بصي يا أمي ليلة بتقولي إنها كانت تعبانة وداخت شوية، فحبت تطلع ترتاح. ومكنش قصدها حاجة، ومكنتش عايزة تشيلي همها و تقلقك عليها. صح يا ليلة؟ وغمز لها معتصم، فأدركت ليلة مقصده. فتقدمت نحو والدته بأداء متقن، فهي قد تعلمت الدرس جيداً. حقك عليا يا خالتي، أنا فعلاً كنت تعبانة ومقدرتش أقعد معاكم تحت. وياريت ما تكونيش زعلانة مني، أنا بحبك أوي. وقامت بتقبيل رأس والدته، مما جعل معتصم يكاد يضحك لكنه خشي من غضب والدته.
فقالت نفيسة، على غرار ما تكنه داخلها إلى ليلة: ألف سلامة عليكي يا حبيبتي، كنتي قولتي لي. أنا برضو ما يهونش عليا أشوفك تعبانة، ما أنتِ في مقام بنتي اللي ما خلفتهاش. ابتسمت ليلة، وودت أن تقول لها: أتقِ الله. لكنها سايرت الأمر على ما يرام، وهذا من أجل معتصم الذي لم تجد منه سوى المعاملة الطيبة والعطف والحنان. *** وبالأسفل تقف تسترق السمع من النافذة، والتي يعلوها نافذة الطابق الأعلى المطلة على غرفة النوم. فأتاها صوت
زوجها من الغرفة الأخرى: عايدة، بالله عليكي ولعي لي على الفحم وحضري لي الشيشة، خلي الواحد يظبط دماغه. أشاحت بيدها دون أن تهتم، وعلى أحر من الجمر لمعرفة ماذا فعل معتصم مع ليلة. تود أن يعاملها أسوأ معاملة. واقفة عندك بتعملي إيه يا آخرة صبري. استدارت إلى صاحبة الصوت. فكانت والدة زوجها قد أتت للتو. ركضت نحوها وسألتها بلهفة: ها، عملها إيه؟ أجابت الأخرى بغيظ وحنق: عملها أسود ومهبب.
طلعت عشان أهدّي ما بينهم وأطمن لتكون قومته عليا ولا لأ. لاقيت يا أختي البت ضحكة عليه وعاملين، استغفر الله العظيم، يحضنوا ويبوسوا في بعض، ومش ساتر جسمها غير البشكير. اشتعلت نيران الغيرة بداخل عايدة أكثر فأكثر، لكنها أصدرت شهقة زائفة وقالت: يا لهوي عليها، دي ما طلعتش سهلة. دي بقى اللي يتقال عليها على رأي المثل: يا ما تحت السواهي دواهي. نظرت الأخرى لها وعقبت على حديثها: ولسه في الجراب يا حاوي.
بس على مين، ما بقاش أنا نفيسة غير لما خليته يكسرها ويذلها ويرميها تحت رجلي. أشاحت عايدة بيدها دون أن تلاحظ الأخرى كدلالة على استحالة حدوث ما تقوله. *** وفي اليوم التالي نزلت ليلة إلى منزل والدة زوجها، تاركة زوجها نائمًا بالأعلى. ترتسم السعادة على محياها وترمق بها الجميع، فعليها أن تريهم كم هي قوية وليست ضعيفة، حتى لا تعطي إحداهما فرصة لتخريب ما بينها وبين زوجها. ذهبت إلى نفيسة وانحنت على رأسها
وقامت بتقبيل جبهتها قائلة: حقك عليا يا خالتي، مش عايزة أكون زعلانة مني. أنتي مهما كان في مقام أمي الله يرحمها. ولم تكتف بهذا، فقامت بأداء مهام المنزل من تنظيف وغسيل وكل الأعمال. وقبل أن تقوم بإعداد الطعام، أخبرتها: خالتي، أنا هنزل للسوق أشتري شوية حاجات للمطبخ. عايزة أي حاجة معينة أجيبها لك من تحت؟ أجابت الأخرى باقتضاب: شكراً.
تركتها وذهبت إلى التسوق، وبداخلها تشعر بالسعادة، وهذا بعدما وجدت نتيجة ما تفعله يأتي في صالحها. وفي طريقها إلى السوق، أمام بناء مهجور، جذبها أحدهم بقوة وقال لها بسخرية: أخيرًا عريس الغفلة أفرج عنك يا عروسة. اتسعت عيناها بخوف وقالت وهي تحاول التملص منه: عايز مني إيه يا عمار؟ ما خلاص بقى، قلت لك أنا بقيت ست متجوزة وما ينفعش أكلم راجل غريب، وكل اللي ما بينا انتهى. قهقه بسخرية وقال: متجوزة؟
تصدقي مكنتش أعرف يا أخت حبشي الميكانيكي. ما هو انت لو ما سبتنيش أمشي ولميت نفسك، هخليه يأكدلك أنا أخته لما يقطع لحمك حتة ويخليك تحرم تتعرض لي تاني. ترك يديها وأخبرها بتهديد: ياريت تقولي له عشان أسمعه تسجيلات مكالمتنا الجميلة وأعرفه كان ما بينا حب وغراميات. لأ، وأبعتها للمحروس جوزك عشان تبقي فضحتك بجلاجل. حرام عليك يا أخي، أنت عايز مني إيه؟ أنا ما عملتش معاك أي حاجة.
بالعكس، أنا حبيتك بجد ودافعت عنك بكل قوة لما اتقدمت لي، واستحملت كلام زي الزفت، واتضربت واتهنت لأن كنت فاكراك بتحبني. طلعت غير كده خالص، أنت واحد مستهتر وفاشل ومعندكش تربية ولا أخلاق و... قاطعها بصفعة قوية، أتبعها صفعة أخرى. ولم تستطع التحمل أكثر من ذلك، فدفعته بكل قوتها وركلته في ساقه. ثم تمكنت من الهرب والفرار من أمامه. قررت العودة دون شراء أي شيء، ولم تعد تمتلك أعصابًا لتكمل.
ظلت تركض حتى وصلت إلى بناء عائلة زوجها. وعندما ولجت إلى داخل المبنى، اصطدمت به فسألها بغضب: كنتي فين؟ كان يسألها بوجه متجهم، بينما هي فرت الدماء من وجهها. أجابت بتلعثم: كنت، روحت، ورجعت. استعادت رباطة جأشها وقالت: كنت رايحة السوق أشتري طلبات. ونظر إلى يديها الفارغتين وأشار إليهما: وفين الطلبات؟ ابتلعت ريقها وقالت: أصل لاقيت كشك العيش شغال، قولت أرجع أطلع آخد بطاقة التموين من خالتي أجيب لها عيش.
عقد حاجبيه بضيق، وهذا عندما وجد إنها ترتدي عباءة ضيقة إلى حد ما، ويخرج من حجابها قليل من الشعر. جذبها من يدها وقال من بين أسنانه: يا نهارك مش فايت، إيه ده! رمقته بتوتر وخوف فسألته: فيه إيه؟ رمقه بتحذير قائلاً: أول وآخر مرة تنزلي بالعباية دي تاني. وشعرك الحلو ده لو شفت شعراية منه طالعة بعد كده، هلبسك النقاب وأريح دماغي. مفهوم؟ هزت رأسها فصاح بها: مش سامع؟ ردت على الفور: حاضر. أشار لها نحو الدرج:
يلا اطلعي على شقتنا، وأنا نازل هاجيب العيش وطالع تاني. صعدت تحت أنظاره، فأبتسم وهز رأسه بسعادة. فتلك الليلة، بحسنها وجمالها الباهي، ستقوده إلى الجنون! *** صعدت إلى أعلى في منزلها وتنفست الصعداء. حمدت ربها إنها عادت قبل أن يراها زوجها مع عمار، وكانت ستصبح فضيحة يشهدها كل أهل الحارة. جلست على الكرسي تتذكر ملامحه وهو يوبخها على مظهرها.
وهذا يعود إلى غيرته التي جذبتها إليه، وكذلك حنانه الغادق عليها، حتى في حضرة أهله لا يتحمل عليها كلمة واحدة. انتبهت إلى فتح الباب وظنت إنه هو، لكن خاب ظنها عندما رأت عايدة أمامها. فسألتها والضيق يبدو على ملامحها بسبب دخولها دون استئذان: خير يا عايدة، فيه حاجة؟ جلست ووضعت ساقًا فوق الأخرى قائلة: ألا قولي لي يا ليلة، معتصم بيحبك؟ تعجبت من ذاك السؤال: لو مش بيحبني، أتجوزني ليه؟ قهقهت بصوت مدوٍّ لتخبئ نيران
الغيرة بداخلها وأخبرتها: إيه اللي مخليكي واثقة أوي كدة؟ مش يمكن متجوزك عشان يرضي أمه مثلاً. رمقتها بامتعاض ولم تفهم لما تخبرها بتلك الترهات، فقالت: لو كلامك صح، ما كانش دافع عني لما مامته اتهمتني بحاجة ما عملتهاش. جزت الأخرى على أسنانها وودت اقتلاع خصلات شعرها من الغيظ: أصل بصراحة، وبينى وبينك، أنا أول ما شوفتك حبيتك أوي، وكمان صعبتي عليا جداً. أصل أنا عارفة اللي فيها.
معتصم متجوز هناك في الكويت ومخلف، بس مخبي على مامته وقايل لأخوه بس. جلال حبيبي ما بيعرفش يخبي عني حرف واحد خالص. حبيت بس أوعيكي بدل ما تنخدعي فيه وتلحقي تنفدي بجلدك قبل ما تتدبسي وتحملي منه، ويبقي طلعتي كمان بعيل ومسئولية. شعرت ليلة بضيق واختناق، وفي نفس الوقت تشعر بأن هناك خطب ما أو كذب. فقالت لها: طب لو افترضنا كل كلامك صح، أي دليلك على الكلام ده؟ شهقت الأخرى بتصنع قائلة: أخص عليكي يا ليلة، بتشكي فيا.
عموماً، لو مش مصدقاني، أبقي اسألي جلال أخوه. بس كده، ها تعملي لي مشكلة، ده غير أكيد هينبه أخوه وهيخليه يكذب عليكي أكتر ويخترع لك كام كذبة. أطلقت زفرة عميقة وعقبت على كلمات الأخرى ذات النوايا الخبيثة: اطمني، أنا ولا هسأل جوزك ولا هسأل جوزي. ولو عايزة أعرف، هتأكد بنفسي، مش هسأل حد. نهضت عايدة بعدما انتهت من مهمتها: فوتك بعافية بقي، أنا نازلة عشان هاغير هدومي ورايحة أفطر عند أمي النهاردة.
ولو محتاجة أي حاجة، أبقي رني عليا. أخذت هاتفها المتروك على المنضدة وقامت بتدوين رقم هاتفها: رقمي أهو، أبقي سجليه. وعلى فكرة، عندي واتس وفيس كمان، هابقي أبعت لك عليه. ذهبت وتركت خلفها عاصفة من الأسئلة تدور في فلك ذهن ليلة، التي شعرت بالضيق مجرد سماع ما أخبرتها به الأخرى. هل هذه بداية شرارة الحب! *** وبالأسفل ترك الخبز على طاولة الرخام وصاح: العيش على الرخامة يا أمي، أنا طالع. عايزة حاجة؟
ولجت عايدة من باب الشقة ووقفت بميل قليلاً: أمك مش هنا، نزلت عند أم جمال تدي لها الجمعية، وأخوك لسه ما رجعش من الشغل. رمقه بازدراء. وقبل أن يذهب، أوقفته قائلة: خلي بالك من ليلة، عشان ولاد الحرام كتير، وهي حلوة وصغيرة وفيها الطمع. صاح بتحذير: ملككيش دعوة بيها و خليكي في حالك أحسن لك. ذهب وتركها تتمتم بتوعد: إما خليتك تخلص عليها بإيدك، ما بقاش أنا عايدة. بينما هو صعد ودخل إلى المنزل يبحث عنها منادياً: ليلة، يا ليلة.
كانت بداخل الغرفة وتضع في أذنيها سماعة الهاتف. جذب واحدة من أذنها وقال لها: عمال أنادي عليكي من الصبح، ما بترديش ليه. خلعت السماعة الأخرى وأجابت ببرود: كنت بسمع مسلسل. ونهضت تاركة هاتفها، ثم سألته: عايز تاكل إيه على الفطار؟ ناوية تطبخي لنا إيه؟ سألها فأجابت: هاعمل مكرونة وبانيه. ضحك وقال بمزاح: أفضل أكل طول السنة في الغربة مكرونة وبانيه.
ويوم ما اتجوز وأقول: ربنا بيحبني ومراتي هاتعملي المحمر والمحشي والبشاميل، في الآخر ألاقي المكرونة والبانيه ورايا ورايا. ردت بحنق طفولي: لو مش عاجبك، إنزل افطر عند مامتك، هاتعمل بط ومحشي. أطلق قهقه فأصبح مظهره أكثر وسامة وقال لها: يا حبيبتي، بهزر. أي حاجة من إيدك أكيد هتبقى حلوة طالما أنتي اللي عاملاها. ابتسمت بخجل وذهبت لتعد طعام الفطور. أما هو، فألقى نفسه على الفراش وتمدد ريثما تنتهي.
انتبه إلى صوت رسالة واردة، فتلفت من حوله ظن إنه هاتفه. لكنه وجد الصوت أتى من هاتف آخر بجواره. أخذه الفضول قبل أن يناديها ويعطيها الهاتف. ألقى نظرة فوجدها رسالة على تطبيق الدردشة الشهير (WhatsApp) وبدأ يقرأ فحواها: «حطي في دماغك دي مش أول مرة أقابلك. الجايات أكتر من الرياحات، وابقي اعملي لي حظر تاني، هاطلع لك من كذا خط جديد يا ليلة.» قرأ الرسالة مرة أخرى واتسعت عيناه بغضب.
نهض وذهب إليها وعيناه يندلع منها نيران كالشرر. ليلة! انتبهت إليه وتركت ما بيدها عندما رأت هيئته المخيفة. رفع شاشة الهاتف أمام عينيها وسألها: مين اللي رحتي قابلتيه النهاردة وبعت لك الرسالة دي؟ ابتلعت لعابها بخوف وسألته بتوجس: رسالة إيه! أنا معرفش حاـ... أطلقت صرخة عندما جذبها من عضدها بعنف وصاح بها: ما تكدبيش عليا وتحوري.
مرواحك للسوق ورجوعك من غير ما تشتري حاجة، وأول ما شوفتيني خفتي واترعبتي، ودلوقتي ألاقي رسالة زي كده، عايزني أفهم إيه! اتسعت عيناها وتخشى أن تخبره الحقيقة، وهذا عمار يقلب الحقيقة ضدها وتنقلب الأمور فوق رأسها. هكذا ظنت، قالت: بالتأكيد مبعوته غلط، وقدامك الرقم مش متسجل. قهقه ساخرًا وقال: مش متسجل لأنه بيقول انتي عاملة له حظر، وهو هيبعت لك من رقم جديد. كادت تتفوه، فقاطعها صوت تنبيه رسالة أخرى.
رفع إحدى حاجبيه وبدأ يقرأ لها الرسالة وقلبها يدق بخوف: «ومـاتنسيش تسلمي لي على عريس الغفلة يا حب.» صاح بغضب عارم: مين ده يا هانم، انطقي! وكأن دلوا من ماء ثلج انسكب فوق رأسها. فصاح بها مرة أخرى وقبضته تضغط بقوة، فشعرت بألم ساحق في ذراعها: ما تنطقي، الباشا بيقولك سلمي لي على عريس الغفلة، الظاهر إنه يعرفك أوي. ردت بصعوبة بالغة وهي تفكر في حيلة تتهرب من سؤاله ونظراته النارية، أو كذبة مقنعة تنطلي عليه:
ده يبقى أخو واحدة صاحبتي. حاول يكلمني كذا مرة وأنا ما ادتهوش فرصة، والنهاردة وأنا رايحة السوق قابلته بالصدفة وحاول يكلمني، فهربت قبل ما يقرب مني وجيت على هنا على طول. ظنت أن هذا سيجعله يهدأ، لكنه جعله غرار ذلك وكأنه ماء بداخل مرجل تشتعل أسفله النيران، فألقت المزيد من الحطب فأزدادت النيران أكثر وجعلت المياه تفور. صاح بها بصوت هادر: صاحبتك دي ساكنة فين؟ ابتلعت غصتها فأجابت: والله ما أعرف.
أنا كل اللي أعرفه عنها إنها مش من هنا. هي كانت قاعدة عند جماعة قرايبهم، وبعد ما خدنا الإجازة معرفش عنها حاجة. وهو بقي الأستاذ جا لك هنا مخصوص! رفعت كتفيها على عدم علمها بهذا الشيء، فأخبرته: معرفش. أنا كل اللي أعرفه قلته لك. جز على فكه بغضب ويرمقها بشر مستطير، فقال لها: عارفة يا ليلة، لو حد تاني وشاف الرسايل دي على موبايل مراته، هيقول عليها إيه! طأطأت رأسها بحزن وقالت: وأنا مش خاينة.
وأنا مقولتش كده، لأن لو عندي ذرة شك، مش هطلقك وأسيبك في حالك. ده أنا هحرق دمك لحد ما هتيجي تحت رجلي وتتحايلى عليا عشان أطلقك. فياريت لو مخبية عليا حاجة تقوليها قبل ما أعرفها بنفسي أو من برة، ساعتها مش هتلومي غير نفسك. وأمسك بهاتفها وقام بإخراج شريحة الاتصال أمام عينيها وقام بكسرها وإلقائها في الحاوية قائلاً: أنا هاجيب لك خط جديد، وآخرك تديه لأخوكي ومراته وأهلي بس. أي حد تاني لاء، لما نشوف أخرتها.
وقبل أن يتركها سألته: معتصم؟ التفت إليها فأردفت: أرجوك ما تقولش لحبشي أخويا حاجة. أطلق زفرة وأخبرها بجدية وتحذير: أنا أخوكي، يوم ما أحكي له حاجة زي كدة، أعرفي وقتها إن كل اللي ما بينا انتهى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!