الفصل 9 | من 25 فصل

رواية ليتني مت قبل هذا الفصل التاسع 9 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
18
كلمة
5,756
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 36%
حجم الخط: 18

في منتصف الحي يجتمع الكل أمام منزل عائلة الهنداوي حيث تُذبح الذبائح وتُقام الولائم وتجري التجهيزات على قدمٍ وساق. كان الجميع يتحدث عن تلك المناسبة، ومن كل الفئات يتوجهون إلى منزل الهنداوي لأخذ نصيبهم من اللحوم التي يقوم سليمان بتوزيعها بسخاء على الناس وهو يقول: "ادعوا لأم فضل تقوم بالسلامة." كانت صافيه تقف خلف نافذة غرفتها تشاهد ما يحدث بالأمس وعيناها تفيض بالدمع ذلاً وهواناً.

استمعت إلى طرقات على باب شقتها، ففتحت لتجد زينب تقف أمامها وهي تبتسم لها بهدوء وقالت: "مش هتنزلي شوية يا صافيه؟! نظرت إليها صافيه بتعجب وقالت: "أنزل أعمل إيه؟! "انزلي اقفي شوية بدل ما يقولوا زعلانه ولا غيرانه." ضحكت صافيه وأردفت بسخرية: "يقولوا اللي يقولوه يا زينب مش فارقة.. أهم حاجة أم فضل." نظرت زينب إليها بشفقة ومسحت على ذراعها وقالت: "هو انتوا لسه مبتتكلموش من ساعة اللي حصل؟! أومأت صافيه بموافقة وقالت:

"وهو لسه عايز يكلمني ليه، ما كفاية عليه أم ابنه، هي الكل في الكل دلوقتي." "طيب وإنتي إيه اللي مصبرك على الوضع ده يا صافيه، لما هو طلع خسيس وكداب كده ومبقاش يسر الحرباية دي عليكي لسه باقية عليه ليه؟! نظرت إليها صافيه وقالت: "هعمل إيه يا زينب؟! هتطلق وأروح فين؟! أنا مبقتش صغيرة على قلة القيمة دي.. وبعدين إبراهيم أخويا كفاية عليه شايل هم بنته، هروح أشيله همي أنا كمان؟ زفرت زينب بحيرة شديدة وقالت:

"والله يا صافيه منا عارفة أقول لك إيه." ثم مسحت على ذراعها بمواساة وقالت: "طيب أنا هنزل شوية وهطلع." أومأت صافيه بموافقة وقالت: "ماشي يا زينب روحي إنتي ولو عايزة تسيبي يحيى معايا هاتيه." ناولتها الصغير ونزلت إلى الأسفل لتجد نفسها تقف وسط جموع غفيرة من الناس تلتف حول سليمان ويسر التي تقف في كامل زينتها وكلها زهو وتفاخر. ذهبت يسر إلى القصاب ووقفت على مقربة منه وتحدثت بابتسامة قبل أن تتلفت حولها لتتأكد من أحد لا يراها:

"بقولك يا معلم متبقاش ترمي 'قشرة اللوح' عشان عندي العيال بيحبوا الشوربة بتاعتها." أومأ الرجل موافقاً وقام بوضعها في كيس بلاستيكي وأعطاها لها، فأخذتها وقامت بتخبئتها بين أغراضها ثم ذهبت إلى سليمان الذي كان منهمكاً في توزيع اللحوم ليقف منتبهاً لها وابتسم قائلاً: "إيه يا عسلية ما تطلعي إنتي ترتاحي فوق بدل وقفتك دي." تصنعت الغضب وقالت: "أومال فين صافيه منزلتش ليه؟ قال بعدم اكتراث: "هي حرة لو كانت عايزة تنزل كانت نزلت."

جادلته فقالت: "حرة إزاي يعني؟! وهو إنت كنت قولتلها تنزلي وهي منزلتش؟! نظر إليها بعدم تصديق وقال: "وهو إنتي عايزاني أقوللها تنزل؟! أومأت بموافقة وقالت: "طبعاً تقوللها، وتسيب اللي في إيدك ده دلوقتي حالاً وتطلع تراضيها وتجيبها وتيجي." "أنا مش مصدقك والله، إنتي اللي بتقولي كده!! "ومقولش كده ليه!!

صافيه في الأول وفي الآخر في مقام أختي وأنا بعزها وإذا كانت زعلتني فأنا راضية ومسامحة، وبعدين صعبانة عليا نبقى كلنا متجمعين كده وهي فوق لوحدها." ربت على ظهرها بتقدير وقال: "معاكي حق يا يسر، أنا هطلع دلوقتي حالاً أطيّب خاطرها بكلمتين وأجيبها وأنزل." أومأت قائلة: "وأنا هطلع أغير هدومي لإن الهدوم دي اتبهدلت وهنزل تاني." دخلت يسر إلى شقة "علي" وقالت بابتسامة:

"بعد إذنك يا بابا فين المفاتيح الاحتياطي اللي هنا لإني نسيت مفتاح شقتي جوة." أشار لها علي ركن خشبي صغير معلق به مفاتيح لجميع الشقق، فأخذت بخفة يد مفتاح شقة صافيه بدلاً من مفتاحها، وعلى الفور صعدت إلى شقتها لتقف على حافة السلم من الأعلى تنتظر خروج سليمان وصافيه من شقتهما. في تلك الأثناء...

دخل سليمان إلى شقة صافيه ليجدها لا تزال تقبع خلف نافذة غرفتها تشاهد ما يحدث بالخارج، فاقترب منها مبتسماً ودون أن يتفوه ببنت شفة انحنى ليمنح جبينها قبلة حانية جعلت عبراتها تنهمر فوق خديها دون هوادة. "متزعليش يا صافيه حقك عليا." قالها وهو يمد يده يزيل آثار دمعاتها لتنظر إليه بقهر يملؤها وقالت: "مكنتش أتوقع إني أهون عليك في يوم من الأيام يا سليمان، ومكنتش أتوقع كمان إنك تكذب عليا." ربت على ذراعها وقال:

"أنا كذبت لإني كنت مضطر يا صافيه، عارف إن غيرتك عليا مكانتش هتسمح لك تقبلي بحاجة زي دي عشان كده اضطريت أقول لك كده." نظرت إليه باستنكار وقالت: "و حملها منك؟! كنت مضطر برضو؟! تجهم وجهه وقال: "كانت غلطة صدقيني، جت كده معرفش إزاي حصل وهي كانت مرة واحدة والحمل حصل في يومها ومن وقتها وأنا مبقربش منها." ابتسمت ساخرة وقالت بعدم تصديق:

"للأسف يا سليمان مبقتش عارفة أصدقك، اللي عملته خلاك نزلت من نظري أوووي وحتى لو بتقول الحقيقة مش عارفة أصدقك." ضمها إلى صدره قائلاً: "عشان خاطري يا صافيه، سامحيني زي ما طول عمرك قلبك أبيض وبتسامحي، أنا إنسان و" "ضعفت بس طول الوقت محتاج لك إنتي." نظرت إليه بضعف تستشف صدقه ليشدد من احتضانها ويقول: "أنا عايزك تنزلي معايا وتشـاركيني فرحتي، أنا مش عارف أفرح وإنتي زعلانة مني." ثم قال مستعطفاً إياها:

"أهون عليكي مفرحش يا صافيه وأنا مستني يوم زي ده من زمان." بدون قصد منه دعس هو على جرحها الدامي بشدة فنظرت إليه وابتسمت بحزن: "لا متهونش عليا يا سليمان، وهنزل معاك وأوزع معاك اللحمة على الغلابة كمان، وهدعي قبل منهم لأم فضل تقوم بالسلامة."

تهللت أساريره فرحاً واصطحبها ونزل للأسفل لتسرع بعدها يسر وتدلف إلى شقة صافيه بخلسة وأخرجت "عظمة الكتف" من الكيس البلاستيكي الذي يحويها وقامت بتخبئتها في حجرة المطبخ بعناية وأسرعت إلى خارج الشقة ومنها إلى شقتها فقامت بتبديل ثيابها ونزلت إلى الأسفل مجدداً. رأت علي مدد بصرها صافيه تقف إلى جانب سليمان وتساعده في توزيع اللحوم فذهبت إليها وصافحتها واحتضنتها بودٍ زائف وقالت: "الشادر كله نور يا صافيه." تعجبت صافيه ولكنها لم

تعقب فابتسمت بلطف وقالت: "منور بيكي يا يسر، ربنا يقومك بالسلامة." وقفت يسر إلى جانبهم وهي ترسم ابتسامة واسعة على وجهها حتى انتهاء اليوم فهمست إلى سليمان قائلة: "خليك مع صافيه النهارده يا سليمان، ميهمش." قالت الأخرى وهي تتصنع الحزن ليبتسم سليمان وهو يضرب كفاً بكف ويقول: "عجيبة، في إيه النهارده! ده أنا ربنا راضي عني بقا." ابتسمت بهدوء وقالت:

"لا عجيبة ولا حاجة، إنت بقالك كتير مش بتبيت عند صافيه وهي باين إنها زعلانة وبعدين ده عدل ربنا." وأضافت: "وأنا أصلاً تعبانة النهارده وهطلع أنام على طول." أومأ موافقاً لتنصرف هي إلى شقتها واصطحب سليمان صافيه وصعدا إلى شقتهما. _بعد مرور أسبوع وقد استقر الحال لدى الجميع، وبينما كان سليمان يجلس بمتجره الخاص تلقى اتصالاً من رقم مجهول ليجيب بهدوء قائلاً: "ألو، مين معايا؟!

"مش لازم أقول اسمي يا معلم سليمان اعتبرني فاعل خير، مراتك الأولانية كانت عندي النهارده ومعاها 'عضمة كتف' كانت جايباها عشان تعمل عليها سحر أسود لمراتك الثانية... قاطعه سليمان مستنكراً وقال: "إيه اللي إنت بتقوله ده!؟ "اللي سمعته يا معلم سليمان، أنا مشيتها ومرضيتش أساعدها لأني مبشتغلش في السحر الأسود، أنا آخري أفك عمل، أعمل حجاب، أرجع واحد لبيته، إنما اللي مراتك كانت جايه فيه ده شغل كبير أوي." تساءل سليمان فقال:

"كانت عايزك تعمل إيه؟! "كانت عايزاني أعمل سحر أسود لمراتك عشان أموت الجنين اللي في بطنها، بس أنا عرفت إنها مراتك ومهانش عليا أأذيك في ضناك وبكلمك عشان أقول لك إنها مشيت من عندي وهي معاها 'عضمة الكتف' وممكن تروح لأي حد تاني ويعمل لها اللي هي عايزاه والعضمة دي خطيرة في السحر الأسود وكل ما تنشف السحر يشتد والمسحور بيموت بالبطيء بسببها، فـ أنا كلمتك أنبهك تدور عليها وتتخلص منها وربنا يكفيك شرها."

أنهى ذلك الرجل المجهول اتصاله وأغلق الهاتف بعدها وقد كادت الدماء أن تنفجر من عينه من شدة الغضب ليذهب مهرولاً إلى البيت وصعد إلى شقة صافيه ليجدها تبدل ملابسها فتساءل بترقب: "إنتي كنتي برة ولا إيه؟! نظرت إليه بتعجب وقالت: "أيوة يا سليمان منا قايلالك إني كنت مع غزل بشتري حاجات." قال بشك: "كنتي مع غزل بردو؟! قطبت جبينها بتعجب وقالت: "أومال هيكون كنت مع مين يعني؟! مالك يا سليمان! صاح متشنجاً وقال والشـرر يتطاير من عيناه:

"وكمان بتكدبي وعاملة فيها بريئة! ثم راح يجول ويصول في أرجاء الغرفة باحثاً عن شيء ما مما أثار فضولها فقالت: "إنت بتدور على إيه؟؟ وبتزعق ليه كده! لم يجيبها واتجه نحو المطبخ يفتش بين الأغراض حتى أخرج عظمة كتف من بين أغراض المطبخ لينظر لها مصدوماً ويقول: "دي آخرتها يا صافيه؟! نظرت إلى ذاك الشيء بين يديه بتعجب وقالت: "إيه اللي في إيدك ده!! نظر إليها متهكماً وقال: "مش عارفة إيه اللي في إيدي دي؟! أجابت ببساطة: "دي عضمة!!

إنت جايبها منين؟! أردف وهو يتقدم منها بهدوء ويده خلف ظهره بينما يده الأخرى تمسك بتلك العظمة ويقول: "أيوة عضمة، ومش أي عضمة دي عضمة كتف، عارفة بيعملوا بيها إيه عضمة الكتف يا صافيه؟! نظرت له باستغراب وقالت: "لأ مش عارفة يا سليمان، وبعدين البتاعة دي جايبها منين وأنا علاقتي إيه بالموضوع ده؟! نظر إليها ساخراً وقال:

"واحدة واحدة، مش عارفة بيعملوا بيها أعرفك أنا، العضمة دي بيعملوا بيها سحر أسود بعيد عنك والمسحور مبيتعالجش، لأ ده بيموت بالبطيء، جايبها منين بقا فأنا جايبها من قلب شقتك أهو زى ما انتي شايفة ومن مطبخك كمان، تالت حاجة بقا.. إيه علاقتك بالموضوع ده فـ ده اللي عايز أفهمه منك." وتابع بصوت حاد: "ليه الأذية يا صافيه؟! انزوت حاجباها باستنكار شديد وقالت: "أذية إيه أنا مش فاهمة حاجة، ما تيجي دوغري يا سليمان وتقول لي قصدك إيه."

ارتفع صوته مما جذب انتباه جميع من بالمنزل وقال: "كنتي عايزة تسقطي يسر ليه يا صافيه؟! جحظت أعين الواقفين جميعاً وكانت أولهم يسر التي تقدمت منهم ببطء وهي تصطنع الصدمة وتقول: "إنت بتقول إيه يا سليمان؟! "استحالة صافيه تعمل كده! نظر إليها بغضب عاصف وقال: "اسكتي إنتي يا يسر دلوقتي، أنا اتأكدت بنفسي من اللي بقوله ده والأمارة أهي." قال الأخيرة وهو يرفع يده بتلك العظمة لينظر لها الجميع باستنكار فقال والده:

"إيه اللي في إيدك ده يا سليمان؟! "دي 'قشرة لوح'!! أومأ سليمان موافقاً وقال: "أيوة يابا 'قشرة لوح' زوجتي المصون كانت واخداها عشان تعمل عليها عمل لـ يسر." اتسعت عينا صافيه وقالت: "إيه اللي إنت بتقوله ده يا سليمان؟! إنت واعي للي بتقوله ده؟! برز صوته الجهوري غاضباً بشدة وقال: "أيوة واعي ومتأكد يا صافيه، أنا استحالة أظلمك، الراجل النصاب اللي كنتي رايحة له عشان يعمل لك العمل عرفك وهو اللي بلغني عشان يحذرني منك."

سالت دمعاتها بقهر وعدم تصديق وراحت تهز رأسها بالنفي بهيستيرية وهي تتمتم: "لأ، مش معقول." كان الجميع ينظر إليهم بذهول فقال عبدالقادر: "اصبر بس يا سليمان أكيد في حاجة غلط، صافيه عشرة سنين مش يوم ولا اتنين وإحنا عمرنا ما نصدق إنها تعمل كده! قال سليمان بثقة: "الغيرة تعمل أكتر من كده يا قدّورة." كانت يسر تقف وقلبها يتراقص فرحاً، بينما شعرت غريمتها وكأن الأرض ضاقت عليها بما رحبت لتقول بصوت مرتجف:

"صدقني يا سليمان وحياة ربنا، وحياة كتاب الله أنا مظلومة، أنا مليش في السكك دي وإنت عارف." قال ساخراً: "أصدقك؟! أصدقك وأكذب عيني يا صافيه؟! ده أنا أبقى معتوه لامؤاخذة وباخد على قفايا." "وليه ميكونش حد تاني اللي عمل كده عشان يتهم صافيه؟! " قالتها زينب وهي تنظر بتحدٍ تجاه يسر التي أشاحت بوجهها بعيداً عنها بسرعة وقد انتابها التوتر ليقول سليمان باستفهام ساخر: "حد تاني زي مين يعني؟! رفعت زينب كتفيها وقالت:

"معرفش حد مين، بس ده شيء وارد يعني." تجاهلها ونظر مجدداً تجاه صافيه التي تقف ترجوه بعينيها الباكيتين ليقول بصوت حاد: "أنا مش هسمح لنفسي أمشي ورا احتمالات خايبة وأقف أتفرج لحد ما يسر ولا اللي في بطنها يجرى لهم حاجة." وتابع بغضب: "مكنتش متصور إن غيرتك تعميك بالشكل ده يا صافيه، إنتي غلطتي غلطة لا تغتفر." وأضاف بنبرة صارمة لا تقبل النقاش: "إنتي طالق يا صافيه."

_كعادتها كل مرة عندما يتحدث إليها والدها عن الزواج أو أن أحدهم قد تقدم لخطبتها تفتعل المشكلات وتنسحب من الحديث بغتةً، ولكن اليوم لن يسمح لها أبداً فتلك فرصة من اللواتي لا يأتين في العمر إلا مرة. "ماهو اسمعي بقا، هتهزري، هتعيطي، هتتشقلبي، هترمي نفسك من البلكونة حتى، هتتجوزيه يعني هتتجوزيه."

ألقى الأب كلماته الصارمات بغضب صرف لتلك التي كانت تحاول اتباع أساليبها المعتادة في مثل تلك المواقف لتتنهد بحزن وهي تستغيث بـ زمرديتيها ناظرة نحو عمتها أن تساعدها لتقول صافيه بيأس: "بتبصي لي ليه؟! بصراحة كده أبوكي معاه المرة دي وأنا مش لاقيالي عين أنطق بحرف واحد." تجهم وجهها عندما رأت اتحاد عمتها مع والدها لتقول: "إنتي اللي بتقولي كده يا عمتو، منتِ عارفة اللي فيها." نفذ صبر والدها ونهض واقفاً بغضب وقد صدح صوته غاضباً

يقول: "إيه اللي فيها يا غزل؟! خدي بالك أنا سكتت لك كتير بس المرة دي خلاص مبقاش عندي طاقة ولا عندي استعداد أستحمل، الأوهام اللي إنتي عايشة عليها دي هتوديك في داهية." نظرت إليه بضيق ليردف وهو يستنفذ آخر جرعات تحمله وقال: "مش هتبقي أوفي من مراته اللي كانت معاشراه خمس سنين وجايبة منه عيلين، أديكي شايفة أهو عايشة حياتها ولا كأن كان في حد اسمه يحيي موجود أصلاً." نظرت إليه بحزن يتغمدها ليردف مضيفاً:

"رفضتي عريس واتنين وتلاتة وأربعة وكنت بقول ياااه سيبها مسيرها تعقل وتنسى وتعيش حياتها هي كمان، لكن توصل بيكي الدرجة أنك عايزة تعيشي على ذكرى واحد ميت لا كان خطيبك ولا جوزك ولا كان شايلك من أرضك أصلاً ده يبقى غباء وسذاجة وأنا مش هسمح بكده أبداً." انخرطت في بكاء مرير ليتجاهلها ويقول بقوة وحزم:

"أنا هتصل بالباشمهندس أكرم دلوقتي حالاً وأبلغه إن الخطوبة يوم الجمعة ولو سمعت منك كلمة زيادة في الموضوع ده لا إنتي بنتي ولا أعرفك." اهتز قلبها بين أضلعها وتجمدت الدماء في عروقها من فرط الحزن لتقوم صافيه وتجلس إلى جوارها محتضنة إياها بحب ويدها تمسح على ذراعها بحنية وتقول: "متعيطيش يا غزل، متعيطيش يا حبيبتي كله مكتوب، واللي مكتوب على الجبين لازم تشوفه العين حتى لو إيه."

"مش هقدر يا عمتي، أنا المرة اللي فاتت وافقت على إسلام عشان أرضي بابا، بس كنت عارفة إني هعرف أخلص منه لإنه كله عيوب.. بس أكرم هخلص منه إزاي؟ مش هقدر أتجوزه يا عمتو ولا هقدر أكون لراجل غير يحيي." سالت دمعات صافيه حزناً وقلة حيلة وقالت: "يحيى الله يرحمه يا غزل ميرضيهوش أبداً تتعذبي بسببه كده ولا يرضيه شبابك يضيع عشانه، ده ميت يا حبيبتي والحي أبقى من الميت ومسيرك تنسي." أومأت نافية وقالت:

"عمري ما هقدر أنسى يحيي يا عمتي، يحيي بيجري في دمي من وأنا عيلة صغيرة مفهمش حاجة، لو نسيته أبقى كأني بمحي حياتي كلها بإستيكة." ربتت صافيه على وجنتها بحنان وقالت: "هتنسي يا غزل، سبحان من بينسي وبيصبر يا بنتي ولولا النسيان كان زماننا اتجننا أو متنا بحسرتنا، هتنسي وهتعيشي وهتفرحي وهتحبي أكرم كمان." "استحاااله."

"بيتهيألك، لما تلاقيه بيحبك أكتر من ضي عينه غصب عنك هتحبيه، وحتى لو معرفتيش تحبيه هتعيشي مرتاحة، الحب مش كل حاجة يا غزل، يعني اللي حبوا خدوا إيه!! قالت الأخيرة بسخرية من حالها وأضافت: "قومي يا حبيبتي اغسلي وشك وتوضي وصلي ركعتين لله وادعي ربنا يريح قلبك ويقدملك اللي فيه الخير." أذعنت غزل لأوامرها ونهضت لتتوضأ ووقفت تناجي ربها أن يضع الخير بطريقها حيثما كان ومن ثم ألقت بجسدها المنهك إلى الفراش وسبحت في نوم عميق.

_بعد مرور خمسة أشهر وحيث كانت التحضيرات لزفاف غزل وأكرم على قدم وساق. كان أكرم منشغل في تجهيز وإتمام ما ينقصه من أغراض للمنزل أو أغراضه الشخصية بينما كانت غزل منهمكة في شراء ما يخص ليلة الزفاف من الفستان وتوابعه وبصحبتها صافيه التي كانت ترافقها في كل خطواتها. ارتفع رنين هاتفها لتجيب بنبرة هادئة: "أيوة يا أكرم؟ قال مبتسماً: "أيوة يا حبيبتي، خلصتي ولا لسه؟!

"لسه بنلف أنا وعمتو أهو، مش لاقية مقاسي في الشوزات خالص، محسسيني إني عاملة نادرة." ضحك قائلاً: "منا قولت لك ارتاحي إنتي واختاري اللي إنتي عيزاه وأنا هجيبهولك لو من برة مصر حتى بس إنتي رفضتي." "لأ وأنا أبقى عروسة إزاي لو ملفيتش واتمرمطت في المحلات، دي طقوس متفهمهاش إنت." أومأ قائلاً: "ماشي يا ستي اللي يريحك، أهم حاجة متنسيش بروڤا الفستان النهارده، أول ما تروحي تتصلي عليا عشان آجي آخدك." "تمام ماشي، يلا سلام دلوقتي."

أنهت الاتصال لتعود وتكمل مسيرتها في رحلة البحث عن حذاء سندريلا المفقود وبينما هي تسير بين المتاجر الخاصة بالأحذية تسمرت بمكانها وكادت أن تسقط أرضاً من هول الصدمة. "يحيـي؟! تمتمت بها وضربات قلبها تتسارع محدثةً فوضى عارمة وأسرعت تهرول باتجاه ذلك الرجل الثلاثيني الذي رأته لتجده وقد اختفى من أمامها وكأنه لم يكن. عادت تجر أذيال الخيبة فقالت عمتها متسائلة: "مالك يا غزل كنتي بتجري ليه كده؟! قالت غزل ودمعاتها تتساقط:

"شوفته يا عمتو، شوفت يحيي." نظرت إليها عمتها بتعجب وقالت: "يحيـي؟! أومأت غزل بتأكيد وقالت: "أيوة يحيي، كان ماشي قدامنا هناك كده وأول ما وصلت لمكانه اختفى." زمّت عمتها شفتيها بأسف وشفقة ومسحت على ذراعها بلين وقالت: "أكيد بيتهيألك يا حبيبتي، يلا بينا." انصرفت غزل وعيناها لا تحيد عن ذلك المتجر الذي رأته بجانبه حتى ابتعدا عن ذلك المكان وأكملت شراء أغراضها وعادت إلى المنزل بعدها. في تلك الأثناء...

كان يحيى واقفاً حانقاً وهو يخلل شعره الفحمي بأصابعه مغتاظاً ويقول: "أنا متأكد إني كنت باجي هنا دايماً، عندي إحساس قوي إني كنت باجي هنا كتير وممكن يومياً كمان، بس مش قادر أفتكر حاجة، مش قاادر." قال الأخيرة وهو يضرب جبهته بقبضة يده بقوة ليقول مصعب: "معلش يا محمد إن شاء الله خير وطالما بدأت تفتكر أماكن وشوارع يبقى في أمل إن شاء الله، أهم حاجة تمشي على العلاج ومتحاولش تعصر في دماغك عشان تفتكر، زي ما الدكتور لسه قايل لك."

قال متشائماً: "وتفتكر يعني كلام الدكتور بتاعك ده هيفيد بحاجة!! معتقدش." قال مصعب حانقاً: "يا عم تفائل وخلي عندك أمل بالله، المفروض أصلاً كنا روحنا للدكتور من ست شهور فاتوا بس الله يسامحك بقا كنت مصمم وراكب دماغك." وقف يحيى أمام متجر خاص ببيع زينة وفوانيس رمضان ليشرد طويلاً بشيء ما فقال مصعب وهو ينتزعه من شروده: "في إيه؟! روحت فين كده! لم يجبه بل دلف إلى المتجر وقام بشراء ذلك الفانوس تحت نظرات مصعب المتعجبة فقال:

"إنت جايب الفانوس ده لمين؟! إوعى تكون جايبه لأمي." قال الأخيرة ممازحاً لينتزع ابتسامة مقتضبة من شفتيه وقال: "مش عارف ساعة ما شفت الفانوس حسيت إني حنيت كده!! زي ما أكون شفته قبل كده." وزفر بيأس قائلاً: "ياا عالم بقا يمكن يساعدني أفتكر حاجة." ربت مصعب على ظهره بشفقة وقال: "كل سنة وإنت طيب يا محمد، رمضان باقي عليه أقل من شهر." أومأ يحيى موافقاً وقال:

"بقالي سنة عايش معاكم أهو، سنة متغرب عن أهلي وعيلتي اللي معرفهاش ولا أعرف إذا كانت موجودة ولا لأ." قال مصعب مواسياً: "كله نصيب يا صاحبي، وإن شاء الله ذاكرتك ترجع لك في أقرب وقت وترجع لأهلك بالسلامة." انصرف بعدها يحيى ومصعب عائدين نحو بيتهما ويحيى يشعر بأنه قد ترك قطعة من فؤاده. _كانت يسر تفيق للتو من نومها قبل أن ترى انعكاس صورة سليمان في المرآة من أمامها فاعتدلت بمجلسها وقالت بتعجب: "رايح فين متأخر كده يا سليمان؟!

نظر إليها ليتقدم منها وهو يعدل ربطة عنقه ويقول: "رايح فرح غَزل." ارتفع حاجبها بنزق وقالت: "فرح غزل؟! وإنت عرفت منين إنه النهارده؟! قال وهو ينثر بعضٍ من زخات العطر فوق يده: "عرفت من الفيس." أومأت وقالت بتهكم: "آاااه، وهو لازم تحضر الفرح يعني؟! أومأ مؤكداً وقال وهو يجلس إلى جانبها على الفراش: "آه يا حبيبي لازم، غزل دي مهما حصل هتفضل غالية عندي." نظرت إليه بضيق ليضحك هو قائلاً: "إيه يا سوسو إنتي غيرانة ولا إيه؟!

ده أنا لو خلفت من يوم ما اتجوزت كنت خلفت قدها." وأضاف وهو يعدل هندامه للمرة الأخيرة وقال: "وبعدين غزل دي متربية في البيت ده ومن صغرها وإحنا كلنا بنحبها وهي كمان بتحبنا." لوت فمها بسخرية وقالت: "آااه إنت هتقولي! قطب حاجبيه وقال مستفهماً: "تقصدي إيه؟! هزت رأسها بنفي وقالت: "لا مقصدش حاجة، طيب وصافيه؟ نظر إليها وهز رأسه لتقول: "أقصد يعني أكيد هتشوفها هناك، هتتصرف إزاي؟! زم شفتيه بعدم اكتراث وقال:

"ولا أي حاجة، كأني مش شايفها." هزت رأسها بهدوء فنهض قائتاً وانحنى مرة أخرى ليتلمس بطنها المنتفخ ويقول: "فضل مش نفسه في حاجة أجيبها وأنا جاي؟! عادت برأسها للخلف تتمدد بجسدها على الفراش وهي تمسح بحركات دائرية على بطنها المتكور وقالت بابتسامة ناعمة: "والله إنت وذوقك يا بابا بقا، شوف عايز تجيب إيه لـ فضل ومامت فضل." ابتسم ابتسامة واسعة وأشار إلى عينٍ تلو الأخرى وقال: "من عنيا الاتنين، يلا سلام عليكم."

خرج من شقته ليتجه في طريقه على الفور نحو القاعة المقام بها حفل الزفاف. ••••••••••••• كانت غزل تتأبط ذراع والدها الذي دخل بها إلى القاعة ليقوم بتسليمها إلى زوجها، ارتدت فستاناً هادئاً بسيطاً للغاية، فكانت بساطته ورقته لا تتنافى مع جماله وفخامته واختارت زينتها من الألوان الهادئة للغاية، فبدت كملكة جمال أخذت عقول الكل بسحرها ورقة طلتها.

قام والدها باحتضانها بشدة وقد سالت دمعاته فرحاً وسروراً لرؤية قطعة من فؤاده عروس ثم قام بتسليمها إلى أكرم الذي كان يقف مختالاً فرحاً بشدة وسيماء الغبطة والسرور ترتسم على وجهه. أمسك أكرم بيدها لينحني طابعاً قبله ناعمة على ظهر كفها ويضع يدها على ساعده الذي يسنده إلى أسفل صدره وهو يتطلع نحوها بحبور وسرور شديد.

دلف سليمان إلى القاعة مرتاباً وهو يتفحص الأجواء من حوله حتى وقعت عيناه على صافيه التي فور ما إن رأته حتى أشاحت بوجهها بعيداً بعد أن رمقته بغضب وكره. تجاهل نظراتها الساخطه وتقدم من أخيها الذي فوجئ بوجوده يقول: "ألف مبروك يا إبراهيم... قاطعه إبراهيم قائلاً: "جااي ليه يا سليمان؟! لم يكن سليمان يتوقع هجومه ذلك فقال: "جاي أبارك لـ غزل يا إبراهيم.. مهما كان اللي حصل بيننا بس غزل بنتي.." قاطعه إبراهيم مرة أخرى قائلاً بحدة:

"غزل بنتي أنا يا إبراهيم وصافيه كمان بنتي، بأي عين جاي تبارك لواحدة من بناتي وإنت دابح التانية بسكينة تلمه!! نظر إليه سليمان مذهولاً ليستطرد حديثه قائلاً: "لا تبارك ولا تهني، على رأي المثل، يا نحلة لا تقرصيني ولا عايز منك عسل." ثم أشاح بوجهه للجانب وقال: "شرفت يا سليمان." اتسعت عينا سليمان بصدمة لينصرف كما أتى بهدوء وعاد إلى منزله.

انتهى حفل الزفاف الذي كان رائعاً بكل ما تحمل الكلمة من معنى لتبدأ غزل في فرك أصابعها بتوتر وهي تنظر باتجاه صافيه التي احتضنتها بعطف وحب كبير وقالت: "إهدي يا حبيبتي ومتقلقيش نفسك." نظرت إليها غزل بأعين لامعة وقالت: "تعالي معايا يا عمتو والنبي." ارتفعت ضحكات صافيه وقالت: "آجي معاكي إزاي بس يا حبيبتي، أنا وبابا هنيجي نوصلك ونمشي فوراً إنما مش هندخل معاكوا."

وفعلاً ذهب كلاً من والدها وعمتها برفقتها حتى وصولهم إلى منزلهم برفقة كاريمان وانصرفوا مغادرين بعد أن أوصاه والدها بحسن معاملتها واللين معها. دلفـت غزل إلى غرفتهم وهي ترتجف خيفةً وتوتر ليستوقفها قائلاً: "استني يا غزل عايزين نتكلم شوية قبل أي حاجة." هدأت قليلاً وأومأت موافقة بسرعة ليجلس على الفراش وأمسك يدها ليجلسها إلى جواره وقال:

"أنا عارف إنك متاخدة مني وخايفة وإنك ملحقتيش تتعودي عليا، ومقدر إن كل حاجة جت بسرعة وملحقتيش تستوعبي وجودي في حياتك حتى، وبالتالي ملحقتيش تحبيني ولا تحوشي في قلبك أي مشاعر من ناحيتي، بس واثق إنك هتحبيني مع الوقت زي ما أنا بحبك وأكتر كمان." ابتسمت بهدوء لتفهمه وهدوءه فأضاف قائلاً:

"اللي أنا عايز أوصلهولك إني بحبك جداً يا غزل، يمكن من أول مرة شوفتك فيها وأنا حبيتك بس مكنتش متأكد من مشاعري دي، ولما أمي قالت إنها مش عايزة أنا كنت في أشد ضيقي وحزني إني مش هشوفك تاني، بس مكانش في إيديا حاجة أعملها وبالذات إني مقدرش أجبر أمي على حاجة وخصوصاً لو واحدة هتقعد معاها فترة طويلة زي دي فـ سلمت أمري لله لحد ما لقيتها هي بتسأل عليكي تاني وعايزاكي تيجي تشوفيها وقتها فرحت وعرفت إن ربنا عطاني فرصة تانية ولازم أستغلها عشان كده طلبت إيدك من عمي إبراهيم فوراً والحمدلله اتجوزتك أهو."

ابتسمت هي لابتسامته لتجده وقد شرد بها مطولاً فعادت لتفرك يديها بتوتر مرة أخرى وخاصةً عندما رأته يدنو منها وهو على وشك تقبيلها لتنهض عن الفراش بغتةً وقالت: "إيه رأيك نغير هدومنا كده ونتعشى لإني بصراحة ميتة جوع." ضحك ببشاشة وهو يشاهد ارتباكها ليومأ موافقاً ويقول: "معاكي حق، يلا غيري هدومك إنتي وأنا هخرج أطمن على أمي وأرجع لك تاني."

خرج من الغرفة لتطلق هي تنهيدة حارة طردت معها كل الانفعالات الموجودة بصدرها ثم خلعت فستانها ومن بعدها اغتسلت وفعل هو المثل ثم وقف يصلي بها ومن بعدها جلسا يتناولا العشاء سوياً فبادرت هي بالحديث قائلة: "ماما كاريمان نامت؟! أومأ بايجاب وقال: "أيوة دخلت لقيتها نايمة، هي عادتها مبتحبش السهر وبتقدس الانتظام في ميعاد النوم." ابتسمت وقالت: "واليوم كان طويل عليها النهارده." هز رأسه بتأكيد وقال: "فعلاً، الحمد لله أنا شبعت."

أومأت باقتضاب وقالت: "وأنا كمان الحمد لله شبعت، ثواني هغسل إيديا وآجي." دلفت إلى الغرفة مجدداً وصعدت إلى فراشها بقلق ثم نظرت إليه بحرج بالغ لينظر إليها مستفهماً وقال: "مالك وشك بقى أحمر كده ليه، لو قلقانة إحنا ممكن ننام النهارده وترتاحي." أجابته وقد اصطبغت وجنتيها بحمرة الخجل وقالت: "لأ ماهو، أصل يعني..... حثها على استرسال حديثها باشارة من رأسه لتردف بغتةً وهي تغمض عينيها تعتصرهما بشدة بخجل:

"ماهو مش هينفع اليومين دول خالص!! ارتفعت ضحكاته بشدة لتفتح كلتا عينيها ونظرت إليه ببراءة فامتدت يده تمسح على رأسها بحنو بالغ وقال: "أنا مش فارق معايا أي حاجة غير إنك جمبي دلوقتي، دي نعمة كبيرة تستاهل أفضل أشكر ربنا عليها طول العمر." اضطرب قلبها من حديثه الهادئ لتبتسم بودٍ حقيقي فقال: "يلا ننام ونرتاح لإن الوقت اتأخر وإنتي تعبتي النهارده."

أسرعت تتدثر بغطائها سريعاً وراحت في سبات عميق بينما ظل هو يتفحص ملامحها بعشق لم تتسنى له الفرصة أن يفصح عنه بعد ثم أسبل جفنيه وغط في النوم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...