تحميل رواية «ليتني مت قبل هذا» PDF
بقلم نعمة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في منزل عريق بحي راقي بالإسكندرية تجتمع أسرة ميسورة الحال حول مائدة فخمة تحتوي على كل ما لذ وطاب احتفالاً بفطور أول أيام شهر رمضان المبارك. كان يترأس المائدة كبير الأسرة "علي الهنداوي"، رجل ذو هيبة ووقار قد زيّن الشيب رأسه ليفصح عن بلوغه السبعين عاماً أو يزيد. يجاوره عن يمينه ولده الأكبر "سليمان" ذو الأربعين عاماً وزوجته "صافيه" تجلس أمامه على الجانب الآخر للمائدة. يتبعه الأخ الأوسط "عبدالقادر" والذي يبلغ خمسة وثلاثين عاماً وزوجته "زينب" تجلس إلى جانب "صافيه". يتلوه الأخ الأصغر "يحيي" ابن الثلاث...
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نعمة حسن
أغلق الباب خلفها ووقف يحاول تنظيم أنفاسه لبرهة قبل أن يعود إلى غرفته مجدداً.
دلف إلى الغرفة ليجدها تقبع فوق فراشه بشرود، فما كان منه إلا أن ذهب وجلس إلى جوارها على حافة الفراش وقال بصوتٍ خافت: مشيتها.
دون أن تنظر إليه، أومأت بهدوء وقالت: ادخل لـ زياد ونور، حاول تراضيهم أو شوف هتتصرف معاهم إزاي.
نهض على الفور وذهب إلى غرفتهم لينتفض فجأة فور أن دلف أبيهم إلى الغرفة، فتقدم نحوهم بأسف وقال لـ زياد الذي كان يحتضن أخته: ممكن أنام جنب منكم شوية؟!
نظر إليه الصغير بعينين باكيتين وأومأ برأسه أن نعم، فدخل يحيي إلى الفراش بجانبهم وأحاطهم بذراعه وقال بنبرة آسفة: أنا آسف، متزعلوش مني.. مكنتش أقصد أخليكم تخافوا.
"إنت ضربت ماما ليه يا بابا؟!"
تساءل زياد بحزن وخوف، فتنهد يحيي بألم وحزن وقال: في حاجات مش هتفهموها مش زياد.. إنتوا لسه صغيرين، لما تكبروا وتفهموا هبقى أحكي لكم كل حاجة.
"يعني هي مش هتيجي هنا تاني؟!"
تساءل مجدداً، فزفر والده بحيرة من أمره وقال: خلونا نتعشى دلوقتي وننام عشان بكرة محضر لكم مفاجأة هتعجبكم أوي.
حاول أن يبدو صوته متحمساً كي يثير حماسهم ولكن فشل، فتنهد بيأس وقال: طيب إنتوا عايزين إيه دلوقتي وأنا أعمله؟!
قالت الصغيرة بصوتٍ باكٍ: عايزة ماما.
احتضنها بقوة وقال متسائلاً: وبابا لأ؟!
أومأت بلطف وقالت: وبابا كمان.
قبّل وجنتيها بعمق وقال بصوت يتخلله الحزن والحسرة: أنا بحبك يا روح بابا، وبحب زياد كمان.
ثم نظر إلى زياد واحتضنه بقوة مماثلة وأضاف: عايزين تسيبوني لوحدي؟!
أومأ كلاهما نافياً، فقال بابتسامة: طيب يلا عشان نتعشى كلنا وأنا اللي هعمل العشا كمان.. وبعد ما نتعشى هقول لكم على المفاجأة اللي عاملها لكم.
نهض وحملهما كلاً على ساعديه وخرج من الغرفة إلى غرفته وأطل برأسه ليجد غزل ما زالت تجلس كما كانت، فتساءل بقليل من المرح وقال: ممكن يا غزولة تيجي تساعدينا؟ عشان إحنا خايبين خالص.
رسمت ابتسامة لطيفة على شفتيها ونهضت على الفور وقالت: ممكن، يلا بينا.
دلفوا جميعاً إلى المطبخ بحماس مصطنع، وكلاً منهم يحاول خداع الآخر بسعادته وحماسه المزعوم.
عكست شعرها إلى الأعلى بواسطة أُنْشوطة صغيرة وارتدت مريول المطبخ، بينما شمّر هو ساعديه ووقف متخصراً بيديه بعد أن وضع أطفاله فوق مقاعدهم الخاصة ونظر إليها قائلاً: هاه هتعملي إيه عشان أساعدك؟
نظرت إلى الأطفال وتساءلت: تحبوا تتعشوا إيه؟! اللي هتطلبوه هنعمله أنا وبابا.
رفع زياد يده قائلاً: أنا عاوز بيتزا زي اللي عملتيها قبل كده.
"وأنا كمان!"
أضافت نور، فقالت غزل متوجهة بحديثها لـ يحيي: هات العلبة اللي فيها الدقيق من فوق يا يحيى على ما أجهز بقية الحاجات.
مد ذراعيه للأعلى يلتقط علبة الطحين وهو ينظر إليها قائلاً: إيه اللي مطلعها فوق أو....
لم يكمل جملته حين سقط محتوى العلبة بأكمله فوق رأسه وملابسه التي اتشحت كاملة بالبياض، بينما نظرت إليه غزل بصدمة وتمتمت: سلامٌ قولًا من رب رحيم!!
نظر إلى زياد ونور اللذان انفجرا صارخين وخرجا من المطبخ مسرعين ليلحقهم وهو يركض خلفهم، بينما ارتفعت ضحكاتهما وهما يركضان أمامه وهو يحاول اللحاق بهما وإخافتهم.
كانت غزل تقف على باب المطبخ تستند بجذعها وهي تطبق كلتا يديها على بعضهما تشاهد مرحهم وضحكهم بابتسامة فرحة قطعتها عندما ظهر يحيي من خلفها فجأة لتنتفض بمكانها فجأة بفزع، مما جعله ينفجر ضاحكاً بشدة فقال: أنا هطلب دليفري، وعلى ما يوصل أكون أخذت شاور.
دلف إلى غرفته، بينما بدأت هي بتنظيف المطبخ، ومن بعدها تناولوا العشاء وخلد الأطفال إلى النوم.
كان يقف بالشرفة يدخن سيجارة، فرآها تتجه إلى غرفتها فناداها باهتمام: غـزل.. رايحة فين؟!
أجابته ببساطة: هدخل أنام.. محتاج حاجة؟
سحب نفساً عميقاً من السيجارة لتلقي حتفها بين يديه ثم ألقاها في المنفضة وتقدم من غزل وقال: وهتنامي هنا ليه؟
نظرت إليه بعدم فهم وقالت: مش فاهمة.. أومال أنام فين؟
"تنامي في أوضتك.. معايا!"
أجابها ببساطة لتتلعثم هي قليلاً وتقول: ملوش داعي.. خليك براحتك طالـ......
قاطع حديثها وهو يجذبها من يدها ويدلف بها إلى الغرفة صافقاً الباب خلفه وقال وهو يتقدم بها تجاه الفراش: مفيش حاجة اسمها ملوش داعي.. دي أوضتك وهتنامي معايا هنا من هنا ورايح.. مفهوم؟
أومأت بموافقة لتجده وقد دخل إلى الفراش وقال: يلا نامي.. انتي تعبتي النهارده.
فتحت جانب فراشها ودلفت إليه وتمددت بإنهاك قائلة: تصبح على خير.
أغمضت عينيها بتعب وكادت أن تغوص في أبحر من النوم العميق قبل أن يقترب منها فجأة ويقول: غزل..
فتحت عينيها مسرعة ونظرت إليه متسائلة ليقول: لسه زعلانة؟
أطالت النظر إليه ثم هزت رأسها بنفي وقالت: لا يا يحيـي مش زعلانة.
زم شفتيه بهدوء وقال: أنا متشكر جداً على كل حاجة عملتيها عشاني وعلى كل حاجة لسه بتعمليها، أنا مديونلك بكتير أوي يا غزل.
أسعدها حديثه الممتن كثيراً فمنحته ابتسامة صافية ثم قالت: مفيش حاجة تستاهل الشكر يا يحيى، أنا مش بقف جنب حد غريب.. أنا بقف جنب جوزي!
نظر إليها مبتسماً واقترب منها بغتةً ثم طبع قبلةً عميقة بطيئة متمهلة على وجنتها جعلت لهيب عشقها يشتد ضراوةً عن ذي قبل، ناهيك عن قلبها الذي اضطربت دقاته وارتفعت وكأنها طبول حرب قد دُقّت لتوّها معلنةً عن بدء النزال.
ابتعد عنها ببطء وهو يراقب انفعالات وجهها ليجدها وقد استكانت تماماً، فنظر إلى عينيها لتُصدّهما خجلاً وخوفاً مما جعله في حيرة من أمره.
كان قلبها يهتز بين أضلاعها وقد شحب وجهها كشحوب وجه الميت من فرط الخجل والتوتر.
اقترابه المهلك منها أودى بها وأطاح بما تبقى لديها من ثبات لتجده يهمس باسمها قائلاً: غزل.
فرّقت بين أجفانها وهمهمت بتساؤل ليقول هو: بتحبيني بجد؟
ازدردت لعابها تحاول تهدئة انفعالاتها المتلاحقة ثم حمحمت تجلي حلقها وهمّت بقول شيءٍ ما ليسبقها قائلاً: غزل أنا عندي سؤال عايز أعرف إجابته منك بس أتمنى إنك تفهمي قصدي صح.
أومأت بموافقة وقالت: سؤال إيه؟
نظر إليها لا يحيد ببصره عنها وقال: لو كنت اتقدمتلك قبل كده، أو لو في ظروف غير ظروفنا دي كنتي هتوافقي؟
ابتسمت وقالت: بس إنت بتصيغ السؤال غلط يا يحيـي، إنت قصدك تقول لو كنت اتقدمتلي في ظروف غير ظروفي دي كنت هوافق ولا لأ.. مش كده؟
أومأ بتأكيد وقال: بصراحة أيوة.. يعني لو كنت اتقدمتلك وإنتي لسه بنت كنتي هتوافقي بواحد في ظروفي؟ مطلق ومخلف وحياته ملخبطة!
نظرت إليه بإمعان وقالت: طيب خلينا نعكس الموقف، لو إنت كنت شاب أعزب مسبقلوش الجواز قبل كده هل كنت هتقبل بواحدة مطلقة؟
مطّ شفتيه قائلاً: بصي.. هو أكيد كل شاب بيفرق معاه إنه يتجوز بنت يكون هو أول حد في حياتها زي ما هي هتكون أول حد في حياته.. وأكيد هكون سعيد لو مراتي مسبقلهاش الجواز قبلي.. بس برضو في حاجات تانية هراعيها وههتم إني ألاقيها في مراتي قبل الموضوع ده.. يعني البكارة بالنسبة لي مش كل حاجة ومش من ضمن أولوياتي يعني طالما أنا واثق ومتأكد إن الإنسانة دي عفيفة.. فوقتها هتغاضى عن كونها اتجوزت قبل كده طالما فيها الصفات التانية اللي هتخلينا نعيش مرتاحين مع بعض.
أضافت: وأنا زيك.. حتى لو كنت متجوزتش قبل كده كنت هتغاضى عن كونك متجوز قبلي أو لأ.. طالما شخصيتك مناسبة لشخصيتي وفيك الصفات اللي تخلينا نعيش مرتاحين ومبسوطين.
"يعني لو مكنتيش اتجوزتي كنتي هتوافقي تتجوزيني بردو وأنا مطلق وعندي أولاد؟!"
تساءل يريد منها تأكيداً وإبراماً وإقراراً، فأومأت بقوة وقالت: أيوه يا يحيى، حتى لو كنت متجوزتش قبل كده كنت هوافق أتجوزك حتى لو كنت متجوز قبلي خمسة مش بس واحدة.
نظر إليها بعين الرضا والامتنان ثم قال: أنا مش.. أنا مش لاقي كلام أقوله بجد.. إنتي هدية من ربنا ليا يا غزل.
تراقص قلبها فرحاً بين أضلاعها واتسعت ابتسامتها قبل أن تنقشع بغتةً عندما اقترب منها ببطء ووضع رأسه فوق صدرها يحيط خصرها بكلتا يديه قائلاً: تصبحي على خير.
غابت الكلمات عن شفتيها للحظات حتى تمتمت بشرود قائلة: وإنت من أهل الخير.
احتضنها بقوة فما كان منها إلا أن أحاطت عنقه بيدها الحرة وأغمضت جفنيها مستسلمة للنوم.
بعد عودتها إلى منزلها أسرعت إلى غرفتها متجاهلة نداء والدتها وزوجها اللذان كانا يتساءلان بإلحاح عن اليومين المنصرمين فيما وأين قضتهم.
صفقت الباب خلفها بحدة وغيظ يتملك منها لتنفجر صارخة بغضب كبير يملؤها وراحت تسير في الغرفة ذهاباً وجيئة تفكر أني لها أن تنتقم منهم وتشفي غليل قلبها.
أمسكت بهاتفها وطلبت رقماً ما كانت تدسه في ورقة معها إلى أن حان وقت حاجته، فأجاب صاحب الرقم قائلاً:
"ألو؟"
سرعان ما سالت دموع التماسيح خاصتها وقالت بانهيار متقن: أيوه يا سليمـان، أنا يُسر!
صمت سليمان لبرهة وأجابها ساخراً: يسر؟! خير؟! وقعتي ولا الهوا رماكي؟!
تجاهلت سخريته وقالت بحزن تجيد تأديته: أنا محتاجالك يا سليمان، الدنيا ضاقت بيا ومش عارفة أروح لمين يا سليمان وقولت أكيد محدش هيحس بيا ولا يحبني غيرك!
نبرت حديثها الهزلي عندما استمعت إلى ضحكاته المتتابعة وهو يقول: ده من إمبارح الكلام ده؟! دلوقتي بس افتكرتي سليمان؟! طب ما إنتي بقالك شهور وأيام بتدوري حوالين يحيـي زي الكلبه وهو مش معبرك!
صدمها نعته المهين لها، ليستطرد قائلاً: دلوقتي لما لقيتي نفسك هتخسري الجلد والسقط بتدوري في دفاترك القديمة؟
"سليمان اسمعـ....."
"اسمعيني إنتي يا يسر، إنتي شيطانة وأنا خسرت بسببك كتير أوي، خسرت كل حاجة بسببك وبسبب طمعي فيكي، متحاوليش تكلميني تاني ولا أقولك؟ أنا هغير الرقم ده تاني عشان مسمعش صوتك النجس ده تاني!"
ألقى كلماته القاسية الصارمة وأنهى المكالمة بغضب ليلقي بالهاتف إلى الطاولة من أمامه بضيق شديد وهو يسب تحت أنفاسه لاعناً تلك اللحظة التي رنا إليها ببصره فيها.
أمسكت بالهاتف بين يديها وهي تنظر إليه بصدمة وعدم تصديق، لم تكن تتوقع ردة فعله الهجومية تلك بالمرة، ولكن على الأغلب أن ساعة حظها قد ولّت وانتهى زمنها.
رمت المرآة من أمامها بالهاتف لتتهشم وتتحول إلى جزيئات صغيرة، لينفرج الباب بقوة وتدلف والدتها بلهفة وتساءلت: بسم الله الحفيظ.. مالك يبنتي؟
نظرت إليها يسر بحنق وسرعان ما انفجرت باكية وهي تقول بغضب قد أطاح بعقلها: مالي؟! كل اللي أنا فيه ده ومش باين مالي؟! أنا انتهيت واتدمرت وخسرت كل حاجة.. خسرت بيتي وجوزي وعيالي.. كل ما أحاول أصلحها من ناحية تخرب بزيادة.. قوليلي دلوقتي أنا عايشة لازمتي إيه؟!
اقتربت منها والدتها تحاول تهدئتها وقالت: معلش يا حبيبتي كل واحد بياخد نصيبه....
"نصيب؟! نصيب إيه؟! وكان فين كلامك ده من الأول؟! ليه مقولتليش كده من الأول على الأقل كنتي زرعتي جوايا الرضا اللي أنا محرومة منه!! طول عمرك تقوليلي نقي يا يسر، اختاري يا يسر، المِقرش يا يسر، اللي معاه فلوس وعنده شيء وشويات يا يسر، إنتي تتاقلي بالدهب يا يسر!!"
نطقت بالأخيرة بصراخ مقهور وتابعت: إنتي السبب، إنتي اللي ربتيني على الطمع والاستغلال!
نظرت إليها والدتها بتعجب وذهول وقالت: أنا يا يسر؟! ده جزاتي إني كنت عايزة أطلعك واعية وميتضحكش عليكي؟!
أفلتت منها ضحكة ياخرة مقتضبة وقالت: هه، ومبسوطة دلوقتي؟! حالي عاجبك دلوقتي وأنا عايشة لوحدي؟ نفعني بإيه إني بقيت واعية وميتضحكش عليا؟!
نظرت والدتها أرضاً لتصيح بها يسر بحدة قائلة: ردي عليا!! ساكتة ليه؟!
صاح إسماعيل صارخاً بقوة وصوت جهور: فيه إيه يا بت ما تلمي نفسك شوية، هو سكتناله دخل بحماره ولا إيه؟! بقالك ربع ساعة نازلة سلخ في الولية وكإن هي اللي قالتلك تحومي على أخو الراجل وتتتجوزيه، ماهو طمعك وفراغة عينك دول هما اللي جابوكي ورا.
تقدمت منه بتحفز ورمقته بسخط وقالت: إنت بالذات متتكلمش نص كلمة، الأنطاع اللي زيك ميفتحوش بؤهم بنص كلمة أساساً، ومتنساش إني اتجوزت سليمان عشان أصرف عليكوا إنت وأمي وإخواتي اللي ممشيهم في الإشارات بورد ومناديل عشان إنت نططططع وعايز اللي يصرف عليك.
اغتاظ بشدة من كلماتها الفظة ونظر إليها بقسوة قائلاً: بقا أنا نطع يا روح أمك؟! طيب نطاعه بنطاعه بقا ملكيش قعاد في البيت ده!
قبض على شعرها بقوة يكاد يقتلعها بين يديه وهو يجرها إلى الخارج وسط صرخاتها وصرخات والدتها التي تستجديه أن يتركها ليصرخ بها بصرامة قائلاً: اخرسي خالص وإلا هتحصليها في الشارع إنتي وعيالك!
دفع يسر خارج المنزل لتصرخ ببكاء قائلة: طيب خليني آخد هدومي وأمشي.
"ولا فتلة حتى هتاخديها معاكي، شوفي لك خرابة بقا اقعدي فيها وإياكي أشوف وشك هنا تاني."
صفق الباب بوجهها ودخل لتبقى هي تتطلع حولها بشرود وتيه وضياع لا تدري أين تذهب ولا لمن تلجأ الآن!
***
استيقظت صباحاً لتجده ما زال يحتضنها وهو غافٍ بعمق، فهزته برفق حتى أفاق.
"صباح الخير."
"صباح النور.. إحنا إمتا دلوقتي؟"
"الضهر أذن من ربع ساعة.. مرضيتش أصحيك لإنك قولت مش هتروح الشركة النهارده!"
"أيوة صح.. أنا وعدت زياد ونور إننا هنقضي اليوم سوا."
"طيب يلا قوم نفطر عشان زمانهم مستنيين من بدري."
نهضا كلاهما فذهب هو إلى المغسل وبدأ للإستعداد بينما كانت هي تقوم بتحضير طعام الإفطار ليتناولوا جميعاً فطورهم ويبدلوا ملابسهم منطلقين نحو السيارة، فقال يحيى وهو ينظر إليهم متسائلاً بحماس: هااا تحبوا تروحوا فين؟
قال زياد: غزل اللي تختار!
انبسطت أساريرها لتنظر إلى يحيي وهو يقول متسائلاً: هاا يا غزال، نروح فين؟
حاولت السيطرة على انفعالاتها المبتهجة وقالت بهدوء: خلينا نروح مكان مفتوح وفيه هوا وشمس، ولو حابين مكان تاني قولوا إنتوا.
أدار يحيي محرك السيارة قائلاً: نروح على البحر، من زمان مقعدناش في مكان مريح للأعصاب.
أومأت بتأييد لينطلق بالسيارة نحو طريق البحر، ثم قام بتشغيل أغنية "قولوله" لـ "عبد الحليم حافظ" وراح يختلس النظر إليها بين كل فينةٍ وأخرى، بينما هي كانت شارده به تحاول التحكم في انفعالاتها المضطربة ودقات قلبها الثائرة معلنةً عن وقوعها بالحب للمرة الألف.
وصلوا إلى البحر.. استقبلها البحر بهوائه الطلق والذي يحمل تلك الرائحة الأقرب إلى قلبها، فرائحة اليود دائماً تبعث إلى قلبها بالذكريات المحببة منذ الصغر وقبل أن تتوفى والدتها.
انطلق الصغار بفرح يلعبون ويمرحون بسعادة بالغة، بينما شردت هي بالمكان من حولها.
أحاط ذراعها بيده وتساءل فقال: سرحانة في إيه؟
رنت بعينيها ناظرةً سريعاً إلى يده التي تحيط ذراعها، ثم نظرت أمامها مجدداً وقالت: سرحانة في البحر.. هوا البحر وريحته دايماً بيفكروني بماما الله يرحمها.. كانت بتحب قعدة البحر أوي.
"ربنا يرحمها."
تمتم بتأثر ثم قال: إيه رأيك تكلمي صافيه تيجي تقضي معانا اليوم.
نظرت إليه بحماس وقالت: تصدق دي هتنسط أوي.
أومأ موافقاً وقال: وأنا هكلم قاسم وأخليه ييجي وتبقا فرصة يقعدوا مع بعض.
قام بالاتصال بـ قاسم الذي هرول إليهم مسرعاً، ولحقت به صافيه بعدها بقليل من الوقت.
صافحت صافيه الجميع وجلست تحت أنظار قاسم الذي كان يتفحصها بلهفة وهو ينتظر الفرصة لمحادثتها وجهاً لوجه.
نظر إليه يحيـي ليبادله الآخر نظرات مستغيثة فقال: قومي يا غزل نشوف الغدا وقاسم وصافيه يفضلوا هنا على ما نيجي.
أدركت مغزى نظراته، فنهضت معه وذهبا لطلب الغداء، بينما ظل قاسم برفقة صافيه ينتظران عودتهما.
"الجو لطيف أوي النهارده، مش كده؟"
تساءل قاسم يحاول تجاذب أطراف الحديث مع صافيه لتومأ بموافقة هادئة وتقول: فعلاً.
"واضح إنك بتحبي الهدوء والاستجمام!"
"دي حقيقة."
زمّ شفتيه باستياء من ردودها المقتضبة، ثم عاد ليقول: لو حابة تقعدي لوحدك وتستجمي أنا ممكن أستأذن عادي...
"لا أبداً حضرتك مش مضايقني في حاجة.. أنا بس مبعرفش أتكلم مع حد مش عارفاه أو مفيش بينا سياق كلام يعني، إنما وجودك مش مضايقني خالص."
أومأ بهدوء وتفهم ثم تساءل: إنتي مش مرتبطة؟
قطبت حاجبيها بتعجب وأضافت بهدوء: منفصلة.
"بصيرة!"
قالها مبتسماً بمزاح لتبتسم هي بهدوء فقال: أكيد الموضوع كان فيه طرف تالت.
نظرت إليه بانتباه وأومأت باقتضاب، فقال متنهداً: الواحد زي ما يكون بيمد إيده في الزبالة وينقي الناس اللي يعرفهم.
ضحكت على تشبيهه ليضحك بدورهِ قائلاً: سيبك إنتي.. ضحكتك دي بالدنيا ومافيش حد يستاهل تزعلي عشانه.
أطالت النظر إليه وقد لمست كلماته شغاف قلبها وألجمت لسانها عن النطق والتعبير.
عمّق النظر إلى عينيها وهو يتمنى لو أصبح وأمسى ينظر إليهما دون حراك، بينما كانت هي تتلاشى نظراته الثاقبة تلك والتي تشعر بأنها تكاد تخترقها.
نظر أمامه شارداً وبدأ يتمتم بكلمات أثرت انتباهها وجُل اهتمامها، فراحت تستمع إليه بقلبها لا بأذنيها..
لا تبكيني ذهبت ومات هواها
في القلبِ متسعٌ غداً لسواها
أحببتُها وطويتُ صفحتَها وكمقرأَ اللبيبُ صحيفةً وطواها
يا شاطئَ الأحزانِ كم مِن موجةٍ
هبها ارتطامةَ موجةٍ وصداها
تلك الوليدةُ لم تطُل بشرَاها
لما تكد تطأُ الثرى قدماها
زفَّ الصباحُ إلى الرمالِ نداءَها
وسرى النسيمُ عشيةً فنعاها
هاتِ اسقني واشرب على سرِّ الأسى
وعلى صبابةِ مهجةٍ وجواها
مهلاً نديمي كيف ينسى حبَّها
من ينشدُ السلوى على ذكراها
ما زلتَ تسقيني لتنسيني الجوى
حتى نسيتُ فما أدركتُ سواها
كانت لنا كأسٌ وكانت قصةٌ
هذا الحبابُ أعادَها ورواها
كأسي وشمسُ هوايَ والساقي الذي
عصرَ الشعاعَ لمهجتي وسقاها
الآنَ غَشَّاها الضبابُ وها أنا
خلفَ المدامعِ والهمومِ أراها
غالَ الفناءُ حبابَهَا وضبابَهَا
وتبخرت أحلامُهَا ورؤاها
***
بعد عودتهم إلى البيت مساءً بعد قضاء يوم ملئ بالحركة والحماس، قامت غزل بمساعدة زياد ونور ليأخذا حماماً ساخناً ومن ثم خلدا إلى النوم سريعاً.
دَلفت غزل إلى المغسل لكي تحصل على قسط من الراحة بواسطة المياه الدافئة، ثم ارتدت منامةً خاصة بها وخرجت لتجد الغرفة فارغة.
صففت شعرها ودخلت إلى فراشها لينفرج الباب ويدلف يحيي مبتسماً، فتقدم نحو الفراش ودلف إليه واقترب منها دون أي مقدمات وأحاط خصرها بيده، وبالأخرى كان يمسح على شعرها بحنان.
نظرت إليه بتعجب فابتسم متفهماً سبب تعجبها وتجاهل تساؤلها وتعجبها وقال: اتبسطي النهارده؟
أومأت بحماس وقالت: كان يوم حلو جداً وزياد ونور غيروا جو واتبسطوا كمان.
"فعلاً حتى نفسيتهم اتحسنت شوية."
"توقعت إنك هتاخدنا بيت العيلة."
قطب حاجبيه باستغراب وقال: إشمعنا؟! إيه اللي فكرك ببيت العيلة دلوقتي؟
"عادي، بس أصل أكيد العيال هيفرق معاهم إنهم يقضوا يومين مع جدهم وعيال عمهم.. وأظن إنت كمان محتاج تشوف أبوك وتطمن عليه."
ثم قالت بترقب: إيه رأيك نرجع بيت العيلة تاني؟
نظر إليها بتعجب شديد وقال: نرجع بيت العيلة؟! ليه؟!
رفعت كتفيها ببساطة وقالت: يعني.. الأحسن إنك تبقى وسط أهلك ونور وزياد كمان.. جايز ده يخفف عنهم إن أمهم مش معاهم.. وانت كمان محتاج تحس إن أهلك حواليك زي زمان.
"وإنتي مفيش عندك مانع تعيشي مطرح ما هي كانت عايشة؟!"
تساءل بسخرية فقالت: مش الفكرة.. بس أكيد على الأقل هنغير عفش البيت أو نقفل الشقة خالص ونعيش في الشقة الفاضية.
"لأ مش هينفع."
"ليه.. إيه المانع؟ عايز تقنعني إنك مبتحنش لأهلك؟"
أشاح بوجهه بعيداً وقال: بيتهيألك.
اعتدلت بمقعدها وجلست بنفس مستوى جلسته وقالت: لأ مش بيتهيألي يا يحيى.. إنت مهما حصل عمرك ما هتقدر تبعد عن أهلك.. وخصوصاً عمي علي.. ده أبوك يا يحيى....
"أبويا هو أكتر واحد ظلمني فيهم!"
قالها بحدة لتنفجر الدماء بوجهه غضباً وقالت: كفاية بقاا.. كل شوية تقول إنه ظلمك كنت عايزة يعمل إيه يعني؟! ماهو كمان ابنه زي ما انت ابنه.. حط نفسك مكانه وانت هتعذره.
لم يجيبها فقالت: كل اللي انت فيه ده بتحاول تغطي بيه فشلك في انك تنساها يا يحيي.
نظر إليها متجهم الوجه لتستكمل حديثها وتقول: دي الحقيقة.. برغم كل اللي عملته فيها بس إنت من جواك مش قادر تنساها.. هي قالتلي إنك هتفضل ملكها وقلبك معاها هي بس أنا حاولت أنكر كلامها حتى بيني وبيني، كنت رافضة أقتنع بكلامها ده وقولت لأ أكيد نسيتها بس أنا اللي طلعت غلطانة.
"نامي يا غزل."
قالها وهو يستدير للجانب الآخر لتتشبث بذراعه تجبره على مواجهتها وقالت: مش كل مرة يا يحيي هتبدأ الكلام وتنهيه بمزاجك.. أنا كمان لازم أتكلم وتسمعني زي ما أنا بسمعك في كل الأوقات.
نظر إليها متعجباً ثورتها المفاجئة ليجلها تجلس متأهبة للجدال وقالت: أنا لازم أفهم موقفي بالتحديد، أنا تعبت من الوضع ده ومبقاش عندي قدرة أستحمل، مش عارفة إنت معايا ولا معاها، جسمك هنا بس عقلك وقلبك وروحك لسه معاها..
"مش صحيح...."
"لأ صحيح يا يحيي."
قالتها ببكاء وأضافت: صحيح.. أنا يأست، حاسة إني مهما اعمل مش هعرف اخليك تحبني ولا تحس بيا.
ثم اقتربت منه وقالت باستجداء: خليك صريح معايا يا يحيي وقوللي.. لو أنا مش هقدر اخليك تحبني يبقى قوللي أوفر على نفسي كل اللي بعمله ده.
التزم الصمت ونظر إليها نظرات فارغة لم تفهم هي مفادها، لتومأ هي بيأس وقالت: جوابك وصلني يا يحيي.. إنت مش محتاج تتكلم خلاص.
نهضت من الفراش فجأة وخرجت من الغرفة ومنها إلى غرفتها، ثم غطت في النوم سريعاً، في حين قضى ليلته شارداً بحديثها الذي قالته وحديثه الذي لم يتسنى له قوله.
***
استيقظت صباحاً وعلى وجهها آثار البكاء والإعياء، ولكنها حاولت إخفاءهما قدر استطاعتها، وبعد أن أنهت أعمالها دلفت إلى غرفته وقالت: أنا عايزة أروح أشوف بابا.
قال بهدوء: خير هو تعبان ولا حاجة؟
أومأت بنفي وقالت: لأ الحمدلله كويس.. بس عايزة أقعد معاه يومين أغير جو.
قطب حاجبيه بتعجب وقال: يومين؟! ليه يومين؟!
"عادي.. كده كده زياد عنده كامبينج تبع المدرسة وهيفضلوا مخيمين يومين ونور هاخدها معايا."
"لأ مش هينفع.. سيبيها وأنا هاخد إجازة لحد ما ترجعي."
"ماشي براحتك."
قالتها باقتضاب مما أزاد حيرته وتعجبه، ثم قال: إنتي هتمشي من هنا زعلانة؟! ولا عشان تشوفي باباك فعلاً؟
"لا أبداً مفيش زعل ولا أي حاجة.. بس بابا عاتب عليا إكمني من يوم ما اتجوزنا وأنا مبقيتش أروح أشوفه ولا أقعد معاه، فقولت فرصة بصراحة إن زياد مش هنا وأخد نور معايا ونقضي يومين هناك.. يومين بس وهنرجع إن شاء الله."
أومأ موافقاً وقال: بإذن الله.. بس سيبي نور معايا عشان تكوني براحتك وتريحي أعصابك.. أنا كضمان هاخد إجازة النهاردة وبكرة ولما ترجعي إن شاء الله أبقى أنزل.
"تمام ماشي.. أنا هروح ألبس بقى وأنزل."
"تمام .. على ما تلبسي هتلاقيني مستنيكي بالعربية."
"لا معلش.. أنا حابة أروح أنا وأشوف الشوارع زي الأول وأركب تاكسي.. يعني."
"ماشي .. على راحتك، محتاجة حاجة؟!"
"لأ متحرمش منك."
بدلت ثيابها وصافحته والتقطت حقيبتها مغادرة إلى بيت والدها.
دقت الباب ففتح والدها والذي تعجب قدومها وحقيبتها تلك التي تحملها بين يديها!
احتضنت والدها فور أن رأته وتحاملت على نفسها كي لا تنخرط في بكاء مرير، ولكن قلب الأب!
"إنتي زعلانة مع جوزك؟!"
تساءل إبراهيم بقلق، فرسمت ابتسامة صافية على وجهها وقالت: جرى إيه يا هيما هو أنا مينفعش أجي هنا غير وأنا زعلانة ولا إيه؟!
ربت على كتفها وقال: لا أبداً يا حبيبة أبوكي، بيتك وتيجي في أي وقت وكل وقت.. ادخلي.
دَلفت فنادى هو قائلاً: صافيه.. تعالي شوفي مين هنا.
خرجت صافيه من المطبخ لتفاجأ بوجودها، فقال وهي تسرع ناحيتها تحتضنها: يا حبيبتي يا غزل.. البيت نور من تاني والله.
احتضنتها غزل بشدة وقالت بمرح: عايزاكم بقى تأكلوني على قد ما تقدروا وتدلعوني على قد ما تقدروا.. عايزة أستجم اليومين اللي أنا قعداهم هنا.
"هتقعدي يومين؟! يبقى أكيد في حاجة."
قالها إبراهيم باستنتاج فقالت بابتسامة: أمشي عشان تصدق إن مفيش حاجة؟! والله يا بابا إحنا كويسين الحمدلله وكله تمام.. كل الحكاية إن زياد هيخيم يومين مع المدرسة بتاعته، فقولت أجيب نور وأجي نقعد هنا يومين فرصة يعني.. بس يحيي قالي لأ أنا كده كده مفيش عندي حاجة مهمة اليومين دول ومش ناوي أنزل خليها معايا.. بس.
"يعني مش زعلانين سوا؟!"
تساءل بتأكيد فقالت: لا والله أبداً.. حتى هو قالي ممكن ييجي يتعشى معانا بكرة ونروح سوا.
أومأ والدها موافقاً وقال: طيب الحمدلله.. يلا ادخلي غيري هدومك وتعالي عشان نقعد في البلكونة سوا وتعمليلي قهوة زي زمان.
قالها بابتسامة لتبتسم هي أيضاً وذهبت لتبدل ملابسها ومن ثم ذهبت لتجلس برفقته في الشرفة يتجاذبان أطراف الحديث.
في المساء.. حيث كانت تجلس برفقة صافيه في غرفتها وكلاهما تفضي ما بجعبتها للأخرى.
أطلقت تنهيدة متعبه ومحملة بالآلام وقالت: بابا كان عنده حق يا عمتو.. للأسف أنا مهما أعمل مش هقدر أخليه يحبني، أنا عاذراه لإن قلبه مش ملكه والحب مش بالقوة.. بس أنا تعبت، حاسة إني زي اللي بينفخ في قربة مخرومة على الفاضي.. مفيش جديد بيحصل ولا هيحصل.
ربتت صافية على يديها وقالت بحزن: معلش يا غزل، إنتي وافقتي من الأول وإنتي عارفة إنك هتتعبي وتعاني لحد ما تكسبي قلبه.
قاطعتها غزل قائلة: كان عندي أمل وقتها بس دلوقتي لأ، زهقت ويأست.. عمره ما حس بيا ولا هيحس...
"لأ هيحس... اللي زي يحيي ده بليد.. محتاج اللي يحركه ويخليه ينتبه للي جواه."
نظرت إليها غزل باستفهام وقالت: إزاي؟
"لازم إحنا اللي نخليه يتلحلح وينطق ويحس بيكي..")
ضحكت غزل بتهكم وقالت: هه، هشحت منه الحب كمان؟!
"مش هتشحتي.. كل الحكاية إنك هتلفتي نظره.. هتخليه يحس إنك مش موجودة زي الأول، وقت ما يحس بغيابك صدقيني هيخاف وهيبدأ يتحرك."
"وأنا هخليه يحس بغيابي إزاي؟ ده أنا عشان هقعد يومين بابا مش مقتنع إننا مش زعلانين."
"يا خايبة مش شرط غيابك يكون وكل واحد في مكان، ممكن تحرميه منك وإنتوا في نفس البيت، اتجاهليه، اتقلي عليه، خليكي بعيدة على قد ما إنتي قريبة.. أقوللك؟!"
همهمت بتساؤل: هممم؟!
شردت قليلاً بتفكير وقالت: خليه يغير!!
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نعمة حسن
برز بها صوت غزل بإستنكار شديد.
فأومأت صافيه وقالت: أيوة، معظم الرجالة بتحس بالغيرة قبل الحب، يعني ممكن يكون هو جواه حب ليكي بس مش عارف يظهره، إحنا بقا هنخليه يظهره!
إبتسمت غزل بتهكم وقالت: هنظهره إزاي بقا يا شارلوك هولمز زمانك؟! ده بليد زي ما قولتي ولا هيتهز.
راحت صافيه تدق بسبابتها فوق ذقنها بتفكير ثم نظرت إليها بحماس وقالت: قاسم صاحبه!
نظرت إليها غزل بتعجب وإستفهام لتستطرد صافيه وهي تشرح لها قائلة: جوزك مش مصاحب غير ده و مش هنعرف نستعين بحد غير ده بردو...
قاطعتها غزل قائلة: وإنتي عيزانا نقول لقاسم إننا هنعمل على يحيي حوار عشان نخليه يغير عليا؟!
لوت صافيه شفتيها بنزق وقالت: بصي متشيليش هم النقطة دي أنا هحلها، لازم قاسم يكون عنده علم باللي ناويين نعمله عشان يقدر يساعدنا و ميفهمش غلط أو يحصل لبس و يظنك بتتمايعي بجد ولا حاجة.
أتمايع؟! نطقتها غزل بإستنكار وقالت: هي حصلت المياعة كمان؟
أومال هنخليه يتلحلح إزاي إنتي كمان، مياعة خفيفة كده مش هتأڤوري يعني.. بصي هاتيلي رقم قاسم إنتي بس و أنا هتصرف في الباقي.
ماشي، سهلة.
إنتي هتمشي إمتى؟!
بكرة المفروض.
تمام أوي، من هنا لبكرة متخليهوش يسمع صوتك، إقفلي موبايلك أحسن و لما يسألك إبقي قوليله فصل شحن، لازم تشغليه كده و تخليه يفكر فيكي و يقعد يقول يا ترى.
ماشي، ربنا يسترها بقا و ملبسش في حيطة.
عيب عليكي يبنتي ده شغل محترفين مش هواة.
قالتها صافيه بمرح و ضحكت لتشاركها غزل الضحك ثم قالت: هقوم أنا أنام بقا، تصبحي على خير.
انصرفت صافيه إلي غرفتها بينما ظلت غزل تتقلب في مضجعها بتوتر وحيرة ...... وإشتياق أيضاً!
على الجانب الآخر..
كان يحيي يجاهد كي ينعم بقسطٍ من الراحة بعد تلك المعاناة التي عاناها مع طفلته العنيدة على مدار اليوم.
أسبل أجفانه محاولاً الخلود إلى النوم ولكن قفزت صورتها بغتةً إلى عقلهِ ليفتح عيناه مجدداً وينهض قائماً ممسكاً بهاتفه في محاولة منه للإتصال بها ولكنه تعجب عندما وجد هاتفها مغلقاً!
أعاد المحاولة مرةً ثانية و لكن دون جدوى ليعود إلى النوم سريعاً مستسلماً بعد يومٍ شاق.
بدأ الضوء يزحف ببطء نحو الغرفة ليفيق يحيي من نومه بتثاقل على غير عادته، ظل يلاطف طفلته حتى استيقظت ومنحته ابتسامةً حنونة وقبلة ودودة ليحملها ويخرج بها من الغرفة تجاه المطبخ وبدأ بإعداد طعام فطورها.
بينما كان يحتسي قهوته حاول مراراً أن يتصل بغزل ولكن هاتفها ما زال مغلقاً.
انتابهُ القلق وهمّ بالإتصال بوالدها ولكنَّه تراجع في آخر لحظة ليترك الهاتف من بين يده ثم نهض وبدل ملابسه واصطحب طفلته متجهاً نحو بيت غزل.
كانت قد استيقظت للتو من نومها وتتجه نحو المغسل ليرتفع رنين جرس الباب، رآها والدها تتجه نحو الباب فأشار لها بالتوقف قائلاً: أنا هفتح.
دلفت إلى المغسل قبل أن يصل إلى مسامعها صوت يحيي فخرجت على الفور وقلبها يتلهف شوقاً لرؤيته ولكنها توقفت تسترجع ما أخبرتها به صافيه فعادت إلى المغسل مجدداً وتعمدت أن تستغرق وقتاً طويلاً بالداخل بدءً في تفعيل خطتها.
كان إبراهيم يجلس حاملاً نور على قدمه يلاطفها بقلبٍ حنون ونظر إلى يحيي قائلاً: عقبال ما أشيل عيالك انت وغزل يبني.
تلجلج يحيي قليلاً ولكنه أخفى توتره وقال بابتسامة هادئة مع زمّة شفاه مقتضبة: بإذن الله يا عمي.
ثم حمحم وهو يرنو ببصره سريعاً من حوله وقال: أومال غزل لسه نايمة ولا إيه؟
لأ صحيت.. يا غزل!
ناداها والدها فخرجت من المغسل سريعاً واتجهت نحوهما بابتسامة لطيفة وقالت: صباح الخير.
مدت يدها تصافح زوجها وحملت نور تقبلها ثم جلست إلى جواره ووجهت حديثها إلى الصغيرة وقالت: وحشتيني أوي يا نور.
وإنتي كمان على فكرة.
باغتها يحيي بتلك الكلمات لتنظر إليه مبتسمة بهدوء دون أن تعقب فنظر إلى والدها وقال: بصراحة إحنا معرفناش نقعد من غير غزل.. البيت ممل وكئيب من غيرها.
قال الأخيره وهو ينظر نحوها فابتسمت كالبلهاء رغماً عنها وقد تسلل الفرح إلى قلبها بفعل كلماته البسيطة جداً.
ابتسم إبراهيم قائلاً: فرصة تقضي معانا اليوم وبالليل ابقى خد مراتك وامشوا من غير مطرود.
اعترض قائلاً: لا معلش خليها مرة تانية....
لا تانية ولا تالتة، خلينا نقضي اليوم سوا وبالليل لو عايزين تمشوا مش هتمسك فيكوا، إنما مش هتمشوا دلوقتي، مفيهاش جدال دي.
تهادى صوت صافيه التي قالت بعد أن صافحته وجلست: طب إيه رأيكوا نقضي اليوم كلنا عالبحر، الجو النهارده جميل وفرصة يا إبراهيم تخرج معانا مرة من نفسنا.
قاطعها قائلاً: لاااا.. اعذروني أنا مليش في الجو ده..
عشان خاطري يا بابا!
قالتها غزل بإستجداء ليبتسم قائلاً: نن عين أبوكي انتي، ماشي يستي عشان خاطرك.
استعد الجميع وأولهم كانت صافيه التي قامت بالاتصال برقم قاسم والذي أعطته لها غزل ليلة أمس.
بينما كان قاسم جالساً بمكتبه، منهمكاً بعمله والذي تراكم مع غياب يحيي رن هاتفه برقم غير مسجل فتجاهله مرات عديدة حتى بعثت له صاحبة الرقم برسالة كان مضمونها "أنا صافيه عمة غزل لو فاكرني، كنت محتاجة أكلم حضرتك ضروري لو تسمح".
فور أن قرأ الرسالة أسرع بالاتصال بها وهو يفكر ملياً بسبب الاتصال قبل أن يصله صوتها الشجيّ تقول: مساء الخير يا أستاذ قاسم، آسفة لو عطلتك عن شغلك.
تنحنح بلهفة وقال: مساء النور يا مدام صافيه، لا أبداً مفيش حاجة أنا بس مش برد على أرقام معرفهاش وأنا في الشغل.
أضافت بهدوء: آه حصل خير، كنت محتاجة مساعدة حضرتك في موضوع شخصي شوية.. هو مش خاص بيا يعني هو خاص بيحيي وغزل.
قطب حاجبيه بتعجب وتسائل: يحيي وغزل؟! خير في حاجة ولا إيه؟!
تنهدت الصعداء وقالت: الحقيقة يا أستاذ قاسم هي حاجة خاصة جداً وإحنا لولا عارفين إنك أقرب حد ليه وهو بيعتبرك أخ ليك كمان مكناش كلمنا حضرتك...
قاطعها بتوتر قائلاً: خير يا مدام صافيه، أنا مش فاهم حاجة.!!
بص بصراحة يحيي من النوع التقيل شوية..
بترت كلماتها لا تجد ما تقوله ثم استكملت وقالت: بص من الآخر.. إحنا عايزين نحركه، يعني عايزينه ينتبه لحب مراته، يواجه نفسه بالحب اللي جواه ويعترف بيه...
قاطعها قائلاً بمرح: عايزينه يتلحلح يعني!
إسم الله علييييييك.
ألقتها بمرح مشابه ليضحك كثيراً ثم قال: فهمت قصدك، وطبعاً أنا اللي هخليه يتلحلح!
لو مفيش عندك مانع طبعاً.
مفيش مانع أكيد بس إيه المقابل؟!
نعم؟! تسائلت بحدة ليضحك بقوة قائلاً: يستي بهزر مالك قفشتي ليه كده.. عالعموم أنا تحت أمركوا ومستعد أعمل أي حاجة تطلبوها مني.
شكراً جداً ليك.. طيب إحنا خارجين دلوقتي هنقضي اليوم عالبحر كلنا.. يضايقك لو تيجي تقعد معانا شوية؟!
لا أبداً بالعكس.. إنتي بس عرفيني هتقعدوا فين وأنا هتصرف وأجي.
تمام لما نروح ونقعد هقوللك إحنا فين، بس طبعاً مش محتاجة أقوللك إن يحيي ميعرفش حاجة بالمكالمة دي.
مفهوم مفهوم متقلقيش.. هستنى منك رسالة بمكانكوا والباقي سهل إن شاءالله.
أنهت الاتصال وبدأت بالاستعداد ثم انصرفوا جميعاً منطلقين بسيارة يحيي تجاه البحر.
جلسوا جميعاً حول طاولةٍ أمام البحر مباشرةً وبدأوا بترتيب أغراضهم وطعامهم فأرسلت صافيه برسالة إلى قاسم وضحت له فيها مكانهم بالتفصيل فبعث لها رسالة كان مفادها أنه في طريقه إليهم.
كانت غزل تجلس بجانب يحيي شاردةً أمامها تصب كل انتباهها ومشاعرها للبحر فإنتبهت على صوت يحيي هامساً إليها: كلمتك امبارح كتير والنهاردة بس تليفونك كان مقفول!
أومأت بموافقة وقالت: أنا كنت قافلاه.
قطب حاجبيه متعجباً وقال: إنتي اللي كنتي قافلاه؟! أنا تخيلت إنه فصل شحن مجاش في بالي إنك قفلتيه.
نظرت أمامها مجدداً وقالت بهدوء ينافي العاصفة الموجودة بداخلها: كنت عايزة أفصل من كل حاجة حواليا، كنت حاسة إني متلخبطة ومحتاجة أبعد عن كل حاجة!
حتى أنا؟! تسائل بترقب فلم يحصل سوى على إيماءة موافقة مقتضبة مما أصابه بالذهول فآثر الصمت وراح ينظر أمامه بهدوء مماثل.
إيه ده؟! مش ده قاسم عبدالرحمن صاحبك يا يحيي؟!
قالتها صافيه وهي تشير باتجاه قاسم الذي كان يسير على بعد خطوات منهم فأومأ يحيي بتأكيد وقال: أيوة هو، ثواني أشوفه وجاي.
قال إبراهيم بلطف: لأ يبني ميصحش، نادي له يتغدى معانا طالما إحنا اللي شفناه.
ناداه يحيي ودعاه للجلوس برفقتهم فتقدم منهم وصافح الجميع باحترام ثم قال: سبحان الله لينا نصيب نشوف بعض، أنا كنت جاي أتغدى هنا وماشي، أصلي ساعات بحب أقعد عالبحر لوحدي بعيد عن زحمة الشغل والاجتماعات وكده.
ثم نظر إلى إبراهيم وتابع: تلاقيني بحب أهرب كل فترة كده وأغير جو، أو بمعنى أدق بجدد نشاط يعني.
أومأ إبراهيم بلطف وقال: طب اتفضل اقعد، إحنا كنا بنجهز الأكل ولك نصيب تاكل معانا.
لا معلش اعذرني، مرة تانية.
لااا والله ما يحصل، اقعد دي اللمة مفيش أحسن منها وخصوصاً لمة البحر والجو العظيم ده.
نظر الجميع إليه بتعجب وقالت غزل: ده على أساس إننا مكناش بنتخايل عليك عشان تنزل معانا؟!
غمزها بمرح ليضحكوا جميعهم بألفة ومن ثم بدأتا غزل وصافيه تقومان بإعداد الطعام وسط جو ملئ بالمرح والبهجة.
بادر قاسم بالحديث قائلاً: بقالك يومين يا يحيي بيه اجازة ورامي الحمل كله عليا لحد ما اتنفخت، حتى معنديش وقت أنام.
برز صوت يحيي قائلاً: أنا عارف والله، من بكرة بإذن الله هتابع الشغل وأشوف الاجتماعات المتأجلة.
أومأ قاسم موافقاً وقال: ماشي يسيدي براحتك، عالعموم معذور، المدام حلوة بقا وخدالك مننا!
ألقاها ببساطة ليسعل يحيي بغتةً وقد توقف الطعام بحلقهِ وراح يتطلع نحوه يتفحص مدى جدية حديثه ليجده وقد شرع في تناول طعامه مرة أخرى مسلطاً بصره بالطبق من أمامه وكأن شيئاً لم يكن.
تغاضى عن ما حدث واستأنف تناول طعامه تحت نظرات إبراهيم الثاقبة المتفحصة والتي تلتقط وتراقب كل انفعالاته وتدرسها وتحللها بعين خبيرة بينما كان هو منشغلاً بالنظر إلى قاسم بمنتهى التحفز والانتباه.
أكيد غزل هي اللي عاملة الأكل ده!
قالها قاسم بابتسامة متسعة وهو ينظر إلى غزل التي ابتسمت بتوتر ولطف في آن واحد وقالت: الحقيقة مش أنا لوحدي، أنا وعمتو.
قال وهو لا يحيد ببصره عنها: واضح إن نفسك في الأكل هايل، لازم يحيي يعزمني في بيتكوا وآكل من إيديكي تاني.
زفر يحيي بضيق وألقى بالملعقة من بين يديه بحدة التفت لها الجميع فابتلعت غزل لعابها بقلق وهي ترى ملامح الغضب قد تسللت إلى محياه بوضوح.
كان إبراهيم يجلس صامتاً، ما عليه سوى أنه يراقب انفعالات الجميع من حوله بتريث وهدوء ولا يعقب!
اختلس قاسم النظر إلى يحيي ليجد عيناه وقد اتقدت وتجمرت بلهيب الغضب فعلم أنه أصاب الهدف بنجاح ولكن مهلاً؛ لا بد أن يثبت كفاءته فيما وكل إليه!
أخرج علبة سجائره الخاصة وقدمها نحو إبراهيم الذي أومأ نافياً وقال: لا النوع ده شديد على صدري، أنا معايا السجاير بتاعتي.
قدمها نحو يحيي الذي رفض بفظاظة قائلاً: مش عايز.
بدأ بتدخين السيجارة بصمت ثم تسائل قائلاً: فين زياد صح؟!
أجابت غزل تلقائياً ببراءة: زياد المدرسة بتاعته عاملين كامبينج وهو كان متحمس جداً إنه يشارك معاهم لأول مرة وكده.. فـ يحيي وافق إنه يروح معاهم، بقاله يومين أهو.
أومأ بابتسامة ثم قال: الأنشطة اللي من النوع ده مفيدة جداً لتعزيز ثقة الطفل بنفسه وبتعلمه إنه يتعود يكون انسان مسؤول كمان.
أومأت الأخري بتأكيد وقالت: دي حقيقة.
عمرك خيمتي قبل كده؟!
تسائل وهو ينظر إليها باهتمام فقالت: مرة واحدة أيام ثانوي، كان أسبوع في نويبع تبع المدرسة بتاعتي....
ونظرت إلى والدها وقالت بضحك: فاكر يا بابا أيامها لما كنت رافض إني أروح معاهم المخيم وفضلت أتحايل عليك أنا وعمتو؟!
أومأ ضاحكاً ثم قال: كنت حاسس إنك ولا اللي رايح الجيش.. مكنتش هوافق أبداً لولا قعدتي تعيطي وصعبتي عليا.
أضافت بحماس صادق وهي تسترجع ذكريات ذلك اليوم: ويومها اشتريتلي الصاعق المنحوس ده ومن وقتها ملازمني في الرايحة والجايه.
أومأ موافقاً وقال: كنت خايف عليكي...
ونظر إلى يحيي وقال: يومها هي جت الصبح تقوللي فريق من المدرسة رايحين يعملوا تخييم في نويبع وعايزة أجرب وأطلع معاهم.. في البداية كنت متردد وشبه موافق، جيتلك بالليل -كنا يوم خميس- بفتح mbc2 على فيلم السهرة لقيت الفيلم بتاع شوية العيال اللي راحوا يقضوا أسبوع في مخيم قال إيه في الغابة وماتوا واحد ورا التاني.. يومها أنا شيلت فيشة التلفزيون من هنا وجري على أوضتها من هنا قولتلها اصرفي نظر خالص.
كان يسرد ما حدث وسط نوبةٍ من الضحك تسيطر عليه لينفجر الجميع ضاحكاً ما عدا يحيي الذي اغتصب ابتسامةً على شفتيه وأومأ بوجه مقتضب وملامح متجهمة بدت واضحة وملفتة للكل.
اعتراه ضيق شديد وألمه به الغضب من كل حدب وصوب، فراح يهز قدميه بعصبية مفرطة كان يحاول إخفائها بكل ما أوتي من قوة فأخرج علبة السجائر خاصته وأشعل واحدة وبدأ بتدخينها بنهم وهو ينقل بصره بين قاسم وغزل بقوة.
أضاف قاسم جرعة أخرى من غلظتهِ وقال: هاا مكملتيش يا غزل....
ليقاطعه يحيي بحدة هادراً: هو مفيش في القعدة غير غزل ولا إيه؟!
ألقاها بحدة وصوت جهور ليقول قاسم متصنعاً التعجب: نعم؟! مش فاهم تقصد إيه؟!
نهض واقفاً بضيق وقال: مقصدش حاجة، عن إذنك يا عمي إبراهيم أنا هستأذن عشان الجو بدأ يبرد ونور عندها حساسية صدر.. لو خلصتوا قعدتكوا اتفضلوا أروحكوا..
قال إبراهيم بتفهم: لا يبني الله يصلح حالك، إحنا هنفضل شوية اتفضل انت من غير مطرود...
أومأ مقتضباً ونظر إلى غزل بحدة وعينان يفيض منهم الشر وتسائل: هتيجي معايا ولا هتخليكي؟!
قبل أن تنطق قال والدها: قومي مع جوزك يا غزل واستاذ قاسم هيوصلنا.
أومأت بهدوء ونهضت ليقف قاسم مبتسماً بسماجة ويقول وهو يمد يده إليها: مع السلامه يا غزل، ابقي خلينا نشوفك.
ضغط على أحرف اسمها متعمداً إثارة غيظ ذاك الذي كان على وشك الانفجار فأومأت غزل دون أن تتفوه وثافحت والدها وصافيه وانصرفت مع زوجها بصمت في طريقهم نحو السيارة.
استقلت السيارة برفقته وهي تصطك ببعضها من فرط الوجل، كانت تنتظر انفجاره وثورته بترقب وقلق ولكنَّه لم ينبس بكلمة واحدة.
بينما كانت تحمل نور على قدميها نظرت إليه وقالت: يا حرام، نور راحت في النوم قبل ما تاخد شاور.
سدد إليها نظرة واحدة كانت كافية لبث الرعب في نفسها مما جعلها تزدرد ريقها بتوتر وقد علمت بأن الليلة لن تمر مرور الكرام!
توقفت السيارة أمام المبنى لتتوقف معها نبضات قلبها وهي تستعد لاقتراب أجلها.
ترجل من السيارة بهدوء وفتح الباب المجاور لها ليلتقط نور من بين يديها ثم ابتعد لتنزل هي بدورها وهي تتلاشى نظراته الغاضبة التي تكاد تفتك بها ثم صعدت برفقته إلى بيتهما.
دلف إلى الشقة ودلفت بعده فذهب إلى غرفة نور ووضعها على فراشها ثم نظر إليها حيث كانت تقف على بعد خطوات منه وقال بنبرة متحفظة لا تنم عن الخير أبداً:
تعالـي!
قالها باقتضاب ودلف إلى غرفته فشعرت وكأن الأرض تميد بها، تقدمت من الغرفة ودلفت لتجده يدير ظهره إليها وقد بدأ بحل أزرار قميصه فقالت: محتاج حاجة؟! أنا هدخل آخد شاور وأنام، تصبح على خير.
ألقتهم تباعاً وهمت بالخروج من الغرفة ليستوقفها قائلاً: استني!
نظرت إليه باستفهام ليمد النظر إليها بغموض قبل أن يقترب منها بخطوات متزنة هادئة أزادت من وطأة قلقها وتوقف أمامها مباشرةً وقال: ممكن أفهم إيه اللي كان بيحصل من شوية ده؟!
هو إيه؟!
قطبت حاجبيها وتصنعت البلاهة ليقضم هو شفتيه وراح يجول بعيناه في جميع أنحاء الغرفة قبل أن ينظر إليها مجدداً ويقول: هو إيه؟! هو إنتي هتستعبطي ولا إيه؟!
عبس وصاح بعصبية مفرطة متسائلاً بصرامة بينما اضطربت هي وراحت تتلمس الخلاص من هذا المأزق بينما يحدق هو بها تحديق الموتى!
سيطر عليها الاضطراب الشديد فقالت: أستعبط إيه أنا مش فاهمة بجد هو في إيه؟! هو أنا عملت حاجة ضايقتك؟!
نفرت عروقه وقال بغضب: حاجة؟! حاجة واحدة؟! إنتي كل اللي عملتيه عك في عك أصلاً.. إنتي الظاهر ناسيه إنك متجوزة أساساً.
نظرت إليه بحيرة من أمره وقالت: لأ مش ناسيه إني متجوزة أكيد، بس ممكن أفهم إيه اللي عملته بالتحديد خلاك مضايق مني أوي كده.
مضايق؟! أنا مش طايقك أساساً دلوقتي.
ألقاها بغضب لتتسع عيناها بحزن وقالت: عادي يا يحيي وإيه الجديد؟! أنا هدخل أنام.. تصبح على خير.
تحركت إنشاً واحداً ليمسك بذراعها يمنعها من المغادرة وقال: رايحة فين؟! هو أنا مش بكلمك؟! ولا أنا مش مالي عينك؟!
يوووه يا يحيي في إيه بقا؟! هو تلاكيك وخلاص؟!
قالتها بنفاذ صبر وهي تنزع يدها من بين قبضته ثم نظرت إليه وانفجرت بغضب تقول: على فكرة أنا مش ناقصة تعب أعصاب ولا حرقة دم، لو هتقول بوضوح إيه اللي مضايقك هسمعك، مش هتتكلم يبقا سيبني أنام.
دلوقتي عايزة تنامي؟! تسائل بتهكم وأضاف: أومال من نص ساعة بس كنتي مفرفشة عالآخر وعمالة تضحكي وتهزري وتحكي ذكريات طفولتك كمان إنتي والهباب اللي اسمه قاسم ولا إنتي مراعية الخروف اللي قاعد ولا كإنك متجوزة أساساً.
ارتفع حاجباها بتعجب مصطنع وقالت: هو ده اللي مضايقك؟! أنا مستغرباك بصراحة.. فيها إيه لما اتكلمنا وضحكنا وهزرنا شوية، حضرتك لو لاحظت إحنا كنا قاعدين عالبحر مش قاعدين في meeting يعني الطبيعي واللي بيحصل في الأوقات اللي زي دي إن الناس تضحك وتهزر مع بعضها.. وبعدين هو إحنا كنا قاعدين نحب في بعض ما كنا بنتكلم كلام عادي جداً وقدامكوا كلكوا.
أشهر سبابته بوجهها وقال بتحذير: غزل اتكلمي كويس وخلي ليلتك تعدي على خير.
وأضاف بسخرية قائلاً: وبعدين إنتي ليه أصلاً تتكلمي معاه ولا تهزري؟! هو إنتي مليكيش راجل؟! ده أنا بسحب الكلمة منك بطلوع الروح.. نفسك اتفتحت للكلام ساعة ما جه هو بس!
نظرت إليه شزراً ولم تجب ليمسح وجهه بغضب وتمتم مستغفراً وقال: هتخليني أقول كلام ميتقال!! بقوللك إيه يا غزل ادخلي نامي، إنتي قلة الكلام معاكي أحسن.
هنا احتلت واغتاظت وعبست وزمرت لتنفجر به بحدة وقد فاض الكيل بها فقالت بدموع مختنقة: وبردو زي كل مرة، عالز انت اللي تتحكم في كل حاجة، انت اللي تبدأ الحوار وانت اللي تنهيه، وأنا عليا أسمعك وبس ولما تزهق من الكلام تقوللي قلة الكلام معاكي أحسن.
طالعها بصمت لتتابع قائلة: تعرف يا يحيي؟! كل حاجة قلتها معاكي أحسن مش الكلام بس، انت بتجبر نفسك عليا ليه ومستحملني ليه أنا مش عارفه!! انت مهما حاولت هتفشل يا يحيي، لا عارف تحبني ولا تفهمني ولا تسمعني ولا تشاركني حتى أي حاجة بحبها، وزيادة فوق كل ده عايزني اخرس خالص في وجودك وغيابك، ممنوع أتكلم مع حد ولا أهزر ولا أضحك بس عشان شكلك قدامه.
شكلي قدامه؟! هو ده اللي وصلك وفهمتيه؟!
تسائل بذهول لتتسائل هي بأمل: أومال انت قصدك إيه يا يحيي؟!
هم بقول شئ ما ليبتر كلماته ويقول: مش قصدي حاجة.
تراجعت آمالها وخابت ظنونها الحالمة ونظرت إليه بيأس وخذلان ثم طفقت عيناها تبكي من جديد بحسرة ونظرت إليه بثبات وقالت: طلقني يا يحيي!
فرغ فاه بصدمة وقال: إيه؟! اطلقك؟!
أيوة طلقني، اعمل فيا معروف وطلقني، طلقني عشان أنا تعبت، حاولت أكتر من مرة واتنازلت أكتر من مرة وفشلت، جيت على كرامتي عشانك واستحملت كتير وكله عالفااضي، طلقني عشان أنا لو فضلت معاك هموت بالبطئ وأنا مستاهلش كده.
كل ده جواكي مني يا غزل؟!
تسائل بذهول شديد فأومأت بقوة وقالت: إحنا عمرنا ما هنتلاقي ما طريق واحد يا يحيي، أنا في الشرق وانت في الغرب بالرغم من وجودنا في نفس المكان، انت عمرك ما هتحبني ولا هتحس بيا صدقني....
اقترب منها خطوةً وقال: إنتي مش فاهمة حاجة.....
تراجع عن تتمة حديثه لتكمل هي قائلة: طبيعي إني أبقى مش فاهمة، انت مش عايز تفهمني، مش عايز تتعب نفسك وتتكلم معايا...
مش عارف يا غزل..
قالها بقلة حيلة وأضاف: مش عارف أتكلم، أنا بطبعي بعرفش أتكلم، يمكن في قلبي كتير بس مش عارف أخرجه بالكلام...
ولا هتعرف.. لإنك مش عايز أساساً، متكدبش على نفسك يا يحيي انت مبتحاولش أصلاً عشان إذا كنت تنجح أو تفشل!! عارف ليه؟!
نظر إليها بإستفهام فقالت: عشان عمرك ما حبتني، ولا هتحبني.
ألقتها باقتضاب ثم قطعت المسافة بينهما وقالت وهي تنظر إلى داخل عينيه وتقول: انت لحد ما تموت هتفضل تحبها هي، أما أنا للأسف مهما أحاول كله عبث!!
أغلق عيناه بألم وضيق لتقول: ساكت ليه؟! كلامي غلط؟! قوللي و واجهني مش هزعل؟! صارحني باللي في قلبك؟! حاول تنكر حتى.. أو اثبتلي إنك بطلت تحبها!!
لم يجيبها ليحتد صوتها وقالت: ساكت ليه؟! هو أنا بكلم نفسي؟! انطق قول أي حاجة أنا تعبت!!
بقي يلتزم الصمت فقالت بإستسلام: أقوللك؟! خليك ساكت، أنا حتى مبقيتش عايزة اسمعك، أنا متنازلة عن حقي فيك يا يحيي وخلاص جه الوقت اللي لازم أعترف فيه إني حاولت وفشلت، سكوتك مش هيغير حاجة ولا كلامك حتى....
رفعت عيناها إلى عينيه وهي تلقي بنظراتها الأخيرة وكأنها الوداع ليقول: غزل أنا.....
صمت لبرهة فقالت: إنت إيه يا يحيي؟!
زفر مطولاً لتبتسم بسخرية على غبائها وتقدمت من الباب خطوتين لتجده وقد جذبها من ذراعها بغتةً وأحاط خصرها بكلتا يداه حتى كاد يعتصرها لينقض على شفتيها بهجومٍ عاتٍ وهو يضمها إليه بقوة مغمضاً عيناه وكإنه مغيباً عن الواقع الآن!!
كنتِ تريدين إثباتاً.. ها أنا أثبت لكِ!
كنتِ تبحثين عن تفسيراً.. ها أنا أقدمه إليكِ!
كنتِ تودين توضيحاً.. ها أنا أشرح لكِ بكل تمهل وتروي!
رفعها عن الأرض بحب وهو يقربها نحوه أكثر وكأنما يؤكد لها أنه لا يعشق سواها.
أحاطها بتملك وهو يبثها عشقه المكنون طويلاً بقلبه وقد أصبح كل شيئاً على مرأى ومسمع منها الآن فلا طاقة ولا حاجة له بأن يخفي عنها حبه بعد الآن.
أحاطت عنقه بيديها تتشبث به كما يتشبث الغريق بطوق نجاته وظلت موصدة العينين بخجل عذري تود الفرار من بين يديه ولكن عشقها بات أقوى!
فرق بين جفنيه ينظر إليها بعشق خالص ثم ابتعد قليلاً وقال وهو يسند جبينه على جبينها: أنا بحبك يا غزل!
فتحت عينيها على مصرعيهما ونظرت إليه بأعين دامعة فقال بتأكيد: بحبك والله العظيم.
انهمرت دموعها بكثرة فأضاف قائلاً: أنا آسف على كل حاجة خليتك تحسي بيها غصب عني، صدقيني أنا في كل مرة كنت ببقى عايز أعترفلك إني بحبك كنت بلاقي لساني اتعقد ومش عارف أتكلم، جايز مكنتش عايز أعترفلك بحبي غير لما اتأكد إني بطلت أحبها وخرجتها من جوايا الأول.. كنت متأكد إن واحدة في نضافتك وبراءتك تستاهل قلب مفيش فيه غيرها هي وبس، أنا كل ذرة فيا بقت مرهونة بيكي يا غزل.
ابتسمت باتساع بين دمعاتها واحتضنته بقوة ليطبق يداه عليها بشدة ورفعها عن الأرض مجدداً وتقدم بها نحو الفراش بهدوء وهو ينظر داخل عينيها بثبات.
اضطرب قلبها وازدادت خفقاته بقوة لما رأته يقرب منها أكثر يطلب منها المزيد.
كان يتودد إليها بقبلاته الحانية التي لم يكن بها سوى الحب فقط!
تارةً يقبلها وتارةً أخرى يغمرها بقوة وهو يزيد من برهنته لها بأن بعالمه لا يوجد سواها.. وبين التارتين يذوب قلبها ذوباناً!
أفصح لها عن كل مكنوناته وصرح لها بأنه بات متيماً بها، بالقول والفعل وكلاهما لم يكن كافياً بالنسبة له.
قبل عيناها واحدة تلو الأخرى ومنح جبينها قبلة عميقة وقال: إنتي أحلى حاجة حصلت في حياتي.
اهتز قلبها بين أضلعها وأحست بأن الإغماء سيداهمها حالاً ولكنَّه طمأن قلبها العاشق عندما ضمها إلى صدره بحنان وراح يفرق القبلات على وجهها بحب حتى بات الوصول إليها يسيراً وتهاوى الوصال بين قلبيهما معلنين بأنهما مرهونان ببعضهما إلى الأبد.
امتزجت نبضات قلبيهما وتوحدت أنفاسهما واختلطت رجفاتهما عندما أضحى المبتغى حقيقة ليبتعد بغتةً يحلق بها بدهشة جعلته يرتعش بعدم تصديق ونظر إليها وتمتم قائلاً وسط: إزاي؟!
زفرت بقوة خائرة ولم تجيب فقال: ده بجد؟!
أومأت بشبح ابتسامة زحف إلى شفتيها لتجده وقد اتسعت ابتسامته وازدادت اتساعاً حتى تحولت إلى ضحكات عالية وهو يعيد النظر إليها بسعادة وذهول في آن واحد وراح يغمغم قائلاً: أنا مش مصدق نفسي!! إنتي عملتي كده عشاني؟! للدرجة دي بتحبيني؟!
أومأت بابتسامة حانية ليحتضنها بقوة وهو يكاد يجزم أنه لم يشعر بمعنى للحب من قبل سوى الآن!!
والآن فقط..
استقر قلبها وقرت عيناها بما كانت تنتظر، احتضنته لا تود الابتعاد ثانية بعد الآن ليتشبث هو بها وهو يؤكد لها أنها لن ترى سوى كل حب ودفء من الآن فصاعداً ليبدأا ليلتهما سوياً وهو لا يزال يثبت ويبرهن ويوضح لها بأنها باتت تستحوذ على قلبه بالكامل ومن سواها؟! ❤️
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نعمة حسن
تسلّل الضوء ببطء إلى غرفتهم معلنًا عن بدء يومٍ جديد، وارتفع صوت زقزقة العصافير وكأنما تزف البشرى إليهم. وبينما كانت هي تغط في نومٍ عميق، كان هو ينظر إليها بحبٍ وعشقٍ خالص قد تملّكه وبات ظاهرًا عليه وبشدة.
بدأت تفيق من النوم رويدًا رويدًا، ليقترب هو منها أكثر ويضع يده فوق شعرها، وطفق يمسح عليه بحنو. ليجدها وقد فرّقت بين أهدابها ببطء، لتبتسم فور ما إن وقع بصرها عليه، فبادلها هو الابتسامة قائلًا:
"صباح الخير يا جميل، كل ده نوم؟!"
أومأت بابتسامة ولم تنطق، فقال:
"طيب يلا قومي الضهر خلاص هيأذن..."
انتفضت فجأة وقالت:
"الضهر؟! هو إحنا نمنا كل ده؟! ونور لسه نايمة؟! وبعدين إنت مش رايح الشغل؟!"
نهض بدوره وقال ضاحكًا:
"على مهلك بس، أولًا أنا صحيت وفطرت نور، وزياد جه وفطر وقاعدين سوا في أوضتهم. ثانيًا بقا أنا خدت إجازة يومين كمان عشان أفضالك يا جميل."
ابتسمت بلطف، فقال وهو يحتضن كفيها بين يديه:
"تعرفي إن النهارده صاحي نفسي مفتوحة كأني أول مرة أتجوّز بجد."
ازدادت ابتسامتها اتساعًا، فتابع:
"عايز أعمل حاجات كتير أوي، عندي حماس لكل حاجة جديدة... تعرفي؟!"
هزت رأسها باستفهام، فقال:
"أنا خلاص مش شايل في قلبي من حد، عايز أبدأ صفحة جديدة، حاسس إن ربنا رضاني بيكي عن كل حاجة عشان كده عايز أبدأ من جديد."
انتابها القلق حيال كلماته وقالت:
"تبدأ من جديد إزاي مش فاهمه؟!"
"لأ مش زي ما وصل لك، الموضوع ده منتهي بالنسبالي خلاص، اللي أقصدُه بالتحديد أبويـا."
انبسطت أساريرها بفرح وقالت:
"هتروحله؟!"
أومأ مؤكدًا ثم قال:
"هنروحله كلنا."
صفقت بيديها بحماس وقالت:
"أيوة كده أهو ده الكلام."
ابتسم لرؤية حماسها، ثم قال:
"بصي يستي، معاكي أسبوع استغليني فيه زي ما تحبي! أي حاجة عايزة تعمليها أنا معاكي فيها ومن غير ما تاخدي موافقتي كمان، أنا هنفذلك كل اللي تطلبيه."
نظرت إليه بابتسامةٍ عاشقة، فضمها إليه وقال:
"أنا عايز أعوضك عن كل حاجة يا غزل، إنتي استحملتي كتير عشاني وجه الوقت اللي تلاقي نتيجة صبرك عليا ده."
أنهى حديثه وطبع قبلةً عميقة فوق جبينها، ليجدها قد احتضنته بقوةٍ وقالت:
"أنا بحبك يا يحيي، بحبك وعندي استعداد أستنى وأصبر قد اللي استنيته مليون مرة، كفاية عليا إني معاك."
أمسك بوجهها وأهداها قبلةً استكان لها جسدها وانهزمت لأمر شفاهـه، فنهض من الفراش وحثها قائلًا:
"يلا عشان نلحق نجهز وننزل."
نهضت بحماس مماثل وبدأت بالاستعداد للذهاب إلى منزل العائلة بعد أن تناول الجميع طعام الإفطار وانصرفوا مغادرين.
~~~
كان "علي" قد فرغ للتو من صلاته، هرول إليه الصغير يحيي وجلس على قدمه، ليضمه الجد إليه بحب وبدأ بمداعبته، قبل أن يدلف عبدالقادر إلى الغرفة ملقيًا التحية ومن ثم جلس إلى جوار أبيه وقال:
"حرمًا يابا."
تهادى صوته بهدوء وقال:
"جمعًا يبني إن شاء الله."
حمحم عبدالقادر بترقب وأردف قائلًا:
"لسه مصمم تروح يابا؟!"
أومأ الأب بتأكيد وقال:
"أيوة هروح طبعًا، مالك قلقان كده ليه؟! إنت في حاجة مخبيها عليا ولا إيه؟"
"لأ أبدًا والله مفيش حاجة، أنا بس خايف يكون لسه شايل في قلبه ولا يقول لك كلمة تضايقك..."
قاطعه والده بحزم قائلًا:
"لأاا من الناحية دي اطمن، يحيي ابني وأنا عارفه كويس، حتى لو في قلبه إيه مجرد ما يلاقيني داخل عليه هيصفي في الحال ولا كأن حاجة حصلت."
ارتفع رنين جرس الباب، فقال عبدالقادر:
"ثواني يابا أفتح وأجيلك..."
كان يحيي يقف خلف الباب متأهبًا بشوق لرؤية والده، مع إحساس بالتوتر كان يشي بقلبه، قبل أن ينفرج الباب ويظهر يحيي وعائلته من خلفه، مما جعل عبدالقادر يصيح متعجبًا بفرحة:
"يحيي!!"
أسرع يحيي يحتضنه بقوة، فضمه أخيه إليه بسعادة وقال:
"نورت البيت يا يحيي..."
فور أن استمع "علي" إلى صوت يحيي وأولاده، هرول خارج الغرفة ليجده يتقدم منه بسرعة ويقبّل يديه، ثم احتضنه قائلًا:
"إزيك يابا وإزي صحتك؟"
انفرجت أساريره فرحًا واسترد عافيته بالكامل عندما رأى ابنه يتقدم منه مبتسمًا، ليفتح ذراعيه على مصرعيهما، يغمره باشتياقٍ بالغ ويربت على ظهره قائلًا:
"إزيك إنت يا يحيي، أنا بقيت كويس لما شوفتك."
هرع كلاً من زياد ونور يسرعان لاحتضان جدهما، ليحتضنهما وراح يشتم رائحتهما التي اشتاق إليها كثيرًا، قبل أن يتفاجأ بوجود غزل التي قالت:
"إزيك يا عمو علي؟"
نظر إليها بدهشة وفرحة في آنٍ واحد وقال:
"غزل؟!"
تقدمت منه واحتضنته، فضمها إليه قائلًا بعتاب:
"توّك ما افتكرتي عمك علي يا جبانة؟!"
زمّت شفتيها بأسف، فوضع يحيي يده فوق كتفها وضمه إليها قليلاً وقال:
"غزل كانت عايزة تيجي تشوفك من زمان يابا بس أنا اللي كنت متردد..."
نظر إليه أبيه بعتاب سرعان ما تحول إلى ابتسامة حانية وقال:
"خلاص مش مهم اللي فات، المهم إنك الحمد لله رجعت بيتك من تاني."
أومأ يحيي بتأييد ثم قال:
"وهنقعد معاك يومين بحالهم كمان."
فَرِح الأب وقال:
"تنوروا وتؤنسوا يبني والله، ده إن مشالتكوش الأرض أشيلكوا فوق دماغي."
قبّل يحيي رأس والده ثم قال:
"ربنا يخليك يابا ويديك الصحة... أومال فين زينب وسيف يا قدوره؟"
تشدّق عبدالقادر قائلًا:
"سيف بيذاكر وزينب هتنزل دلوقتي، أنا هطلع أبلغهم عشان ينزلوا يسلموا على غزل والعيال."
انصرف عبدالقادر، بينما همس "علي" إلى يحيي وقال:
"يُسر جت هنا من حوالي كم يوم."
تجهم وجه يحيي في الحال ونظر إليه وقال:
"كانت جاية عايزة إيه؟"
تنهد علي وأجابه:
"بتقول إن جوز أمها طردها ومكانتش لاقية مكان تبات فيه..."
"وبعدين؟"
"كانت عايزة تبات في الشقة اللي فوق! بس أنا قولتلها ميصحش وعطيتها قرشين ومشيتها."
أومأ يحيي وقال:
"خير ما فعلت يا حج، مع إنها متستاهلش حتى الفلوس اللي خدتها."
"معلش يبني كله عشان خاطر زياد ونور."
هز يحيي رأسه بتأييد وقال:
"أهو ده اللي مصبرني عليها إنها أمهم، لولا كده كان هيبقالي معاها تصرف تاني خالص."
نظر والده إلى غزل وأشار برأسه ثم همس متسائلًا:
"غزل عامله معاك إيه؟"
ألقى يحيي نظرةً خاطفة عليها ليجدها تبتسم إليه، فقال بصوتٍ تسمعه:
"عمك علي بيسألني عليكي... بيقول لي عاملة إيه معاك."
شاكسته فقالت:
"وقولتله إيه؟"
ابتسم بحب صادق ثم قال:
"قولتلها إنك روحي، وهدية من ربنا ليا."
تراقص قلبها فرحًا بين أضلاعها لغزله الصادق والصريح بها أمام والده، فابتسمت ابتسامة مشرقة، ليقول "علي" ممازحًا:
"سيدي يا سيدي، انفضلي يا ست غزل جوزك بقا بيقول شعر بسببك."
ابتسمت غزل بخجل والتزمت الصمت، قبل أن تدلف زينب إلى الغرفة التي يجلسون بها محدثةً ضجة كبيرة كعادتها، فقالت:
"وأنا أقول البيت نور ليه؟! أتاري أبو اليحي ومدامته هنا."
ضحكت غزل باتساع وقفت تصافحها بألفة، فقالت زينب:
"إيه ده يا بت يا غزولة الحلاوة دي.. هو الجواز بيحلي كده؟"
تداخل صوت يحيي قائلًا:
"لأ لو سمحتي أنا غزالتي حلوة من يومها..."
"بقاا كده؟! طب يلا يا غزال هانم نعمل الغدا سوا."
ذهبت غزل وزينب لإعداد الغداء، فقالت زينب:
"صافيه عاملة إيه يبت، يا سلام لو نتجمع تاني..."
لم يصل حديثها إلى مسامع غزل الشاردة بالمكان من حولها، تتذكر كيف كان الحال قبل عامين فقط وكيف أضحى اليوم!!
"سرحانة في إيه؟!"
تساءلت زينب، فقالت غزل بعدما تنهدت:
"فاكرة آخر مرة اتجمعنا فيها هنا يا زينب؟!"
"من سنتين بالظبط."
أومأت زينب بموافقة وقالت:
"كنا أول يوم رمضان لما يحيي عمل الحادثة."
هزت غزل رأسها بهدوء وقد أجفل قلبها لتلك الذكرى وقالت:
"كل حاجة اتغيرت، مين كان يصدق إني هتجوز يحيي في يوم من الأيام!"
غمزتها زينب وقالت:
"مفيش حاجة جاية في السكة يبت؟"
قطبت غزل حاجبيها بتعجب وقالت:
"حاجة زي إيه؟!"
لوت زينب شفتيها بتهكم وقالت:
"هتكون حاجة زي إيه يعني؟! أقصد محملتيش؟"
انتفض قلبها عندما استمعت إلى تلك الكلمة وشردت بعيدًا... هل لها أن تحمل بقطعةٍ منه؟ نسخه مصغرة منه!! يا الله!... لقد راقها ذلك الخاطر كثيرًا وأصبح قلبها شغوفًا به.
"بردو سرحت تاني؟!"
انتبهت غزل على صوت زينب، فقالت:
"تفتكري يحيي ممكن يكون مستعد لموضوع إننا نخلف ده دلوقتي؟"
قطبت زينب حاجبيها بتعجب وقالت:
"وإيه يا عين أمك اللي يخليه مش مستعد؟"
رفعت كتفيها بجهل وقالت:
"مش عارفه، بس يمكن هو مش من جواه مش حابب!"
"لأ يا حبيبتي يحيى بيحبك، والواحد لما بيحب مراته بيكون نفسه يخلف منها دستة عيال."
"مش عارفة بقا مفكرتش في الموضوع ده قبل كده."
"طيب يلا خلينا نخلص الأكل وبعدين نبقا نكمل كلامنا."
~~~~~
منذ عودتهم بالأمس، وهي تتلاشى رؤيته لأنها تعلم أنه سيتساءل عن ما حدث بالأمس.
خرجت من غرفتها تذهب نحو الشرفة، ليناديها قائلًا:
"صافيه، تعالي."
أصابها الوجل، فتقدمت منه وجلست أمامه وقالت:
"في حاجة يا إبراهيم؟"
نظر إليها بضيق وقال:
"بقا مش عارفه؟!"
"عارفة إيه؟"
قالتها بريبة، فقال:
"اللي حصل امبارح ده والبايخ اللي اسمه قاسم اللي اشترك معاكوا في التمثيلية الهبلة اللي عملتوها دي.. إوعوا تكونوا انتي ولا هي فاهمين إني قاعد كده زي الأطرش في الزفة ومش فاهم إيه اللي داير كويس أوي."
"لأ العفو يا خويا أنا مقولتش كده.. بس أصل..."
"أصل إيه وفصل إيه، أنا لولا عارف إن كل ده من تخطيطك الفاشل انتي وهي كنت هزأت قاسم ده وعرفته إنه ميصحش."
قالت صافيه بحنق:
"ليه بس يا إبراهيم ما الخطة نجحت وبقوا سمن على عسل الحمدلله.."
"تقصدي إيه؟"
تراجعت بحديثها وقالت:
"لأ مش قصدي حاجة يعني بس..."
"بس إيه؟! متتلاعبيش يا صافيه وتعالي دوغري.. هما كانوا متخانقين؟!"
"لأ أبداً هما كويسين، بس يعني يحيي زي ما انت عارف طبعه تقيل حبتين وإحنا كنا عاوزينه ياخد خطوة بقا..."
جحظت عيناه بذهول وتمتم بحزن قائلًا:
"طبعه تقيل؟! وانتوا كنتوا بتعملوا كل ده عشان تجبروه يتكلم ولا يصارحها بمشاعره؟! للدرجادي بنتي قبلت تهين كرامتها بالشكل ده؟!"
تنهدت صافيه وقالت:
"ومين بس قال إن كرامتها اتهانت ولا اتمست حتى..."
قاطعها هادرًا بغضب:
"أومال تسمي ده إيه؟! ولما هو مش معبرها ولا بيديها ريق حلو مكملة معاه ليه؟! تسيبه وبكره يجيلها سيد أبوه اللي يتمنى لها الرضا ترضي."
"بس بنتك مش عايزة غيره يا إبراهيم، هتعمل إيه بسيد أبوه وهي مبتحبوش!"
تساءلت بحدة مماثلة ليقول:
"وهي كده لما ترمي نفسها عليه هتبقى مرتاحة؟! إنتي مخك ضارب إنتي وهي باين عليكوا."
زفرت مطولًا ثم قالت:
"يا إبراهيم افهمني، مش عيب ولا حرام إن الواحدة تحاول مرة واتنين وتلاتة عشان بيتها وجوزها وخصوصاً لو بتحبه زي غزل كده، وبعدين يحيي يستاهل لإنه إنسان نضيف وبيتقي الله فيها، هو كل المشكلة إنه كان محتاج بس قرصة ودن صغيرة، إنذار، لفت نظر، كان عايز يحس بالحب اللي هو نفسه مكانش يعرف إنه جواه، وإحنا خلينا نتبه!"
ضحك بتهكم وقال:
"ويا ترى بقا اعترف لها بالحب الأفلاطوني اللي مكانش يعرف إنه جواه؟!"
"أيوة اعترف وبصم بالعشرة كمان، يا إبراهيم مش كل الرجالة زي بعض، في راجل واضح وفي راجل كتوم ومحتاج اللي يلفت نظره زي يحيى كده... وبعدين يعني هو مش المفروض الأب بينصح بنته إنها تستحمل وتعيش عشان خاطر بيتها ولا إنت غير الناس؟"
"لأ أنا معنديش الكلام ده، أنا أهم حاجة عندي كرامة بنتي واللي يمسها ميلزمنيش مدى الحياة."
ابتسمت صافيه لحديثه العاطفي وقالت وهي تربت على يده:
"متقلقش يا حبيبي كرامة بنتك متصانة صدقني، وهي مرتاحة ومبسوطة مع جوزها، يعني ما عليك سوى إنك تدعيلها ربنا يسعدهم ويألف بين قلوبهم."
"يااارب اللهم آمين... تعرفي؟!"
"نفسي أشيل عيالها أوي."
"يا حبيبي، ربنا يديك الصحة وطولة العمر وتشيل عيالها وعيال عيالها كمان."
"يااارب يا صافيه، عقبال ما أطمن عليكي إنتي كمان."
ابتسمت صافيه بهدوء وآثرت الصمت شاردة بخيالها بعيدًا.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
حلّ المساء وانصرف كُلا إلى غرفته، الأب بمضجعه الخاص، ونور وزياد بغرفة خاصة بهم، ويحيي وغزل بغرفة أخرى.
خرجت غزل من المغسّل لتجد يحيي يفتح النافذة ويقف خلفها يدخن سيجارةٍ، قبل أن يلقيها من النافذة ويغلقها، متقدمًا بخطوات ثابتة نحوها.
وقف أمامها مبتسمًا، ثم أمسك بالمنشفة وبدأ يجفف لها شعرها تحت وطأة تعجبها الشديد، طفق يصفف لها شعرها وهو يقف خلفها أمام المرآة وينظر لها بحبٍ خالص.
رآها تبتسم بسعادة، فمال يهدي وجنتها قبلةً شغوفة كان لها أشد الأثر في نفسها، ثم أمسك بيدها وأدارها له وقال:
"عنيكي فيها كلام، عايزة تقولي إيه؟"
التزمت الصمت قليلًا ثم قالت:
"بتحبني بجد يا يحيي؟"
مسح على ذراعيها بلطف وقال:
"تعرفي يا غزل؟!"
هزت رأسها بتساؤل ليقول:
"في حاجات كده ممكن تكون قدامنا من سنين وإحنا مش واخدين بالنا منها، وجودها وعدمها بيكون واحد، بس مبنحسش بقيمتها غير لما نجرب نخسرها أو نتحرم منها، وقتها بنحس بالخوف والضياع، ده بالظبط اللي حصل معايا... مكنتش حاسس إني بحبك أو بحبك بس الحب العادي، لكن أول ما لقيتك هتضيعي مني وقتها قلبي اتخلع من مكانه، اتأكدت إنك بالنسبة لي حتة من روحي، مقدرش أستغني عنك ولا يعدي يوم مشوفكيش فيه."
أثر قلبها بحديثه الحاني واحتضنها بقوة مردفًا:
"لما عرفتك بس ندمت على اللي راح من عمري من غيرك، بقيت أقول يا خسارة العمر اللي ضاع مع ناس غلط."
ضمته إليها بقوة لتجده بغتةً يحملها بين ذراعيه ويقول وهو يسير بها في الغرفة ذهابًا وجيئةً:
"ودلوقتي بقا يستي بفكر في موضوع شاغل بالي من امبارح."
ضحكت قائلة:
"موضوع إيه؟"
قال بجدية مصطنعة:
"ابدأ، بس بصراحة عمي إبراهيم صعبان عليا وبفكر أجيبله حفيد صغير كده يسلي بعد ما صافيه تتجوز!"
اضطرب قلبها بشدة ونظرت إليه تستشف مدى جدية حديثه، فقالت:
"إنت بتهزر ولا بتتكلم بجد؟"
"بهزر؟!"
تساءل حانقًا وأضاف:
"بصي المواضيع اللي زي دي بتبقى محتاجة مواجهة على طول، الكلام الكتير ده ملوش لازمة."
ابتسمت بخجل عندما فهمت مقصده، لتجده وقد أطفأ الضوء وقال:
"عايزك تطلعي ورقة وقلم وتسجلي اللحظة التاريخية دي، تسع شهور من تاريخ الساعة وتسلميني 'علي' الصغير."
______________________________
بعد مرور أسبوع...
كانت صافيه تستعد لزيارة غزل، قبل أن يرتفع رنين هاتفها معلنًا عن قدوم اتصال من "قاسم".
تلعثمت قليلًا ثم أمسكت بالهاتف وأجابت بهدوء قائلة:
"ألو؟"
"ألو، مساء الخير يا مدام صافيه."
"مساء النور يا أستاذ قاسم، إزي حضرتك؟"
"أنا كويس الحمدلله، بس لو نرفع التكليف هبقى أحسن."
ابتسمت بود وقالت:
"لأ ميصحش..."
قاطعها قائلًا:
"بصي قبل أي حاجة، أنا كنت حابب نتقابل ونتكلم معاكي شوية لو مش هيضايقك."
زمت شفتيها بحيرة وقالت:
"والله مش عارفة.. أصل إبراهيم طباعه صعبة شوية ومش عارفة إذا كان هيوافق ولا إيه!"
"من الناحية دي متقلقيش، أنا كلمته قبل ما أكلمك واستأذنت منه نتقابل في مكان عام وهو وافق، أينعم طلع عيني على ما اقتنع بس أهم حاجة المحصلة."
قطبت جبينها بتعجب وقالت:
"معقولة؟! وافق فعلاً؟!"
"أيوة وافق لما صارحته بالموضوع اللي عايز أكلمك فيه، أتمنى إنتي كمان توافقي."
تنهدت صعداء وقالت:
"تمام ماشي مفيش مشكلة، تحب نتقابل فين؟"
"أنا هاجيلك آخدك متشغليش بالك إنتي.. ربع ساعة وأكون عندك."
أنهت المكالمة بتعجب ثم بدأت بالاستعداد للخروج برفقته.
اصطحبها إلى مطعم خاص بالمأكولات البحرية والأسماك يدعى "إسكندرية ماريا".
دلفت إلى المطعم برفقته، لتجده يتطلع نحوه ثم قال:
"أول مرة أجي هنا بس واضح إن المكان جامد فعلًا زي ما بيحكوا عنه."
"إسكندرية ماريا من أحلى مطاعم السمك والسي فود في إسكندرية، جيت هنا كتير قبل كده أنا وإبراهيم وغزل، إبراهيم بيحب ييجي هنا عشان على معرفة بأصحاب المحل، أصحاب المحل صعايدة وناس ذوق جدًا.. وبالمناسبة كمان ليهم كافتيريا جنبنا هنا اسمها ست الحسن."
هز رأسه باهتمام وقال:
"ده إنتي مهتمة بقـا."
"يعني إلى حدٍ ما، أصل أنا من النوع اللي مبحبش التغيير كل شوية، لما برتاح لمكان بحب أروحه دايما، كذلك في معاملاتي مع البشر، مبحبش دايرة معارفي تبقى كبيرة أوي عشان مضطرش أتصادم مع ناس ملهاش لازمة."
وأكملت بسخرية:
"مع إني اكتشفت إني غلط يعني بس مع ذلك مش عارفة أتغير."
"شئتي أم أبيتي هاضطري تتعاملي مع ناس وتعرفي ناس، منهم الكويس ومنهم الوحش، ولو مجربتيش الوحش مش هتعرفي الحلو، عشان كده الاختلاط ضروري جدًا بس بقدر، يعني لا تفتحيها على البحري ولا تعيشي في أمؤم."
هزت رأسها بتأييد وقالت:
"مبقاش ييجي منه خلاص بقا، العمر فات وخلاص اللي كان كان، حتى مبقاش في فرصة نصلح الغلط اللي غلطناه."
تعجب نظرتها السوداوية وقال:
"ليه كده؟! إنتي لسه شابة وجميلة وقلبك كله حياة، عايزة تدفني نفسك بالحياة ليه؟"
زفرت مطولًا وقالت:
"تفتكر؟!"
أومأ بتأكيد وقال:
"أنا متأكد، صافيه أنا هكلمك بصراحة، أنا معجب بيكي جدًا وأكون أسعد واحد في الدنيا لو قبلتي تتجوزيني."
أصابها الذهول، بقيت ساكنة لا تقوى على الحراك، فأكمل قائلًا:
"أنا عارف إنك اتفاجئتي بس مش عايزك تتسرعي في ردك.. معاكي يوم اتنين شهر زي ما تحبي، فكري براحتك وردي عليا لما توصلي لقرار."
تورّدت وجنتيها خجلًا وكأنها مراهقة، وقالت بتلعثم:
"إن شاء الله، ياريت لو نمشي بقا عشان إبراهيم ميضايقش."
"ماشي زي ما تحبي، هحاسب ونمشي."
خرجت برفقته من المطعم، فنظر إليها مبتسمًا وقال بمحياه البشوش:
"أتمنى إنك متتسرعيش في الرد وتاخدي وقتك الكافـ..."
بتر كلمته عندما اصطدم بأحدهم، لينظر إليه ويقول:
"عفوًا."
بينما نظر الآخر إلى صافيه بذهول، فتمتمت هي بذهول مماثل وقالت:
"سليمان؟!!!"
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كانت تقف تكمل عملها بضجر وتأفف، تحاول إنجاز ما وُكل إليها من عمل قبل حلول الليل لتغادر سريعًا.
"يُسر، بيقول لك غسان بيه طلع لك القهوة أوضة المكتب."
أومأت بموافقة وعدلت هندامها سريعًا، ثم صعدت لغرفة مكتب ذلك المدعو غسان مالك الفيلا التي تعمل بها.
طرقت الباب ودلفت، لتجده يقبع خلف مكتبه بهدوء، فقال دون أن ينظر إليها:
"تعالي."
تقدمت بتوتر ووضعت فنجان القهوة فوق المكتب وقالت:
"تؤمر بحاجة تانية يا غسان بيه؟"
"اقعدي."
نطق بها غسان باقتضاب، فجلست على المقعد المقابل له. مرت أكثر من نصف ساعة وهو لا يزال يباشر عمله دون أن يوجه لها ولو كلمة واحدة، حتى زفرت بملل وقالت بصوتٍ حاد:
"حضرتك عايزني في حاجة ولا أمشي؟! بقالي نص ساعة قاعدة ومستنية تتكلم بس الظاهر إنك نسيت إني قاعدة."
أمسك بنظارته يخفضها عن عينيه، ثم نظر إليها بثبات وقال:
"تعرفي يحيي الهنداوي منين؟!!"
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نعمة حسن
تعرفي يحيي الهنداوي منين؟!
تسائل غسان قبل أن تتلهج شفتاها بلهجةٍ مرتابه وأضافت: ليه حضرتك هو في مشاكل بينكوا ولا حاجة؟!
أعاد سؤاله بحدة: أنا هنا اللي بسأل بس، تعرفي يحيي الهنداوي منين؟
طليقي، و معايا منه بنت و ولد.
إبتسم ساخراً وأردف وهو يشير إليها بسبابته مستنكراً: يحيـي الهنداااااوي، كان متجوزك إنتي!!؟؟
تغاضت عن إهانته الساخرة و أومأت بتأكيد وقالت: أيوة ، بس حضرتك بتسأل ليه؟! هو إنت ناوي تأذيه ولا حاجة؟!
عاد يطالع الأوراق من أمامه مجدداً وقال بهدوء: تعرفي تدخلي مكتب يحيي؟!
تعجبت وقالت: مكتبه في البيت؟! أكيد لأ أنا مش بروح هناك خالص.
لازم تروحي، إتصرفي و روحي ضروري، في ورق مناقصه مع يحيي لازم تجيبيهولي.
بس حضرتك دي مش حاجة سهلة هتخلص في يوم ولا اتنين، دي محتاجة تفكير و تخطيط بعقل...
قاطعها قائلاً: مفيش وقت! الورق لازم يجيلي النهارده أو بكرة بالكتير أوي، ولو حصل ليكي عندي مكافأة ٢٠٠ ألف جنيه.
هوي قلبها أرضاً عندما إستمعت إلي الرقم الذي ألقاه علي مسامعها ببساطة لتزدرد لعابها بتوتر وقالت: حااضر، بكرة الورق هيكون عندك.
أومأ موافقاً ثم قال: هستني، إمشي إنتي دلوقتي.
خرجت من المكتب بتخبط و حيرة، تفكر مليّاً في ما طلبه منها ذلك المدعو غسان، شيئاً ما يدفعها لتنفيذ ما أمرها به و شيئاً ما يجعلها تتراجع!
أنهت عملها سريعاً وعادت إلي الشقة التي تسكن بها برفقة إحدي الفتيات اللواتي يعملن برفقتها في الڤيلا.
بعد أن تناولت طعامها و بدلت ملابسها و دخلت إلي فراشها بدأت تفكر في عرض غسان والذي بدا صعباً للغاية.
تململت في فراشها كثيراً تحاول الوصول إلى مخرج ولكن دون فائدة إلي أن دخلت رفيقتها بالسكن إلي الغرفه.
مالك يا يُسر بتتبرمي في السرير كده ليه؟!
تسائلت فأجابتها يُسر: في حوار شاغل دماغي و مش عارفه أتصرف إزاي يا مريم.
جلست مريم إلي جوارها بالفراش وقالت بفضول: حوار إيه ده؟! إنتي عارفه أختك مفيش حاجة تعصي عليها أبداً، قوليلي بتفكري في إيه؟!
تنهدت يُسر بقلق وأردفت: بصي هحكيلك بإختصار بس حذاري الكلام ده يخرج برانا إحنا الاتنين انتي فاهمه؟
أومأت الأخرى بموافقة لتسرد يُسر قائلة: بصي يا ستي، غسان بيه النهارده قال لي إنه عايزني أجيب له ورق من بيت يحيي مقابل إنه يديني ٢٠٠ ألف جنيه.
جحظت عينا مريم وقالت: بتقولي كاام؟! طب و إنتي مترددة لسه بعد ما سمعتي الرقم ده؟!
زفرت يُسر وقالت: مش عارفة يا مريم أنا خايفة، مش هاين عليا أضر يحيي، و في نفس الوقت مش عارفة أضيع فرصة زي دي، المبلغ مغري بصراحة و أنا عايزة أبطل خدمة الڤيلا دي و أشوف حياتي.
قالت الأخري: طبعاً يا بنتي، متتردديش و خدي الفلوس إنتي أحق بيها، وبعدين يعني هو كان نفعك لما طلقك و خد منك عيالك و طردك شر طردة، متفكريش غير في نفسك يا ماما و كفاية حنيتك اللي مودياكي في داهية دي.
حسمت يُسر أمرها و هزت رأسها بموافقة وقالت: طب أتصرف إزاي، أجيب الورق إزاي و أنا مش هعرف أدخل البيت أصلاً.
راحت الأخري تدق بسبابتها فوق ذقنها بتفكير قليلاً ثم قالت: أنا أعرف.
ألقتها ببساطة فقالت يسر: تعرفي ازاي؟! قصدك إيه؟!
قوليلي بس مواعيد الشغل بتاعته إيه و سيبي الباقي عليا.. الموضوع مش صعب زي ما متهيألك، دي بخاخة بنج بخمسين جنيه تخلص المهمة.
إبتهجت يُسر وقالت: بجد مش عارفة أقول لك إيه يا مريم! إنتي أنقذتيني.
نظرت إليها مريم بخبث و أردفت: لا مهو كله بتمنه، أنا مش هعمل حاجة لله و للوطن يعني.
تجهم وجه يسر والتي نطقت قائلة: مش فاهمة تقصدي إيه؟
أقصد إن الفلوس هتقسم بينا النص بالنص.
إيه؟! عايزة تاخدي ١٠٠ ألف جنيه؟!
رفعت مريم كتفيها بعدم اكتراث ثم قالت: والله إحسبيها انتي و شوفي، انتي مش هتعملي حاجة، أنا اللي هعمل كل حاجة، هخطط و انفذ وانتي قاعدة مرتاحة و بعيد عن الصورة خالص.
لم يسعها سوي أن تخضع لرغبتها و توافق أملاً منها في تحقيق مرادها.
سليمان؟!!
دمدمت بها صافيه بدهشة بصوتٍ خفيض مرتعش لتجده يحدق بها بعينان يفيض منهما الشوق ثم توقف أمامهما وقال وهو ينظر إليها: إزيك يا صافيه؟!
اقشعر جسدها بريبةٍ ثم تجاهلت حديثه و همّت بالانصراف ليستوقفها ناطقاً بإسمها : صاافيه.. إستني!
حينئذٍ انسحب قاسم قائلاً: أنا هستني في العربية لحد ما تخلصوا كلامكوا.
غادر قاسم منصرفاً بينما اقترب سليمان من صافيه خطوةً لتقول هي بحدة: ابعد يا سليمان و قول عايز تقول إيه خليني أمشي.
ياااه يا صافيه، للدرجة دي مش طايقاني؟!
قالها بحزن لتنظر إليه شزراً و قالت: عايز إيه يا سليمان؟! لخص وهات من الآخر.
مين اللي معاكي ده؟!
تسائل بحنق ليرتفع حاجبها بمكر ثم قالت: يخصك في إيه؟! حاجة متهمكش بتسأل عليها ليه؟!
لم يجيبها فقالت: عالعموم ده خطيبي!
خطيبك؟!
نطقها بإستنكار شديد فأومأت بموافقة وقالت: أيوة خطيبي، عندك مانع؟!
انفجرت الدماء بوجهه غضباً وقال: أنا مش قادر أستوعب...
قاطعته بحدة وقالت: ليه مش قادر تستوعب؟! كنت مفكر إني هفضل العمر كله أبكي عليك؟! فوق لنفسك يا سليمان.. أنا رميت أيامك ورا ضهري و مبقيتش عايزة أفتكرها أساساً....
صافيـه أناااا.....
إنت إيه يا سليمان؟! أقول لك أنا إنت إيه؟! إنت أكتر إنسان ظالم أنا شوفته في حياتي، إنت بني آدم جاحد مبتحبش غير نفسك، ظلمتني و جيت عليا و في الآخر سمحت إني أتهان و صدقت كلامها اللي افترت عليا بيه و طلقتني!.. إنت خاين للعشره يا سليمان وأنا بحمد ربنا إني خلصت منك.
نظر إليها بإستجداء و قلبه يكاد ينفطر من شدة الندم فأكملت: كل واحد بياخد على قد نيته يا سليمان، و إنت خدت اللي تستحقه وزيادة، تعرف؟! أنا دعيت ربنا محدش فينا يموت قبل ما أقابلك وأقول لك كل اللي في نفسي و الحمد لله ربنا استجاب.
نظر إليها بحزن وتسائل متهكماً وقال: و قولتي اللي كان نفسك فيه يا صافيه؟!
أيوة، بس لسه كلمة أخيرة.
إيه هي؟!
أنا بكرهك يا سليمان.. بكرهك.
ألقتها بقوة وتركته و ذهبت لتستقل السيارة برفقة قاسم ثم انطلق بها في طريقهما بصمت لم يقطعه أياً منهما.
توقف بها أمام منزلها ففتحت باب السيارة و نزلت ثم دلفت مجدداً و أغلقت الباب وهي تنظر إليه وتقول: أنا موافقة.
نظر إليها بتعجب وقال: موافقة؟! بسرعة كده أخدتي قرار؟
أومأت بموافقة فقال: يا ترى مقابلتكوا دي هي اللي خليتك توافقي؟!
وتابع شارحاً: يعني.. أنا مش عايز الموضوع يكون مجرد انتقام لكبريائك أو عِند، أرجوكي فكري على مهلك أكيد إنتي مش في مود يسمح إنك تاخدي قرارات دلوقتي.
تجهم وجهها وقالت بحدة طفيفة: هو إنت شايفني عيلة صغيرة ولا إيه؟! لو عايزني أصرف نظر عن الموضوع ده قول لي على فكرة...
قاطعها قائلاً: لأ و على إيه الطيب أحسن، طالما قولتي موافقة يبقى أنا هاجي بكرة بإذن الله أكلم أخوكي وربنا يقدم اللي فيه الخير.
هزت رأسها بهدوء وقالت: بإذن الله، تصبح على خير.
ترجلت من السيارة و صعدت سريعاً إلي الشقة بينما غادر هو عائداً نحو منزله وهو يمنّي نفسه باقتراب تلك اللحظة التي لطالما انتظرها!
كانت غزل تقوم بالإستعداد للخروج برفقة يحيي، بدلت ثيابها و ساعدت نور و زياد في تبديل ملابسهما ليرتفع رنين هاتفها معلناً عن قدوم اتصال من يحيي فأجابت: ألو؟
أيوة يا غزولة، جاهزين؟
أيوة خلاص لبسنا أهو، ثواني و نازلين.
طيب أنا مستني تحت في العربية.. يلا.
ارتفع رنين جرس الباب فقالت وهي تتقدم من الباب تفتحه: خليك معايا لما أشوف مين!
فتحت الباب لتجد شابة حسناء تقف أمامها وقالت: منزل يحيي بيه الهنداوي؟!
أومأت غزل بتأكيد وقبل أن تتفوه بكلمة كانت قد سقطت أرضاً بفعل ذلك المخدر الذي قامت الفتاة برش أمام أنفها و دلفت إلى المنزل سريعاً و منه إلى غرفة المكتب حسب وصف يسر.
كانت المكالمة لا تزال مستمرة، غاب صوت غزل فجأة مما أثار قلق يحيي الذي كرر نداؤه باسمها كثيراً دون أن يصله رد، خرج من سيارته مسرعاً و صعد إلى شقته ثم فتح الباب و دلف ليجد غزل ملقاة أرضاً مغيبة عن الوعي فأسرع يرفعها عن الأرض ثم وضعها على الأريكة لينتبه إلى حركة خفيفة بداخل غرفة ا...
أسرع إلى غرفة زياد و نور ليجدهم فاقدين للوعي أيضاً مما جعله يفقد السيطرة على أعصابه.
وقف ساكناً دون حراك ينقل بصره بين أطفاله و غزل وهو لا يدرك ما يحدث فأسرع بإتجاه غرفة المكتب ليجد تلك المدعوة مريم تفتش بين أغراضه وهي تحمل حقيبةٍ من الجلد تضع بها كل الأوراق الموجودة على المكتب.
شحب وجهها و تسمرت بمكانها فور أن رأته يقف أمامها فألقت بالأوراق من بين يديها بذعر عندما تقدم منها بنظرات نارية وهو يقول: إنتي مين و إيه اللي دخلك هنا؟!
تراجعت للخلف بخوف و ذعر وقالت: أنا مليش دعوة، يُسر هي اللي قالت لي آجي و آخد الأوراق بتاعة المناقصه.
نظر إليها بصدمة وعدم تصديق ثم قال: يُسر؟! و يسر هتعمل إيه بورق زي ده؟!
تلجلجت بخوف وقالت: ممـ..مش عارفهه..
إقترب منها و أطبق على فكيها بيدهِ بقبضةٍ حديدية وقال بهمس أثار الرعب في نفسها: مش عارفة إزاي يعني؟! انطقي بدل ما أموتك هنا ومحدش يعرف عنك حاجة.
غسـان منصور...
قالتها بصوتٍ متحشرج ليبتعد للخلف مضيقاً عيناه بتفكير ثم قال: غسان منصور؟! ماله غسان زفت؟!
أومأت بموافقة وقالت: أنا و يسر بنشتغل عنده في الڤيلا، وهو عرف إنك كنت متجوزها فطلب منها إن هي اللي تجيب له ورق المناقصه من عندك من المكتب وهي قالت لي أجي اخده لإنها مش هتعرف تيجي...
نظر إليها بإحتقار وقال: تمام، إبقي خلي يسر تنفعك بقا و خلي غسان ينفعكوا انتوا الاتنين.
أخرج هاتفه وقام بالإتصال بالمحامي الخاص به و أبلغه بما حدث و طلب منه الحضور على الفور و من بعدها قام بإبلاغ الشرطة و إخطارهم بمحاولتها سرقة مستندات من مكتبه و التعدي على زوجته و أولاده و تخديرهم.
تم حبسها على ذمة التحقيق لمدة أربعة أيام و الأمر بإحضار يسر لما نُسب إليها من تهم حسب تصريحاتها.
بعد انتهاء التحقيق حكمت النيابة العامة بالحبس لمدة سنة على كلا من مريم و يُسر لاعتبارها شريكة لتحريضها على السرقة.
كانت يُسر تقف بداخل قفص الاتهام تذرف الدمعات بصمت قبل أن تنظر إلى يحيي وهو يهم بمغادرة قاعة المحكمة فصرخت باسمه تستجديه و تتوسل إليه.
ذهب إليها و وقف أمامها مباشرةً و راح يتطلع نحوها بأسف وقال: كل ده ليه؟! استفدتي إيه دلوقتي؟! مفكرتيش في عيالك؟! مفكرتيش في نفسك حتى ؟! أنا بإمكاني أتنازل و أخليكي تخرجي من هنا حالاً بس لأ يا يسر.. إنتي عملتي كتير و جه وقت السداد، لازم تدفعي التمن لعل وعسى تتعظي بعد كده وتعرفي إن آخرة الغلط غلط.
عشان خاطري يا يحيى.. طيب عشان خاطر عيالنا حتى!! يرضيك لو سألوا عني يقولوا لهم أمكم في السجن؟
و مفكرتيش في عيالك من الأول ليه؟! دلوقتي بس افتكرتيهم و شايلة هم هيقولوا لهم إيه! عالعموم اطمني عيالي محدش هيمسهم بكلمة، لا قريب ولا غريب.
ألقى بكلماته الصارمة الحادة و انصرف إلى الخارج ثم استقل سيارته عائداً نحو البيت بينما ظلت هي تنظر في أثره بندم على ما صنعت يداها.
بعد مرور شهر...
كانت تقف بالمطبخ تقوم بإعداد طعام الغداء لتتفاجأ بـ يحيي الذي تقدم منها وأحاط خصرها وهو يقف خلفها و يسند ذقنه إلى كتفها فنظرت إليه بابتسامة وقالت: حمدلله على السلامة.. طمني إيه الأخبار؟!
أهدي وجنتها قبلةً وقال: الحمدلله رست علينا أنا وقاسم.
ابتسمت بفرحة وقالت: طب الحمدلله، مبروك يا حبيبي.
الله يبارك فيكي، بقول لك يا غزل؟!
التفتت إليه باهتمام فقال: فاضية تيجي معايا النهارده مشوار ضروري؟
قطبت جبينها بتعجب وقالت: أيوة فاضية، بس هنروح فين؟
أومأ موافقاً وقال: بعدين هقول لك، خلصي بسرعة و نفوت على أبويا نسيب زياد و نور عنده و نروح.
طيب فهمني بس هنروح فين حتى أبقى عارفة ألبس إيه.
إلبسي حاجة بسيطة، مشوار أنا مأجله من زمان و ده وقته خلاص.
أوقف يحيي السيارة أمام باب منزل العائلة و ترجل من السيارة ثم استدار للجهة الأخرى وفتح الباب لتنزل غزل ومن بعدها الأطفال الذين أسرعوا يركضون إلى الداخل.
دلف يحيي و برفقته زوجته ليتجهم وجهه فور أن رأى آخر شخص كان يتوقع رؤيته الآن.
نهض سليمان من مقعده بتوتر وظل ينقل بصره بين أخيه و غزل ثم تهادى صوته خافتاً يقول: إزيك يا يحيي.
شعر يحيي أنه قد أصابه أحدهم بسهمٍ اخترق قلبه ولم يقو على النطق فقال والده: سليمان كان جاي يسلم عليا قبل ما يرجع مصر تاني يا يحيي.
أومأ يحيي موافقاً بهدوء وقال: بالسلامة إن شاء الله.
إزيك يا غزل!
قالها قاسم بابتسامة مترددة فقالت: الحمدلله يا عمو سليمان إنت عامل إيه؟
قاطع يحيي حوارهم المقتضب وقال: أنا هسيب زياد و نور معاك يا حج على ما أروح مشوار وأرجع.
أومأ الأب موافقاً ونظر إليهم بابتسامة وقال: ياا سلااام، دول يآنسوا و ينوروا حبايب جدو.
حينها برز صوت سليمان يقول: أنا همشي يابا، محتاج حاجة؟
ربت والده على كتفه وهو يطالعه بأسى لما آل إليه حاله وقال: عايزك طيب يبني، خلي بالك من نفسك.
انحنى يقبّل يديه ثم نظر إلى يحيى وتقدم منه خطوات وقال: عايز حاجة يا يحيي؟!
نظر إليه يحيي مطولاً بشرود وهو يشعر بأن لسانه قد عُقد ولم ينطق فأدار سليمان وجهه و همٌ بالانصراف ليمسك يحيي ذراعه بغتةً فالتفت إليه سليمان مجدداً ليقول يحيى بنبرة مرتعشة: خلي بالك من نفسك.
سرت رعشةً قويةً بجسده وهو ينظر إلى عينا أخيه و صغيرُه الذي طالما شبّ فوق ظهره ليحتضنه بقوة وقد طفق الدمع يسيل من عيناه عندما احتضنه يحيي بدورهِ مربتاً على كتفه وقال: توصل بالسلامه.
انصرف سليمان نادماً على ما بدر منه و على ما خسر وفرط متجهاً نحو القاهرة لكي يقضي بها أيامه وحيداً تاركاً خلفه عائلته وكل ما يملك مضطراً آسفاً.
وقف يحيي بسيارته أمام ذلك البيت المتهالك و ظل ينظر إليه وهو يسترجع سريعاً ذلك العام الذي قضاه به!
دق الباب و دقات قلبه كانت أشد وطأةً فنظرت إليه غزل وقالت: مالك يا يحيي متوتر ليه كده؟!
لم يجيبها بل ضغط على يدها بيده وكإنه يستمد منها قوته فإذا بالباب ينفرج لتظهر تلك السيدة العجوز من خلفه متهللة الأسارير عندما رأته يقف أمامها فقالت وهي تحتضنه: محمد، يا حبيبي يبني.
ضحك على ذلك الاسم الذي أطلقته عليه و ما زالت تناديه به واحتضنها بقوة مربتاً على ظهرها وقال: وحشتيني يا ست الكل.
أبعدته عنها قليلاً تتفحص ملامحه باشتياق وعادت تضمه إليها بحنان وقالت: شكلك اتغير أوي يا محمد، بس وشك لسه بشوش زي ما انت.
ابتسم باتساع و ربت على يدها بتقدير ونظر إلى غزل وقال: أعرفك، غزل مراتي.
نظرت إلى غزل ببهجة واحتضنتها وهي تقول: يا حبيبتي زي القمر... ادخلواا.. اومال فين عيالك يا محمد، معلش بقى أنا لساني خد على قولة محمد، يحيي ده بنساه.
إنتي تقولي اللي إنتي عايزاه.
قالها وهو يربت على كتفها وقال بحماس: اومال فين مصعب؟!
ثوانِ معدودة و انفرج الباب مرةً أخرى ليدلف مصعب والذي تفاجأ برؤية يحيي فهرول إليه حيث نهض يحيي واقفاً واستقبله بأيدي ممدودة على مصرعيها..
بادر يحيي بالحديث قائلاً: أنا عارف إني ندل، بس من يوم ما رجعت والدنيا ملخبطة معايا، أول ما الأمور استقرت قولت لازم آجي أطمن عليكوا.
ابتسم مصعب ببشاشة وقال: فيك الخير يا صاحبي والله، أنا روحت لك البيت أسأل عليك بعد ما رجعت بفترة قالوا لي إنك سبت البيت!
أومأ يحيي موافقاً وقال: فعلاً، أنا حالياً قاعد في بيت لوحدي.
مجبتش عيالك معاك ليه أشوفهم؟!
تسائلت والدة مصعب فقال يحيي: المرة الجاية بإذن الله أجيبهم يشوفوكي، المرة دي عالطاير بس كده...
قاطعته قائلة: لاا عالطاير إزاي و دي تيجي! إنتوا مش ماشيين إلا لما نتغدا، يلا يا مصعب قوم امسك قصادي دكر البط خلينا ندبحه وألحق أولع عليه.
لاا والله ما تتعبي نفسك، إحنا جايين نشوفكوا و ماشيين.
يادي العيبة!! بقا تيجي بعد الغيبة دي كلها و تمشي من غير ما تتغدى معانا؟! طب حتى عشان غزل تدوق طبيخي.
نظرت غزل إلى يحيي بابتسامة وقالت: خلاص بقى يا يحيي خلينا قاعدين شوية كمان.
رضخ يحيي لرغبتها و قضوا معظم النهار برفقتهم وسط جو ملئ بالألفة و الدفء حتى قرر الانصراف بمجرد حلول الليل.
طيب هنشوفك تاني إمتا؟!
تسائلت والدة مصعب بحزن فقال يحيي بعد أن قبّل رأسها: بإذن الله قريب، هبقى أطمن من مصعب عليكي و هتلاقيني بزورك أنا و زياد و نور في أقرب وقت.
ربنا يخليهوملك يا حبيبي و تفرح بيهم.
يااارب.. زي ما قولتلك يا مصعب هستناك تعدي عليا بكرة في الشركة وتستلم الشغل الجديد.
ودعه مصعب و والدته بعناقاً حاراً ثم انصرف و برفقته زوجته ليستقل كلاً منهما السيارة..
في طريقه شرد كثيراً وهو يسترجع ما حدث ذلك اليوم، فطوره برفقة أهله، سفره إلى القاهرة بمفرده، ولادة يحيي، حادث السيارة، عصابة سرقة الأعضاء و أخيراً إنقاذ مصعب له.
ظل يتطلع إلى الطريق من حوله و رغبةً شديدة في البكاء تتملك منه.
حتى رائحة الطرقات من حوله تحثه على الانهيار!
اضطرب و ثارت أعصابه حتى فقد السيطرة عليها، تسارعت نبضات قلبه و راحت تدق كمن يقرع طبول الحرب استعداداً للنزال، شرد و تخبط و أحس بالاختناق عندما رأى ذلك المفرق الذي اصطدمت به السيارة فمدّ أنامله يحرر ربطة عنقه و من بعدها انحنى ببصره يبحث عن محرمهِ بأنامل مرتعشة ليستمع إلى صراخ غزل والتي قالت: حـاااسب يا يحيـي!!!!!!
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نعمة حسن
حاسب يا يحيي!
صرخت بها غزل بخوف وعينان مذعورتان. لينتبه يحيي لتلك السيارة التي كادت أن تصطدم به لولا أن كبح فرامل السيارة بغتةً. ليتفاداه سائق السيارة الأخرى بعد أن أطلق مسبةً غاضبة.
انزوى يحيي إلى جانب الطريق مصطفاً بسيارته، وأسند رأسه إلى طارة القيادة يحاول جمع شتات عقله الذي يصرخ بألم من فرط التفكير.
يحيي...
نطقت بها غزل وهي تمد يدها تمسح على شعره بحنان وتابعت: مالك يا روحي؟
دون أن ينظر إليها، رفع رأسه عن الطارة وأدار محرك السيارة مرةً أخرى وهو يقول: أنا تعبان يا غزل، خلينا نرجع البيت على طول وأبقى أكلم قدورة يجيب نور وزياد.
انطلق عائداً نحو بيتهِ، وفور أن دلف إلى الشقة ذهب إلى غرفته على الفور وخلع حلّته واستبدلها بملبسٍ آخر مريح، ودخل إلى فراشه بصمت وهدوء.
تبعته غزل إلى الفراش فالتصقت به وأحاطت رأسه بيدها. ليضمها إليه بقوة دافناً رأسه بـ كَنَفِها وهو يقول: احضنيني يا غزل...
تعجبت طلبه ولكنها حتماً سَعِدت به فأزادت من ضمها إليه وقالت: مالك يا يحيي مزاجك وحش ليه؟!
شعرت بتنهيدته المثقّلة بالهموم، فنزلت إلى مستوى جسده وهي لا تزال تغمره بذراعيها حتى باتت عيناهما في مقابل بعضهما البعض.
نظر إليها بعمق وقال متسائلاً: هو أنا لو مكنتيش في حياتي كنت هعمل إيه؟
ابتسمت بهدوء فاستطرد قائلاً: بالرغم من كل اللي شفته ومررت بيه، بس ساعة ما ببص في وشك بقول الحمد لله. رُبّ ضارة نافعة. يعني لو مكنش حصل اللي حصل ده كله مكنتش هتجوزك. كنت هفضل عايش أوهب الحب لقلوب رخيصة...
اقتربت هي منه وقبّلته بحبٍ طاغٍ وأخبرته قائلة: طيب لما إنت تقول كده أنا أقول إيه؟ أنا كنت عايشة والسلام، مكنتش أتخيل أبداً إني أتجوزك. لحظة زي دي عمرها ما خطرت في بالي...
ابتسم لحديثها الذي يؤكد له بأنه لم يعشقه أحد بقدر ما عشقته هي. فمد أنامله يعبث بخصلاتها ويقول: مش ناويه تجيبيلي نونو بقا يا غزولة؟
خفق قلبها بشدة ليستطرد قائلاً: نفسي في حتة صغيرة منك أشوفها بتكبر قدامي وأعوضك فيها عن كل لحظة وكل دقيقة وكل ثانية فوتتها من غير ما أقول لك إني بحبك...
تساءلت لحاجةٍ في نفسها: إنت بتتكلم بلهفة كأنك مخلفتش قبل كده...
مش كده.. خلفت طبعاً واللي خلفتهم أغلى من نور عيني. نور وزياد هما أول فرحة في حياتي وعشانهم مستعد أديهم عيني ولا تكثر عليهم، بس بردو مش هينكر إني ملهوف عشان أخلف منك. أينعم عمري ما هفرق بينهم أبداً بس ابننا أو بنتنا هيبقالهم غلاوة خاصة، مش زيادة لكن من نوع خاص...
ابتسمت بحب وقالت: إشمعنى بقا؟!
عشان منك إنتي، هحبه عشان هو مني ومنك، هو الرابط بيننا. وياسلام بقا لو جت بنت وكانت شبهك...
هتعمل إيه؟!
هاكلها هي وأمهاا...
ارتفعت ضحكاتها ليباغتها مائلاً فوقها فقالت: إنت رايح فين؟!
أجاب ببساطة: هطفي النور.
رفعت حاجبها وقالت: طيب ما تطفيه من جمبك..
لا أصل الزرار اللي جمبي بعيد عنك..
مالو؟!
معلّـق..
***
في صباح اليوم التالي وبعد أن استعد يحيي للذهاب إلى عمله، قبّل كلاً من زياد ونور، ومن ثمّ التقط يد غزل مقبلاً إياها قائلاً: ادعيلي، اليوم كله شغل وحاسس إني مصدع من دلوقتي...
حبيبي ربنا معاك.. أنا هبقى أنزل أروح لعمتو، قاسم رايح لهم النهارده...
أومأ موافقاً وقال: ماشي وابقي طمنيني عملوا إيه؟!
مش هتيجي معاه؟
لأاا بلاش المرة دي بدل ما عمي إبراهيم يفتكرني جاي معاه واسطة ولا حاجة، خليها مرة تانية.
ماشي.. مع السلامة.
بعد أن انصرف إلى الخارج، بدأت بترتيب المنزل لتشعر فجأة بالدوار يهاجمها وكأن الأرض تميد بها. أمسكت رأسها بيدها وهي تحاول أن تستعيد توازنها، ثم سارت نحو الأريكة وتهاوت إليها...
سيطر عليها النعاس فجأةً وفشلت في مقاومته لتغط في النوم بمكانها. إلى أن مرت الساعات وأفاقت على يد زياد توكزها بلطف ويقول: غزل، أنا جعان..
انتفضت من نومها في الحال ونظرت إلى الساعة المعلّقة بالحائط أمامها فجحظت عيناها وقالت: إيه ده؟! أنا نمت كل ده؟! مصحتنيش ليه يا زياد بس أديني أهو معملتش أكل...
قال زياد حانقاً: منا يعني بقالي شوية كتير بصحي فيكي وإنتي مش راضية تقومي...
خلاص خلاص قمت أهو.. استني نص ساعة بس وهعمل الغدا...
عايز سمك فيليه زي اللي عملتيه امبارح...
قصدك زي اللي بعمله كل يوم، إنت يا ابني زهقت من السمك؟ في حاجات تانية ربنا خلقها بتتاكل برضو، دنتا معدتك اشتكت...
لأ مليش دعوة، اعمليلي سمك فيليه..
حاضر يا زياد حاضر، من عنيا يا حبيبي، وإنتي يا بسكوته عايزة إيه؟!
توجهت بحديثها لـ نور التي قالت: فيليه مع زياد...
رفعت كتفيها بإستسلام وقالت: زي ما تحبوا إنتوا حرين..
دَلفت إلى المطبخ وبدأت بتجهيز الطعام لتشعر فجأة بحاجتها للقيء. فأسرعت إلى المغسل وخرجت منه وهي تلهث بتعب وقد ملأها النفور والإشمئزاز كلما وصل لأنفها أيّاً من روائح الطعام..
غزل خلصتي بقاا، إحنا جعانين.
قالها زياد بنفاذ صبر وتأفف فقالت: اصبر بس يا زياد خمس دقايق وهجيب لكوا تاكلوا..
تحاملت على آلامها وإرهاقها وأخذت تعد لهم الطعام حتى فرغت فقدّمته إليهم وأسرعت مجدداً نحو المغسل تتقيأ مرة أخرى..
ارتفع رنين هاتف المنزل فأجاب زياد مسرعاً يقول: أيوة يا بابا.. إحنا بنتغدي.. لأ غزل في الحمام وتعبانة خاالص.. طيب استنى..
ناداها زياد قائلاً: غزل تعالي كلمي بابا...
بعد دقائق اتجهت غزل لمحادثة يحيي والذي قال بلهفة: في إيه يا غزل تعبانة مالك؟!
سحبت شهيقاً طويلاً ملأت بهِ رئتيها ثم قالت: مفيش أنا كويسة، تقريباً خدت برد في معدتي.
أجيبلك الدكتور وآجي طيب؟
لاالا أنا بقيت كويسة، هعمل حاجة دافية أشربها وهبقى تمام.
طيب ارتاحي وأنا شوية وجاي.. لو حسيتي إنك تعبانة كلميني فوراً.
تمام ماشي، يلا سلام.
أنهى يحيي الاتصال وهو لا يزال شارداً يفكر بتعبها المفاجئ. حاول كثيراً التركيز بعمله ولكن دون جدوى فعاد مسرعاً إلى البيت..
دلف إلى البيت فأسرعت نور نحوه فحملها وهو يتحدث إلى زياد قائلاً: فين غزل يا زياد؟
غزل في الحمام برضه يا بابا، تعبانة خالص...
أسرع إلى الخلا ليجدها تسند رأسها إلى صنبور المياه أمامها بتعب وإعياء فربت على ظهرها قائلاً: إنتي لسه تعبانة يا غزل؟
نظرت إليه واحتضنته بشدة وقالت: يحيي كويس إنك جيت، أنا تعبانة جداً ومش قادرة أرفع راسي حاسة إنها أتقل من جسمي.
مسح على ذراعيها بحنوٍ بالغ وأردف بحسم: تعالي عشان تغيري ونروح للدكتور. يلا.
اصطحب أولاده إلى منزل جدهم ومن بعدها ذهب إلى طبيب باطني ليفحصها فأخبره بالتوجه إلى طبيب نساء ففعل....
كانت تتمدد على سرير الفحص وإلى جانبها يقف يحيي الذي يؤرقه خوفه عليها. فقال حانقاً: حضرتك بقالك ربع ساعة عمال تجيب البتاعة دي يمين وشمال ومقولتش مالها يا دكتور!
نظر إليه الطبيب بإستهجان ثم قال: أستاذ يحيي، اتفضل ارتاح.
أشار له الطبيب ليجلس على مقعده فأتجه نحوه بنزق قبل أن ينتفض عندما استمع إلى ما أخبر به الطبيب زوجته: ألف مبروك يا مدام غزل، إنتي حامل في ٣ أسابيع.
اتجه يحيي نحوها مندهشاً وقال: جد يا دكتور؟! حامل بجد؟!
أومأ الطبيب بتأكيد وهو يشير بذلك الجهاز الطبي المعروف بالسونار قائلاً: النقطة السودا دي هي الجنين، هو حالياً لسه في بداية طور النمو وأهم حاجة الغذا الكويس والسوايل الكتير. هنمتنع عن مواظبة الكافيين والمنبهات وعن التدخين نهائي لو بندخن وهنواظب على مكملات الحديد والكالسيوم عشان الجنين ينمو نمو سليم بإذن الله.
نهض الطبيب عن مقعده بجانب سرير الفحص ثم اتجه لمقعده الذي يقبع خلف مكتبه وبدأ بتدوين الأدوية اللازمة وهو يقول: أهم حاجة الراحة التامة يا مدام غزل، ونبعد عن أي ضغط نفسي الفترة دي. وحاجة أهم.. الرسول عليه الصلاة والسلام قال "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان" يعني يفضل منقولش دلوقتي عشان ربنا يكرمنا إن شاء الله.
أومأت غزل بتفهم وابتسامتها تعبر عن مدى سعادتها فتابع قائلاً: بإذن الله هشوفك بعد أسبوعين، ألف مبروك.
صافحه يحيي ونهض ممسكاً بيد غزل وانصرفا للخارج وهو يرمقها بابتسامة صامتة. حتى استقل كلاهما السيارة فجذبها إليه يحتضنها بقوة مقبلاً جانب رأسها ثم قال: مبروك يا روحي ربنا يتمملك على خير.
احتضنته بفرحة مماثلة وقالت: أنا مش مصدقة نفسي يا يحيي، ده إحنا كنا لسه امبارح بنتكلم....
زم شفتيه قائلاً: امبارح بالليل... أهو أنا لو كنت أعرف إنك حامل امبارح بالليل...
هز رأسه بأسف مصطنع فقالت: كنت هتعمل إيه؟!
رفع كتفيه ضاحكاً وقال: مكنتش هعمل حاجة خالص.
فهمت ما يرنو إليه فضحكت بشدة وهي تخرج هاتفها وتقوم بالاتصال بـ صافيه التي أجابتها على الفور: أيوة يا غزل، مجيتيش ليه أنا بستناكو...
عمتو أنا حامل...
قالتها غزل بابتسامة متسعة فقالت صافيه بفرحة صارخة: بجد؟! مبروك يا روح قلبي ألف مبروك، ربنا يكملك على خير يا حبيبتي، عرفتي إمتا؟!
لسه خارجين من عند الدكتور دلوقتي حالاً وقولت أعرفك عشان تفرحي بابا.
مبروك يا غزل ألف مبروك يا حبيبتي ربنا يكملك على خير يا رب، ارتاحي إنتي أهم حاجة لحد ما أجيلك بكرة.
إن شاء الله، هبقى أكلمك بعدين أشوف عملتوا إيه.
أنهت الاتصال بحماس لتجد يحيي يطالعها وهو يهز رأسه يائساً فقالت: مالك يا يحيى بتبص لي كده ليه؟
ببص لك ليه؟! ده على أساس إننا مش لسه خارجين من عند الدكتور وقال استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان ومتقولوش لحد.. هو ده الكتمان بتاعك؟
يووه يا يحيي وهي عمتو غريبة؟!
مش الفكرة، بس كنتي اصبري حتى كمان أسبوعين لحد ما نروح له المرة الجاية، مستعجلة على إيه؟
لوحت بيدها بعدم اكتراث وأردفت: مش مهم بقا يا يحيي هبقى أقوللها متقولش لحد.
أومأ موافقاً واتجه نحو منزل والده لإصطحاب أطفاله. وبينما كان جالساً برفقة والده سأله باهتمام: الدكتور طمنكوا يا يحيي؟!
أومأ يحيي مبتسماً وقال: الحمد لله يا حج، غزل حامل.
تهللت أساريره وانبسط فرحاً وراح يتمتم: اللهم صل على النبي، ربنا يقومها بالسلامة يبني ويتربوا في عزك وتفرح بيهم.
ربت يحيي على كتفه وقال: في حياتك يا حج إن شاء الله.
همست غزل إليه قائلة: وبتعتب عليا؟! ده على أساس إننا مش لسه خارجين من عند الدكتور وقال استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان ومتقولوش لحد.. هو ده الكتمان بتاعِك؟!
ضحك قائلاً: ميهمش يا غزل يعني هو أبويا غريب؟! وبعدين بترديهالي يعني؟!
اتسعت ابتسامتها فضحك هو عليها قبل أن ينهض مستعداً وهو يقول: إحنا هنستأذن بقا يابا.. ابق سلم على قدوره وعياله.
طب ما تسيب العيال معايا عشان غزل ترتاح اليومين دول.
برز صوت غزل تقول: لا يا عمي أنا مقدرش أستغنى عنهم وبعدين هما مش متعبين أبداً ماشاء الله، دول حبايبي.
ربنا يراضيكي يبنتي ويقومك بالسلامة.
صافح الجد أحفاده متخذاً منهم وعداً باللقاء عما قريب، ومن ثمّ انصرف الجميع مغادرين إلى بيتهم.
***
تأهبت صافيه بحماس استعداداً لاستقبال قاسم، اختارت مظهراً كلاسيكياً بسيطاً لائمها كثيراً وأضفى إليها سحراً خاصاً...
ارتفع رنين جرس الباب فخرج إبراهيم ليستقبله قائلاً: أهلاً وسهلاً يا أستاذ قاسم، اتفضل.
دلف قاسم متنحنحاً بحرج ووضع ما كان يحمل من حقائب على الطاولة المستديرة المجاورة لباب الشقة فقال إبراهيم: تاعب نفسك ليه بس؟! مكانلوش لزوم كل ده؟!
لا أبداً مفيش تعب ولا حاجة دي حاجة بسيطة.
أشار له إبراهيم بالجلوس وهو يجلس قائلاً: اتفضل اقعد.
فتح قاسم الزر الأوسط من سترة بدلته وجلس بتهذيب فقال إبراهيم: نورتنا والله.
ابتسم قاسم بلطف وبداخله تتقلب الأفاعيل وكأنه ولأول مرة يتقدم لخطبة إحداهن فقال: البيت منور بأهله يا أستاذ إبراهيم، أنا هدخل في الموضوع مباشرة حفاظاً على وقت حضرتك ووقتي..
أومأ إبراهيم موافقاً ببشاشة وقال: اتفضل.
حمْحَمَ قاسم بحزم وقال: أنا طالب إيد صافيه أخت حضرتك.. أكيد حضرتك عرفت منها إني جاي عشان كده وأنا سبق ووضحت موقفي ليك قبل كده وأكيد حضرتك اتخذت قرار واضح يعني...
أومأ إبراهيم مبتسماً وقال: شوف يا أستاذ قاسم، أنا برتاح أوي للراجل الدوغري ولما إنك جيت معايا دوغري فأنا كمان هاجيلك دوغري...
هز قاسم رأسه وقال: اتفضل..
برز حينها صوت إبراهيم منادياً: ياا صافيه...
دقيقة واحدة وخرجت صافيه التي بدت لطيفة كعادتها في كل مرةٍ يراها فيها. فانحنت لتضع آنية ذهبية أنيقة فوقها فنجالين من القهوة وبعدها صافحت قاسم بوقار فقال إبراهيم: اتفضلي يا صافيه اقعدي..
تعجبت طلبه الغير متوقع ولكنها جلست على كل حال فقال هو: أستاذ قاسم طالب إيدك، وأنا شايف إنك الوحيدة اللي ليها حرية الاختيار في الموضوع ده والرأي رأيك...
برز صوتها المنمق تقول: العفو يا إبراهيم، اللي تشوفه إنت..
قاطعها بهدوء وقال: أنا عن نفسي معنديش مانع، أستاذ قاسم راجل واضح وصريح واللي أعرفه عنه إنه إنسان محترم بشهادة الجميع. حتى لو ليا تحفظ على أي حاجة تانية بس ده ميدنيش الأولوية في إني أقول رأيي، إنتي إنسانة ناضجة وعاقلة وأنا واثق في حكمتك وعارف إنك بتقدرى توزني الأمور كويس ولا يمكن تختاري على أسس واهية، لذلك أنا بقول لك القرار قرارك إنتي..
نظر قاسم إليهم بتقديرٍ جم لما رآه بهما من تقدير واحترام لبعضهما البعض وازداد إعجابه بـ صافيه عندما استمع لإثناء أخيه على رجاحة عقلها وحسن تدبيرها للأمور.
فركت صافيه يديها ببعضهما البعض بتوتر لم ينمح عنها وقالت: وأنا موافقة.
على بركة الله.
تمتم بها إبراهيم مبتسماً فقال قاسم بسعادة: الحمد لله، حيث كده بقا فأنا عايز نعمل الخطوبة وكتب الكتاب مرة واحدة وبعدها بإذن الله نسافر أي مكان صافيه تختاره نقضي يومين هناك ونرجع...
والله الجاي ده بقا بتاعكوا أنا شخصياً مليش علاقة.....
هكذا أعطى لهم إبراهيم مطلق الحرية في اختيار ما يخص حياتهم المستقبلية ثم أضاف قائلاً: شوف يا أستاذ قاسم الوقت اللي يناسبك امتى وإحنا مستعدين إن شاء الله.
خلاص بإذن الله الخميس الجاي نعمل حفلة خطوبة ونكتب الكتاب وتاني يوم نسافر بإذن الله.
على خيرة الله.. ربنا يتمم عليكوا بخير.
بعد أن انصرف قاسم هنأ إبراهيم أخته محتضناً إياها ثم قال: هتتجوزي يا صفصف؟! هتسيبيني لوحدي خلاص؟!
ربتت صافيه على ظهره وقالت: لوحدك ليه يا حبيبي بعد الشر عليك من الوحدة، كلها تسع شهور بإذن الله وابن غزل ولا بنتها ينوروا الدنيا ويملوا عليك حياتك..
أبعدها عنه قليلاً ثم قال: بتقولي إيه؟! بتتكلمي بجد؟!
أومأت بابتسامة وقالت: غزل حامل ماشاء الله، كلمتني من شوية وقالت لي إنها لسه راجعة من عند الدكتور وقال لها إنه حامل.. مبروك يا هيما هتبقى جدو صغنن..
راقت له اللقب كثيراً وراح يتمتم بسرور: جدو؟! الله.. أنا فرحان أوي يا صافيه..
ربنا يفرحك بقومتها بالسلامة إن شاء الله وعقبال ما تشيل ولاد ولادها كمان.
تمتم مؤمّناً وقال: آمين يا رب، ربنا يراضيكي يا صافيه ويجبر بخاطرك.
ياارب يا حبيبي، هروح أنا بقا أغير هدومي وأحضر لك العشا.
انصرفت صافيه بينما بقي هو يتخيل تلك اللحظة التي سيصبح فيها جداً و لكم راق له ذلك الخاطر.
***
أتى اليوم الموعود سريعاً وحضر حفل خطبة صافيه وقاسم عدداً لا بأس به من الأهل والأصدقاء..
اجتمع الكل بمنزل إبراهيم الذي تزين بالبهجة والسرور واستقبل بـ كَنَفِه التهاني والتبريكات وعالت بجوانبه أصوات الزغاريد والضحكات العالية.
طلّت صافيه عليهم بثوبٍ حريري من اللون الأبيض اللؤلؤي وزينت وجهها بزينةٍ خفيفة حيث نأت عن مظاهر البهرجة والمبالغة فـ بدت مشرقة وجذابة أكثر...
التف الجميع حولهم.. غزل ويحيي، زينب والتي أصرت على الحضور لتهنئة أختها الغالية، البعض من أصدقاء قاسم وقليل من الجيران.
بدا قاسم جذاباً للغاية، ملبسهُ المنمق، ابتسامته البشوشة، شعره الأشيب صاحب الحضور الطاغي وعطره المميز الذي منحه وقاراً لاق بهِ كثيراً.
انتهت مراسم عقد القران لتبدأ بعدها وصلة الاحتفال المميزة القصيرة والتي شارك بها كل الحضور وسط جو ملئ بالألفة والبهجة والسعادة الصادقة.
كان يحيي يحيط خصر زوجته بكلتا يديه وهو يقف خلفها مبتسماً لرؤية الجميع من حوله سعيداً مسروراً فهمس إلى غزل قائلاً: إيه يا غزول مش هنروح بقا؟!
دون أن تنظر إليه أجابت: مستعجل على إيه يا يحيي لسه السهرة في أولها...
همس بأذنها قائلاً: يا عمي يلا خلي كل واحد يشوف نفسه..
ما كل الناس قاعدة أهي إشمعنا إحنا اللي هنمشي.. وبعدين نور راحت مع جدها هي وزياد، قلقان ليه بقاا؟
عيبك الوحيد إن فهمك بطيء، يبنتي يلا خلي الليلة دي تتفض قاسم عمال يغمزني عايز يروح...
وقاسم مستعجل ليه ما يصبر شوية..
أقول لها إيه دي ياربي، عايز يدخل يا غزل هيكون عايز إيه يعني...
قاطعته بنظرةٍ حادة وقالت: إيه الوقاحة دي؟! خلاص اسكت.
ارتفع جانب فمه بحنق وقال: وقاحة؟! طب إيه رأيك بقا إني أنا كمان......
كممت فمه بيدها وقالت: خلاص يا يحيي، خلاص يا بابا هنمشي حاضر.. ثواني أقول لبابا إننا ماشيين.
قبل أن تتجه غزل نحو والدها كان هو قد سبقها ليقول: واقفة ليه يا حبيبة أبوكي، تعالي اقعدي أنا جبت لك طبق جاتو بالشيكولاتة زي ما بتحبي...
أمسك والدها بيدها يحثها على السير برفقته بينما أمسك يحيي بيدها الأخرى وهو يقول: لأ معلش يا عمي إحنا هنمشي بقاا لإن الوقت اتأخر...
وقت إيه اللي اتأخر يبني ده العشا يدوب أذن من حبه..
معلش بقا أصل غزل تعبت من الوقفة وعايزة ترتاح..
مالك يا حبيبتي، لو تعبانة ادخلي ريحي في اوضتك شوية على ما تخلصي طبقك...
وجه حديثه لابنته بينما أجاب يحيي بدلاً منها وقال: لا معلش هي أصلاً مش حابة الشيكولاتة اليومين دول، هنمشي بقا عشان ترتاح...
والله يبني اللي يريحكوا.. مش عارف أقول لك إيه.. اتفضلي يبنتي مع جوزك.
نظرت إليهم غزل واحداً تلو الآخر وقالت: إنتوا بتتعازموا على إيه؟! ثم نظرت إلى يحيي وقالت: أنا هفضل مع بابا النهارده يا يحيي!
ارتفع حاجبه بضيق ولم يعقب فقال والدها: لا يا حبيبتي روحي بيتك وابقي تعالي مرة تانية.
لأ هفضل معاك.
جادلته فبادله الجدال قائلاً: لا روحي مع جوزك قولت لك أنا مش عايز يفضل معايا.. يلا يا يحيي خد مراتك واتكل على الله.
ظهر الضيق جلياً على وجهها فصافحت العروسين على الفور وانصرفت برفقة زوجها عائدين إلى البيت...
دَلفت إلى شقتها بغضب ونظرت إلى يحيي بوجه عابس وقالت: إنت إنسان أناني على فكرة.
نظر إليها بتعجب وقال بضيق أشد: أناني؟! وإنتي بياعة.. كنتي عايزة تسيبيني لوحدي وتفضلي مع أبوكي؟!..
والله لما أسيبك ليلة لوحدك مش هيجري حاجة، بس بابا حبيبي اللي هينام لوحده لأول مرة في حياته، مشوفتوش كان بيبص لي وعينيه متعلقة بيا إزاي؟
وأنا يعني كنت نطقت، ماهو اللي قال مش عايز حد يفضل معاه...
مهو قال كده عشان شافك قلبت وشك وبوزك بقا شبرين فحب يجيبها من عنده عشان منتخانقش بسببه..
قلبت وشي؟!! ما تتكلمي كويس....
قالها وهو يشهر سبابته بوجهها بتحذير فابتلعت المسافة بينهما ووقفت أمامه مباشرةً وقالت بتحدٍ: ولو متكلمتش كويس يا يحيي هتعمل إيه يعني؟!
باغتها باعتصارها بين أحضانه وسلبها أنفاسها بقبلةٍ ضارية بينما يديه تعتصر جسدها حتى كاد يزهق روحها. وحملها بحرص راكضاً بها نحو غرفتهما صافقاً الباب خلفه بقدمه وراح يخبرها ماذا سيفعل إن لم تتوقف...
***
دلفت صافيه إلى عشها الجديد برفقة قاسم. رمشت بعينيها عدة مرات قبل أن تفتحهما لتطالعها ردْهة منزل واسعة وكأنها قد انتقلت إلى قصر من قصور الخيال. ارتسمت ابتسامة إعجاب على شفتيها وابتعدت عنه وهي تتجول في الردْهة بعينيها بين لوحات طبيعية تسر العين وآيات قرآنية تريح القلب. قطبت وهي تشعر بقدمها تغوص للأسفل كلما سارت لتنظر أسفل منها فتفاجأ بسجاد أعجمي وثير تكاد قدماها تختفي بداخله. رفعت عيناها تنظر إلى قاسم الذي يقف إلى جانبها مبتسماً بحنان فقالت: بسم الله ما شاء الله البيت جميل جدًا وذوقه حلو.
أردف بإبتسامة: ذوقي.
ذوقك حلو جدااا.
أردفت بتأكيد ليفاجئها إذ حملها بين ذراعيه ليجد وجنتيها قد تخضبت بدماء الخجل فقال بإبتسامة: تعرفي؟! أخوكي إبراهيم قال عني تلت حاجات في محلهم...
إيه هما؟!
تسائلت بخجل فقال: إني واضح وصريح ومحترم.. بس نسي يقول أهم حاجة...
إي هي؟!
تسائلت بخجل أشد وطأةً فقال: إني سافل!!
جحظت عيناها بتعجب وصدمة فقال وهو يدلف بها إلى غرفتهما: متستغربيش أوي كده، أنا هشرح لك بس تعالي...
صفق الباب خلفه بقدمه وتقدم من الفراش وجلس وهو لا يزال يحملها وينظر إلى ملامحها الفاتنة يتشربها ويتفرس بها وقد أضحت قريبة منه للغاية ولأول مرة. تنفس أمام وجهها وهو لا يزال يتفحص هيئتها بافتتان عاشق بينما غاصت هي بأبحر عيناه لينتهز فرصة شرودها به وقبّل ثغرها وهو ينظر إليها بثبات مما جعلها تجفل بين ذراعيه وقالت بخجل: قاااسم.
نطق بصوتٍ أجش أثار حياءها: يا عيون قاسم.. أمري.
ازدردت ريقها بتوتر وقالت: إنت مستعجل ليه كده خلينا الأول نتعرف على بعض..
نتعرف على بعض إيه أنا أبويا وأمي اتعرفوا على بعض وأنا في الابتدائية، أهم حاجة الدُخْلة...
ضحكت رغماً عنها ليذوب حياءها بين يديه وهو يغرقها في بحورٍ من الحب والسعادة لا يوجد بها مكان لأياً مما حدث بالماضي وراح يخطّ برفقتها أول أسطر في كتابهما الجديد، كتاباً لا يوجد به سوى الفرحة والعشق الخالص.
***
بعد مرور شهرين، كانت غزل تستعد لاستقبال صافيه وقاسم الذين قام يحيي بدعوتهما لتناول الغداء سوياً وقضاء وقت ممتع معاً...
وقفت غزل أمام المرآة تطالع بطنها المنتفخ بفرحة طفولية قبل أن يدلف يحيي إلى الغرفة ضاحكاً على هيئتها. فوقف خلفها يحيط بطنها بيديه بفرحة وقال: أهلاً يا علي باشا..
نظرت إلى انعكاس صورته في المرآة وقالت بابتسامة: ومين اللي قال لك إنه ولد؟! ما يمكن بنت..
لأ ولد.. باين عليكي.. أهو مناخيرك بقت شبه مناخير بينوكيو..
نظرت إليه بغيظ وقالت: والله؟!
انفجر ضاحكاً وقال: أكدب عليك يا غزال؟! وبعدين يا روحي لو حتى بقت شبه زلومة الفيل أنا بحبك بردو وفي عيني أجمل غزالة في الدنيا.
ابتسمت بحب وفرحة فقال: بتثبتي إني في اتنين كلام.
أومأت بابتسامة فقال: طيب يلا عشان زمانهم على وصول.
ارتفع على الفور جرس الباب معلناً عن قدومهم فأسرع يحيي يفتح الباب مستقبلاً إياهم بترحيبٍ جم.
بعد الترحيب والمصافحة والتحيات بدأت غزل وصافيه يقمن بإعداد الطعام والتف الجميع حول المائدة يتناولون الطعام في وسط جو ملئ بالألفة والمرح.
مبتاكليش ليه يا صوفي؟!
تساءل قاسم باهتمام فقالت صافيه: لأ باكل أهو، كل إنت.
همّت بتناول طعامها من جديد لتستوقفها رغبة ملحّة في التقيؤ فأسرعت إلى دورة المياه مما أثار تعجب الجميع.
ذهبت غزل خلفها وهي تحاول مساعدتها فقالت بلهفة: مالك يا عمتو؟! إنتي تعبانة ولا إيه؟!
قالت بصوتٍ واهن: والله يا غزل منا عارفة، باين كده خدت برد من التكييف.
طب تعالي ارتاحي...
خرجت برفقة غزل وجلست بغرفة المعيشة وقد أعربت عن عدم رغبتها في استكمال طعامها فاسرع البقية بتناول طعامهم ومن بعدها جلسوا برفقة بعضهم البعض قبل أن يرن جرس الباب فقالت صافيه: دي أكيد زينب كانت قايلة إنها هتيجي.....
قطعت حديثها وهي تركض ناحية الخلا مرة أخرى عندما داهمها القئ مجدداً...
دَلفت زينب وصافحت الجميع وتساءلت: أومال فين صافيه؟!
أجابت غزل: عمتو تعبانة أوي يا زينب.. تقريباً واخدة برد في معدتها ومش فاضل في معدتها حاجة إلا وجابتها...
و ساكتين ليه؟؟ المفروض تكشف ليكون ميكروب أو حاجة.. أنا هاخدها ونروح للدكتور.
خرجت صافيه للتو من المغسل وقالت وهي تسحب نفساً عميقاً: لا يا زينب أنا هبقى كويسة.. ادخلي اقعدي.
لاا ورحمة سيدي ياقوت مايحصل، الجو مليان ميكروبات اليومين دول، لو لا قدر الله خدتي الدور مش هتسلمي منه وإنتي مناعتك ضعيفة، تعالي نروح نكشف.
هنا برز صوت قاسم قائلاً: أنا رأيي من رأي مدام زينب، تعالي نكشف ونطمن..
قالت زينب: لا يا أستاذ قاسم اتفضل إنت ارتاح وأنا هنزل أنا وغزل.
أرضخت صافيه لإصرارهم وخرجت لزيارة الطبيب برفقة غزل وزينب التي قالت: ودينا للدكتور بتاعك يا غزل.
تعجبت صافيه وقالت: أنا هروح لدكتور غزل أعمل إيه هناك؟
ماهو دكتور نساا وبيفهم في كل حاجة يا صافيه!! تعالي بس متقاوعيش.
ذهبن ثلاثتهن إلى الطبيب والذي قام بفحص صافيه بعد الاستماع لشكواها وقال: ألف مبروك يا مدام صافيه إنتي حامل!
نهضت صافيه من فوق الفراش بصدمة وقالت: حامل؟! اتأكد يا دكتور لو سمحت أنا متأكدة إنه مفيش حمل.
قطب حاجبيه بتعجب وقال: ليه متأكدة؟! السونار قدامي مبين إنك حامل في آخر الأسبوع الرابع..
قالت بذهول: حامل إزاي؟! أنا قعدت ٢٠ سنة متجوزة ومحصلش حمل وكل التحاليل كانت بتثبت إن المشكلة مني أنا !!
أردف الطبيب مبتسماً: لو كل التشخيصات كانت سليمة فعلاً فـ ده ملوش غير تفسير واحد...
تساءلت باهتمام: إن دي معجزة إلهية يا مدام صافيه، على العموم ربنا لما يريد مفيش حاجة بتمنع إرادته، الحمل طبيعي جداً وسليم الحمد لله، هكتب لك على مقويات تمشي عليها وأهم حاجة تهتمي بصحتك واكلك وهشوفك بعد أسبوعين إن شاء الله.
انصرفن ثلاثتهن من عيادة الطبيب والذهول رابعهن حتى رجعن إلى البيت ليتساءل قاسم بلهفة: الدكتور قال لك إيه يا صافيه؟!
نظرت إليه بصدمة وقالت: قال لي إني.....
بترت حديثها وتقوست شفتيها بحزن وطفقت الدموع تسيل على وجنتيها وقالت: قال لي إني حاامل!!!
فرغ فاه بصدمة لا تقل عن صدمتها ولم يسعه سوى أن يحملها ويدور بها عدة مرات وقد انفجر ضاحكاً بهيستيرية وفرحة بينما طوّقت عنقه بيداها وتحولت دمعاتها إلى ضحكات فرحة امتزجت بضحكاته في مشهدٍ جعل الجميع يبكي بفرحة من أجلهما.
انقضى النهار والجميع يتحدث عن ذلك الخبر السعيد الذي زُفّ إليهم. فهمست زينب بمرح لـ صافيه وقالت: بس إيه يختي قاسم ده!! ده راجل من بتوع الأفلام زي ما بيقولوا.
ضحكت غزل بشدة فأكملت زينب وقالت: ده لفحك لفحة الغلبانة اللي جمبي دي متلفحتهاش ليلة دخلتها...
تمتمت غزل بحزن مصطنع: أه والله معاك حق.
ضحكت صافيه وقالت: والله يا زينب إنتي فايقة ورايقة.
نهضت زينب واقفة وقالت: يختي تفوقي فوقتي عن قريب إن شاء الله، سيف امتحاناته بكرة ومطلع عين أم أمي ويحيي باشا زمانه كاشف راسه وبيدعي عليا دلوقتي عشان سيبته مع جده.
ما تقعدي يا زينب هتفركشي القعدة ليه؟!
قالتها غزل بحنق فقالت زينب: لا يا حبيبتي معلش تتعوض، قدورة قايل لي متتأخريش ولو عرف إني اتاخرت هتبقى ليلة مش فايتة.. يلا هبقى أجيلكوا وقت تاني.
انصرفت زينب ومن بعدها صافيه وقاسم لتخلد غزل إلى النوم سريعاً بعد يومٍ شاق وطويل.
***
بعد مرور سبعة أشهر..
كان الاستعداد على قدمٍ وساق للاحتفال بقدوم "علي" الصغير حيث كان الكل يجتمع بمنزل العائلة يقومون بالتحضير ليوم غد حيث ستقام الولائم وتُذبح الذبائح..
هاا يا يحيي؟! كلمت كل معارفنا وعزمتهم؟!
أومأ يحيي موافقاً وقال: أيوة يا حج، الجيران والقرايب والتجار اللي بتتعاملوا معاهم وكل اللي أعرفهم كلمتهم.
أومأ والده موافقاً وقال: عال.. وكلمت أخوك سليمان؟!
تساءل "علي" بترقب ليتجهم وجه يحيي على الفور وقال: هو لازم أكلمه يابا؟!
شعر أبوه بالاستياء الشديد وقال: لازم؟! يعني إنت عزمت القريب والغريب واخوك معزمتوش؟! إنت مستني إيه يبني عشان تكلم أخوك؟! إن مكنتش تكلمه في مناسبة زي دي هتكلمه إمتى؟! مستني لما أموت وتتكلموا في دفنتي؟!
بعد الشر عليك يا حج، ربنا يبارك في عمرك..
قاطعه والده بحدة وقال: طب ولما أموت يا يحيي.. هتقفوا تتعاتبوا وتصفوا حساباتكوا؟ ولا هتركن راسك على كتفه وتعيط؟!
لزومه إيه يا حج الكلام ده دلوقتي؟
لزمته إن الضفر ميطلعش من اللحم يا يحيي، مهما حصل بينكوا إنتوا دم واحد.. كفاية عليه الوحدة اللي فرضها عن نفسه وبعده عن أهله، إنت مش هتاذيه أكتر ما هو بيأذي نفسه يبني...
أنا مش عايز أأذيه يابا.. هو اللي أذاني وظلمني...
قالها يحيي بألم فقاطعه والده وقال: سامح يا يحيي، يا بخت من قدر وعفى يبني ده ثوابه عند ربنا عظيم. اصفي يا حبيبي الكره لو اتملك من قلب البني آدم بيملاه سواد، وإنت قلبك أبيض ونضيف.
تنهد يحيي بحيرة فقال والده: إنت ربنا رزقك بمولود جديد، محتاج يتربى بحب ويكبر يلاقي أبوه إنسان طيب وقلبه يسع الكل، انسى اللي حصل يبني ده مهما كان أخوك.
أومأ يحيي موافقاً بهدوء وقال: اللي تشوفه يابا، هاخد رقمه من قدورة وأكلمه أقول له.
ربت والده على كتفه بتقدير وقال: روح يبني ربنا يراضيك ويرضي عنك زي ما مراضيني دايماً.
قبّل يحيي يد والده وانصرف لمهاتفة سليمان الذي سعد كثيراً بدعوة يحيي ووعده بالحضور في الغد.
كان الكل يجتمع بساحة المنزل الواسعة يشهدون ذبح الذبائح وتوزيعها والقسم الآخر منشغلون بالطهي وإطعام الجيران والأصدقاء..
كان قاسم وعبد القادر وسليمان الذي انضم إليهم على استحياء يشاركون في الذبح برفقة يحيي..
تقدم "علي" نحوهم وهو يحمل المولود الصغير وقام بغمس أصابعه في الدماء ومسح على يده وقدمه بفرحةٍ ثم نظر إلى سليمان وقال: شوفت يا سليمان، علي الصغير شبهي إزاي؟
حمله سليمان مبتسماً وقال: يتربى في عزك يابا تعيش وتشوفه عريـ...
بتر كلمته بصدمة عندما رأى صافيه تقف بغيظٍ إلى جوار غزل لينزل ببصره إلى بطنها المتكور البارز ليشعر وكأن دلواً بارداً من الماء قد سكب فوقه فانتابته القشعريرة واستأذن من والده منصرفاً قبل أن يستوقفه صبي القصّاب قائلاً: لا مؤاخذة يا ذوق، العشرة كيلو دول كان أستاذ يحيي موصيني عليهم أقطعهم أنصاص، أنا بدور عليه مش لاقيه هو فين؟!
استرعت نبرة صوته المميزة كل اهتمام سليمان فضيق عينيه يتذكر ذلك الصوت الذي لم ينساه أبداً فقال متسائلاً: أنا قابلتك فين قبل كده؟!
على الفور تذكره الشاب الذي تلعثم وتوتر وهمّ بالمغادرة سريعاً ليتشبث به سليمان قائلاً: استنى هنا، إنت اللي كلمتني قبل كده وقولت لي إن مراتي خدت منك عضمة كتف مش كده؟! وأكيد تعرف النصاب اللي عامل نفسه دجال وكلمني يقول لي إن مراتي راحت له تعمل عمل لمراتي التانية، مش كده؟!!
شحب وجهه وتصبب العرق من وجهه بغزارة وقال: والله أنا ما ليا دعوة، هي مراتك اللي طلبت مني أقول لك كده وأنا أيامها كنت خالي شغل واضطررت أنفذ كلامها وآخد الفلوس، أمي كانت راقدة....
قاطعه سليمان قائلاً: كل ده مش مهم، المهم دلوقتي عايزك تقول لي، اللي خدت منك العضمة هي الست الحامل اللي واقفة عند البوابة اللي هناك دي؟!!
نظر إليها الشاب مطولاً فحثه سليمان بلهفة وقال: هااا؟! هي؟!
أومأ الشاب نافياً وقال: لأ مش دي اللي خدت مني قشرة اللوح يومها، دوكها كانت طويلة وقمحاوية شوية...
أغمض سليمان عينيه بندم قد تفاقم بداخله أكثر وانصرف على الفور غائباً عن الأنظار...
انقضى النهار وسط تحضيرات السبوع التي انهمكت بها النسوة حتى أسدل الليل ستاره وبدأ المتوافدون يزدادون لحضور حفل السبوع المقام بمنزل العائلة...
كان الجو بهيجاً، مليئاً بالسعادة والفرح، الأقارب والأصدقاء والجيران كلٌ يقدمون التهاني والمباركات بقدوم الحفيد الجديد لعائلة الهنداوي.
وقفت غزل تحمل مولودها الذي يشبه والده كلياً حتى في نحتة أطراف يده وقدميه وتغمره بفرحة وحب. بينما إلى جانبها كانت تقف صافيه التي تتحسس بطنها البارز بتعب وقالت: ماشاء الله الناس كتير أوي، تفتكري أكياس السبوع هتكفي كل دول؟!
أومأت غزل بتأكيد وقالت: إن شاء الله هتكفي، يحيي جايب كتير وعامل حساب الناس كلها....
بارت غزل حديثها عندما رأت سليمان يتقدم منهما فابتسمت بهدوء ليبادلها الابتسامة بهدوء مماثل وقال: لو سمحتي يا صافيه ممكن كلمة؟!
تململت صافيه بقلق وقالت: بعد إذنك يا سليمان بلاش مشاكل.....
بترت حديثها وقد صاح بصوتٍ مرتفع يجذب انتباه الجميع فقال: اسمعوني لو سمحتوا.
عمّ الصمت المكان حولهم فقال موجهاً كلامه لـ صافيه التي أخذ منها الخوف كل مأخذٍ: أنا عندي كلمتين عايز أقولهم لـ مدام صافيه قدامكم كلكم.. هما مش كلمتين هما اعتذار أو رد اعتبار بمعنى أصح...
جالت صافيه ببصرها يميناً ويساراً تراقب نظرات الجميع من حولها وخاصةً قاسم الذي كان يقف متأهباً...
بنظرات آسفة نادمة أكمل سليمان حديثه قائلاً: أنا سبق واتهمت مدام صافيه إنها عملت عمل لـ..... توقف عن الحديث لبرهة وتابع: للإنسانة اللي كنت متجوزها وقتها...
استشاط يحيي غضباً وقتها لتذكره ما مر لينتبه لحديث سليمان الذي أضاف: أنا عايز أعترف دلوقتي إني ظلمتها وجنيت عليها، زي ما افترت عليها قدام الكل وكلكوا صدقتوني لازم أقول دلوقتي إني غلطت وظلمتها وعايزكم تعرفوا إنها بريئة من الذنب ده.
اهتز قلبها بين أضلعها فنظر إليها وقال: أنا آسف يا صافيه، أنا هفضل عايش بذنبك في رقبتي طول العمر، سامحيني لو ضايقتك دلوقتي بس يمكن اللي عملته ده يهون عليا واحد في المية من اللي بحس بيه.
طفقت عيناها تغيم بالدموع فنظرت إليه بهدوء وقالت: مسامحاك يا سليمان، عارف ليه؟! لإن قلبي أنضف من إنه يشيل من حد مهما عمل، أنا فوضت أمري لربنا والحمد لله ربنا رد عليا حقي في حياة عيني، على العموم يا سليمان عفا الله عما سلف أنا مش زعلانة لا منك ولا من غيرك، لإن عوض ربنا ليا كبير أوي لدرجة خلاني أحس بتفاهة كل حاجة حصلت قبل كده.
قال سليمان بنظرات نادمة: إنتي تستاهلي كل خير يا صافيه.
أومأت بهدوء ولم تعقب فانصرف هو مبتعداً ودنا قاسم منها فقالت هي: قااسم أنا....
قاطعها مبتسماً وقال: أنا عارف كل كلمة عايزة تقوليها يا صافيه، متخافيش أنا مش زعلان أبداً من المواجهة دي بالعكس أنا أسعد واحد في الدنيا عشان الحقيقة بانت للكل.
احتضنته صافيه بقوة وقالت: أنا مش عارفة لولا وجودك في حياتي كنت هعيش إزاي.
ربت على ظهرها يضمها إليه بقوة وقال: إنتي اللي بتقولي كده؟! ده إنتي الحلو اللي في حياتي يا صوفي وروح قلبي، إنتي وصفا..
نظرت إليه بابتسامة متعجبة وقالت: والله؟! وكمان سميتها؟!
أومأ موافقاً وقال: صفا بإذن الله، عشان أنا واثق إنها هتبقى نسخة منك في كل حاجة.
ابتسمت بحب وقالت: طيب يلا عشان منتأخرش على يحيي وغزل زمانهم مستنيين.
انصرفوا لاستئناف حفل السبوع وهم يشاركون الجميع فرحتهم وسعادتهم متطلعين نحو اقتراب فرحتهم الخاصة أيضاً....
***
بعد مرور خمس سنوات..
يجتمع الكل في فيلا يحيي الهنداوي حيث قام بدعوة الكل على فطور أول أيام رمضان.
يترأس المائدة كالعادة "علي"، وإلى جانبه يحيي، وبمقابله غزل التي تحمل صغيرتها "غزل"، وإلى جانبها زينب وبمقابلها عبدالقادر، عن يمينه قاسم وأمامه صافيه، وإلى جانبها يحيي وسيف أولاد عبدالقادر، وبجانبهم زياد ونور، وصفا وعلي الذي كان يسند رأسه على قبضته الصغيرة وهو ينظر إلى "صفا" بهيام ووله.
نهره قاسم قائلاً: مالك هتاكل البت بعينيك يالا كده!! ما تبص قدامك.
لم يعره "علي" أي اهتمام وكأنه لم يستمع لحديثه فقال يحيي ممازحاً: ابني طالع دنجوان زي أبوه، بيوقع البنات من نظره وابتسامة.. ابن الوز عوام بقا.
قال الجد: ابن الوز عوام فعلاً طالع لي.. أنا كنت زيك كده وأنا في سني..
برز صوت زينب تقول بمرح كعادتها: ابن الوز عوام وابن ابن الوز عوام، وعوام على عوام وبعودة الأيام...
انفجر الجميع ضاحكاً بشدة فقال "علي": والله يا زينب إنتي ماليكي حل.
ابتسمت زينب قائلة: ربنا يديم حسك وسطنا يا با الحج وكل رمضان وإنت منور لمتنا.
تمتم الجميع داعياً فقال عبدالقادر: سليمان باعت السلام للكل وبيقول لكوا كل سنة وانتوا طيبين وبيقول لك يا با إنه هو دعالك عند النبي.
عليه أفضل الصلاة والسلام.. يا بختك يا سليمان زرت الحبيب المصطفى، ربنا يديني الصحة ويمد في عمري لحد ما أنولها كمان مرة قبل ما أموت..
إحنا هنقف وجدع ينزلنا...
ألقاها بحدة لترتفع ضحكات الجميع والتي ملأت أركان المكان تحفر بكل جدارٍ منه ذكرى طيبة، تخلّد به أياماً مليئة بالحب والسعادة، تزرع بهِ بداياتٍ قُدّر لها الفلاح من قبل الإفصاح عنها.
اليوم.. واليوم فقط.. يستطيع أن يقرّ الجميع ويعترف بأنه راضٍ عن كل ما صار، مؤمناً بأنه قد نال الأفضل بإرادة الله وليس بسعيهِ وتدبيره.
اليوم قد أعرب كلاً منهم عن سعادته بما وصل إليه وما حصل عليه في نهاية المطاف.
اليوم بات الكل هادئ النفس، قرير العين، مرتاح القلب يتطلع نحو القادم بقلبٍ شغوف بالحياة وما عاد لكلمة "ليتني" حيزاً تشغله.
تمت النهاية..