بعد مرور شهر على زواج سليمان ويُسر، دخل سليمان إلى شقة يُسر ليجدها نائمة كعادتها في الآونة الأخيرة. انتابه الضيق وجلس بجانبها يحاول إفاقتها وهو يقول: "يُسر، اصحي بقينا المغرب." تحركت في الفراش بضيق وتجاهلته ليعاود حديثه قائلاً: "يا يُسرررر، قومي بقى مش كل ما أدخل ألاقيكي نايمة. إنتي إيه اللي جرالك؟! زفرت بتأفف وقالت: "في إيه يا سليمان حرام عليك. هو انت هتنقص حاجة لو سبتني نايمة؟ رفع حاجبيه متعجباً وقال: "هنقص حاجة؟!
أه هنقص كتير. قومي يلا." نظرت إليه بضيق وقالت: "عشان خاطري يا سليمان سيبني نايمة أنا مش قادرة أقوم." قلّب كفيه متعجباً وقال: "طيب قومي هاتيلي أتغدى." أجابت بإقتضاب: "مقدرتش أطبخ، انزل اتغدى عند صافية." نظر إليها مغتاظاً وقال: "اتغدى عند صافية؟! طب وعيالك هياكلوا فين؟! عند صافية برضه؟! نهضت عن الفراش بحدة وصاحت بعصبية بالغة وقالت: "يووه، هو تحقيق ولا إيه عالصبح؟! ظل ينظر إليها متعجباً من عصبيتها المفرطة وغير
المبررة بالنسبة له وقال: "في إيه يا يُسر مالك؟ بقيتي عصبية وخُلقك قصير كده ليه؟! تنهدت مطولاً وقالت: "مش عارفة أعصابي تعبانة ليه الفترة دي! مبقتش مستحملة حد ينبش جمبي وعندي استعداد أفضل نايمة طول اليوم." ثم استطردت بخبث تتبيّن ردة فعله: "شكلي كده حامل! تهلل وجهه وابتسم محياه مستبشراً ليمسك بكلتا يديها بين يديه وهو يقول بلهفة: "حامل؟! بجد يا يُسر؟! تعجبت فرحته المفرطة تلك وقالت: "انت فرحان!! أنا افتكرتك هتضايق."
ضيّق بين حاجبيه مستغرباً وقال بإستهجان: "اتضايق عشانك حامل؟! دنا نفسي ومنى عيني في اللحظة دي بقالي 20 سنة! انت مش متخيلة أنا فرحان إزاي! تراقص قلبها فرحاً وقالت بابتسامة: "بجد يا سليمان فرحان؟ طب وصافية هقوللها إيه؟! انت مش كنت قايللي إنها كانت موافقة عالجواز بشرط إنه يبقى جواز عالورق بس؟! تلعثم وارتاب قليلاً قبل أن تتلهج شفتاه بلهجة فرحة ويقول: "ولا صافية ولا معكرة، سيبك من الناس كلها، هي لو بتحبني هتفرح لي."
أومأت بتأييد وأضافت: "مظبوط، المفروض تفرح إنك أخيراً هيجيلك الولد اللي معرفتش تجيبه هي بقالها عشرين سنة." ارتسمت على وجهه سيماء الفرح والبِشر وقال: "ولد! هو ولد؟! ضحكت عالياً وقالت: "أكيد مش عارفة لسه ولد ولا بنت، بس إحساسي بيقولي إنه ولد." نظر أمامه بحالمية وقال: "إن شاء الله ولد، ولد وهسميه فضل." نظرت إليه بتعجب وقالت: "إشمعنا فضل؟! أجاب شارداً:
"فضل من عند ربنا، كتير كنت بدعي ربنا يرزقني بعيل وأسميه فضل ويشاء ربنا بعد 20 سنة جواز إنه ييجي." ابتسمت بحبور شديد فقال: "قومي يلا عشان نروح للدكتور، لازم تكشفي عشان لو في علاجات أو حاجة تاخديها." قالت بفتور: "طيب خلينا بكرة." أومأ نافياً وقال: "لاا، هنروح دلوقتي عشان أتطمن وأتأكد." مع إصراره ذهبا إلى الطبيب سوياً، والذي أكد خبر حملها لينصرف سليمان من عنده وقلبه يتراقص فرحاً. استقلا السيارة سوياً ليقول
سليمان بابتسامة واسعة: "هاا يا حبيبي عايزة تروحي فين ولا نحتفل إزاي بالخبر الجميل ده! نظرت إليه بغنج وقالت: "والله شوف انت هتفرح أم فضل إزاي." نظر إليها مبتسماً بفخر وقال: "معاكي حق، أم فضل لازم يجيلها كل حاجة حلوة النهاردة، ومش النهاردة بس، لأ ده كل يوم بإذن الله." وأخرج هاتفه ليقوم بالاتصال بأحدهم فقال:
"أيوة يا ريس رفاعي، كنت عايزك تشوفلي أعتى أربع عجول عندك عشان هفدي بيهم إن شاء الله.. جهزهم حالاً وبالليل يكونوا بايتين عندك عشان ندبحهم بكرة إن شاء الله." أنهى الاتصال لينظر إلى يُسر ويقول بحماس: "ده كان نذر عليا يا يُسر ولازم أوفيه، وبإذن الله لحد ما تولدي بالسلامة هدبح كل شهر عجل وأعمل وليمة وأطعم الغلابة كلهم."
كانت تستمع إليه بسعادة غامرة وإحساس يملؤها بالتفوق والتميز على غريمتها مما أشبع لديها الإحساس بالتعاظم وأرضى غرورها. انصرف مصطحباً إياها إلى إحدى أكبر متاجر المصوغات الذهبية، واشترى لها كولييه فخماً فسعدت به كثيراً، ومن ثم عادوا إلى المنزل ليدخل إلى شقة والده فوجده قائماً يصلي كعادته، فانتظر حتى فرغ من صلاته لينحني مقبلاً يده ثم قال بابتسامة: "بارك لي يا حج، يُسر حامل."
اهتزت مشاعر والده متذكراً نفس ذلك المشهد منذ خمسة أعوام عندما ذهب إليه يحيي برفقته يُسر وأبلغه بخبر حملها، فانفرجت شفتاه عن ابتسامة فاترة ليقول: "انت مش فرحان إني هبقى أب أخيراً بعد السنين دي كلها؟ هنا ابتسم بسمة حقيقية صادرة من أعماق قلبه وقد استشعر فرحة ابنه ليردف قائلاً: "أكيد فرحان يا سليمان، ألف مبروك يا ابني، ربنا يقومهالك بالسلامة." احتضنه سليمان بسعادة وانحنى بجزعه يقبل يدي والده مرة أخرى وقال:
"ياارب يابا، ربنا يطولنا في عمرك ويتربى في عزك إن شاء الله." ربت والده على كتفه وقال: "يتربى في عزك وعز أمه يا ابني." "هو مين ده اللي يتربى في عزه وعز أمه؟! برز صوت عبد القادر الذي دلف إلى الغرفة لتوّه ليقول والده مبتسماً: "تعالى بارك لأخوك يا قدورة، مراته حامل." وأشار برأسه باتجاه يُسر التي تهادت خطواتها نحوه مختالة فقالت وهي تحتضنه: "الله يبارك لنا في عمرك يا بابا الحج وتعاش لما تجوزه وتحضر فرحه إن شاء الله."
في تلك الأثناء كان عبد القادر يحاول الإفاقة من صدمته، بينما هو ينظر إلى سليمان الذي أومأ أن نعم وهو يتيقن ما يدور بخلد أخيه، فهرول نحوه عبد القادر محتضناً إياه بشدة وتمتم مسروراً: "الكلام ده بجد يا سليمان؟! ألف مبروك يا حبيبي، ألف ألف مبروك." ربت سليمان على ظهره بسعادة غامرة وقال: "الله يبارك فيك يا قدورة، عقبال عندك إن شاء الله." نظر عبد القادر إلى يُسر وقال: "ألف مبروك يا يُسر، ربنا يقومك بالسلامة إن شاء الله."
تمتمت بهدوء: "الله يبارك فيك يا عمو، عن إذنكم أنا بقى عشان طالعة أرتاح." صعدت يُسر إلى شقتها، بينما تساءل الأب: "هتعمل إيه مع صافية يا سليمان؟ أجاب سليمان بهدوء على عكس كم الانفعالات التي يمر بها وقال: "ولا حاجة، أول ما ترجع من عند أخوها هبلغها." أومأ والده وقال: "ربنا يعديها على خير." ثم انصرف عبد القادر وسليمان كلٌ إلى شقته، فدخل عبد القادر مبتسماً لتقول زينب: "خير يا قدورة مالك فرحان كده! ما تفرحني معاك."
نظر إليها بسعادة وقال: "سليمان أخويا." هزت رأسها تحثه على استئناف حديثه ليقول وهو يهمس إليها كأنما يخبرها سراً: "يُسر مراته حامل." فرغت فاها واتسعت عيناها بدهشة وتمتمت: "يا لهوي! نظر إليها سليمان حانقاً وقال: "جرى إيه يا وليه مالك؟! "حامل؟! " غمغمت بها زينب بصدمة ليومأ مؤكداً فقالت: "دي صافية هتروح فيها! ارتفعت زاوية فمه بسخرية وقال مستنكراً: "ليه إن شاء الله هو كان متجوز عرفي ولا ماشي في الحرام؟! بلا خيبة نسوان."
جادلته فقالت: "لا ده ولا ده، بس انت عارف هي بتحبه إزاي وبتغير عليه قد إيه! أشاح غير مكترثاً وقال: "وهو بيحبها ولو مكانش بيحبها مكانش صبر عليها 20 سنة من غير خلفة، لو واحد تاني كان زمانه اتجوز وبقى معاه عزبة عيال." آثرت الصمت فقال: "وبعدين هي لو بتحبه بصحيح تفرح له إنه هيبقالو ضهر وسند يشيل اسمه ويتسند عليه لما يكبر." زمت شفتيها باقتضاب ليقول: "على العموم ملناش دعوة بحد، اعمليلنا لقمة يلا عشان نتعشى وننام." ***
كانت صافية تجلس إلى جانب شقيقها تخبره بقرار غزل في الانفصال عن إسلام، ليستشيط غضباً ويقول: "البت دي هتموتني ناقص عمر والله! ربتت صافية على كتفه وقالت: "معلش يا إبراهيم استهدي بالله، أنا هناديها وانتوا اقعدوا اتكلموا مع بعض بالهداوة وفي الآخر لا يصح إلا الصحيح." "يا بنتي الله يهديكي، هو كان إيه اللي حصل لده كله يعني ما أي واحد وخطيبته بيتناقروا، هو كل اتنين يتناقروا حبة يسيبوا بعض؟! ده مكانش حد عمر فيها بقى."
استهل إبراهيم حديثه بتلك الكلمات وهو يحاول جاهداً ثني غزل عن قرارها بأن تنفصل عن إسلام، ليتلقى منها الرفض التام حيث قالت: "لو سمحت يا بابا أنا وافقت حضرتك واتخطبت للواد إسلام اللي شبه كرتونة البيض ده، وحاولت بكل قوتي أتأقلم معاه وآخد عليه بس مش عارفة، لا دماغنا واحدة ولا ميولنا واحدة ولا حتى عارفين نفهم بعض." جادلها قائلاً: "يبنتي ما هي دي سنة الحياة اومال هتكملوا بعض إزاي!!
لازم تكونوا مختلفين وكل واحد يشارك التاني الحاجات اللي بيحبها." أومأت بالنفي فقالت: "لأ يا بابا أنا مش متفقة مع حضرتك في النقطة دي، ده مش عايزني أرجع الشغل!! صاحت بالأخيرة مستنكرة فقال والدها: "آاااه قولي كده بقى، الحكاية حكاية شغل مش حكاية ميول واهتمامات." زفرت بضيق وقالت:
"يا بابا عشان خاطر ربنا افهمني، مش عشان الشغل وبس، إسلام ده تركيبة مختلفة عني تماماً، ده بالنسبة له القراءة تضييع وقت، وإني أخرج مع صحباتي كلام فارغ وقلة أدب، الـ sitter بيقول عليها خدامة!! دماغه في عالم موازي يستحيل نتفق أنا وهو." زفر والدها بتعب وضيق وقال: "اللي يريحك اعمليه يا غزل، لو شايفة نفسك مش مرتاحة قوليلي وأنا أتكلم مع باباه ومامته ونفض الخطوبة." أومأت مسرعة:
"طبعاً يا بابا مش مرتاحة، ويا ريت تتكلم معاهم النهاردة قبل بكرة." إرضاءً لرغبتها قام بالاتصال بوالدي إسلام واعتذر منهم وأبلغهم بقرار ابنته وقرر أن يرسل لهم كل ما اشتراه إسلام لغزل في يوم غد. في صباح يوم جديد أفاقت صافية على اتصال ملح من زينب لتجيب متعجبة: "أيوة يا زينب صباح الخير." "قلقتيني بتليفوناتك الكتيرة دي عالصبح، حد تعبان؟!
تساءلت بالأخيرة وهي تعرف أنه ليس كذلك وأن هناك خبر طارئ لا يحتمل الانتظار من قبل زينب ليس إلا. "صباح النور يا صفصف، لا محدش تعبان الحمد لله بس كنت بطمن عليكي، ناوي تطولي عندك أكتر من كده ولا إيه؟! هزت صافية رأسها بيأس وقالت وهي تنهض من الفراش متجهة نحو باب الغرفة: "لأ هرجع النهاردة بإذن الله." أومأت زينب بموافقة وقالت بمكر: "هترجعي لوحدك؟ ضيّقت صافية بين حاجبيها وقالت: "وأنا من امتى برجع لوحدي؟!
سليمان امبارح كان قايللي هييجي ياخدني! تمتمت زينب بنبرة ذات سخرية مبطنة وقالت: "ده امبارح بقى." توقفت صافية بمنتصف الغرفة وتحولت نبرتها من اللين إلى الحدة وقالت: "امبارح بقى يعني إيه؟! تقصدي إيه يا زينب؟! هاتي ما عندك واخلصي! "أصل ضرتك حامل! ألقت بها زينب بقوة دفعة واحدة لتتسمر قدما صافية بالأرض من أسفلها وقد شعرت بأن الأرض تميد بها لتتسائل بصوتٍ مهزوز: "بتقولي إيه؟! إزاي؟! مستحيل!
قالت كلمتها الأخيرة بقهرٍ لم ولن يشعر به أحدٌ سواها لتقول زينب غير آبهة: "هو إيه اللي مستحيل، بقولك حامل، والبيت مقلوب فوقاني تحتاني من امبارح وسليمان هايص ومسابش حد غير لما قاله... لم تستمع صافية لبقية حديثها بل أنهت الاتصال على الفور وبدون وعي منها ارتدت ملابسها وخرجت من الغرفة لتلتقي بأخيها يجلس شارداً قبل أن ينتبه لها فقال مستغرباً: "رايحة فين يا صافية عالصبح؟! بجمودٍ أجابته: "راجعة بيتي." ازداد تعجبه فقال:
"راجعة بيتك الساعة 8 الصبح؟ وبعدين مش المفروض جوزك هييجي ياخدك! أشاحت بوجهها إلى الجانب تخفي عينيها الدامعة عنه حتى لا يتبين كذبها وقالت: "منا كلمته امبارح بالليل وقال إنه مش فاضي النهاردة، هرجع أنا بقى هو أنا هتوه يعني! نظر إليها مطولاً وقال: "انتي متخانقة مع جوزك؟ حاسس إن في حاجة مش طبيعية." تأففت بنزق وضيق يملؤها وقالت: "يووه يا إبراهيم، هو عشان عايزة أرجع بيتي يبقى في حاجة مش طبيعية؟!
تبين ضيقها بالإضافة إلى عدم رغبتها بالحديث، فهز رأسه متفهماً ثم قال: "طيب طيب اللي يريحك." أومأت باقتضاب وقالت: "هبقى أكلمك أطمن عملتوا إيه وإبقى سلملي على غزل." وانصرفت صافية عائدة إلى بيتها، وقد أخذتها سورة من الغضب وباتت يداها وقدماها ترتجفان من فرط التوتر. استقلت سيارة أجرة أقلتها إلى المنزل لتدلف فوراً قاصدة شقتها قبل أن يستوقفها "علي" قائلاً: "صباح الخير يا صافية، حمد الله على السلامة البيت كان مضلم من غيرك."
طالعته صافية بكره وحنق فاض من عينيها وقالت: "الله يسلمك." ثم ذهبت إلى شقتها ومنها إلى غرفة النوم لتجد فراشها مرتب كما تركته هي فابتسمت ساخرة وقالت: "هه، طبعاً السرير زي ما هو بحطة إيدي، هتنام هنا ليه يا سليمان أفندي وانت ما صدقت إني غورت عشان يخلي لك الجو مع الهانم." ألقت بحقيبتها إلى سريرها بحدة وبكل ما تملك من قوة، ثم فتحت باب شقتها بغضب وصعدت سريعاً إلى شقة يُسر تطرق بابها بقوة ولو استطاعت لقامت بكسره فوق رؤوسهم.
فتح سليمان الباب لتجحظ عيناه عند رؤيتها، فرمقته هي بنظرات ساخرة من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه، ثم دفعته بيدها ليرتد للخلف فدخلت الشقة تجوب ببصرها جميع أنحائها وهي تبحث عن يُسر. "حمد الله على السلامة يا صافية، جيتي امتى؟ نظرت إليه بحدة وغضب واقتربت منه لتقف أمامه مباشرةً وقالت: "الكلام اللي بيتقال ده صحيح يا سليمان؟ تقوّس حاجبيه بتعجب وقال مستفهماً: "كلام إيه مش فاهم! أجابت وهي ترجوه النفي فقالت: "إن يُسر حامل!
ابتلع لعابه بتوتر وقال: "عرفتي منين؟! رفرفت بأهدابها قليلاً وقالت: "عرفت منين؟! يعني الكلام ده صحيح فعلاً؟! يُسر حامل منك؟! "أيوة يا صافية حامل منه اومال يعني هكون حامل من مين! وبعدين انتي جاية وقالبه الدنيا عالصبح عشان تسألي أنا حامل ولا لأ؟!
هنا برز صوت يُسر مستاءة وألقت بكلماتها بحدة مما جعل صافية تنتبه على صوتها فنظرت خلفها حيث مصدر الصوت لتجد يُسر تقف على باب غرفتها وتستند بإحدى يديها على حافة الباب وبيدها الأخرى تخصّرت، ترتدي قميصاً حريرياً يكشف أكثر مما يخفي وآثار النوم لا تزال على وجهها. ازداد جمود صافية من هيئتها وظلت تحملق بها بدهشة بتصديق فقالت يُسر: "إيه هتفضلي تبحلقي فيا كتير! تفوه سليمان حانقاً وصاح عالياً فقال: "ادخلي جوه يا يُسر."
نظرت إليه يُسر بغيظ مكتوم ثم دلفت إلى غرفتها وصفقت الباب بشدة. نظرت صافية إلى سليمان وقالت: "إيه ده يا سليمان؟! أنا مش مصدقة اللي شوفته واللي سمعته! حاول إحاطتها بذراعه وهو يقول: "تعالي بس يا صافية ننزل شقتنا وأنا هفهمك كل حاجة." نزعت يده عنها لتصرخ بقوة وحدّة وهي تقول: "شيل إيدك دي عني، انت راجل كداب وملاوع فضلت تدحلب تدحلب لحد ما عملت اللي انت عايزه."
انفرج الباب بقوة لتظهر يُسر وقد بدلت ثيابها إلى أخرى مناسبة فخرجت وهي تتحدث باستنكار شديد وقالت: "ما تتكلمي كويس يا صافية جرى إيه مالك، هو إيه اللي يدحلب ويشقلب هو إحنا كنا ماشيين مع بعض في الحرام وأنا مش عارفة! وبعدين ما كله كان على عينك يا تاجر من الأول خالص وبموافقتك كمان، جاية دلوقتي تعمليلنا فيها مصدومة!! كانت صافية تراقب انقلابها تلك بأعين مندهشة وهي تستمع إلى حديثها المغاير للأول وقالت: "كله كان بموافقتي!!
لعلمك بقى أنا وافقت بس عشان سليمان وأبوه ميتفرقوش بسبب الجوازة دي، ولولا كده مكنتش أوافق ولا أقبل إن جوزي يتجوز عليا أبداً." نظرت يُسر إليها بتهكم فأضافت صافية بحزم: "واللي متعرفيهوش كمان إني كان شرطي عشان الجوازة دي تتم إن الجواز يفضل عالورق وبس وسليمان كان موافق!! مش آجي ألاقيكي حامل وخارجالي بقميص نوم! نظرت يُسر إلى سليمان بغيظ وظلت تهز قدمها بعصبية مفرطة بينما كان هو يتلاشى النظر إليها، فقالت صافية:
"ساكت ليه يا سليمان؟! ما تقوللها إن ده كان اتفاقنا اللي انت أخلّيت بيه! ولا أقوللها أنا إنك مكنتش طايق ولا عايز تتجوزها أصلاً لولا أبوك اللي غصب عليك." تبدلت ملامح يُسر إلى أخرى ممتعضة ومستنكرة بشدة فقالت وهي تضع يديها بخصرها: "نعم نعم نعم!! هو مين ده يا حبيبتي اللي مكانش طايق ولا عايز يتجوزني؟! وأنا اللي كنت بجري وراه ولا إيه؟! مسح سليمان وجهه بغضب وصاح متشنجاً بعصبية يقول:
"ما خلاص بقى انتي وهيا، اتفضلي دلوقتي يا صافية على شقتك وانتي يا يُسر خشي أوضتك." انفجرت به يُسر غاضبة وقالت: "لأ مش داخلة إلا لما ترد على كلامها، هو انت مع كل حد بكلام ولا إيه؟! نظرت إليها صافية ساخرة وقالت: "وكمان ليكي عين تتبجحي وتعلي صوتك! ارتفع صوت يُسر أكثر وقد ثار غضبها وقالت: "وماليش عين ليه يا حبيبتي هو أنا عاملة حاجة أكسف منها؟! ثم اقتربت
منها وأردفت بنبرة هادئة: ولا انتي مش هاين عليكي إني أجيب له العيل اللي بقالك عشررررين سنة معرفتيش تجيبيه." صفـعة!! هي كل ما تلقتهُ يُسر من صافية رداً على كلامها لتتسع عيناها بشدة وقد جف حلقها من الصدمة، بينما هرع سليمان إليها بلهفة وهو يعنّف صافية بشدة قائلاً: "انتي اتجننتي يا صافية، إيه اللي عملتيه ده! نظرت إليه صافية بذهول، لم يكن بمخيلتها يوماً أن ترى بأم عينيها لهفة زوجها على امرأة أخرى، ومن؟! تلك!!
لم يسعها سوى أن تنصرف بصمت ودمعاتها تنساب فوق وجنتيها بقهر. زمجرت يُسر وألقت على سليمان نظرة قاسية وتحدثت بتشنج وعصبية بالغة: "انت واقف تتفرج عليها وهي بتضربني؟! والله عال يا سليمان بيه." نظر إليها محاولاً إرضائها وقال: "معلش يا يُسر منتي كمان غلطانة." حملقت به بشدة وقالت: "غلطانة؟! عشان بقول الحقيقة أبقى غلطانة؟! وبعدين إيه حكاية الاتفاق اللي كان بينكوا ده؟!
وآخرة المتمة أبقى أنا اللي ملهوفة عليك وسياتك مكنتش طايق تتجوزني! اجتمع الكل على صراخها المرتفع ليقول "علي": "في إيه يا يُسر مالك بتزعقي كده ليه؟! في إيه يا سليمان؟! انفجرت بهم بغيظ وقالت: "في إن مدام صافية حرم جوزي المصون جت ضربتني في شقتي عشان عرفت إني حامل! تعجّب الجميع ليردف علي مستفهماً بتعجب وقال: "ضربتك؟! استحالة صافية تعمل كده! قالت بتهكم: "لا والله عملت كده وقالت اللي أسخم من كده كمان."
أوقفها عن استرسال حديثها بإشارة من يده ثم قال: "انزلي يا زينب نادي سلفتك." على الفور نزلت زينب وقامت باستدعاء صافية فوقفت أمام علي تسدد نحوه نظرات فارغة لم يعلم ماهيتها فقال: "انتي مديتي إيدك على سلفتك يا صافية؟! أومأت بنعم دون أن تنطق لينظر لها متعجباً وقال: "معقوله؟! وإيه اللي يوصلكوا لكده! كل ده عشان إيه؟ تفوهت صافية بهدوء ينافي ما يعتمل بصدرها وقالت وهي تشير برأسها تجاه يُسر: "اسألها." نظر إلى يُسر وقال:
"إيه اللي حصل يا يُسر؟! صمت الجميع فبرز صوتها الجهوري تقول: "اللي حصل إني كنت نايمة في أمان الله وسمعتها بتتكلم مع سليمان خرجت أشوف في إيه سمعتها بتقوله الكلام ده صح ويسر حامل منك صحيح؟! قولتلها اومال هيكون من مين يعني، وقعدت بقى تبرطم وتقول كلام ملوش لازمة، واتفاق ومش اتفاق، وسياتها بتقول إنها مكنتش هتوافق على الجواز لولا إنك كنت مقاطع سليمان عشان يتجوزني." "ما تكملي الكلام للآخر، وقولي انتي قولتيلي إيه."
جادلتها صافية بينما ضيّق الأب عينيه بتعجب لينظر الكل نحوه في حين كان ينظر هو باتجاه سليمان وبداخله لا يصدق ما وصل إلى مسامعه. كان سليمان ينظر إلى أبيه نظرات استغاثة وهو يتمنى أن يساعده والده ويخرجه من ذلك المأزق، بينما كانت صافية تنتظر أملاً أن يؤكد "علي" حديثها، أما يُسر فكانت تستعد لهجوم عاتٍ على زوجها حالما ثبت عكس ما أخبرها به. نظر إليهم الأب وأردف منهياً ذلك الجدال فقال:
"الكلام الكتير ده ملوش لزوم، اللي حصل حصل وخلاص، وانت يا صافية راضي سلفتك واللي حصل منك ميتكررش تاني." نظرت إليه صافيه بتعجب وقالت: "يعني بعد ده كله أنا لوحدي اللي غلطانة ولازم أعتذر كمان؟! أنا آسفة يا عمي بس أنا مش هعتذر لحد." أفضت ما بجعبتها ثم هرولت نحو شقتها يتبعها عبد القادر وزوجته، بينما ظل الأب يتطلع نحو ابنه بخيبة أمل ليركض سليمان نحوه وهو يقول: "لو سمحت يابا اسمعن... قاطعه والده بإشارة من يده وقال:
"بس يا سليمان، لا أسمع ولا مسمعش ملوش لازمة الكلام، ربنا يعينك عاللي جاي." انصرف "علي" مغادراً لتركض يُسر نحو زوجها وهي تقول: "ممكن تفهمني بقى إيه اللي اتقال ده؟! ومجبتليش حقي منها ليه؟! نظر إليها مستاءً وقال: "يُسر وحياة أبوكي أنا مش فايق دلوقتي لأي كلام، بعدين." تمتمت بغيظ يأكلها وقالت: "لأ بعدين ولا قبلين يا سليمان وحقي أنا عارفة أجيبه كويس إزاي." ثم غادرت وتركته شارداً يفكر ما الحل بما حدث للتو. ***
في اليوم التالي كانت غزل قد تخلصت من قيود إسلام وعادت لعملها مجدداً لتتلقى اتصال من رقم مجهول فأجابته مستبشرة أن يكون اتصال عمل. "ألو؟ "أيوة يا آنسة غزل، أنا باشمهندس أكرم المسيري ابن مدام كاريمان." "أيوة أيوة إزي حضرتك؟! "بخير والحمد لله، الحقيقة كنت بكلمك ومش عارف إذا كنتي هتقبلي تكلميني ولا لأ.... "خير حضرتك؟! هي مدام كاريمان تعبانة ولا حاجة؟! "لأ أبداً هي كويسة الحمد لله، وعايزة تشوفك." "عايزة تشوفني؟!
قال مؤكداً: "أيوة لقيتها امبارح بتسأل عليكي وزعلانة إنك مبقتيش تيجي تشوفيها." "يبقا أكيد ناسية اللي حصل وإنها كانت واخدة مني موقف." "بالظبط.. ده اللي حاصل فعلاً، فأنا كنت بكلمك تيجي تشوفيها لو مفيش عندك مانع يعني." "لأ طبعاً مفيش مانع، ده شيء يسعدني." "ربنا يخليكي، شكراً جزيلاً." "العفو حضرتك، بإذن الله هاجي أشوفها النهاردة." "تنوري يا فندم، مع السلامة."
أنهت الاتصال بسعادة وهي تستعد للعودة إلى عملها الذي تحبه كثيراً. أنهت عملها سريعاً وذهبت إلى منزل مدام كاريمان التي استقبلتها بفرحة عارمة وقالت: "كده يا وحشة تنسيني، ده أنا من آخر مرة كنتي فيها هنا وأنا بسأل أكرم عليكي كل يوم." هزت غزل رأسها بيأس واحتضنتها فقالت: "معلش متزعليش مني كان بابا تعبان شوية ومكنتش عارفة أنزل وأسيبه." ربتت كاريمان على كتفها بحنان وسألتها: "وإيه أخباره دلوقتي؟ هزت غزل رأسها برضا وقالت:
"الحمد لله بقى أحسن." "طب الحمد لله، يلا بقى اعمليلي فنجان قهوة من بتوعك كده عشان وحشوني." أشارت غزل إلى عين تلو الأخرى وذهبت لإعداد القهوة بينما نظرت كاريمان إلى ابنها وأشارت برأسها باتجاه غزل وقالت: "عسل البنت دي، اسم على مسمى، غزل وكلها غزل فعلاً." ضحك أكرم عالياً وقال: "والله يا أمي انتي مشكلة، يلا هنزل أنا أرجع شغلي طالما صاحبتك جت."
وانصرف أكرم نحو مقر شركته بينما مكثت غزل مع كاريمان وظلتا تتجاذبان أطراف الحديث. *** عاد يحيى من عمله بعد يوم شاق وطويل، اغتسل وبدل ثيابه وتناول الطعام سريعاً ليلقي بجسده المنهك إلى ذلك الفراش المهترئ وجسده يصرخ شوقاً للراحة. دق مصعب باب غرفته بشدة ودخل قبل أن يسمح له يحيى بالدخول وجلس إلى جواره مبتسماً باتساع وقال: "عندي ليك خبر بمليون جنيه." نظر إليه يحيى وهز رأسه مستفهماً ليردف مصعب قائلاً:
"شغلانة مرتاحة وهترّيحنا من القرف اللي إحنا فيه ولم الخردة والزفت." قال يحيى ساخراً: "إيه هتشتغل سفير ولا إيه؟ "اتريق براحتك، أنا عن نفسي راشق لو انت مصمم تكمل في الخردة انت حر." نهض عن الفراش ليمسك به يحيى ويقول: "استنى بس رايح فين، كمل كلامك." جلس مصعب بأريحية وأضاف: "وجيه ابن خالتي جايب لنا شغلانة في مخزن قطع غيار، هننزل حاجات ونرفع حاجات ونسجل الوارد والصادر بس، والقبض ضعف ما كنا بنقبض من لم الخردة."
زفر يحيى حانقاً وقال: "من هذا إلى ذاك يا قلبي لا تحزن، أنا افتكرتك جايبلي شغلانة في حتة على وش الدنيا تخليني أشوف الناس ويشوفوني يمكن حد يعرفني ولا أفتكر أنا مين بدل ما أنا عايش مجهول الهوية كده." واساه مصعب قائلاً: "معلش يا محمد، كله بأوانه واللي عايزه ربنا هيكون." أومأ يحيى موافقاً وقال: "ونعم بالله." تساءل الآخر فقال: "هاا دايس معايا ولا إيه؟! أومأ يحيى بتأكيد: "طبعاً دايس هو أنا أعرف حد غيرك."
"تمام.. بكرة إن شاء الله نستلم الشغل الجديد وعلي الله التساهيل." انصرف مصعب مغادراً ليتدثر يحيى بفراشه وهو يغلق عينيه ويكاد يعتصر رأسه عساه يتذكر أي شيء ولكن دون فائدة فأسبل أجفانه مستسلماً لسلطان النوم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!