصوت متهدج: رجعلها يا عمتو! انزوى كلا حاجبيها وتسائلت: تقصدي مين؟! يحيـي رجع لـ يسر! حملقت بها صافيه بدهشة وقالت: بتهزري! معقول ده؟! أومأت غزل بتأكيد وقالت: لقيته النهارده جاي وإيديها في إيديه وقاللي تقدري تروحي إنتي! هزت صافيه رأسها تباعاً
بعدم تصديق وقالت: لأ مستحيل، أنا واثقة إن في حاجة غلط. ابتسمت غزل بتهكم وقالت: لأ يا عمتو مش مستحيل، يحيي لسه بيحبها والدليل إنه رجعها معاه شقته النهارده وكله حماس وفرحة، أنا شوفت كده في عينيه، شوفت فرحة مستخبية ولهفة بيحاول يداريها مش عارف، وهـي كانت كل نظراتها بتتحداني كإني عدوتها، زي ما تكون بتقوللي أدبيني خدته منك تاني أهو. ثم تابعت ونظرت لـ صافيه وتسائلت بحزن: هو أنا للدرجة دي يا عمتو باين عليا إني بحبه!
طالعتها صافيه بأسى واشفاق. لتستأنف حديثها وهي تنظر أمامها بشرود وقالت: طب لما هو باين عليا كده، مخدش باله مني ليه؟! وأكملت بشهقات متوالية:
ده أنا طول عمري جنبه وقدام عنيه، عمره ما فهم يوم إني بحبه، مع إنه لو كان بيفهم كان فهم إن محدش حبه ولا هيحبه زيـي، أنا اللي عيشت عشانه سنين من عمري من غير ذرة أمل إنه يكون ليا في الأيام، عيشت عشانه وفضلت وفية ليه حتى بعد ما قالوا مات، مراته دي عاشت حياتها بالطول والعرض وأنا اللي حزنت عليه من قلبي، حتى لما وافقت واتجوزت أطيب واحد في الدنيا منعت نفسي عنه عشان مكنتش عارفه أخون يحيي، مع إني في الحقيقة كنت بخون جوزي لمجرد تفكيري في واحد تاني وأنا على ذمته!
.. بس خلاص. أردفت بالأخيرة وهي تمسح دموعها مجدداً وقالت بجدية: خلاص كل الهبل اللي أنا كنت فيه ده لازم أفوق منه، كويس إنه رجعلها أصلاً يشبعوا ببعض. تصنعت عدم الاكتراث وهي تنطق بالأخيرة. فـنظرت لها صافيه وقالت: يعني ناوية على إيه؟ قالت بصرامة: ولا حاجة، مش هروح هناك تاني، مامتهم ترعاهم بقا، حتى لو هـ...... بترت كلمتها عندما ارتفع رنين هاتفها فأجابت: ألو؟
أيوة يا غـزل، إلحقي إحنا خايفين أوي، بابا بيكسر في الشقة وهييجي يكسر الأوضة بتاعتنا كمان! كانت تلك كلمات زياد الذي ألقاها بخوف وصوت مرتعش. لتنهض مسرعة وهي تقول بلهفة: في إيه يا زياد ماله بابا؟ اختفى صوت نشيج الصغير بينما برز صوت تهشيم فوضوي جعل قلبها يسقط أرضاً بهلع. وخرجت من غرفتها ملتقطة حقيبتها وأسرعت نحو الباب بهلع متجاهلة نداءات والدها المتكررة. على الفور أوقفت سيارة أجرة واستقلتها متوجهة نحو بيت يحيى.
لتتلقى اتصال من والدها أجابته بسرعة: أيوة يا بابا، معلش أنا آسفة على اللي حصل. في إيه يا غزل إنتي جريتي كده رايحة فين؟ تلعثمت قليلاً ثم قالت: جالي تليفون من الولاد اللي بقعد معاهم بيقولوا إن باباهم بيكسر في الشقة وخايفين يأذيهم. قال إبراهيم محوقلاً: لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، طب وإنتي هتعملي لهم إيه يا بنتي ده أبوهم! ارجعي ليعمل فيكي حاجة إنتي كمان. أرجع إزاي يا بابا؟! وإفرض عايزين مساعدة!
أيوة هنا لو سمحت. قالت الأخيره وهي تنزل من التاكسي مسرعة. وقالت لوالدها: أنا وصلت أهو، بعدين هكلمك. أنهت المكالمة وصعدت إلى الشقة فوراً وطرقت الباب بحدة طفيفة. لينفرج الباب ويظهر من خلفه زياد والذي يضع يده فوق فمه يكتم صوت بكاؤه حتى لا يستمع إليه أبوه. فجثت غزل على كلتا ركبتيها واحتضنته بقوة ليقول: أنا خايف يا غزل، ونور كمان بتعيط وخايفة. ربتت على وجنتيه بكفيها وقالت:
متخافش يا حبيبي إدخل على أوضتك وأنا معاكوا هنا متخافش. هرول الصغير مسرعاً لغرفته. في حين تقدمت غزل بتوتر ووجل من غرفة يحيي لتجده يجلس على الأرض بعشوائية وبيده سيجارة يبدو أنها قد سبقها كثيراً نظراً لتلك المنفضة المكتظة ببقايا السجائر. وقفت أمام باب الغرفة بقلق، لا تدري هل تتقدم أم تتراجع. وقبل أن تحسم أمرها وجدته ينظر نحوها متعجباً ثم قال: غزل؟! إيه اللي رجعك تاني! دلفت إلى الغرفة وااقتربت منه قليلاً
ثم وقفت أمامه وقالت: زياد كلمني وقاللي إنك بتكسر في الشقة وكان مرعوب.. في إيه؟ قالتها وهي تجوب ببصرها أنحاء الغرفة ثم عادت لتنظر إليه فوجدته شارداً ينظر إلى نقطة وهمية مصمتة ويقول: في رُخـص! قطبت حاجبيها بتعجب واستفهام. بينما استطرد هو قائلاً: دناوة، جشـع، في قلوب سودا وعينين ميملهاش غير التراب. تنهدت بحيرة وجلست إلى جانبه تستمع إلى ما يقوله باهتمام. لينظر إليها قائلاً: كانت مفكرة إني هقبل بيها تاني!
وانفجر ضاحكاً بهستيرية تحت نظراتها المندهشة ليقول: هو أنا كان المفروض أرجعها ليا من تاني يا غزل؟! إلتزمت الصمت ولم تجيب. فقال: مهما كنت بحبها، والله لو الهوا اللي بتنفسه بين إيديها، أهون عندي أموت ولا أعيش مع إنسانه زي دي تاني. ساد الصمت بعدها لدقائق. كان هو قد أخرج سيجارة أخرى وهم بإشعالها قبل أن تنتزعها من بين إصبعيه بغتةً وتلقيها أرضاً بحدة وهي تقول: كفـاية زفت بقا! نظر إليها متعجباً لتقول:
ولما إنت مش عايز ترجعها ولا طايق تشوفها زي ما بتقول كده، كنت جايبها معاك ليه؟! اعتدل بمجلسه ناظراً إليها بثبات وقال: كنت عايز أشوف نظرة الذل في عينيها مش أكتر! نظرت إليه بإصغاء ممعن. فقال: كنت عايز أنتقم منها على كل دقيقة ضيعتها ببكي وقلبي محروق عشان أفتكر أنا مين ونفسي أرجع لأهلي. وإنتقمت؟! تسائلت غزل بفضول أقرب منه للتهكـم. ليومأ هو موافقاً وقال:
عرفتها قيمتها إيه.. كرهتها فيا وفي نفسها.. خليتها بعد كده تفكر مين هو يحيي اللي كانت متجوزاه قبل كده ومين يحيي اللي شافته النهارده. وأكمل قائلاً: هي السبب! ، كل حاجة في حياتي باظت وإتلخبطت بسببها، من أول علاقتي بأمي الله يرحمها اللي كانت دايماً في شد وجذب بسببها لحد ما اتسببت إن بيتنا اتفكك وكل واحد فينا في ناحية دلوقتي. ظلت صامته. لينظر نحوها والحزن يطغي على ملامحه وقال: هو أنا وحش للدرجة دي يا غزل؟! يعني متحبش؟
إنفطر قلبها لرؤيته هكذا وأدمعت عيناها. ليعود ويكمل تساؤلاته قائلاً: هو أنا مستاهلش إني أتحب بصدق؟! أكيد تستاهل يا يحيي! أجابته بلهفة وقالت: أكيد تستاهل، بس مش شرط تكون دي بس اللي بتحبك، جايز ربنا زرع حبك في قلب واحدة تستاهلك وبتحبك أكتر من دي مليون مرة. ابتسم ساخراً وقال: لأ كل دي خرافات، إذا كانت عشرة عمري وأم اولادي محبتنيش، مين دي اللي هتحبني؟! آ.. أنا يا يحيي!
نظر إليها يحيي مصدوماً وسرعان ما تحولت صدمته إلى ضحكات متتابعة جعلتها تشعر بأن الدماء ستنفجر من عينيها. لينظر هو نحوها ويقول: أنا بتكلم في إيه وإنتي بتتكلمي في إيه يا غزل! أنا أقصد حب من...... لم يكمل حديثه وأشار لها قائلاً: خلاص خلاص إنسي. قهرت دمعاتها كي لا تسيل وتزيد الأمر سوءً. وأومأت باقتضاب. ليقول متسائلاً: إنتي رجعتي تاني إزاي وجوزك سمحلك أصلاً؟ نهضت وقالت باقتضاب حاد: أنا جوزي متوفي يا يحيي. نهض سريعاً
خلفها وقال باهتمام متعجب: بجد؟ دون أن تنظر له أكدت بإيماءة من رأسها ثم قالت: الله يرحمه، مات بعد فرحنا بأسبوع. فرغ فاه من فرط الصدمة وغمغم بحزن وتأثر شديد قائلاً: لا حول ولا قوة الا بالله، ربنا يرحمه يا غزل أنا آسف مكنتش اعرف... هزت رأسها بهدوء وقالت: حصل خير، أنا همشي بقا بما إني اتطمنت عليكوا، وادخل هدّي زياد ونور عشان خايفين منك. مسح وجهه بضيق وأومأ موافقاً. فقالت:
ويستحسن تنام معاهم في أوضتهم النهارده لحد ما المكان ينضف بكرة. أومأ قائلاً: بكرة الست اللي بتنضف هتيجي متشغليش دماغك إنتي، بس يا ريت لو أمكن تيجي بدري شوية عشان عايز أنزل بدري ومش هينفع أسيبهم لوحدهم على ما إنتي تيجي! بهدوء.. وافقته بإيماءة وقالت: إن شاء الله، تصبح على خير. غادرت الغرفة والمنزل بأكمله. وأوقفت تاكسي عائدة به إلى البيت وعقلها لا يزال شارداً يستذكر ما حدث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!