تحميل رواية ما بين الحب والحرمان بقلم ولاء رفعت pdf
بقلم ولاء رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
علي نغمات و صوت كارم محمود و أغنية «مرحب شهر الصوم»، و روائح و نفحات رمضان تجول في شوارع المحروسة و الحواري، و متاجر الفوانيس و ياميش رمضان. و هنا بداخل إحدي الأحياء الشعبية الشهيرة في محافظة الجيزة، حي إمبابة الشهير، و بأعلي ذلك البناء القديم حيث يحلق أعلاه سرب من الحمام الزاجل يقوم هذا الشاب متوسط القامة بالصفير و التلويح بعلم كبير. أمتدت إيدي ذات ملمس ناعم و رائحة ذكية فوق عينيه، أبتسم و قال: -قال يعني لما تغمي عينيا مش هاعرفك. أبعدت كفيها عن عينيه و لكزته في كتفه قائلة: -أنت رخم أوي علي فكرة...
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل الأول 1 - بقلم ولاء رفعت
علي نغمات و صوت كارم محمود و أغنية «مرحب شهر الصوم»، و روائح و نفحات رمضان تجول في شوارع المحروسة و الحواري، و متاجر الفوانيس و ياميش رمضان.
و هنا بداخل إحدي الأحياء الشعبية الشهيرة في محافظة الجيزة، حي إمبابة الشهير، و بأعلي ذلك البناء القديم حيث يحلق أعلاه سرب من الحمام الزاجل يقوم هذا الشاب متوسط القامة بالصفير و التلويح بعلم كبير.
أمتدت إيدي ذات ملمس ناعم و رائحة ذكية فوق عينيه، أبتسم و قال:
-قال يعني لما تغمي عينيا مش هاعرفك.
أبعدت كفيها عن عينيه و لكزته في كتفه قائلة:
-أنت رخم أوي علي فكرة.
ألتفت إليها و أخبرها بنبرة تلعب علي أوتار فؤادها المُغرم به حتي النخاع:
-و أنتي حلوة و جميلة أوي يا ليلة.
ظل يحدق في عينيها مبتسماً و بداخله يريد أن يعانقها و يحلق بها مثل هذا السرب المحلق في السماء.
شعرت بالخجل من نظرته الثاقبة تلك فتهربت و قالت:
-شوفت بقي نستني اللي كنت جاية لك عشانه.
أخرجت من حقيبتها ورقة رفعتها أمام عينيه و بكل سعادة أخبرته:
-أولاً أنا جيت لك عشان أقولك كل سنة و أنت طيب بما أنه أول يوم رمضان بكرة و كمان عشان أنا جبت ٩٠٪.
شبه إبتسامة ظهرت علي شفاه قائلاً بإقتضاب:
-مبروك.
أدخلت الشهادة إلي حقيبتها و سألته و القلق و التوتر يداهمان قلبها من ردة فعله التي لم تكن تتوقعها:
- مالك مش مبسوط ليه، حساك زعلان؟
ولي ظهره إليها و أغترف بيده حبات القمح من الكيس البلاستيكي مُجيباً علي سؤالها:
-مين قال كده،أنا فرحان ليكي بس.
صمت فوجدها تقف أمامه مباشرة تمسك بساعده و تسأله بترقب:
- بس أي؟
أطلق تنهيدة من أعماقه ثم أخبرها:
-خايف من أخوكي ليرفض جوازنا عشان فرق التعليم اللي ما بينا.
قطبت حاجبيها قائلة:
-دي حاجة تخصني أنا هو مالهوش دعوة.
- و لما يرفضني زي المرة اللي فاتت و يسمعني كلمتين مالهمش لازمة!
داهم الحزن ملامح وجهها عندما تذكرت ذلك اليوم الأسود عندما تقدم عمار لخطبتها و قام شقيقها برفضه بحُجة إنه ليس يمتلك عمل مُستقر و لم يمتلك سُبل المعيشة البسيطة ليعطي إليه شقيقته.
ردت علي حديثه و هي تمسك بيده لتطمئنه:
-ما تقلقش أنا الحمدلله خلصت من الثانوية العامة و هادخل الجامعة، و عقبال ماتفتح الدراسة هاشوف أي شغلانة و أهو قرش مني علي قرش منك يبقي معاك حق الشبكة و جمعية ورا التانية نقدر نجيب العفش.
زادت كلماتها أوجاعه، زفر بضيق و قلة حيلة، أخبرها بحدة:
- و فكرك بقي أنا هوافق علي حاجة زي كده!
صاحت بنفاذ صبر و من فرط خناق شقيقها الذي يفرضه عليها:
- هو مفيش غير كدة، عمار أنا بحبك و بحلم باليوم اللي هابقي معاك فيه و لينا بيت و حياتنا الخاصة، نفسي أصحي علي صوتك مش زعيق أخويا و خناقه يا إما معايا يا إما مع مراته،أنا تعبت و مابقتش قادرة أستحمل.
و مع أخر جملة داهمها البكاء، فأطلقت لدموعها العنان، أقترب منها و كاد يعانقها أوقفه رنين هاتفها، أنتفضت و أخرجت الهاتف من حقيبتها، أتسعت عينيها بفزع عندما رأت إسم زوجة شقيقها فأدركت سبب الإتصال.
ــــــــــــــــــ
و في البناء المقابل تقف تلك السيدة ذات الثلاثة و الثلاثون عاماً و إمارات الخوف تغزو ملامحها لاسيما بعدما سمعت صوت زوجها الذي ولج للتو من الباب مُنادياً عليها بصوته الأجش المُخيف:
-هدي ، يا هدي.
ألقت نظرة أخيرة علي شاشة هاتفها و تمتمت بصوت خافت:
- يخربيتك يا ليلة لو عرف أنك خرجتي و مارجعتيش لحد دلوقت هيقتلني و هيقتلك.
-بت يا ليلة.
تركت هاتفها علي القطعة الرخامية و خرجت إليه تبتسم له بتصنع:
-أنت جيت يا سي حبشي، أنا أفتكرتك هتيجي بالليل.
جلس علي أقرب كرسي و قام بخلع حذائه المتسخ قائلاً:
-لا أنا قفلت الورشة بدري النهاردة،أصل الولاه صامولة جدته تعيشي أنتي.
عقبت بقليل من الحزن:
-لا حول ولا قوة إلا بالله ده أنا لسه شيفاها ديك النهار كانت فرشة الفجل و الجرجير.
عاد بظهره إلي الوراء بأريحية:
-عمرها كده بقي ربنا يرحمها، أومال فين البت ليلة لسه ماصحيتش؟
تجنبت النظر إليه حتي لا يكشف كذبها قائلة:
-شكلها نايمة أصلها كانت شغاله معايا في الشقة بنحضر لرمضان بقي و كده،كل سنة و أنت طيب.
و بعدما أنتهت من إجابتها نظرت إليه لتتأكد من إقتناعه، فوجدته يرمقها بنظرة أخري و سألها:
-هم العيال لسه مارجعوش من عند أمك؟
هزت رأسها بإيجاب:
-اه، أصل أختي رجعت من السفر و أنت عارف العيال بيحبو خالتهم قولت أسيبهم لها و هابقي أروح أشوفها و أخد العيال و أنا راجعة.
نهض و أقترب منها و عينيه تنضح بنظرات جريئة سافرة، سألته بإرتباك:
-فيه حاجة يا سي حبشي؟
جذبها من خصرها و أخبرها:
-فيه إنك وحشتيني.
قطبت حاجبيها و سألته بعدم فهم كالبلهاء:
-وحشتك إزاي يعني ما أحنا في خلقة بعض كل يوم.
هزها بين ذراعيه و عينيه تنضح بنظرة إشتهاء:
-ما تفهمي بقي يا أم مخ تخين، بقولك وحشتيني، و بكرة رمضان.
عقدت حاجبيها بضيق ثم رمقته بنفور و إشمئزاز قائلة:
-ريحتك كلها شحم و جاز.
تركها و قام بأستنشاق ثيابه:
-عندك حق،كان عندي شغل كتير إمبارح و نسيت أجيب لك الهدوم تغسليهم، عشر دقايق هادخل أخد دش و أرجع لك فُلة.
و بعدما دلف إلي المرحاض، ركضت الأخري إلي باب المنزل تسترق السمع إلي خطوات تلك القادمة، صوت المفتاح في قفل الباب، سبقتها هي و قامت بفتحه، شهقت ليلة عندما وجدتها في وجهها:
-خضتيني يا هدي حرام عليكي.
جذبتها الأخري إلي الداخل و أغلقت الباب بهدوء حتي لايصدر صوتاً يصل إلي زوجها، دفعتها إلي غرفتها لتوبخها:
-أخص عليكي يا ليلة ،هي دي النص ساعة و جاية!
-هو جه؟
سألتها بخوف بعدما نظرت نحو الخارج و سمعت صوت إنهمار صنبور المياه في المرحاض، أجابت الأخري:
-اه جه و سألني عليكي، قولت له أنتي نايمة، خليكي هنا بقي لحد ما أخلص الغدا، ألا قوليلي صح عملتي أي؟
أخرجت الشهادة من حقيبتها و قالت بشبه إبتسامة:
-أتفضلي.
رددت و هي تنظر إلي النسبة المئوية:
-بسم الله ماشاء الله، كده تقدري تدخلي الكلية اللي نفسك فيها.
جلست علي حافة الفراش و أخبرتها بسأم:
-تفتكري حبشي هيخليني أدخل الكلية بعد ما حلف عليا ما هاخرج من البيت!
ربتت عليها بمواساة و قالت:
-معلش ده شيطان و دخل ما بينكم، هو بيحبك و خاف عليكي لما طلعتي الرحلة من غير ما تقولي له.
عقبت بحزن و بنبرة مليئة بالشجن:
-يعني هو سكت، ده فرج عليا أصحابي و الناس و جرني زي العيلة الصغيرة في الشارع و جابني علي هنا و دور عليا الضرب لولاكي كان زمانك بتقرأي عليا الفاتحة.
أطلقت الأخري تنهيدة لا تعلم بماذا تواسيها أو تخفف عنها آلامها، تدرك مدي قسوة زوجها علي شقيقته لاسيما بعد وفاة أبويهما نتيجة حادث سير و كانت ليلة في العاشرة آنذاك، تولي بعدها حبشي تربية شقيقته و هو في العشرين عاماً و رفض تدخل أو مساعدة أحد من الأقارب، لكن كلما كبرت زادت قسوته و طغيانه عليها، و فوق كل هذا لديه أسوأ الخصال و هو البخل!
ــــــــــــــــــــــ
و في إحدي الأبنية القريبة ولجت تلك المرأة ذات الوجه العابس و المتجهم،تغزو تحمل الكثير من الأكياس البلاستيكية المليئة بالخضروات و الفاكهة، تتمتم بصوت غاضب:
-لسه نايمة لي لحد الضهر يا ست عايدة والله عال ما هو لو اللي معاكي ليه كلمة عليكي مكنش بقي ده حالك.
و بداخل إحدي غرف الشقة تتقلب عايدة بتأفف و تلكز زوجها:
-أصحي يا جلال و أخرج لأمك بدل ما أنا ما أخرج لها و أنت تزعل في الأخر و تقولي أمي.
زمجر الأخر و يزيح يدها عنه:
-أخرج لها شوفيها عايزة أي، أنا عايز أنام و مش ناقص صداع.
- هو ده كل اللي ربنا قدرك عليه، نام يا أخويا نام ده اللي باخده منك و بس.
أزاحت الدثار بتأفف و نهضت، ذهبت لإرتداء عباءة محتشمة فوق منامتها القطنية، و ألقت علي رأسها وشاحاً ثم خرجت ترفع زواية فمها جانباً، فقالت لها حماتها بسخرية:
-صباحية مباركة يا عروسة، نقش الحنة لسه علي رجلك!
رفعت إحدي حاجبيها بإمتعاض:
-و ليه المسخرة اللي مالهاش لازمة دي علي الصبح،أنا فضلت سهرانة لحد ما إبنك رجع الفجر من الشغل.
ألقت ما بيدها فوق المنضدة و قالت:
-تعالي خدي الحاجة دي و أبدأي جهزي في حاجة فطار بكرة ، و خدي بالك معتصم كلمني الصبح و زمانه علي وصول يعني عايزه كل يوم الأكل اللي بيحبه مش اللي علي مزاجكك أنتِ و جوزك.
إبتسامة عارمة دبت علي شفتيها:
-هو خد الأجازة و لا أي؟
جلست علي الأريكة ذات الطراز القديم و خلعت و شاحها، أجابت:
-واخد أجازة شهرين بالعافية،يا دوب ألحق اشوف له عروسة بدل ما العمر يجري بيه نفسي أفرح بعياله قبل ما أموت.
كانت الأخري تجترع الماء فأصابها السعال، و عندما بدأت تهدأ قالت:
-و مستعجلة عليه ليه، قصدي و هي العروسة دي هانلاقيها فين بالسرعة دي!
-البنات علي قفا من يشيل ياختي، و معتصم إبني جدع زي القمر طول بعرض و كسيب و لو شاور بصباعه بس كل البنات هيقولو له أمرك.
و كأنها أنتبهت إلي شئ فأردفت بصياح:
-أنتي لسه هاترغي معايا روحي يلا أعملي اللي قولت لك عليه و أنا هادخل أصلي الضهر و أجي أحصلك.
ــــــــــــــــــــــ
يتجمع كلا من حبشي و ليلة و هدي حول مائدة الطعام المستديرة، كان الأخر يأكل بنهم ثم يجترع القليل من الماء و يمسح علي شاربه الكث، ينظر إلي شقيقته الشاردة في صحنها التي لم تتناول منه ملعقة واحدة، سألها:
-مابتاكليش ليه؟
أنتبهت إلي سؤاله، و قبل أن تجيب وجدت زوجة أخيها ترمقها بنظرة و كأنها تخبرها بأن عليها الحذر في حديثها معه حتي لا تسبر أغواره.
أجابت بهدوء بالغ:
-أنا جبت ٩٠٪.
ما زال يأكل و علي غرار توقعها كان مُبتسماً و أفحمها بتعقيبه علي كلماتها:
-و أنا أعملك أي ما تجيبي ٩٠ و لا ١٠٠٪ حتي، أنا كده كده حالف عليكي ما هاتكملي تعليمك و كفاية عليكي الثانوية العامة عشان تبقي تقرطسيني تاني و تطلعي رحلات من ورايا.
تركت الملعقة و نهضت قائلة:
-و الله دي حياتي و أنا حرة فيها، أنت مجرد واصي عليا في الميراث آه، لكن حياتي الشخصية لاء.
شهقت زوجته و ضربت بكفها علي صدرها، جحظت عينيها ترمق الأخري بأن تتراجع عن قولها قبل أن يفتك بها، و ما لبث سوي لحظات حتي تردد صدي صرخات ليلة و شقيقها يجذبها من خصلاتها:
-سمعيني تاني كده يا روح أخوكي اللي قولتيه من شوية، أصل سمعي تقيل أو الظاهر العلقة بتاعت المرة اللي فاتت مكنتش كفاية.
أنهال عليها بلطمة تلو الأخري و صفعات، صرخت زوجته:
- أبوس إيدك يا حبشي سيبها لتموت في إيدك هي مكنتش تقصد.
زجرها بنظرة نارية أرعبتها و قام بتهديدها:
-عليا الطلاق كلمة تاني لتكوني عند أمك، ملكيش دعوة أختي و بربيها.
ظلت ليلة تصرخ من ضربه المُبرح لها و جذبه لخصلاتها التي أقتلع البعض منها بين أنامله حتي أنقذها صوت رنين جرس المنزل، توقف عن عنفه و دفعها إلي غرفتها يأمرها من بين أسنانه:
-غوري علي جوة و ما أسمعش ليكي نفس لحد ما أرجع لك.
ذهب ليري من الزائر، فتح الباب وجد طفل صغير من إحدي أطفال الحارة يخبره:
-أسطي حبشي، فيه جماعة واقفين قدام الورشة بيسألو عليك.
قطب حاجبيه بإستفهام قائلاً:
-ياتري يطلعو مين دول كمان، ما هو يوم باين من أوله؟
و بعدما غادر، ذهبت زوجته لمواساة تلك المسكينة الباكية، تربت عليها بحنان:
-معلش يا ليلة حقك عليا أنا، أخوكي و الله بيحبك بس إيديه سابقة دماغه.
رمقتها الأخري بسخط و أعين غارقة بالدموع، صاحت في وجهها:
-حب أي ده اللي يخليه كل شويه يضربني و يذل فيا!
أثرت هدي الصمت لاتملك حق الدفاع عن زوجها الآثم، طالما توسلت إليه بعدم التعرض لشقيقته بهذا الأسلوب المؤذي فما كان من الأخر سوي التهديد و الوعيد إذا لم تكف عن رشده.
ـــــــــــــــــ
و هنا في إحدي المطاعم المزدحمة حيث يعمل عمار علي توصيل الطلبات المنزلية عبر الدراجة النارية، نزل من أعلاها للتو بعدما أوقف المُحرك، أخرج ما لديه من النقود و ذهب إلي مسئول الحسابات.
-أتفضل يا عم حسن فلوس العشر أوردرات.
حدقه الرجل بنظرة أثارت قلقه و جعلته مرتبكاً لا سيما عندما سأله:
-عشر أوردرات مش ١٣ يعني!
أبتلع الأخر ريقه بتوتر بدي علي ملامحه فأجاب بصوت يكاد يكون مسموعاً:
-أه عشرة.
رفع الرجل زواية فمه جانباً ببسمة ساخرة و قام بالنقر علي لوحة المفاتيح التي أمامه ثم قام بتوجيه شاشة الحاسوب أمام محمود التي جحظت عينيه عندما رأي نفسه في تسجيل الكاميرات و هو يستلم الطلبات و بالفعل أعدادهم أكثر من عشرة، أجترع لعابه و نظر بتوجس إلي مديره الذي يرمقه بتجهم:
-بص، أنا أديتلك فرصتين قبل كده و قولت لنفسي خلاص يا حسن سامحه يمكن كان معذور في قرشين عشان كدة عمل الحركة دي، و سامحتك مرة و التانية يمكن تتوب، لكن لما لاقيته داء فيك و فاكرني مغفل و ماتعرفش إن دبة النملة هنا بتكون بعلمي، يبقي كده خلاص ملكش عندي أكل عيش.
و بدلاً من أن يطالب العفو و السماح من رب عمله قام بخلع القميص المدون عليه شعار و إسم المطعم و صاح بكل تبجح:
-أنت هتذلني يا عم، خدي قميصكم العرة أهو، أومال لو كنت بتقبضني مرتب عدل زي باقي الناس كنت عملت فيا أي.
ثارت أغوار الرجل فقام بمهاجمته:
-يعني حرامي و بجح و كمان مش عاجبك، ألف و نص في الشهر مش عاجبينك غير التيبس اللي بتطلع بيه من الزباين.
لم يتحمل توبيخ الرجل له فقام بدفعه و كاد يضربه لكن قام العاملون بالمكان بمنعه، أخذ يتملص من قبضاتهم لكنه فشل.
و في الحارة كانت تجلس خلف النافذة تنظر عبر فتحات الخشب إلي الخارج بأعين بها آثار البكاء، تقوم بإجراء إتصال أكثر من مرة و لم تتلق أي إجابة منه، تريد أن تخبره كما تطوق أن ينقذها من ظلم شقيقها، لم تعد تتحمل أكثر من ذلك فهي تحبه و لا تريد العيش سوي معه، فمنذ أن جاء هنا و سكن في هذا البناء منذ سنوات،لم تكن تعلم عنه شئ سوي إنه شاب مُغترب من محافظة الدقهلية و جاء هنا للعمل و يعود إلي بلده من حين لأخر حتي أخبرها بأن والدته توفت و أشقائه الثلاثة لكل منهم حياته.
هناك صوت المسحراتي الجهوري و هو ينادي علي أطفال الحارة بينما هي كانت تنتظر عمار،
فأنتبهت إلي صوت دراجته حيث توقف أمام البناء المقابل، لاحظت عدم إرتدائه لزي عمله كما أن ثيابه غير مهندمة، يبدو إنه تشاجر مع أحدهم.
نهضت بهدوء و ألتقطت وشاحاً أرتدته علي عجالة و ذهبت لتطمئن بأن شقيقها و زوجته كلاهما يغطان في النوم و دون أي جهد للسير إلي غرفتهما كان صوت شخير شقيقها يصل إلي أذنها، تنفست الصعداء.
تسللت من النافذة و تتلفت من حولها لمراقبة الأجواء و حتي لا يكتشف أمرها، ولجت إلي البناء و صعدت خلفه علي أطراف أناملها، و حينما وصلت إلي السطح وجدت يد تجذبها بعنف و تدفعها إلي الجدار!
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل الثاني 2 - بقلم ولاء رفعت
تسللت من النافذة و تتلفت من حولها لمراقبة الأجواء و حتى لا يكتشف أمرها.
ولجت إلى البناء و صعدت خلفه على أطراف أناملها، وحينما وصلت إلى السطح وجدت يد تجذبها بعنف و تدفعها إلى الجدار!
شهقت بفزع و أخذت تلتقط أنفاسها و تردد بعض الأدعية.
هدأت عندما أطمأنت إنه عمار و على وجهه علامات الغضب يسألها:
- أي اللي منزلك الشارع في الوقت المتأخر ده؟
ردت بخوف و علامات الذعر على وجهها:
- كنت جاية أطمن عليك لما لقيتك ما بتردش.
أبعد يده عن تلابيب عباءتها و أطلق زفرة نافرة فهذا ما كان ينقصه في تلك الحالة التي يمر بها.
- مكنتش بترد ليه؟
أجاب بتأفف:
- كنت في الشغل.
ألقت نظرة على ثيابه و مظهره المزري فسألته مرة أخرى:
- وأي اللي عمل فيك كده؟
جلس على أقرب مقعد خشبي بالي و أجاب بسأم:
- اتخانقت و سبت الشغل.
فغر فاهها بصدمة ثم قالت:
- أنت لحقت ده أنت لسه مكملتش شهرين!
رمقها من طرف عينيه و عقب على كلماتها:
- نصيبي كده أعمل أي يعني أبوس إيديهم و أتذل عشان أفضل أشتغل معاهم!
اقتربت منه و جذبت مقعد شبيه للجالس فوقه و جلست عليه بجواره قائلة:
- أنا ماقولتش كده، أنا قصدي يعني أي شغل فيه مشاكل و قرف و أنت محتاج لكل قرش عشان الشبكة و العفش و تشوف أوضة وصالة إيجار جديد.
ابتسم بتهكم و قال:
- شبكة و عفش و شقة إيجار، عايزاني أشتغل حرامي!
ضيقت ما بين حاجبيها و تضايقت من حديثه الساخر:
- وهو كل اللي بيتجوز كده بيشتغل حرامي!
- لأ، بس اللي ما بيشوفش من الغربال يبقى أعمى.
أمسكت يده و بعينين مليئة بالرجاء و بنبرة توسل أخبرته:
- عمار أنا بحبك و مش عايزة حاجة تفرقنا حتى لو كان أخويا، أنا هستناك مهما حصل، بس زي ما هاستحمل و أصبر و أجي على نفسي لازم أنت كمان تعمل كده، عشان هو ده الحب، الحب تضحية عشان تسعد اللي بتحبه.
ما زالت ضحكة السخرية على ثغره و قال:
- كلام أفلام كانو بيضحكوا علينا بيه، الواقع بيقول عكس كده فيه فلوس يبقى فيه حب، مفيش فلوس، يبقى مفيش حب ولا كلام الأغاني اللي كنا بنصبر بيه نفسنا و نفضل عايشين في وهم.
نهض و وقف أمامها و نظر نحوها من موضعه و أردف:
- تقدري تقولي لي لو جيت تاني لأخوكي و أقول له طالب إيد أختك عشان بحبها و أصبر عليا عقبال ما أكون نفسي تفتكري هيرضي!، ولا هايصرف علينا أنا و أنتي!
نهضت لتقف أمامه و بداخلها قد سأمت حالته الإنهزامية تلك، فبرغم حبها له لكن تمقت سلبيته المفرطة و حالة اليأس المسيطرة عليه بالكامل:
- طول ما أنت إنسان سلبي و شايف كل حاجة سودة قدامك عمرك ما هاتقدم خطوة واحدة، ماتنساش وعدك ليا و أنت بتعترف لي بحُبك و أنك هاتعمل المستحيل عشان أكون ليك، بس الظاهر كان كله كلام في كلام.
- اعتبريه وعد حين ميسرة.
رمقته من أعلى لأسفل بإزدراء و تذكرت كل ما تحملته من معاملة شقيقها السوء لها و ها هو الآن الإنسان الذي أحبته يتخلى بإستسلام بائس عنها، فقالت بغضب:
- لأ وأنت الصادق الوعد ده للرجالة بس واللي شايفاه قدامي مش راجل.
تلقت صفعة قوية صاحبها صياحه بغضب:
- أنا راجل غصب عنك.
رمقته بصدمة غير مصدقة ما فعله بها للتو، وكأن بداخلها بركان قد اندلع و أطلق حممه الحارقة:
- لأ مش راجل، ولا أخويا راجل عشان مفيش راجل يمد إيده على واحدة بنت أضعف منه، هقولك على حاجة أنا بقي اللي مش عايزاه ولو جيت بوست أيدي عشان أسامحك هقولك مليون لأ.
دفعته من أمامها و عادت إلى منزلها باكية ضائعة، شريدة القلب.
تتعالى أصوات التواشيح التي تسبق آذان الفجر و هناك أعين نائمة و أخرى يجافيها النوم، و هناك في انتظار أحدهم على أحر من الجمر.
نهضت بتأفف من جوار زوجها الذي لا يجيد في حياته شيئاً سوى النوم.
وقفت أمام المرآة تنظر لصورة انعكاسها، تتأمل قدها الممشوق و المهمل من هذا النائم.
ولما لا فقد أخذت على نفسها عهداً بأنه لم يستسلم هذا الجسد بإرادتها سوى من سلب قلبها منذ سنين، وزواجها من جلال لأنها تريد القرب من حبيب القلب والذي اختطف لبها، أفتنها شيطانها الغاوي وسيجلعها تخرج في بئر من الوحل كلما استسلمت لأهوائها كلما كان طريق التراجع صار درباً من دروب المستحيل.
انتفضت عندما سمعت صوت باب الشقة، قطبت حاجبيها و ذهبت لتوقظ زوجها:
- ألحق يا جلال فيه حد بيفتح باب الشقة، قوم شوف ليكون حرامي.
هز كتفه و يغمض عينيه قائلاً:
- هتلاقيها أمي قامت تصلي الفجر و بتقفل باب الشقة، ما أنتي عارفها موسوسة.
أشاحت بيدها له و قالت:
- أمك زمانها في سابع نومة، فضلت مستنية أخوك لحد ما نام...
صمتت و هي تتذكر أمر ما ذكرته الآن، نهضت و ارتدت مأزرها و ألقت بوشاح فوق رأسها.
وبمجرد خروجها انتفضت عندما رأته يقف في منتصف الردهة، يكشف ذلك الضوء المنبعث من المطبخ نصف وجهه.
تفوهت باللهفة و اشتياق:
- معتصم!
- أزيك يا مرات أخويا عاملة أي؟
وها هو يذكرها بأكثر شئ تمقته و تريد نسيانه، اقتربت منه و بابتسامة تشق ثغرها من الأذن للأخرى:
- بخير، حمد الله على السلامة.
جلس على أقرب كرسي له و أجاب:
- الله يسلمك، معلش بقى المفروض كنت جيت من ساعات بس حصل شوية حاجات كده هي اللي أخرتني و عديت على مطعم في طريقي اتسحرت فيه، كل سنة و أنتم طيبين.
نظر حوله ثم سألها:
- هو جلال لسه نايم؟
هزت رأسها بالإيجاب:
- آه، ما أنت عارف أخوك قدامه للضهر عقبال ما يصحي، شكلك طبعاً عايز تنام، أنا مجهزة لك أوضتك و مروقاها لك بنفسي و مخليها لك بتلمع.
- تسلم إيدك، أنا فعلاً كل اللي محتاجه دلوقت أريح و أنام.
نهض و كاد يتحرك نحو غرفته أمسكت يده و سألته:
- رايح فين؟
رمقها بتعجب من سؤالها و من ما فعلته، نظر نحو يدها التي تمسك بيده، وحين أدركت خطأ ما فعلته و قرأت ذلك في عينيه أبعدت يدها و ابتلعت ريقها:
- قصدي يعني مش هتصلي الفجر؟
- داخل أتوضأ و بعد ما يأذن هصلي، ادخلي صلي أنتِ كمان خلي ربنا يهديكِ.
تركها و ولج إلى غرفته و أصد الباب عمداً كرسالة إليها لعلها تدركها!
استيقظت كالعادة على صياح شقيقها و توبيخه لزوجته و هذا بسبب المصاريف التي لم تنته و متطلبات البيت من مأكل و أشياء كثيرة.
- مش هاقدر أستنى أسبوع كمان يا حبشي دي الولية أم إمام ممكن تيجي لنا قدام البيت و تفضحني، ما أنت عارفها معندهاش تفاهم في تأخير فلوس الجمعية.
أخبرها بصوت هادر و دخان سيجارته يتطاير من فمه و أنفه، فلدي مبدأ عجيب بل و غريب بأن الصوم هو الامتناع عن الطعام و الشراب فقط لكن تدخين السجائر و إطلاق السباب و الشتائم، كل هذا في قاموسه لا يبطل الصيام!
- ما قولتلك اصبري عليا كمان يومين، قولت لك ما أعيش أنزل أسرق لك يعني!
وضعت الأخرى يديها في خصرها و قالت:
- ماشي أنا هدفع لها من مصاريف البيت بس ما تجيش تسألني عن أكل.
رد بصوت جهوري مهددًا إياها:
- طب و عليا الطلاق لو ما جيت لاقيت الفطار على الطبلية لأخدك أرميكي عند أمك و أجيب واحدة بدالك.
تركته و لم تجب عليه، دلفت غرفة ليلة و هي تتمتم:
- يا شيخ روح هو في واحدة هاتستحملك زيي، ده أنا ليا الجنة و ربنا.
نظرت إليها ليلة و سألتها بصوت ناعس:
- أنا اللي نفسي تبطلوا خناقة الصبح دي و لو يوم واحد، أو أقولك خليه يطلقني أنا و يرحمني أو يتبرى مني.
ضحكت هدى رغماً عنها و لكزتها في يدها:
- آهو ده اللي باخده منك تريقة وبس.
- حد قالك تتجوزي واحد اسمه حبشي.
قهقهت الأخرى و أخبرتها:
- آهو قدري و نصيبي كده، يلا يا لمضة قومي اغسلي وشك و جهزي نفسك عشان رايحين السوق.
ضحكت ليلة و هزت رأسها مرددة:
- صدق المثل اللي قال، الجبن سيد الأخلاق.
ألقتها الأخرى بوسادة في وجهها، تلقتها ليلة و هي تقهقه، من يراها يحسب تلك الضحكة نابعة من قلبها لا يعلم أحد إنها تضحك من فرط حزنها!
- شهلي يلا يا عايدة عشان ما نتأخرش.
كان صوت نفيسة التي ترتدي نعليها استعداداً للذهاب للتسوق.
ردت الأخرى من داخل الغرفة:
- حاضر جاية ثواني.
كانت ترتدي وشاحها و تضع به دبوساً فقام باختراق طرف إصبعها تأوهت، فقال لها زوجها:
- ألف سلامة عليكي من الآهه.
رمقته من خلال المرآة و قالت:
- بدل ما أنت عمال تتمسخر عليا قوم انزل أفتح المحل خلي ربنا يفتحها عليك بدل الفقر اللي ماسك فيك و عايش على معاش أمك و فلوس أخوك.
لوح لها بيده قائلاً:
- والله الفقر ده راكبنا من يوم ما اتجوزتك.
استدارت لتنظر إليه مباشرة:
- وليه ما تقولش الهباب اللي بتشربه هو ده السبب، وصرمحتك ويا أصحابك العرة اللي فاكرين تحت القبة شيخ!
نهض و اقترب منها ليجذبها من عضدها، و هسهس من بين أسنانه:
- خليكي في حالك أحسن لك، ولا عايزاني أمد إيدي عليكي؟
رمقته بإزدراء جاذبة ذراعها من يده:
- أبقى أعملها و شوف أنا هاعمل فيك أي وقتها.
اتسعت عينيه بشر مستطير:
- قصدك أي؟
- اللي على راسه بطحة بيحسس عليها، خد بالك من بطحتك يا جلال.
ألقت كلماتها ذات المغزى و تركته و ذهبت لتجد حماتها في انتظارها و ذهبت كلتيهما للتسوق.
هنا يكثر الازدحام حيث يتراص بائعين الفاكهة و الخضار على جانبي الشارع و صوت البائعين و أفران عمل الكنافة و القطايف، وتجد كل ما لذ و طاب.
وهنا لدى بائع الدجاج تقف ليلة بعدما طلبت منها زوجة أخيها أن تنتظرها هنا حتى تشتري بعض الأشياء و تأتي إليها.
وفي الجهة المقابلة لها كانت تقوم عايدة بتعبئة ثمرات الطماطم فأخبرتها حماتها بصوت خافت:
- مش دي ليلة أخت حبشي الميكانيكي؟
التفتت الأخرى لتنظر نحو ما تشير إليها حماتها، وبعدما تحققت ردت:
- آه هي.
عقبت نفيسة بابتسامة:
- يا صلاة النبي، ماشاء الله البت كبرت و اتدورت و أحلوت، أي رأيك ناخدها للولد معتصم.
وهنا عند ذكر اسمه أضرمت نيران الغيرة بداخلها فقالت باندفاع:
- معتصم!، ماينفعش خالص إزاي، قصدي يعني دي لسه مخلصة ثانوي و هو قد أخوها، فيه فرق يجي ١٢ سنة ما بينهم.
- وأي يعني ما حماكي الله يرحمه كان أكبر مني ب١٥ سنة، وبعدين أهو كده أحسن خليه يشكلها و يربيها على إيديه.
تخشى أن تستمر في مجادلتها و تظن الأخرى ظناً آخر، قامت بشراء الثمرات و دفع المال.
بينما ليلة كانت كالتائهة في عالم آخر لا سيما عندما انتفضت لتوها عندما رأت عمار يقف مع بعض الشباب على مقربة.
تلاقت أعينهما لكنها تصنعت عدم الانتباه بل و أظهرت اللامبالاة إليه.
انتبهت إلى صوت زوجة أخيها:
- يلا أنا خلصت و جبت كل حاجة.
ذهبت كلتيهما في اتجاه إحدى الشوارع المؤدية إلى الحارة، وفي الطريق تعرض إليهما شابين في الطريق.
- كنافة بالمانجا ماشية على الأرض و في نهار رمضان، كده كتير!
رد زميله بوقاحة:
- كنافة أي يا صاحبي ده بطل.
صاحت هدى بتوبيخهما:
- جري أي يا أهبل منك ليه، أنتو ماتعرفوش إحنا نبقى مين!
اقترب منها الشاب بكل جرأة قائلاً:
- عايزين نعرف، ولا عارفينا أنتي.
- لأ يا روح خالتك منك ليه، هاعرفكم أنا.
كان صوت عمار الذي أنهال عليهم باللكمات، وهما كذلك يوجها إليه الكثير من اللكمات.
أخذت ليلة تصرخ خوفاً على عمار، تجمع المارة و تدخل الشباب في هذا العراك.
وفي مكان قريب يقبع حبشي أسفل السيارة يقوم بتصليحها، سمع نداء مساعده الصغير و هو يناديه:
- ألحق ياسطا حبشي في خناقة كبيرة في الشارع اللي جمبينا.
رد الآخر من أسفل السيارة و منهمك في إصلاحها:
- خليك في حالك يا ولاه و ناولني مفتاح ١٠ من عندك.
جاء إحدي الأطفال إليهما ليخبره:
- ألحق ياسطا حبشي الخناقة اللي دايرة في الشارع هناك بسبب أن فيه عيال كان بيضايقوا الست هدي و الآنسة ليلة أختك.
دفع نفسه من أسفل السيارة و الغضب ينضح من ملامحه حينما سمع ما قاله الصبي، أخرج المدية من جيبه و صاح بمساعده:
- خلي بالك أنت من الورشة و أنا هاروح أشرح ولاد الـ...... دول.
وحين وصل إلى المكان المنشود وجد شقيقته تجلس بجوار عمار الذي يلتقط أنفاسه.
جذبها من يدها بعنف و دفعها نحو زوجته، وبأمر:
- خديها و ارجعوا على البيت.
أومأت له بخوف، فأمسكت بيدها و أسرعت الخطي إلى المنزل.
أمسك حبشي بالشابين و أبرحهم ضرباً و قام بخدشهم بالمُدية ثم صاح بصوته الغليظ الجهوري:
- عليا الحرام اللي هيقرب من حد يخصني لأكون معلقه زي الدبيحة على بوابة البيت.
وقبل أن يبتعد ألقى نظرة على عمار، كانت نظرة تحذير أكثر من كونها وعيد لأنه اقترب من شقيقته مرة أخرى.
عادت عايدة و تحمل الكثير من الأكياس بعدما تركت حماتها تثرثر مع جارتها التي تنقل لها ما حدث من العراك منذ قليل.
ذهبت و تركت ما تحمله فوق طاولة الرخام بداخل المطبخ و في طريقها بدون أن تنتبه اصطدمت به و كادت تسقط، فأمسك بها:
- معلش مكنتش واخد بالي.
رفعت وجهها و نظرت في عينيه و ظلت صامتة.
تحمحم و تركها ثم سألها:
- أومال فين أمي؟
ابتلعت ريقها بتوتر و أجابت:
- خالتي تحت زمانها طالعة، محتاج حاجة؟
رمقها من أسفل لأعلى و قال لها باقتضاب و نفور:
- شكراً.
دفع باب المنزل على مصراعيه كالثور الهائج يبحث عن زوجته و شقيقته، وشياطينه تتراقص أمام عينيه:
- ليلة، هدى، أنتي يا زفتة منك ليها.
تختبئان بداخل الغرفة، قامت هدى باللطم على خديها:
- يالهوي، يالهوي خلاص ضيعنا.
عقدت ليلة ساعديها أمام صدرها و أخبرتها:
- بطلي خوف بقى، أنتي اللي بتخليه يعمل فيكي كده.
أشاحت الأخرى بيدها و قالت بتهكم:
- يا شيخة روحي ده أنا لسه حايشة عنك إمبارح لما كان هايموتك في إيده، ما فيكيش غير لسان و بس.
وقبل أن ترد الأخرى انتفضت ذعراً حين قام الآخر بطرق الباب بقوة أفزعتهما:
- افتحي منك ليها بدل و ربنا لأكسر الباب فوق دماغكم انتو الأتنين و أبقوا صرخوا لحد بكرة محدش هايحوشني عنكم.
تفوهت زوجته بخوف و هي تبتلع ريقها:
- طيب ممكن تسمعنا قبل ما تتهور و تمد إيدك و أنت مش عارف حاجة؟
زمجر كالوحش الضاري و قال بتهديد:
- أنا هعد لواحد لغاية تلاتة و ديني و ما أعبد لو الباب ما اتفتحش بعدها تكوني طالقة بالتلاتة.
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل الثالث 3 - بقلم ولاء رفعت
فتحت بسرعة قبل أن ينفذ تهديده الذي لم يتراجع عنه إذا صمدت علي موقفها العنيد.
ترفع يديها أمام وجهها بوضع الدفاع تخشي أن يجفلها بصفعة أو لطمة.
في لحظة كانت تلابيب عبائتها في قبضته و بصوت جهوري صاح بها:
- مش قولت مليون مرة لو أي عيل و... عاكسك أو عاكس السنيورة ما تردوش عليه؟
هزت رأسها بخوف و طاعة:
- صح يا سي حبشي، حصل.
عنفها مرة أخري و يرمق شقيقته بغضب لأنه يعلم خصالها جيداً و قال:
- و مش فهمتكم قبل كده إن لو أي حد من المقاطيع اللي في الشارع عاكس واحدة فيكم ما تردوش لأن الواحدة ترد على واحد بيعاكسها تبقي واحدة لا مؤاخذة قليلة الأدب.
صاحت ليلة بإعتراض و سخط:
- ما تبطل تخلف و جهل بقي، دلوقتي بقي فيه قانون للأشكال الزبالة اللي بتتحرش بللفظ بيتقبض عليه و يتسجن يعني يحمدو ربنا إننا ردينا عليهم بدل ما جرجرناهم علي القسم.
ليتها ما تفوهت بتلك الكلمات التي سبرت أغوار هذا الوحش الماثل أمامها.
ترك زوجته و أمسكها هي و صدي صوته الأجش يتردد في الأرجاء:
- كنتي بتقولي أي يا روح ماما، سمعيني كده تاني أصلي ما سمعتش كويس.
صرخت من هزه لها بعنف، لم تري أمامها شيئاً واضحاً حيث يهزها كزجاجة مياه غازية و يلقي عليها أفظع السباب و الشتائم المصاحبة بالضرب و السحل.
وكالعادة صوت صرخاتها يصل إلي كل أهل الحارة.
***
و بعد إنتهاء صلاة التراويح، علي المقهي البلدي حيث يجلس الرجال و الشباب لمتابعة إحدي مباريات كرة القدم، يهللون تارة و يصيحون تارة أخري عندما يركض اللاعب نحو المرمي و علي وشك تسديد الهدف و كأنه يسمع تشجيعهم!
- واحد شيشة يا بني.
صاح بها جلال إلي صبي المقهي.
فأجاب الآخر:
- واحد شيشة للمعلم جلال و زود الفحم و صلحو.
رمقه معتصم علي مضض قائلاً:
- يا بني أرحم نفسك ده أنت فوق شارب لك يجي حجرين شيشة، صدرك مش كده.
أبتسم الأخر بتهكم و قال له:
- اللي يسمعك و أنت بتنصحني ما يشوفكش و أنت السجاير ما بتفارقش إيدك!
أنتهي من سخريته و ختمها بقهقه مُجلجلة مما جعل شقيقه أشاح وجهه إلي الناحية الأخري.
يعلم كم هو عنيد و جاهل لم يستمع إلي أي نصائح و هذا ما جعله يخشي أن يحذره إلي أمر زوجته التي تلاحقه دائماً.
و في زواية قريبة يجلس حبشي بالقرب منهما فأنتبه معتصم إليه.
نهض فسأله شقيقه:
- رايح فين الماتش لسه ماخلصش.
أشاح له بيده و قال:
- هاروح أسلم علي الواد حبشي المعفن.
ذهب إلي حبشي الذي عندما رآه تمعن النظر إليه و هلل بسعادة:
- أهلاً حمدالله على السلامة يا معتصم، جيت أمتي يا صاحبي؟
صافحه الأخر بعناق أخوي و قال:
- لسه راجع إمبارح، أخبارك أي و الجماعة و العيال.
- الحمدلله كلنا بخير، أنت اللي أخبارك أي جاي و ناوي تتجوز و لا شايف حالك في الخليج؟
غمز له بعينه.
ضحك الأخر وقال:
- و الله يا صاحبي أمي اللي مُصرة علي موضوع الجواز ده و أنا بيني و بينك مش ناقص وجع دماغ، أنا راجل حر ما بحبش واحدة تقولي رايح فين و جاي منين.
عقب حبشي علي حديثه قائلاً:
- علي رأيك و الله ده كفايه المصاريف و هات هات كأن الواحد قاعد علي بنك و مصاريف العيال ما بتخلصش، كتب و كراريس و دروس.
- يا عم أنت هاتشتغلني قال يعني بتصرف ده أنت ميت علي القرش، ألا قولي صح بقي عندك كام عيل بالصلاة علي النبي.
أجاب الأخر بعدما تجرع رشفة من كوب الشاي:
- عليه أفضل الصلاة و السلام، عندي ماشاء الله بسنت و محمد.
رد معتصم بسعادة:
- يا ماشاء الله ربنا يبارك لك فيهم.
أنتبه حبشي إلي شقيقته التي تشير إليه من بُعد مسافة قليلة.
لاحظها معتصم و قال:
- ألحق يا حبشي فيه مزة جامدة عمالة تشاور لك من بعيد الله يسهله يا عم.
تمعن النظر نحو ما أشار إليه الأخر فوجدها شقيقته و قال:
- مزة أي يا جدع دي البت ليلة أختي.
ثم تمتم بصوت لم يسمعه الأخر:
- برضو خرجتي من غير استئذان و ربنا لأربيكي يا بنت الـ....
بينما الأخر عندما علم إنها شقيقته التي تركها قبل سفره كانت طفلة صغيرة ها هي أصبحت صبية يافعة تمتلك جسداً بضاً و جمالاً يسحر الألباب و يخطف الأنظار من أول وهلة.
ربما سيعدل عن رأيه في عدم الزواج الأحري وجد ضالته أخيراً.
كم تخيل فتاة أحلامه لليالي طوال، فهي مُراده الذي طالما تمناه و سيظفر به بأي ثمن.
وصل حبشي لدي شقيقته رمقها بنظرة من الجحيم و قال لها:
- اي اللي خرجك من البيت و أنا محذرك؟
رمقته بسخط و ودت أن تصفعه بكل قوتها و قالت:
- عايزة فلوس عشان أخلص ورق التنسيق و أطبعه في مكتب الكمبيوتر.
صاح بها و لكزها في كتفها بعنف.
يا له من أخ وغد و مقيت لا يعرف الحنان درباً إلي قلبه، مثله من قيل علي أفئدتهم من الفولاذ لم تتأثر قط بأي مشاعر:
- تنسيق أي يا روح خالتك، مش قايلك أنسي موضوع التعليم ده نوهائي!
لم تتحمل كم الإهانة و كعادتها أنفجرت بغضب و نفذ صبرها من هذا الأرعن:
- أنت ما بتصرفش عليا من جيبك علي فكرة، أنا ليا ميراث أبويا الله يرحمه و لو مش هتديني يبقي خلاص تعالي نتحاسب و هاخد حقي أتعلم و اصرف بيه علي نفسي و لا الحوجه لأمثالك.
نظر من حوله يخشي أن يقترف فضيحة أمام الناس و يشمت فيه اعدائه.
أمسك قبضته بشدة و قال لها:
- غوري من وشي علي المسا أحسن لك، بدل و ديني و ما أعبد لأجرجرك علي البت و أخليكي تلحسي تراب الشارع و أكسر لك رجلك دي عشان أعجزك و تقعدي مكسحه في البيت و تبطلي تنطيط.
مسحت عبراتها علي مضض و تراجعت قائلة و قد فاض بها الأمر و وكلته إلي ربها:
- مش هرد عليك بس كل اللي اقوله لك حسبي الله و نعم الوكيل فيك يا ظالم.
و ركضت قبل أن يلحق بها.
و أنتظر حتي رآها تدلف إلي داخل فناء المنزل و عينيه مليئة بوعيد.
عاد بعد ذلك إلي صاحبه:
- معلش يا صاحبي، كنا بنقول أي؟
أرتشف معتصم الماء و السعادة تتلألأ داخل عينيه و قال دون أي مقدمات:
- أنا عايز أتجوز أختك.
***
و بعد عودتها إلي المنزل ولجت إلي غرفتها باكية جلست فوق السرير و أخرجت صندوق من درج الكمود مليئ بالصور.
أمسكت بصورة والدها الحنون قائلة و كأنها تحدثه:
- ليه سبتني يا بابا، شوفت حصلي أي من بعدك، حبشي قلبه حجر و قاسي و عمره ما كان حنين، أنت عمرك ما مديت إيدك عليا ابداً و لو زعقت فيا بتيجي تطبطب عليا و تاخدني في حضنك، عمرك ما كسرت بخاطري، لكن أبنك ديماً كاسر بخاطري و عايش عشان يقهرني، لو الحياة هاتبقي ديماً كده ياريت خدني عندك عشان ارتاح بقي من العذاب و القرف اللي أنا عايشه فيه من وقت ما سبتني أنت و ماما.
وجدت يد حنونه تربت عليها و اليد الأخري تعطيها كوب عصير ليمون.
صاحبة اليدين زوجة شقيقها قالت لها:
- استغفري ربنا يا ليلة، ربنا بإذن الله هايفرحك و هايعوضك بفرحة كبيرة بس أنتي قولي يارب و بلاش التشاؤوم و تفاولي علي نفسك بالموت، انتي لسه شابه صغيرة و الطريق قدامك طويل، بكرة تلاقي ابن الحلال اللي ياخدك في حضنه و يطبطب عليكي و يعيشك في فرح و سعادة.
هزت الأخري رأسها و تجفف عبراتها في آن واحد:
- أنا كل اللي عايزاه أكمل تعليمي و اخد شهادتي و أشتغل و أبقي حرة نفسي و أطلع بره الحارة دي خالص، للأسف مفيش راجل عدل تقدري تأمنيه علي نفسك، كلهم صنف واحد ملهمش أمان.
- و مين سمعك يا ليلة كلنا كان نفسنا في كدة، بس الواقع حاجة تانية، الظروف ساعات بتحكم عليكي و تفرض عليكي عيشة و حياة غير اللي نفسك فيها خالص، كل اللي في أيدك دلوقت هو الصبر، و إن شاء الله حياتك هاتكون احسن.
نظرت إلي الفراغ داعية ربها:
- يارب.
***
يتجمع أفراد عائلة معتصم حول المائدة لتناول طعام السحور، حيث تتراص أطباق مليئة بالطعام من الفول و الفلافل و البطاطا المقلية و الخضروات الورقية و البيض المسلوق و البذنجان و علب الزبادي، كل ما تشتهي الأنفس و تهواه المعدة.
خرجت عايدة من المطبخ تحمل دورق المياه الزجاجي و كوب فارغ.
وضعتهم أمام زوجها الذي يلوك الطعام بفمه و شارد في الفراغ:
- أتفضل يا حبيبي.
بينما كان معتصم يأكل في صمت لكن عينيه لا تبرح تلك العاهرة التي أتت إليه بالأمس لتراوضه عن نفسه، لكن محاولتها بائت بالفشل الذريع عندما لوي ذراعها خلف ظهرها و هددها بفضحها أمام والدته و شقيقه إذا لم تبتعد عنه.
لكن كيف يمكنها الإبتعاد و هي تعشقه بكل ما بها قلبها و عقلها و تريده بشدة، و لا تكترث إنها ترتكب إثماً عظيماً و ربما إذا أفتضح أمرها ستكون فتنة كبيرة ما بين الأخوة ربما تودي بحياة إحداهما!
حدقها بإزدراء و إشمئزاز بينما هي تبادله بنظرة كبرياء و كأنها لم تقترف أي شىء يا لها من فاجرة وضيعة.
كسر الصمت صوت نفيسة و تسأل إبنها:
- مقولتليش يا معتصم يا بني، لسه ما لقتش عروستك و لا أنقهالك أنا؟
أخذ الكوب و قام بسكب الماء من الدورق ثم شرب الكثير من الماء و أجاب:
- أيوة يا أمي لاقيتها.
خفق قلب عايدة و شعرت بالإختناق الذي قد يودي بحياتها عندما سمعت ما ذكره للتو هل قال إنه وجد عروسه، هل سيتزوج بأخري!
ردت والدته بإهتمام و فرحة:
- و دي مين دي يابني و أنا أروح أخطبهالك من دلوقتي.
نهض و نفض يديه من آثار الخبز و أجاب:
- تبقي ليلة بنت حبشي صاحبي.
تخلي جلال عن صمته أخيراً و تحدث و الطعام بفمه:
- أي ده أخت الواد حبشي المكانيكي؟
أومأ له شقيقه ثم نظر إلي عايدة التي شحب وجهها و الجحيم يندلع من عينيها خاصة عندما قال زوجها:
- يا إبن المحظوظة يا معتصم، دي بت زي البدر، ، بس لسه صغيرة عندها 18 سنة.
عقبت والدتهما بإمتعاض:
- و أنت ما لقتش غير حبشي البخيل المعفن و رايح تناسبه، دول محلتهمش حاجة و هو بخيل و جلدة طول عمره، تفتكر هيجهز أخته!
أخرج معتصم سيجارة من العلبة و أشعلها بالقداحة و نفث دخانها ثم أجاب:
- مليكيش دعوة ياماه ، أنا هاخدها بشنطة هدومها و لا مش هيجيب لها هدوم أنا ممكن أخليكي تاخديها و تشتري لها بنفسك.
قال له شقيقه مبتسماً بمكر و يغمز له بعينه:
- طبعاً ليك حق، أنا لو مكانك ده أنا أبيع نفسي و أشتري واحدة زي ليلة.
علقت عايدة بغيرة و حقد لم تستطع إخفائهما:
- دي حتة عيلة لسه خارجة من ثانوي، و علي ما أظن هي ثانوية عامة و سمعت البت أسماء بنت أم شهاب كانت بتتكلم إمبارح إنها جابت مجموع حلو و داخلة كلية جميلة، و معلش يا معتصم أنت يا دوب واخد دبلوم، تفتكر هتوافق؟
رمقها بحدة قد تكون قاربه للغضب.
يدرك سخريتها الواضحة و يشوبها الحقد و الضغينة.
شهقت نفيسة و قالت:
- فشر ياختي، ماله معتصم أبني، ده جدع طول بعرض و زي القمر و كسيب، عنده اللي مش عند خريج الطب، يعني لو شاور بصباعه الصغير البنات هتيجي تترمي تحت رجله.
ضحك جلال و عقب:
- طبعاً يا ماه و مين يشهد للعريس.
لوت زوجته شفتيها جانباً بتهكم و إمتعاض.
نهضت من المائدة و قالت:
- لما أروح أعلق علي الشاي.
قال لها جلال:
- أبقي و النبي يا دودو ولعي لي حجر فحم و هاتي لي الشيشة معاكي.
ربتت نفيسة علي إبنها الأخر فقالت:
- ماشي يا معتصم هاخد مرات أخوك و نروح نقعد قعدة ستات مع هدي مرات أخوها و نرمي لها الكلام و نشوف رأي البت أي و ربنا يقدم اللي فيه الخير.
نفث دخان سجائره مرة أخري و قال بصوت مرتفع حتي يصل إلي التي تقف في المطبخ و تسترق السمع و نيران الغيرة تنهش قلبها:
- بس ياريت تفهميهم إنه هيبقي جواز علي طول يعني في خلال أسبوع، ما أنتي عارفة يا دوب واخد أجازة شهرين بالعافية و ممكن يبعتولي في أي وقت ربنا يستر.
- إزاي يابني هاتتجوز في رمضان!، ما تخليها علي العيد طيب.
رد قائلاً:
- أنا لسه بقولك هم شهرين بس اللي واخدهم أجازة و بعدين اليوم مش كله رمضان و الليل طويل.
بينما بالداخل كانت مثل المياه التي تغلي و تفور في براد الشاي.
أطفأت الموقد و نسيت أن تمسك بعازل حرارة فأمسكت بمقبض البراد و سرعان ما أحرقتها الحرارة شديدة السخونة.
صرخت و وقع البراد بداخل الحوض.
نهض جلال يركض ليطمئن عليها:
- مالك يا دودو؟
تصنعت البكاء لكن بالفعل تتألم بشدة لكن ألماً أقل من ما يشعر به قلبها العاشق لشقيق زوجها.
- إيدي يا جلجل لزقت في البراد.
أمسك بيدها و وضعها أسفل الصنبور و قام بفتحه.
أنهمرت المياه علي أثر الحريق فأنتفضت و أخذت تصرخ بدلال.
و عينيها صوب الذي يرمقها من بعيد شزراً.
***
و قبل الفجر بساعة، بداخل تلك الغرفة يتمتم لها و كأنه كالغريق:
- بحبك أوي يا دودو، بحبك أوي يابت.
أبتعد عنها و أرتمي علي ظهره بجوارها كذكر الماعز دون أن يكترث إليها.
فهو كما كانت ترمي إليه دائماً حيث لا تجد منه سوي عدم الإكتراث لإحتياجاتها.
نهضت لترتدي ذلك القميص الحريري الذي قام بخلعه عنها هباءً.
أرتدته و الإستياء يعتمل صدرها.
تريد الصراخ في وجهه لكن ما الفائدة أن تستنزف كامل طاقتها في الصراخ أمام هذا الأحمق.
و هذا ما جعلها تُحلل لنفسها مشاعرها إلي شقيقه!
ألقت نظرة من فوق كتفها وجدته قد غطي في النوم بعدما جذب الدثار و لم يكلف عناء نفسه و ينهض حتي للأغتسال.
كم كرهت قذارته تلك.
أرتدت المأزر الخاص بالقميص و كأنه يواري جسدها بقماشه الشفاف و خرجت متجهة إلي المرحاض.
لاحظت الهدوء الذي يعم الأرجاء، لكن يبدو هناك مستيقظ لا يريد النوم.
راودها شيطانها بأفكاره السامة لتجد قدميها ذهبت أولاً للأطمئنان علي حماتها فوجدتها تغط في نوم عميق.
ذهبت علي أطراف قدميها إلي الغرفة المنشودة و أدارت مقبض الباب بلا تردد.
تجرعت لعابها بقلب من فولاذ لا يخشي شىء بتاً.
بينما مَنْ يشغل بالها يتمدد علي الأريكة و يضع سماعات الأذن المتصلة بهاتفه و يشاهد إحدي المسلسلات الرمضانية.
و بدلاً من أن تتراجع و تعود إلي غرفتها، يبدو هذا راق لها الوضع فالكل نائم.
يا لها من عاهرة قذرة تتوهم العشق المحرم و لا تعلم إنها بذلك ستنشب حرب ضروس بين الأخوة.
فهي كالأفعي التي تتسلل بين الضباع و تزحف بينهم و تصطاد الأضعف منهم و تلدغه بسُمها الزعاف.
يا لها من خبيثة و لعينة.
أقتربت منه بخطي وئيدة و عينيها تتأجج بالرغبة الجامحة.
وضعت يدها علي كتفه بجرأة سافرة.
أنتفض معتصم بفزع و كأن لدغه عقرب و عيناه وقعت علي ثيابها الفاضحة:
- عايدة!
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل الرابع 4 - بقلم ولاء رفعت
في منزل حبشي الذي يصيح بصوت جهوري:
- هدي، لما تخلصي الفطار أبقي أبعتي الواد محمد إبنك بعلبة الأكل عشان عندي شغل كتير و مفيش وقت أجي و أفطر و أمشي.
ردت من داخل المطبخ و تزفر بتأفف فهي تمسك بإسطوانة الغاز تقوم بهزها قليلاً:
- ياريت تقول للواد اللي شغال معاك يجيب لنا أنبوبة من المخزن اللي في الشارع اللي ورانا، الأنبوبة شكلها بتشطب.
كانت ليلة تجلي الصحون و قامت بشطف أخر كوب و وضعته بجوار الأكواب الأخري علي مصفاه أعلي طاولة الرخام القديم و الذي يخترقها شقاً كبير، سألت زوجة أخيها:
- شوفتي يا هدي عمايل جوزك هو ناوي يحرمني أني أكمل تعليمي و لا أي!
ردت بقلة حيلة:
- و الله ما أعرف ، هو كل اللي فهمته من رفضه و كلامه شكله ناوي يخليكي ما تكمليش.
صاحت بسخط:
- نعم! ، و ربنا ده أنا كنت كلمت خالي و خليته يجي من البلد يشوف شغله معاه، هو فاكر نفسه أي إن شاء الله.
أشارت لها بخوف و أن تصمت:
- هش يخربيتك هايسمعك و ينزل فيكي ضرب زي كل مرة، و بعدين خالك ده و لا ليه أي ستين لازمة، إذا كان بيخاف من مراته مش هيخاف من حبشي!، يا شيخة أتوكسي.
هزت رأسها بسأم و رددت:
- علي رأيك، ده أنا عمري ما أنسي لما كنت عايزة أبيت عندهم و اقعدي لي يومين مراته راحت سحباه من قفاه و تقوله بقولك أي أنا عايزة اقعد براحتي في بيتي مش ناقصة حد يقعد يكتم علي نفسي.
ضحكت الأخري علي أسلوب ليلة الساخر و تقليدها لزوجة خالها:
- يخرب فقرك ، هي فعلاً بتعمل كده، دي وليه حيزبون ربنا يهدها البعيدة.
- أنا ماشي و ماتنسيش اللي قولتلك عليه.
صاح بها حبشي بصوته الغليظ و الجهوري، فصرخت الاخري:
- ما قولنا الأنبوبة شطبت عمال أهز فيها زي إزازة الحاجة الساقعة و يا دوب شعلتها سهراية.
أشاحت ليلة بيدها و قالت:
- ياختي بلا هم، أموت و اعرف أنتي أتجوزتيه ليه، مش هو أخويا بس و ربنا لو جالي واحد زيه عندي أقطع شراييني و لا أتجوزو.
أخبرتها هدي:
- النصيب يا ليلة، النصيب و القلب اللي بيدق من غير ما ياخد رأيك.
كادت الأخري تعقب علي كلماتها لكن صوت رنين هاتفها صدح من الغرفة، جففت يديها بمنشفة المطبخ و قالت:
- شكلها البت سلمي صاحبتي عايزة تتطمن عملت أي، منك لله يا حبشي يا لي موقفي لي حالي.
ذهبت و أمسكت بهاتفها، أنتفض قلبها عندما رأت إسم المتصل (سلمي عمار)، تسحبت علي قدميها لتتأكد من عدم سماع زوجة شقيقها لها ثم أوصدت باب الغرفة، قامت بإجراء الإتصال:
- ألو، ليك عين بتتصل بيا بعد اللي عملته معايا أخر مرة!
اتاها صوته و يبدو عليه الإعياء و التعب:
- أنا بكلمك عشان أقولك أنا بحبك أوي و ما تزعليش ربنا أنتقم لك مني و أديني راقد في سريري مش قادر أعمل لنفسي الفطار بقالي يومين عايش علي سندوتشات بيجيبها لي واحد صاحبي.
خفق قلبها بقلق و خوف فقالت:
- مالك يا حبيبي بعد الشر عليك.
أخذ يسعل ثم أجاب:
- عندي سخونية و زوري واجعني و جسمي كله همدان مش قادر أحرك دراعي، حتي بكلمك من التليفون بالعافية.
أخبرته بحزن و قلق:
- خليك مكانك و أنا جاي لك ما تقلقش عشر دقايق و هاكون عندك، سلام دلوقتي.
أنهت المكالمة بينما هو رفع زواية فمه كإبتسامة ذئب ينتظر فريسته الشهية ليفترسها بضراوة.
***
و فوق سطح المنزل تمسك عايدة بقطعة ثياب مبتلة و ألقتها أعلي الحبل ثم قامت بتثبيتها بالمشبك الخشبي، و بمجرد سماعها صوت هذا القادم و الذي يصعد الدرج تركت ما بيدها و اختبأت في زواية لا يمكن من رؤيتها منها.
كان يطلق صفيراً و ذهب ليقف بالقرب من سور السطح ، و ما أن تأكدت من خلو السطح إلا من وجودها و وجوده أطلقت ساقيها بخطي لم يشعر بها الأخر، و في لحظة أجفلته بجذبه من يده و سألته و الغضب ينضح من سؤالها:
- أنت صحيح هاتتجوز البت اللي إسمها ليلة يا معتصم !
لم يكن مذعوراً، هذا حدث كثيراً من قبل، رمقها من أعلي لأسفل و قال:
- عايزة أي؟
أخبرته بنظرة ولع و عشق مدفون بقلب ملتاع:
- عايزاك أنت و لا نسيت اللي ما بينا!
نفض يدها عن يده و قال:
- للأسف ما نستش، ما نستش كذبك و خداعك لما كنتي بتوهميني بحبك و في نفس الوقت ماشية مع صاحبي، و جيت واجهتك بتسجيلات مكالمتكم قعدتي تحلفي كدب و تألفي لي قصص من خيالك و فاكراني أهبل، و كله كوم و إن تستغلي رفض ليكي و خلتيني أسيب لك البلد و أطفش من وشك و عمايلك و قعدت في الغربة تلات سنين ما نزلش أشوف أهلي، في الأخر أتصدم يوم ما رجعت ألاقيكي متجوزة أخويا، لولا نظرة حبه ليكي اللي شايفها في عينيه كنت حكيت له عن حقيقتك القذرة.
اقتربت منه و قالت:
- أنت لسه برضو مش مصدقني، و الله كل ده كذب و تلفيق، انا بحبك أنت و الواد سعد هو اللي عمل كل ده عشان ياما رفضت إن أرتبطت بيه و لما عرف إني بحبك أنت قرر ينتقم مني و منك، عايز تصدق براحتك مش عايز أنت حر.
إبتسامة هاكمة ظهرت علي محياه قائلاً:
- علي أساس الوفاء و الإخلاص مقطع بعضه عندك!، كفاية عمايلك السودة و اللي كل مرة بتعدي بستر ربنا بدل ما تتفضحي و أنا أخسر أخويا.
أقتربت أكثر و كادت تلتصق به:
- ما تبطل بقي دور المحترم و الأخ الوفي اللي عايش فيه ده، فاكر لما قولت لي أنا ماحبتش و لا هاحب زيك!
صاح بها و يرمقها بإزدراء:
- كان كله وهم و كدب، دلوقتي مش شايف غير واحدة لولا إننا في نهار رمضان و أنتي للأسف واحدة ست كنت قولت لك لفظ يليق عليكي.
اقتربت منه بشدة و كادت تلتصق به:
- لو ده هايرضيك و يشفي غليلك مني أنا موافقة، بس تسامحني و ترجع لي.
يا للوقاحة إلي هذه الدرجة تجرأت في الحديث معه دون رادع أو خجل!
قبض علي عضدها و هدر من بين أسنانه:
- أسمعي يا عايدة أقسم بالله أنا ماسك نفسي عنك بالعافية و عامل حساب لأخويا الكبير لكن لو لاقيتك ما بطلتيش عمايلك الوسخة دي لهاعملـ..
- عايدة، بت يا عايدة.
كان صوت والدته تنادي من الشرفة، نفض ذراعها من يده قائلاً من بين أسنانه:
- أبقي كرري حركاتك و كلامك ده تاني و أنا هخليكي تندمي علي اليوم اللي دخلتي فيه البيت ده.
***
و في الليل وصلت إلي نهاية الدرج حيث يقطن عمار فوق السطح بداخل غرفة يتكون سقفها من الصفيح و الخشب القديم.
و بخطي وئيدة تتقدم نحو الغرفة و قلبها يدق بشدة مثل جرس إنذار و الأحري ناقوس خطر لكن هنا العاطفة كان لها الكلمة الأخيرة، أختصرت خطواتها الأخيرة و دلفت و هذا بعدما وجدت باب الغرفة مفتوحاً، فـ نادت:
- عمار ، عمار؟
كررت النداء و لم تجد تلبية و كادت تلتفت خلفها حتي أجفلها كجدار صلب يقف أمامها، أنتفضت بفزع و تراجعت، ترمقه بتوجس:
- أنت بخير؟
لوي شفتيه جانباً بإبتسامة ماكرة كذئب أضحت فريسته أمامه و لم تجد مفر للهرب أو ربما هكذا ظن:
- أنتي شايفة أي يا لولو ؟
رددت بتعجب و دهشة لاسيما عندما لاحظت تعابير وجهه التي تخبرها إنه ليس في حالته الطبيعية و عليها الحذر:
- عمار أنت شارب حاجة؟
أغلق الباب خلفه و تقدم نحوها قائلاً:
- لسه هاشرب، تعالي أوريكي أشرب أي.
و سرعان فاجئها بجذبها من خصرها و حملها إلي فراشه المُهترئ، أخذت تقاومه و تضربه بقوة محاولة أن تفلت من بين يديه:
- سيبني يا حيوان، أبعد عني، أنا كنت حاسة إن فيه حاجة غلط من الأول بس لما عرفت إنك تعبان مهونتش عليا و جيت لك جري.
ألقاها علي الفراش و أرتمي عليها بثقله حتي لا يمكنها الهرب، قام بتقبيلها بوحشية و يقول لها بثمالة :
- طاوعيني مفيش غير الحل ده عشان نتجوز، لازم نحط أخوكي قدام الأمر الواقع و يخليني أتجوزك غصب عشان الفضيحة.
أستطاعت فلت يدها و صفعته بقوة:
- ده بعينك يا واطي يا قذر، عايزني أفرط في شرفي عشان أخسر نفسي و أخويا و تبقي فضحتي علي كل لسان.
نهض عنها و لم يصدق نفسه و ينظر لها بغضب عارم:
- أنا بقي هادفعك حق القلم ده غالي و هخلي فضيحتك علي كل لسان يا زبالة.
و جذبها من تلابيب ثوبها و يدفعها نحو الحائط، أخذت تصرخ و لكن لم تستطع الإستغاثة فهي الآن المُدانة أمام الجميع، هي من ذهبت إليه بإرادتها و دون علم شقيقها، عليها أن تتحمل ذلك و يا ويلها إذا نال منها هذا الثائر بجنون و عزم علي أخذها بالقوة و لم يتركها سوي أن تراق الدماء علي جوانب شرفها!
- شكلك محرمتش من المرة اللي فاتت، يبقي أستحمل.
صرخت بتلك الكلمات و ما أن قالتها ركلته بقوة بين ساقيه و لم تمهله أن يستوعب ما فعلته أمسكت بعصا خشبية و نزلت بها فوق رأسه مما سببت في فتح جرح أعلي جبهته، صرخت و ركضت إلي الخارج قاصدة الهرب و ربما إذا حدث له مكروه فلا تكون المتهمة و يفتضح أمر علاقتها الخفية به.
***
خرجت من البناء تتلفت يميناً و يساراً بخوف تخشي أن يراها أحد، كانت تضبط من هندام حجابها و إدخال خصلاتها التي تشعثت من الأمام، خبئتها أسفل الحجاب، ألقت نظرة أخيرة و لم تنتبه فأرتطمت بهذا الشاب الفارع الذي لم يهتز إنشاً واحداً و هي قد وقعت علي الأرض، رفعت عينيها و رأت كف غليظ ممدود إليها:
- قومي.
رفعت وجهها و نظرت إليه أجفلتها نظرته الثاقبة و كأنه يعرفها بينما هي تجهل هويته، لم تذعن لأمره و أستندت علي الأرض و لم تكترث للغبار الذي أنغمرت به يديها، أسرعت من خطاها للعودة إلي المنزل و إكتشاف إحداً بعدم وجودها.
بينما معتصم مضي في طريقه إلي ورشة حبشي الذي رآه قام بالترحيب به رافعاً يده:
- يادي النور، يادي النور، معتصم منورنا في الورشة، أجري ياض يا بلية هات حاجة ساقعة لعمك معتصم.
خرج الأخر من أسفل السيارة قائلاً:
- أمرك يا سطي حبشي، فوريرة و جاي بسرعة.
أخبره معتصم بتهكم مازحاً :
- أي يا عم جو الضيافة و الكرم ده، أنت عيان و لا أي!
أستشف الأخر تهكمه و إتهامه بصفة الشح و هو كذلك بالفعل:
- ماشي يا عم الله يسامحك.
جلس كليهما علي الكراسي فقال معتصم:
- يارب يسامحنا كلنا، علي العموم أنا جاي لك في موضوع كده بس اسمعني للنهاية قبل ما ترد.
رمقه بإهتمام مبالغ و عقد حاجبيه و كأنه يخشي أن يطلب منه أموالاً سلفاً:
- خير يا صاحبي.
ضحك الأخر عندما لاحظ علامات توجس صديقه:
- ما تخافش مش هطلب منك فلوس، بس طالب حاجة تانية، مبدأياً كدة بالصلاة علي النبي أنت عارف بقالي أكتر من أربع سنين شغال بره و الحمدلله أنا راجل كسيب و بنيت البيت اللي أمي و أخويا و مراته اللي عايشين فيه، و بنيت التالت عشان أتجوز فيه.
أدخل الأخر طرف خنصره في أذنه و يهزه ليزيل شئ عالق يضايقه بداخلها و قال مُتظاهراً بالحماقة:
- ربنا يزيدك يا معتصم يا أخويا، بس أنا مافهمتش برضو أنا داخلي أي بالكلام ده؟
أبتسم الأخر و تجلي الفرح علي ملامحه:
- أنا طالب أيد أختك ليلة .
غر فاهه و كاد يتدلي فكه إلي صدره عندما أخبره صديقه:
- بس أنا عايز خطوبة و كتب كتاب و فرح كل ده في خلال أسبوع و أنا متكفل بكل حاجة حتي شنطة هدومها أنا هجيبها لها، يعني عايز كل اللي عايزه العروسة بس.
حك ذقنه و يفكر في الأمر:
- و الله يا صاحبي ده شرف ليا تتجوز أختي و كل اللي قولته كلام موزون و جميل، بس أستني أسألها الأول و أشوفها هتوافق و لا أي؟
- أنت هاتستعبط عليا يا حبشي!، ده أنت اللي مربيها و كلمتك مسموعة يعني لو أنت موافق هي هتوافق و تقولك آمين.
أتسع فمه بإبتسامة ظهرت فيها كل أسنانه:
- برضو يا عصوم لازم أفاتحها خصوصاً لسه مخلصة ثانوية عامة و قال أي عايزة تدخل الجامعة و بيني و بينك أنا مش راضي علي موضوع الجامعة ده، هناك الشباب مع البنات و الدنيا مليطة مولد و صاحبه غايب، و أنا راجل دمي حامي ما استحملش علي أختي الهوا.
أشاح الأخر له بيده بسخرية:
- ياعم أجري أنت هاتعملهم عليا، أنت بس خايف من مصاريف الجامعة و اللبس، خلاص أنا موافق أنها تكمل و تدخل الكلية اللي تشاور عليها، كدة كدة هقعد معاها أجازة الصيف و هسافر تكون هي بدأت الدراسة.
- يبقي كدة إحنا متفقين.
قالها بسعادة واهية علي غرار حال شقيقته عندما تعلم بالأمر و يا ويلها إذا علمت بقراره الحاسم و الذي لا رجعة فيه.
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل الخامس 5 - بقلم ولاء رفعت
علي
بت يا ليلة، أنتِ يا بت.
كان صوت حبشي الجهوري و الذي ينبأ عن أخبار سارة، يحمل في يديه أكياساً تفوح منها رائحة الطعام الجاهز.
كانت ليلة تمكث بداخل غرفتها و تبكي و عندما سمعت صوت أخيها بدأت تجفف دموعها التي تنهمر بسبب قلبها الحزين و إكتشاف حقيقة من أحبته المخادع الوغد.
ولج إلي المطبخ و رأي زوجته:
بتعملي أي يا وليه؟
أجابت عليه بإمتعاض:
هاكون بعمل أي يعني، بحضر لكم السحور.
أشار إليها قائلاً:
سيبي اللي في أيدك ده و تعالي جيب لكم كفتة و طرب من عند الحاتي اللي نفسك تاكلي عنده.
أتسعت عينيها غير مصدقة، و لما لا فطالما كان شحه يغلب عليه كلما طلبت منه أي شئ:
سلامتك يا سي حبشي أنت عيان و لا حاجة!
صاح بسخط:
جري أي يا وليه محسساني إن بخيل و لا أي.
لوت شفتيها بتهكم قائلة:
كفي الله الشر يا أخويا هو أنا قولت حاجة!
طيب ياختي، هاتي الصينية و أطباق فاضية و معالق و تعالي علي أوضة البت ليلة.
طرق الباب:
أفتحي يا بت يا ليلة.
هذا أخر ما ينقصها في هذا اليوم العصيب، ذهبت و فتحت الباب:
أتفضل.
أشارت إليه بالدخول، ذهب خلفها و سألها:
مالك بتعيطي و لا أي؟
توترت ملامحها و أبتلعت غصتها قائلة:
أبداً أنا أنـ..
قاطعها و ربت عليها:
أنا عارف أنك لسه زعلانة مني عشان موضوع الجامعة، و أنا جاي أصالحك بالأكلة اللي بتحبيها و ليكي عندي خبر لوز اللوز.
رمقته بعدم إستفهام، دخلت هدي باللهفة، تناولت منه الأكياس و بدأت تخرج محتوياتها و ترص الأطباق:
خير يا سي حبشي، أي الخبر ده.
تعالي أقعدي بس كولي و أكلي ليلة ، أومال فين الولاد؟
أجابت زوجته:
كنت شيعت لأمي عشان تبعتهم مع الولاه أخويا قالتلي العيال فضلو يعيطو مش عايزين يمشو.
رمقه بسعادة:
أحسن برضو عشان نحتفل أنا و أنتي بعد السحور الجامد ده.
و غمز بعينه لها، لكزته في صدره و قالت له بصوت خافت:
عيب إختشي يا راجل أختك قاعدة.
حك ذقنه بحرج قائلاً:
عندك حق يا أم محمد، المهم بصو بقي، البت ليلة جالها عريس.
نهضت فزعاً و صاحت بإعتراض:
و أنا مش موافقة.
رمقها محذراً إياها:
ما تتهدي يابت مش تسمعي الأول هو مين و هايعملك اي.
صاحت مرة أخري برفض تام:
و انا مش عايزة أعرف، بالتأكيد واحد من المقاطيع أصحابك و لا من أهل الحارة اللي أكتر واحد فيهم محترم بيشرب حشيش.
ما تقعدي يا بت و أسمعيني بدل ما أسفخك كف علي صرصور ودنك أخليكي طرشة.
رمقتها زوجة أخيها بغمزة قائلة:
أقعدي يا ليلة أسمعي كلام أخوكي، حبشي بيحبك و عمره ما هيريد لك الأذي.
رمقتها الأخري بدهشة جلية رافعه حاجبيها لأعلي حتي قال شقيقها:
الواد معتصم صاحبي جه و طالب إيدك مني.
صاحت بغضب:
نعم!، معتصم إبن نفيسة اللي أكبر مني ب ١٢ سنة!
تصنع الحنان الذي يفتقده في خصاله الخبيثة قائلاً:
ده راجل كسيب مش هيخليكي تشتري حتي هدمتك، هيجيب لك كل حاجة من الإبرة للصاروخ، و فوق ده كله موافق تكملي تعليمك في الجامعة، مش كان نفسك تكملي علامك، يالا أهي جت لك الفرصة علي طبق من دهب.
عقدت ساعديها أمام صدرها و رفعت إحدى حاجبيها برفض:
و أنا مش موافقة يا حبشي.
يا بت ربنا يهديكي أخرجي الناس بقالهم داخلين علي النص ساعة قاعدين مستنينك برة.
أومأت لها ليلة بالرفض و قالت:
أخرج لهم أنتي لأن أنا مش خارجة و مش موافقة، جواز أي اللي في اسبوع واحد ده أنا لو جوزك لاقيني علي باب جامع مش هايعمل فيا كده.
لطمت هدي علي خدها:
يخربيت مخك الحجر، أخوكي حالف بإيمانات ربنا كلها لو رفضتي مش هاتشوفي الشارع تاني.
صاحت بإعتراض:
ده عند أمه الله يرحمها.
تدخل صوته كما تدخلت يده و قبضت علي عضدها بعنف قائلاً بتهديد:
ما هو هيبقي عند أمك فعلاً، لما اقتلك و اشرب من دمك و أخلص من قرفك.
جزت علي أسنانها بألم و غضب:
أوعي سيب دراعي، قولت لك مش هاتجوز و لا أتنيل، أنت أي ما بتفهمش، و لا ما بطلتش تهديدك و لا أسلوبك ده معايا هارقع بالصوت و ألم عليك الحارة و هخلي اللي ما يشتري يتفرج.
كانت كلا من نفيسة و عايدة تجلسان علي الأريكة ذات الفراش البالي و المهترئ، و قد وصل إلي مسمعهما صوت جدال حبشي و شقيقته ، و هذا أسعد قلب عايدة بعدما أستنتجت رفض ليلة من الزواج بمعتصم:
ألحقي يا خالتي شكل البت رافضة تطلع تقعد معانا، شكلها رافضة معتصم.
يا بنت الرفدي، ليه هو أنا ابني عيبه اي، ده ضفره برقبتها.
لوت الأخري شفتيها بتهكم و قالت:
شكلها مش عاجبها و لا نكون مش قد المستوي، ما أنتِ ما تعرفيش الأشكال دي واخده مقلب في نفسها و لا كأنها برنسيسة.
ردت الأخري بحنق و ضيق:
ليه إن شاء الله فاكرة نفسها أي، ده أبوها الله يرحمه كان حتة بياع علي عربية فول و أمها كانت خياطة و أخوها حتة ميكانيكي و لا راح و لا جه.
لكزتها عايدة و قالت بصوت خافت:
و طي صوتك ليسمعونا، أنا من رأيي تعالي ناخد بعضنا و نمشي بكرامتنا أحسن.
أقتنعت الأخري بحديث زوجة إبنها فقالت:
يلا يا بت بلا هم البنات علي قفا من يشيل.
و غادرت كلتيهما دون أن يشعروا من بالداخل، و عندما أنتهي حبشي من حديثه مع شقيقته صعبة المراس، صاح بصوت مجلجل:
طب عليا الطلاق بالتلاتة ما هاتشوفي الشارع تاني و يوم ما رجلك تخطي باب الشقة لأكون كسرها و أخليكي عجزة طول عمرك.
طرق متواصل علي باب المنزل يتبعه رنين الجرس فصاحت هدي:
حاضر يالي بتخبط أنا جاية أهو.
فتحت الباب فظهرت لها فتاة في مثل عمر ليلة:
صباح الخير يا طنط هدي.
رمقتها الأخري بإمتعاض:
طنط أي يابت ده كل اللي بيني و بينك خمس سنين قولي هدي و خلاص.
تصنعت الفتاة الإبتسامة و قالت:
حاضر يا دودا ، أومال فين البت ليلة؟
أشارت لها نحو الداخل:
جوة في أوضتها صحيها عقبال ما أجهز الفطار كلها نص ساعة و المدفع يضرب، أقعدي افطري معانا.
معلش خليها يوم تاني عشان يا دوب جايه اقولها كلمتين عشان بس سايبة المحل و راجعة و امي لو عرفت هاتنفخني.
ردت الأخري بمزاح:
هاتنفخك أي أكتر من كده، ده أنتي قربتي تفرقعي.
طرقت الفتاة باب الغرفة:
قمر أنا مي ممكن أدخل؟
أتاها صوتها الحزين من الداخل:
أدخلي يا مي أنا صاحية.
دلفت و رأتها تجلس علي الأريكة و الحزن يكسو ملامحها شهقت من مظهرها المزري:
ليه يا بنتي عامله في نفسك كده، شايله طاجن ستك ليه فوق دماغك كفي الله الشر.
أشارت لها ليلة بأن تجلس جوارها و قالت:
تعالي يا مي أقعدي.
سألتها الأخري بإستفهام:
مالك يا بنتي في أي؟
ظلت صامته و لم ترغب في الحديث، فكما تعلم أن مي لم يدوم لديها سراً، أصرت الأخري بإلحاح:
هو أنا هاقعد أتحايل عليكي كل مرة عشان تحكي لي و لا أنتي مش مأمناني، حرام عليكي ده أنتي عارفاني بحفظ السر و كأني ما سمعتوش.
رمقتها ليلة و زمتت شفتيها جانباً بتهكم و أخيراً لم تجد مفر من تلك الفتاة ذات الفضول و لديها إستعداد أن تتفنن في الإسئلة و أن تلقي بكلمات تميل قلبك و تجعلك تشفق علي حالها حتي تتمكن من إيقاعك و العلم بكل شئ.
أخويا بيساومني يا أتجوز معتصم إبن نفيسة و أكمل تعليمي، يا إما أتحبس في البيت و مفيش كلية.
غرت فاهها بصدمة و رددت:
معتصم أخو جلال الحلاق !
أومأت لها ليلة و قالت:
أيوه هو بعينه.
ضحكت الأخري و قالت:
بغض النظر إن ما بطقش الوليه أمه و لا مرات أخوه اللي شايفة نفسها علينا و هي ماتسواش في سوق الحريم ربع جنيه، بس بصراحة لسه شايفاه إمبارح معدي من قدام بيتنا، بصراحة الواد قمر طول بعرض و عيون عسلي و أسمراني اللون يا لالالي.
زجرتها ليلة قائلة:
ما تتجوزيه أنتي و ريحيني.
ضحكت الأخري و قالت:
ياختي مش لما أمي تجوز أخواتي الكبار الأول دي أمنية أختي خللت بس تستاهل هي اللي اتبطرت علي الولاه خطيبها الأولاني عشان ظروفه كانت وحشة و أهو ربنا فتحها عليه من وسع و بقي عنده مطعم كبير و بيفتح الفرع التاني في وسط البلد، أهي بتندم و بتدعي علي نفسها و مخها الغبي.
ضحكت ليلة رغماً عنها من حديث صديقتها و نبرتها الفكاهية كلما تحكي لها عن شقيقتها، فقامت بسرد لها كل ما ألقاه عليه شقيقها من أمر و وعيد و في نهاية الحديث أخبرتها:
هي مشكلة فعلا، و بعدين جواز أي أن جوزك بعيد عنك طول السنة و يجي لك شهرين بس، طيب ما تسافري معاه.
أنتفخت أوداجها من تلك الحمقاء:
بقولك مش عايزة أتزفت أتجوز، أنا عايزة أخد شهادتي الأول و يبقي ليا كيان و أبقي حرة نفسي ما طلعش من بيت أخويا أروح لبيت تاني و هاعيش مع ناس عمري ما أرتاحت لهم و الست نفيسة أمه دي تقول للشر قوم و أنا أقعد مكانك.
رددت الأخري بعد تفكير عميق:
خلاص أنا جاتلي فكرة.
قـولي.
تحمحمت و أخبرتها بكل ثقة:
أهربي!
في هدوء و سكون الليل في وقت متأخر، بعدما أصبح أهل الحارة نيام و خاصة شقيقها الذي يصدر من فمه و أنفه شخيراً متواصلاً يصل إلي أخر الحارة و زوجته التي تتمدد بجواره تغط في نوم عميق، تسحبت علي أطراف قدميها و أطمئنت إن النوم يسيطر عليهم جميعاً ليتثني لها الهرب كما قررت، ذهبت و أخذت حقيبتها الصغيرة و أخذت بها كل متعلقاتها مع بعض الثياب و الأموال التي أدخرتها دون علم شقيقها و ما تمتلكه من حُلي ذهبية قد أتتها هدية من خالها و أقاربها.
فتحت النافذة بتروي و أشرأبت بعنقها لتتأكد بخلو الحارة من المارة، وقفت علي الأريكة و قفزت عبر النافذة المرتفعة عن الأرض بمقدار نصف متر فقط.
أخذت تركض و تنظر خلفها تارة و أخري تنظر أمامها و قبل أن تغادر الحارة أرتطمت بهذا الجسد الصلب مرة أخري، شهقت عندما رأت ضوء من بعيد يكشف عينيه الحادة و التي ترمقها بنظرة أجفلتها و جعلتها تتراجع إلي الخلف، لكن مهلاً هذا الشخص تعلمه جيداً يا الهي هذا الذي تهرب الآن حتي لا تقع أسيرة له تحت مسمي الزواج.
سألها و لسانه شبه ثقيل من الثمالة و صوته غليظ مُخيف:
رايحة فين؟
أبتلعت ريقها و هزت رأسها بتوجس حينما تذكرت هويته، لم ترد عليه و شرعت في المضي ركضاً لكنه أوقفها بقبضة من أنامله علي ساعدها حتي شعرت بأن لو زاد من ضغطه أكثر من ذلك لأنكسرت عظمة الساعد، صاح بصوت أفزعها:
لما أكلمك تجاوبيني، رايحة فين في وقت زي ده و إزاي خرجتي؟
رمقته بغضب و هدرت:
و أنت مالك عايز مني أي؟
ظل يراقب ملامحها و ردة فعلها، فيبدو إنها راقت له كثيراً و أخيراً وجد الفتاة التي طالما تمناها، صبية و جميلة يمكن التحكم بها و لو بنظرة مثل التي يرمقها بها الآن، أخبرها و عيونه لا تحيد عن خاصتها و ألقي عليها بأمر و كأنها ملكه:
يلا أرجعي علي بيتكم بدل ما أتصل علي أخوكي و أقوله يجي يرجعك بنفسه.
أزدردت ريقها بخوف يا له من وغد مخيف، لما يرهبها بنظرته و نبرته التي جعلت فرائصها ترتعد للتو لا سيما عندما قام بتهديدها و إبلاغ شقيقها و هي تحت رحمته الآن:
و أنت مالك بيا!
زجرته بنظرة عدائية و سألته بضيق و غضب، جذبها خلفه إلي البناء الذي يقف كليهما أمامه و كان هذا البناء الخاص بعائلته، دفعها نحو الحائط و أقترب منها حتي أخترق أنفها أنفاسه الكريهة بسبب رائحة الخمر و السجائر، هسهس إليها و في ذات الوقت يقترب من موطن كلماتها:
عشان هاتبقي ملكي.
و كاد يلتهم شفتيها لكن جمعت قواها و فعلت كما فعلت مع حبيبها السابق، صفعته بكل قوتها و دعست علي قدمه مما جعله يتأوه و يبتعد عنها، ركضت من أمامه و تراجعت عن فكرة الفرار، عادت إلي منزلها عبرة النافذة و قلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها من فرط الخوف.
بينما هو عاد إلي منزل عائلته وجد المنزل ساكناً دون أي صوت أو حركة، ولج إلي غرفته و لم يهتم لإغلاق الباب، نام علي ظهره أعلي سريره يشعر بثقل فـ رغماً من حالة الثمل التي هو بها لكن ليلة تشغل تفكيره بملامحها التي تمتاز بالجمال و البراءة.
أنتبه لحركة في الظلام لدي باب الغرفة الذي أُغلق دون تدخل منه و حين ألتفت و نظر أمامه تفاجئ بالتي تقف ، بصيص من الضوء ينبعث من نافذة الغرفة و يسقط علي وجهها و يبدو من إبتسامتها و نظرة الشماتة التي تنضح من عينيها إنها ستخبره بما سيكدر صفوه، سألها بضيق:
عايزة أي؟
دنت نحوه و أستندت علي يديها و علي مقربة شديدة منه حيث ترتدي ثوب عاري يعلوه مأزر مفتوح، قامت بفك حزامه عند ولوجها إلي هنا، تقصد إغرائه و ترويضه عن نفسه كما تسعي كلما أنفردت به:
عايزة أقولك البت رفضت تقابلنا أنا و أمك و صوتها جايب لأخر الحارة مش عايزاك و لا عايزة تتجوز، شوفت بقي عشان تعرف مهما عملت و لا لافيت أنت بتاعي في النهاية.
رمقها بإزدراء و إشمئزاز ثم نهض بجذعه جالساً علي طرف السرير و قال:
أنتي طايقة نفسك إزاي!، أنا لولا أخويا كنت دفنتك بالحيا بس خسارة ألوث إيدي بدم واحدة قذرة زيك.
هبطت علي عقبيها أمامه و أمسكت يده بتوسل دون أن تهتم لما ألقاه عليها من صفات شنعاء:
أنا مش قذرة يا معتصم، أنا بحبك و جاية لحد رجلك عشان أقولك أنا ملكك كل حالي و مالي ليك، تعالي نهرب أنا و أنت نروح أي مكان بعيد عن أمك و أخوك اللي عايشة معاه مجرد جسم من غير روح، عايشة معاه ميتة، أنا عايزاك أنت أكون مراتك أنت مش هو.
وقف بصعوبة و صاح بغضب رداً علي ما تهذي به تلك المجنونة:
أنتي أكيد مجنونة أو شاربة حاجة، أطلعي برة بدل ما أنا اللي أخدك بأيدي و أرميكي تحت رجل جوزك و هخليه هو اللي يتصرف معاكي.
هزت رأسها بنفي و كانت كالتي فقدت عقلها، جذبته من تلابيب قميصه بعنفوان و تملك و غضب:
ما تقولش جوزي، أنا بكرهه و لولا هو أخوك كنت حطيت له سم في الأكل و أخلص منه.
برقت عيناه باللهيب مستعر، فقد السيطرة علي غضبه صفعها بقوة شقت شفتها السفلي و ذرفت دماءً، أخذت تبكي و ترمقه بنظرة إستعطاف لعل قلبه يرق لحالها.
عيناها تغرقهما الدموع و تنهمر، تلك النظرة التي رآها منذ قليل في عيون ليلة، بل يري الآن زوجة شقيقه ليلة ذاتها، هنا صدح وسواس إبليس في أذنه و زين له أسوء ما يمكن حدوثه، بينما هي لم تكلفه عناء أن يبادر لتبدأ هي بتقبيله، و قبل أن تلمس شفتيها خاصته عاد لرشده و قبض علي ذراعها:
أنتِ كده جبتي أخرك معايا، غوري بقي.
دفعها خارج غرفته علي الأرض و بصق عليها ثم صفق الباب في وجهها، ظلت تنظر نحو الباب قائلة بتوعد:
ما بقاش عايدة غير لما أدفعك تمن اللي عملته دلوقتي غالي أوي.
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل السادس 6 - بقلم ولاء رفعت
في منزل حبشي، تمكث بداخل غرفتها منذ ليلة الأمس، يجافيها النوم. تحتضن صورة والدتها ووالدها. كم تمنت أنهما يعودا إلى الحياة، ربما لم يحدث لها ما تتلقاه على يد شقيقها الظالم، الذي لديه استعداد لأن يبيع شقيقته دون تردد، ليُزال عنه مسؤوليتها ولا يصرف قرشًا واحدًا. فالبخيل مثله لا يصرف إلا عندما يوقن أن الجنيه عندما يخرج من جيبه سوف يعود إليه أضعافًا مضاعفة.
طرقت هدى الباب وقالت من خلفه:
- ليلة، يلا عشان آذان المغرب هيؤذن أهو.
أجابت الأخرى:
- مليش نفس يا هدي. كولي انتي والعيال، ومعلش سبيني لوحدي، ولا أقولك اعتبروني هوا في البيت.
أدارت المقبض وولجت إليها قائلة بعتاب جلي:
- طيب أنا ذنبي إيه تخاصميني؟ وأنتي عارفة معزتك ومحبتك في قلبي زي أختي الصغيرة.
نظرت إليها بطيف ابتسامة، ثم أخبرتها بنبرة يتخللها الهزيمة والانكسار:
- أنتي أكتر واحدة مصبراني أعيش وأستحمل القرف والذل اللي شايفاه على إيد أخويا. صعبانة عليا أوي إنك وقعتي معاه، ياريتك اتجوزتي واحد أحسن منه، يمكن كان حالك يبقى أحسن وعندك كل اللي نفسك فيه.
جلست بجوارها لتري بداخل عينيها تلك النظرة التي طالما كانت بخاصتها نحو عمار، وأخبرتها:
- مش بإيدي يا ليلة. القلب هو اللي بيختار لنا ناس، لو فكرنا بالعقل هنقول استحالة نعيش معاهم. وأنا مهما أخوكي عمل وعلى كل عيوبه دي بحبه أوي وما أقدرش أتخيل أعيش يوم من غيره. قولي عليا مجنونة أو واحدة معنديش كرامة، بس أحكام القلب بتجبرنا نعيش في وسط النار كأنها الجنة ونعيمها.
ضحكة قوية أطلقتها ليلة، حتى سألتها الأخرى بحنق:
- هو أنا كنت بقول نكت يا ست ليلة؟
توقفت عن الضحك وأجابت:
- معلش يا هدي مش قصدي اللي فهمتيه. بس مستغربة كمية الكلام العميق اللي قولتي، وأنتي ما وراكيش حاجة طول الليل والنهار غير شغل البيت وتجري ورا العيال وطلبات أخويا اللي ما بتخلصش، فاستغربت.
أخرجت هاتفها من جيب عباءتها وأخبرتها بابتسامة:
- أكمني يعني معايا دبلوم يبقى مش بعرف أتكلم. عمومًا يا ستي هقولك على السبب. أنا بيني وبينك عاملة حساب على الفيس باسم الولاه محمد ابني، ومشتركة في جروبات بتنشر روايات حلوة أوي. دي اللي علمتني الكلام اللي قولته ده، ومش هعرف أعيده تاني. وبصراحة بتهون عليا، خصوصًا لما بكون مخنوقة بقعد أرفه عن نفسي وأقرأ.
عقبت ليلة وتكتم ضحكاتها:
- وكمان عاملة فيس؟ ربنا يستر وحبشي لو شم خبر هايمسك التليفون ويفتح بيه دماغك.
شهقت هدى وضربت بكفها على صدرها:
- يا مصيبتاي! حرام عليكي يا ليلة، أوعي تكوني بتفيتي ليه عليا!
ضحكت وقالت:
- جوزك أصلاً لا يفقه أي حاجة في التكنولوجيا، وكل فكرته عن الفيس إنه بتاع العيال الفاشلة والبنات اللي بتدخل عليه مش محترمة. جوزك دماغه تعبانة خالص، تحسي إنهم شالوا مخه وحطوا له بطاطس بدالها.
أخذت تضحك الأخرى قائلة:
- يخرب شيطانك يا ليلة، ده أنتي فظيعة. بمناسبة البطاطس يلا بقي تعالي أفطري قبل ما الأكل يبرد، عاملالك صينية بطاطس في الفرن. أي نعم قرديحي بس هتاكلي صوابعك وراها، وجمبها بتنجان مخلل زبدة يستاهل بوقك.
وقبل أن تذهب ليلة وتغادر غرفتها، أوقفتها هدى وأردفت:
- بصي هقولك نصيحة، ولو مش عجباكي ماتعمليش بيها. أنا لو مكانك وجالي واحد زي معتصم شاريني وينجدني من جحيم أخويا، هوافق على طول.
عاد الحزن إلى ملامح ليلة، التي اكتفت بهز رأسها وعقبت:
- هافكر يا هدي، وهابقى أرد عليكم. سبيني بس على راحتي.
ــــــــــــــــــــ
- عايدة، بت يا عايدة.
كان نداء نفيسة على زوجة ابنها التي لم تجب عليها. خرج جلال يتثاءب وقال:
- صباح الخير يا ماه.
- صباح إيه يا ابني، قول مساء الخير. ده الضهر قرب يأذن. فين المحروسة مراتك؟
رفع كتفيه بعدم معرفة ويحك فروة رأسه:
- والله ما عارف، أنا لسه صاحي ما لقتهاش جمبي، يمكن نزلت تشتري حاجة وطالعة.
- أنا صاحية من الفجر صليت وقرأت قرآن. يعني لو صحيت كنت شفتها.
أشار إلى والدته وطلب:
- معلش والنبي يا ماه ولعي لي فحم، خليني آخد لي نفسين يفوقوني بدل ما أنا قايم مصدع.
رمقته بغضب ورفض قائلة:
- الناس تصحى تصلي، أنت أول ما تصحي عايز تشرب شيشة. ده أنت لو لاقي صحتك في الشارع مش هاتعمل في نفسك كده. وكأنك ناسي إحنا في رمضان يا موكوس.
تأفف وزفر بحنق:
- يوه بقي كل يوم الموال الأخبر ده على الصبح. مش ناوية ترحميني بقي من الأسطوانة الحمضانة دي!
- شكراً يا ابني. الحق عليا خايفة عليك وتبقي دي جزاتي في الآخر...
ظلت تتمتم بكلمات متكررة حتى شعر ابنها بالضجر وتركها ودلف إلى المرحاض:
- يوه بقي مش هانخلص من الموشح.
بينما في مكان آخر، مكان موحش وتفوح منه روائح البخور وروائح أخرى كريهة. يلقي هذا الدجال ذو المظهر المخيف ولحيته التي تشبه لحية السحرة والكهنة قديمًا، حفنة من مادة تجعل الفحم المشتعل ينبعث منه دخانًا كثيفًا، ويتمتم:
- حي أرزق يا اللي بترزق. أبعت ياللي بتبعت.
دخلت بتردد وتضع طرف وشاحها تخفي به نصف وجهها:
- السلام عليكم يا شيخنا.
أشار لها للجلوس قائلاً:
- اتفضلي يا أختاه، قولي علتك.
نظرت إليه بتوجس من مظهره المخيف ثم قالت له:
- علتي هي قلبي يا سيدنا الشيخ. بحب واحد وهو مش حاسس بيا، نفسي يحبني ويبقي يتمنى مني كلمة. وسمعت إنك يا ما جمعت حبايب وجوزت بنات فاتها قطر الجواز.
صاح مهللاً:
- حي حي، كله بأمره كله بأمره يا بنتي. وعشان تنولي المراد من رب العباد لازم ترضي الأسياد.
كانت في حالة ذعر من النيران المشتعلة وزيادة رائحة البخور، فقالت بتوتر:
- أنا تحت أمر الأسياد. قولي إيه طلباتهم وهاتكون عندك في الحال.
أخرج من جيبه ورقة مطوية ومد يده بها إليها:
- بكرة زي دلوقتي يكون عندي كل الطلبات دي، وهاديكي اللي يخلي حبيبك ما بين إيديك. وما تنسناش في دعواتك.
أومأت له وقالت:
- من عينيا.
وكانت السعادة تتخلل ملامحها وتنضح من عيناها ذات النظرة الشيطانية.
ـــــــــــــــــــــ
عادت من الخارج وركضت إلى غرفتها وبدأت في خلع عباءتها لتبدلها بأخرى. دخل زوجها ويرمقها بنظرة لم تستشف منها شيئًا:
- كنتي فين؟
انتفضت بفزع وأجابت:
- كـ كنت صاحية مخنوقة واحتجت أشم شوية هوا فوق السطوح.
أشار إلى ثيابها وسألها بتهكم:
- طالعة تشمي هوا بعباية الخروج!
حالفها الحظ ووجدت الإسدال على كرسي طاولة الزينة، وأشارت إليه قائلة:
- ما أنا كنت لابسة الإسدال ولسه قلعاه.
اقترب منها وعانقها:
- ما تسبنيش نايم لوحدي تاني وتقومي. وبعدين لو مخنوقة صحيني وأنا أفرفشك.
غمز لها بعينه، فابتسمت بشفتيها فقط وقالت:
- حاضر.
أخذ يستنشق بأنفه رائحتها:
- إيه الريحة العفشة دي؟
تذكرت أمر البخور فابتعدت والتوتر يخالج ملامحها، وسرعان تصنعت الدلال:
- قصدك إيه يعني؟ على فكرة دي ريحتك أنت من الشيشة بتاعتك، وما كنتش عايزة أقولك عشان ما جرحكش.
حك فروة رأسه بحرج وقال:
- معلش بقي يا حبي، أصلي كنت سهران مع جماعة صحابي وطلبت معاهم سجاير محشية، ووجبوا معايا. بصراحة مرضتش أكسفهم.
قالت له وكأنها تكترث لأمره:
- طيب ياريت بلاش تشرب تاني عشان صحتك.
جذبها بين ذراعيه وسألها:
- خايفة عليا يا دودو؟
ظهرت أسنانها في ابتسامة مصطنعة:
- طبعًا يا روحي، أنا ليا مين غيرك أخاف عليك يا سبعي.
- بقولك إيه، ابقي استنيني لما أرجع بالليل عشان عايز أقولك كلمة سر ما ينفعش أقولها لك في الصيام.
دفعته عنها دون أن تنظر له:
- يا عم إجري، أنت بتفطر من هنا وبتكون بعدها زي الفراخ البيضا اللي مفرهدة في القفص.
وقبل أن ينطق، صاحت والدته من الخارج:
- واد يا جلال، واد يا معتصم.
- روح شوف مامتك، وأنا هاخد لي هدوم عشان عايزة آخد لي دش وأغير وألحق أحضر للفطار بدل ما أمك تفرج عليا الجيران.
خرجت من غرفتها وفي طريقها إلى المرحاض، فوجدت معتصم يخرج من غرفته، وعندما تلاقت أعينهما رمقها بازدراء. رفعت أنفها بكبرياء واهية ولم تهتم، أو ربما تصنعت هذا والحقيقة غرار ذلك.
ــــــــــــــــــــــ
وعقب صلاة التراويح بمنزل حبشي، يجلس كل من معتصم وشقيقه وجلال ووالدتهما نفيسة، التي ذهبت بعد عناء ومحايلة من ابنها بعدما رفضت الذهاب وتلك الزيجة، لكن لم تستطع رفض مطلب ابنها الصغير.
لكن لم تأت معهم عايدة وتحججت بالتعب ولديها ألم برأسها، لا تريد أن ترى إتمام مراسم الاتفاق.
تحمحم معتصم ويبدو كأنه انتهى من طلب يد ليلة وينتظر إجابة شقيقها:
- قولت إيه يا حبشي؟
أعتدل الآخر في جلسته وقال:
- طبعًا أنا أتمنى يا صاحبي، بس لما نسمع رأي العروسة الأول. روحي ناديها يا أم محمد.
وجه أمره إلى زوجته التي تضع يدها على قلبها وتخشى رفض ليلة التام وينشب عراك مرة أخرى بين زوجها وشقيقته. نهضت على الفور وذهبت لتخبرها، فتفاجئت بخروج ليلة من المطبخ وتحمل صينية يعلوها كؤوس المياه الغازية.
- وأنا اللي كنت فاكرة إنك هتقلبي الدنيا زي المرة اللي فاتت!
ردت الأخرى وترفع وجهها بكبرياء:
- أطمني يا هدى، هانفذ اللي أخويا عايزه بس بشروطي.
ذهبت أمامها والأخرى تتمتم بتوجس:
- يا تري ناوية علي أيه؟ ربنا يستر.
قامت ليلة بتقديم لكل من الجالسين كأساً. فالأول كانت نفيسة التي رمقتها شزراً وبتوعد، لكن الأخرى لم تعط لها أدنى اهتمام. ثم ذهبت لتعطي الكأس الثانية لجلال الذي لكز شقيقه بمرفقه وهمس إليه:
- عروستك قمر ياض يا معتصم، على طول محظوظ.
بينما كان معتصم لم يسمع ولا يرى سواها. فكلما يراها يشعر بشيء غريب يختلج صدره، لكنه لن يوهم نفسه مرة أخرى، فالمتاعب لا تأتي إلا من وراء الحب والغرام، وتستيقظ على حقيقة مرة سوداء لا تعلم متى ستأتيك الضربة.
- أتفضل.
كان صوتها رقيق عذب. تناول كأسه قائلاً:
- تسلم أيدك.
تركت الصينية على المنضدة وجلست بجوار شقيقها عاقدة ساعديها أمام صدرها وترمقهم بعنجهية جلية للعيان، مما جعل نفيسة تسألها بتهكم:
- قولي لي يا حبيبتي بتعرفي تطبخي زينا وتعملي شغل البيت، ولا مرات أخوكي هي اللي شايلة البيت كله فوق دماغها لوحدها!
رفعت ليلة إحدى حاجبيها وقالت:
- أنا والله يا طنط كان عندي ثانوية عامة، يعني وقتي وتركيزي كله للمذاكرة.
- أومال هتبقي ست بيت إزاي؟ ده الواحدة فينا مهما أخدت شهادات في الآخر ملهاش غير بيت جوزها.
ردت الأخرى عليها بنبرة مماثلة لها:
- دي ظروفي وأظن ابنك جاي وفاهم وضعي.
عقب معتصم قائلاً:
- آه طبعاً يا عروسة، أنا خلاص اتفقت مع أخوكي على أي طلب أنتي عايزاه.
فسألته وتراقب ردة فعل والدته:
- وطنت عارفة أي شرطي، ليكون عندها اعتراض ولا حاجة.
رمقته والدته على الفور بغضب. فقال:
- أمي راحتي من راحتها، وطالما أنا موافق هي موافقة.
والتفت إلى والدته وسألها بنظرة أدركت ما يريد قوله لها:
- صح يا أمي؟
ردت بتصنع السماحة والطيبة كالعادة:
- طبعاً يا حبيبي، أنا كل اللي عايزاه أشوفكم مرتاحين ويبعد عنكم ولاد الحرام.
ونظرت إلى ليلة التي أدركت مقصدها في الحديث فأجابت عليها:
- أيوه ربنا يبعد عننا ولاد الحرام.
تدخل جلال قائلاً قبل أن ينشب خلاف بين والدته وليلة:
- أنا بقول خير البر عاجله، ونقرأ الفاتحة كده بالصلاة على النبي.
ردد حبشي:
- عليه الصلاة والسلام.
رفع جميعهم إيديهم وبدأوا يرتلون آيات سورة الفاتحة. وعندما انتهوا، أطلقت هدي زغاريد الفرح والسعادة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وفي اليوم التالي ذهب الجميع لشراء الحلي، ما عدا عايدة التي تصنعت التعب.
كانت ليلة تراقب ملامح معتصم عن قرب وهو يقف بجوارها وينظر إلى قطع الحلي ليختار لها ما سيهديها إياه.
- أي رأيك في طقم الكوليه والإسورة بالخاتم بتاعها، أظن هيبقي حلو أوي عليكي.
رمقته بوجه متجهم عندما شعرت بإطراء منه:
- أنا أصلاً ما بحبش الدهب.
كانت والدته تستمع إليهما فسألتها بتهكم:
- أومال عايزاه يجيب لك سولتير وعقد ألماس!
رمق معتصم والدته بإمتعاض فأصلح ما أفسدته:
- لو عايزة سولتير أنا معنديش مشكلة، الحمد لله خير ربنا كتير، شاوري بس وأنا هاجيب لك اللي أنتي عايزاه.
تعجبت ليلة من هذا المعتصم الذي كلما يحدث شيء لا تجد منه سوى معاملة طيبة يشوبها الحنان. زفرت بضيق حيث شعرت بالاختناق كلما علمت إنها مجرد أيام قليلة وسوف تصبح زوجة لرجل يوجد بينهما فارق ثلاثة عشر عاماً، كما يوجد فرق في التعليم والفكر، وفوق هذا وذاك، لا تعلم عنه سوى إنه جارهم في الحارة وكان إحدى أصحاب شقيقها، وهذا أكثر ما يثير مخاوفها.
- أنا كل اللي عايزاه دبلة وخلاص، مش فارقة معايا أي حاجة تانية.
همس شقيقها إلى زوجته من بين أسنانه:
- خديها على جنب وعقليها بدل ما أجرها على البيت وأعقلها بقلمين على وشها.
بادله هدي هامسة:
- أهدي يا حبشي، ما ينفعش تعمل اللي كنت بتعمله فيها، كده أنت بتقلل من كرامتها قدام نسايبها.
تحدث معتصم إلى الصائغ ويشير إليه نحو طقم الحلي والمتشكل على هيئة فراشة:
- لو سمحت إحنا عايزين الطقم ده ودبلة فضة إيطالي، واحفر لي اسم ليلة بالعربي جواها.
نظر جميعهم نحوه بتعجب. وبعد أن جلب الرجل لهم ما قام بطلبه:
- ألف ألف مبروك، ربنا يتمم بخير.
أطلقت هدي الزغاريد مثل الأمس ثم قامت بتهنئة ومباركة العروسين.
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل السابع 7 - بقلم ولاء رفعت
كنت تزرع الأرض ذهاباً وإياباً منذ أن غادرت والدة زوجها وابنها الآخر لشراء الحُلي للعروس.
وليست بأي عروس، بالأحرى ستسميها غريمتها أو من اختطفت منها الشخص الذي تحبه، بل ويغمرها الهوس به.
صوت فقعات مياه الأرجيلة والدخان الذي يعبئ المكان، يخرج من فم وأنف جلال الذي يتابعها بتعجب وعدم فهم لما تفعله.
"عماله رايحة جايه زي الخيلة الكدابة، مالك في أي!"
وقفت لدي النافذة المطلة على الشارع، أزاحت الستار قليلاً وألقت نظرة من الفتحة الصغيرة لترى هل عادوا أم لا، ولم ترد على سؤال زوجها فأردف:
"طب لما كنتي عايزة تروحي معاهم ماروحتيش ليه، ولا غيرانة؟"
ألتفتت إليه في لحظة ورمقته بتوتر، فسألته بتوجس وتراقب ملامح وجهه لعلها تستدل إلى أين يقصد بحديثه:
"غيرانة إزاي ومن مين؟"
ضحك بسخرية وأجاب:
"أصل خلاص كلها أيام وهتيجي اللي تاكل منك الجو، والبت أي صغيرة وحلوة ومتعلمة وكمان شارطة على أخويا تكمل تعليمها وتدخل الجامعة."
نظرت إليه بحنق وودت أن تقبض على نحره وتجعله يصمت، لكنها تصنعت الغرور وأخبرته:
"وأنا هاغير من حتة عيلة ولا أي، وما تنساش أنا أبقى مرات الكبير يعني ليا وضعي ولا أي!"
غمز لها بعينه ثم قال بإشادة:
"أموت فيك وأنت واثق في نفسك ومسيطرة."
أقتربت منه وتناولت عصا الأرجيلة قائلة:
"وخد عندك بقي أمك مش بالعة البت وهتورّيها النجوم في عز الضهر، بكرة ها تقول عايدة قالت."
وسحبت نفساً عميقاً من الأرجيلة ونفثت الدخان باحترافية مما جعل زوجها صاح بتهليل:
"الله عليك يا باشا، ما تقومي قبل ما ييجوا أرقصي لي شوية، واحشتني أوي هزة وسطك."
أعطته العصا ونهضت لتقوم بتشغيل المسجل، فبدأت موسيقى لإحدى الأغاني الشعبية وأخذت تتمايل بخصرها المنحوت، لكن ملامح وجهها تبدو هادئة وهي بالحقيقة عكس ذلك. وإذا تمعنت بالنظر في عينيها الكحيلة ستجد ألسنة نيران مشتعلة تود إحراق الأخضر واليابس.
***
مرت الأيام وها قد جاء اليوم السابق ليوم الزفاف والذي يسمي بيوم الحناء. تتجمع به الفتيات والنساء، يهللن ويصفقن ويتراقصن على الأغاني المأخوذة من الفلكلور المصري.
وفي زاوية تجلس ليلة شاردة فيما يحدث معها، القلق والخوف ينهشان قلبها. تمنت أن يكون زفافها غداً على عمار الذي أحبته بصدق، بينما هو لم يحب سوي نفسه فقط، والذي فعله قبيل أيام قضى على ما تبقى في قلبها نحوه.
انتبهت إلى إبنة شقيقها الصغيرة تجذبها من طرف ثوبها:
"عمتو، عمتو."
أنحنت نحوها وأبتسمت وهي تربت عليها بحنان:
"قلب عمتو من جوة، عايزة أي يا روحي؟"
رفعت يدها لها ممسكة بهاتفها:
"خدي الموبايل بتاعك كل شوية يرن كتير."
وفي تلك اللحظة لاحظت من النافذة المفتوحة على مصراعيها والمطلة على الشارع حيث ترى كل المارة وهم يرونك. تفاجئت بهذا الذي يرمقها بتهديد ووعيد.
صدح رنين هاتفها، فأشار لها من بعيد أن ترد على اتصاله. استغلت انشغال الجميع في الرقص والغناء، نهضت وأسرعت إلى داخل غرفتها وأوصدت الباب من الداخل حتى تتمكن من التحدث إليه دون أن يسترق أحدهم الاستماع إليها.
أجابت على الاتصال بصوت خافت:
"يا بجاحتك يا أخي، جاي بعد اللي عملته بتتصل بيا وكمان جاي لحد البيت."
أتاها صوته الثائر من الغضب الذي يضرم به كالنيران:
"وقفي كل اللي بتعمليه ده إلا والله العظيم لأطربق الدنيا على دماغك."
شعرت بالخوف من تهديده الذي يبدو أنه لا يمزح. فقالت له:
"عمار أرجوك كفاية بقي وانساني، كل اللي ما بينا انتهى."
"ده أي اللي انتهى! اللي ما بينا عمره ما بينتهي ولا هينتهي خالص ولازم توقفي كل المهزلة اللي بتحصل دلوقتي."
أخبرته من بين أسنانها بتحذير:
"المهزلة الحقيقية هو أنا رضيت أرد على تليفونك أصلاً ولو ما بعدتش عني أنا هاخليك تبعد غصب عنك."
"طب وريني هاتعملي أي."
تعجبت لصوت ترقبه المتردد، ألتفتت خلفها وكانت الصاعقة!
"أنت! إزاي دخلت هنا؟"
رمقها بابتسامة وسخرية وأشار لها نحو النافذة الذي دلف منها وقال:
"دخلت زي ما كنتي بتخرجي كل يوم منها وبتجي لي فوق السطوح."
وأخذ يقهقه على ملامح وجهها الغاضبة، فأجابت:
"كنت مغفلة وغبية والحمد لله ربنا كشفك ليا قبل ما كنت اتدبست فيك وابقى شربت مقلب العمر كله."
"تقومي سايباني وتروحي تتجوزي صاحب أخوكي اللي أكبر منك بـ 13 سنة!" قالها بتهكم ساخر، فأرادت رد الصفعة إليه:
"بس على الأقل راجل وقد كلامه مش حتة عيل ما يعرفش عن الرجولة حاجة."
تلك الكلمات كافية لسبر أغواره، فقال من بين أسنانه وحقد دفين:
"أنا بقى هوريكي مين فينا الراجل والقوي كمان."
وما أن انتهى انقض عليها وأخذ يقبلها غصباً واقتداراً قائلاً:
"ابقي صرخي عشان تفضحي نفسك ويقولوا العروسة بتخون العريس من يوم الحنة."
وانقض عليها مرة أخرى بينما هي أخذت تقاومه دون إصدار صوت حتى جاء صوت آخر أفزعها مع طرق الباب:
"افتحي يا ليلة، أنا حبشي ومعايا معتصم خطيبك."
يا للكارثة، إذا دلف شقيقها وخطيبها الآن ستصبح فضيحة على مرأى ومسمع أهل الحارة. أخبرت عمار بهمس:
"استخبي بسرعة في الدولاب."
وفتحت الخزانة وجعلته يختبئ بداخلها وسرعان ما جعلته يدخل وأوصدت عليه بابها.
"حاضر يا أبيه ثواني."
وذهبت لتفتح الباب. دلف شقيقها أولاً:
"قافلة على نفسك ليه وسايبة الهيصة بره؟"
أجابت بتصنع التعب:
"حسيت بشوية صداع فدخلت أريح لي حبة، فيه حاجة؟"
أشار إلى هذا الواقف في الانتظار أمام الباب:
"تعالي يا عريس."
ثم قال لها:
"عريسك جاي يقعد معاكي شوية، افردي وشك واتكلمي معاه عدل وبلاش الغشومية بتاعت أول إمبارح بدل ما أنتي فاهمة."
دلف الآخر وجلس بالقرب منها:
"ألف مبروك يا ليلة، قصدي مبروك لينا أنا وأنتي."
رمقته بابتسامة زائفة وقالت:
"الله يبارك فيك."
نهض حبشي وقال:
"لما أقوم أجيب لك حاجة تشربها يا عريس."
غادر وتركهما بمفردهما. تحمحم معتصم وبدأ يتحدث:
"أنا بصراحة سبت الحنة اللي عاملها قصاد بيتنا وقولت آجي أطمئن عليكي لتكوني محتاجة حاجة أنا تحت أمرك."
"لأ، شكراً مش محتاجة حاجة."
تزحزح قليلاً حتى التصق بجوارها وقال:
"بصراحة أنا جيت عشان أقولك وحشاني."
وقام بتقبيل خدها. اتسعت عينيها ونهضت ووقفت بغضب:
"أي اللي هببته ده!"
أشار إليها لتكف عن صوتها المرتفع وأجاب:
"أهدي كده ما حصلش حاجة للنرفزة اللي أنتي فيها دي، غير إن كلها بكرة وهتبقي مراتي يعني أظن ما ينفعش تقولي لي وقتها إيه اللي هببته ده!"
تذكرت تلك المأساة فقالت:
"لما ييجي وقتها وبعدين أنا يا دوب لسه عارفاك بقالي أسبوع لازم ناخد على بعض الأول."
زفر بضيق وقال بنفاذ صبر:
"حاضر يا ليلة اللي أنتي شيفاه براحتك، عموماً أنا راجع لأصحابي."
كاد يتركها ويغادر. عاد من جديد وأخرج من جيب بنطاله كيساً من المخمل أخرج منه سلسلة ذهبية يتوسطها اسمها بالعربي:
"اتفضلي."
رمقته بتعجب ثم أخبرها:
"كنت معدي امبارح من قدام محل الدهب اللي اشترينا منه الشبكة لاقيت عنده السلسلة دي فدخلت واشتريتها لك."
طيف ابتسامة ارتسم على ثغرها فقالت:
"شكراً."
أشار لها نحو جيدها وسألها:
"ممكن ألبسهالك؟"
لاحظت فتح الخزانة قليلاً وينظر عمار لها يحذرها لتبتعد عنه. خشيت أن يراه معتصم فقامت بدفعه نحو الحائط ورفعت وشاحها عن عنقها ثم ولت ظهرها إليه:
"اتفضل لبسهالي بسرعة."
تعجب من ما فعلته للتو فقام بفتح قفل السلسلة ووضعها حول عنقها. خرج عمار من الخزانة وود أن يذهب ويقوم بخنق غريمه، لكن سرعان ما لحقت ليلة الموقف والتفتت إلى معتصم وإشغاله بأمر يسلب تركيزه فقامت بتقبيل وجنته:
"تسلم إيدك."
تراجع عمار عند سماع خطوات قادمة نحو الغرفة، بينما معتصم استغل ذلك الموقف واقترب منها ليقبلها من شفتيها. أوقفته شهقة زوجة شقيقها التي دخلت وتمسك بصينية يعلوها كأسين من المياه الغازية. أبتعد الآخر عن ليلة بحرج وقال:
"طيب أستأذن أنا بقى عشان أصحابي وجماعة قرايبي مستنيني قدام البيت هناك، سلام عليكم."
وبعدما ذهبت ضحكت هدى ولكزتها في كتفها:
"يخرب عقلك يا ليلة أي يا بت مستعجلين أوي كده، ده خلاص الفرح كلها بكرة."
"هو اللي مش محترم أعمله أي يعني، وجوزك عمال يقولي بطلي تكشري واضْحَكي."
ضحكت مرة أخرى وأخبرتها:
"طيب ياختي خدي اشربي الحاجة الساقعة لما أروح أدور أعمل الشاي لأخوكي وأصحابه وأنتي ابقي اخرجي واقعدي مع البنات والستات بره."
وافقت ليلة وقالت لها:
"ماشي، روحي أنتي عقبال ما أصلح ميكياجي واخرج."
ضحكت الأخرى وغادرت، فأسرعت خلفها وأوصدت الباب من الداخل، وذهبت لتفتح الخزانة وقالت له:
"ياريت تطلع وما اشوفش وشك هنا تاني، أديك شفت خطيبي عامل إزاي ده لو نفخ فيك هايطيرك."
صاح بها:
"ولا يقدر هو ولا عشرة زيه يعملي حاجة."
دفعته نحو النافذة وقالت له:
"طب يلا امش بسرعة قبل ما حد يشوفك."
أومأ لها وبغضب أخبرها:
"أنا همشي بس خدي بالك مش هاسيبك تتجوزي وتتهني على حساب قلبي سلام يا عروسة."
وقفز من النافذة بعدما التفت يميناً ويساراً. لم ينتبه إلى تلك الواقفة على بعد مسافة وحين تأكدت من المنزل، ابتسمت بانتصار وقالت:
"الله، هي الحكاية كده! حلو أوي أوي!"
***
وفي صباح اليوم التالي، تخرج عايدة الثياب من المغسلة وتضعها في إناء بلاستيكي. سألها زوجها:
"طالعة فوق ولا أي؟"
أجابت دون النظر إليه:
"آه عندي حبة هدوم لسه غسلاهم، هاطلع انشرهم فوق السطح ينشفوا بسرعة وعشان فيهم حاجات هنلبسها بالليل في الفرح."
"خلصي وانزلي على طول. أيوه يا جدعان والله وكبرت يا واد يا معتصم وهاتتجوز ربنا يتمم له على خير."
تركته دون اهتمام وصعدت إلى السطح بعدما علمت بوجوده في الأعلى. بينما هو يقف أمام حوض مياه قديم تعلوه قطعة مرآة. كان جذعه عارياً ويرتدي بنطال فقط، يقوم بحلق ذقنه فأنتبه إلى التي تخبره:
"بتحلق دقنك ليه ما أنت رايح للحلاق."
رمقها عبر المرآة بازدراء وقال لها:
"لأ ما أنا اللي هحلق وأظبط لنفسي، أنا أدري بالحاجة الكويسة والأنضف ليا، لكن الحاجة الوسخة برميها في الزبالة."
أختطفت من يده شفرة الحلاقة ورمقته بتحد وجنون:
"بطل الوهم اللي معيش نفسك فيه وفوق بقى."
زجرها وهمس من بين أسنانه بغضب:
"بطلي انتي بقى وابعدي عني، عايزاني أخسر أخويا وأمي وخطيبتي اللي هتبقى الليلة دي مراتي وكل الناس اللي بحبهم عشانك أنتِ!"
أطلقت ضحكة ساخرة قبل أن تلقي عليه قنبلتها الموقوتة:
"طيب ياريت تخلي بالك من اللي هتبقى مراتك لأنها ضاحكة عليكم كلكم وعلى علاقة بواحد غيرك."
أمسك بيدها بقوة وهدر من بين أسنانه:
"هي وصلت بيكي وسختك تسوقي سمعة مراتي! أقسم بالله يا عايدة لو اتكلمتِ عليها بحرف ولو ضايقتها لأخلي عيشتك جحيم وهخلي أخويا يعيشك زي الخدامة تحت رجله."
جذبت يدها وصاحت به:
"فوق أنت واعرف بنفسك، أنا مش بتهمها ولا برمي بلايا على حد، ابقى اسألها لما تشوفها وقولها مين اللي كان خارج من شباك أوضتك امبارح زي الحرامية وكان بيعمل إيه جوه!"
***
حل المساء وبدأت مراسم الزفاف وسط أهل الحارة وأهل العروسين.
كانت ليلة تجلس شبه مبتسمة بجوار معتصم الذي كان متجهم الوجه. كلمات تلك الأفعى عايدة تجول برأسه ويخشى أن الشك يخترق قلبه ويقلب حياته جحيماً.
انتبه إلى حبشي الذي يصافحه ويدس في يده حبة مغلفة قائلاً:
"ألف مبروك يا صاحبي."
وأقترب نحو أذنه ليخبره بصوت لا يصل إلى شقيقته:
"بقولك إيه البت ليلة أختي دماغها صرمة قديمة لو طلبت منها حاجة وما سمعتش كلامك اديها بالجذمة، ولو زودتها قولي وأنا هكسرلك دماغها وهخليها من قبل ما تأمرها تقولك سمعاً وطاعة."
رمقه معتصم بامتعاض وقال:
"ليلة مراتي أنا يا حبشي وعارف هتعامل معاها إزاي يعني انسي ولايتك وسلطتك عليها لأنها خلاص بقت على ذمتي ومني واللي يمسها يمسني."
غر فاهه ثم ضحك وحك ذقنه قائلاً:
"ده أنت الهوا رماك وقلبك طب يا صاحبي، خد بالك بقى ياما رجالة بشنبات الحب ضيعهم وضيع هبيتهم وخلى النسوان لامؤاخذة تسوقهم زي الحمير."
"دي عقلية أشباه الرجال يا صاحبي، الراجل الصح اللي يحط مراته وأخته وأمه وبنته فوق راسه لأن رسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام وصانا عليهم وقالنا رفقاً بالقوارير."
شبه ضحكة أطلقها حبشي من فاهه وقال بتهكم:
"ماشي يا أخويا ابقى خلي بالك من قارورتك وخد بالك لتتكسر وتعورك."
وفي منزل نفيسة لم يوجد أحد سوى عايدة حيث استغلت وجود الجميع في الفرح وصعدت إلى شقة العروسين وتتذكر كلمات الشيخ الدجال وهو يخبرها:
(الحجاب ده تدسيه في مكان ما هينام والمية دي ترشيها على عتبة الباب اللي هيخطي عليها)
ذهبت إلى غرفة النوم وقامت برفع الفراش ودس هذا الشيء أسفله ثم أعادت ترتيب الفراش مرة أخرى كما كان. وقبل أن تغادر رأت ثياب العروسين مطوية. أمسكت بثياب ليلة وتأملتها بحقد وضغينة قائلة بنبرة مليئة بالكره والغل:
"إلهي ما تلحقي تلبسيه وتقلعي فستان فرحك على كفنك على طول."
انتهت مراسم الزفاف وبعد مباركات وتوصيات من هدى زوجة أخيها إلى معتصم على أن يراعي ليلة وهذا على غرار زوجها الذي لا يكترث أن يفعل هذا. بل كان يوصيه على تعنيف شقيقته كما يفعل معها هو، ويا له من أخ حنون!
ولدى وصول العروسان إلى المنزل وقبل أن يصعدا أمسكت نفيسة ابنها من ذراعه وهمست له:
"بقولك إيه يا معتصم خليك جد وناشف معاها وإياك تبقى نحنوح لتركب فوق كتافك وتدلدل رجليها، حكم أنا اللي عرفاك أبو قلب حنين."
أطلق زفرة كتعبير عن ضيقه ونفاذ صبره وقال:
"أمي أنا مش عيل صغير وحياتي أنا ومراتي خاصة بيا وبيها عارف اللي ليا واللي عليا."
ثم التفت إلى ليلة التي يبدو عليها التوتر والخوف كلما اقتربت خطاها إلى عش الزوجية.
"يلا يا حبيبتي اطلعي."
وأمسك بيدها ليساعدها على صعود الدرج حتى لا تتعثر في طرف ثوبها الواسع.
كانت عايدة تقف على الدرج بالقرب من شقة معتصم وقالت له:
"اطلع أنت يا عريس الأول وافتح الباب وأنا هساعدها."
نظر إلى ليلة فقالت له:
"اطلع أنا عارفة أتحرك ما تقلقش."
وعندما فتح الباب وخطى فوق المياه المنسكبة فوق قطعة البساط قاتمة اللون اتسع فم عايدة بابتسامة انتصار وقالت بداخل عقلها:
"ليلة سعيدة يا عريس الهنا."
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل الثامن 8 - بقلم ولاء رفعت
تجلس عايدة في غرفتها ونيران الغيرة والحقد تنهش قلبها بضراوة. ودت أن تصعد وتفسد عليهم تلك الليلة بشتى الطرق، لكن ما يطمئن قلبها هو ما قامت بدسه في الفراش وما سار عليه معتصم.
لم تنتبه إلى زوجها الذي دلف للتو يردد كلمات الأغاني التي سمعها في الحفل. وجدها جالسة في حالة سكون تضع ساقًا فوق الأخرى، فقال:
- ربنا يستر، يا ترى قاعدة كده وبتفكري في مصيبة لمين؟
رفعت إحدى حاجبيها إليه وقالت:
- ليه شايفني إيه بالظبط عشان أفكر في مصايب لحد؟ ليه ما تقولش المصايب بتتحدف علينا لحد عندنا وأنتم نايمين في العسل.
ضيق عينيه وعقد حاجبيه فسألها:
- قصدك على مين؟
نهضت من فوق المقعد ووقفت عاقدة ساعديها أمام صدرها وأجابت:
- هي فيه غيرها ست الحسن والجمال اللي أخوك بإذن الله هياخد فيها أكبر خازوق.
انتبه لكلماتها جيدًا فسألها مرة أخرى:
- قصدك إيه بالكلام ده.
أقترب منها وأردف:
- أنتي تعرفي حاجة ومخبياها ولا إيه؟ انطقي.
جلست على حافة الفراش وتصنعت وجه الحمل الوديع قائلة بتمثيل احترافي:
- لأ يا سيدي، ما بحبش أتكلم على حد، دي أعراض، ربنا يستر على ولايانا. وبعدين أخاف أمك وأخوك يقلبوا عليا ولا يقولوا غيرانة وبتلفق لسلفتها مصايب عشان تتخلص منها.
أمسكها من يدها وصاح بها بحنق:
- ما تتنطقي يا بت أحسن ما أخليكي تنطقي بالعافية.
تصنعت ملامح الحزن وقالت:
- أخص عليك يا سي جلال، ماشي هقولك بس ياريت ما تجبش سيرتي. أول إمبارح وأنا رايحة الحنة لسه كنت واقفة قبلهم بتلات بيوت، لاقيت الولا اللي اسمه عمار اللي ساكن فوق بيت شوقي بينط من شباك أوضتها اللي بيطل على الحارة وعمال يتلفت من حوليه زي الحرامية. تفتكر ده كان بيعمل إيه جوه عندهم ولا علاقته إيه بالبت ليلة؟
عقب زوجها على كلماتها:
- ما هو ممكن يكون كان بيسرق من بيتهم حاجة، إن بعد الظن إثم. بقولك إيه، أوعي تقولي كلمة هنا ولا هنا. أخويا ممكن يقلب الدنيا فوق دماغنا، غير أخوها حبشي ده مجنون وممكن الموضوع يوصل للدم.
أشارت إلى فمها ببراءة قائلة:
- وأنا مالي يا أخويا، مليش دعوة، هكتم بوقي أهو.
ووضعت كفها على فمها كدلالة على عدم البوح.
ــــــــــــــــــــــ
وبالأعلى كانت تجلس في الغرفة تحاول خلع الوشاح الأبيض. تلتقط الدبابيس منه وتوخزها بداخل قطعة من الأسفنج الملون. بينما هو يجلس بالخارج في الردهة، أزرار قميصه مفتوحة وينفث دخان سيجارته بشراهة. حيث ما ألقته عليه تلك الأفعى عايدة من كلمات مسمومة على زوجته ليس بالشئ الهين. هل بالفعل زوجته على علاقة برجل آخر؟
نهض وذهب ليتأكد من هذا. فتح الباب فوجدها تحاول خلع الثوب لكنه علق بجسدها. وهناك من خطف أنفاسه سلاسل خصلاتها المنسدلة على ظهرها كشلالات من الحرير وملامحها المختلفة عن الحجاب. فهي أجمل بكثير عن ما رآها من قبل. وجد نفسه يقترب منها دون إرادة ووقف خلفها. وضع يده على بداية السحاب وقال لها:
- ممكن أساعدك؟
أومأت له عبر المرآه بالموافقة دون أن تتحدث. أخذ يفتح سحاب ثوبها ببطء وعينيه تتأمل ملامحها في صورتها المنعكسة. وعندما أنتهي من فتح السحاب كاملاً أزاح خصلاتها على إحدى كتفيها وأخذ يُقبل كتفها. تحركت بين يديه لتبتعد فوجدته يشد من قبضتيه:
- معتصم لو سمحت، معتصم.
ظلت تكررها ليبتعد عنها، وهو كان كالوحش الجائع الذي وقعت تحت يديه فريسة وعليه أن يلتهمها. كانت قبلاته على جيدها تتميز بالعنف فصرخت ليبتعد عنها:
- أوعي، أبعد عني.
ابتعد ورمقها بغضب. وعندما نظر إليها وجدها تبكي وتمسك موضع قبلاته التي تركت علامات وردية داكنة. عاد إلى رشده بعد أن كان على وشك أن يستسلم لوساوس شيطانه ويتعامل معها بهذا الأسلوب العنيف.
أقترب منها بحذر حتى لا يزيد خوفها منه وقال لها:
- حقك عليا، مكنتش أقصد اللي عملته.
رمقته بغضب والدموع حبيسة داخل عينيها:
- أطلع برة.
أشار لها بأن تتمهل قائلاً:
- اسمعيني بس هقولك.
أخذت تدفعه في صدره نحو الباب بقوة لا يستهان بها من يديها الضعيفتين أو هكذا تبدو على غرار قوتها:
- مش عايزة أسمع، أطلع برة.
وصفقت الباب في وجهه تحت نظراته المتعجبة وعيناه المتسعة من الصدمة.
ــــــــــــــــــــــ
في صباح اليوم التالي...
- قوم يا حبشي خلينا نروح نصبح على أختك ونشتري لها شوية حاجات، خلينا نرفع راسها قدام نسايبها بدل ما أنت ما صدقت جوزتها وما جبتلهاش خيط في إبره حتى.
أستيقظ بغضب وبصوت أجش:
- يا فتاح يا عليم، على الصبح مش شيفاني نايم يا ولية، بتصحيني ليه؟ وبعدين فيه حد يروح لعرسان على الصبح؟ خلاص مفيش إحساس ولا دم!
رمقته بإمتعاض وقالت:
- يا راجل، بطل تهرب بقي من أي مشوار يبقى فيه فلوس وهايكلفك، فاكرني هبلة ومش هافهم!
صاح بها بتهديد:
- طب غوري من وشي على الصبح، بدل وربنا وما أعبد لأقوم أديكي علقة، هخليها هي اللي تيجي تزورك وأطفي النور بدل ما أخليكي عايشة في الضلمة طول عمرك لما أديلك كشاف على عينيكي يعميكي وأرتاح.
تأففت بضيق وغضب منه وذهبت تتمتم بصوت خافت:
- عادتك ولا تشتريها، روح يا شيخ اللهي اللي بتحوشه من ورايا وحايشه عني أنا وأختك وعيالك يجي لك حرامي يقشهم كلهم ويحسرك عليهم.
ــــــــــــــــــ
كان يتمدد على الأريكة ومازال بثيابه منذ الأمس ولم يبدلها بعد. أستيقظ على صوت الجرس حينما فتح عينيه وتذكر خلافهما البسيط في البارحة. نهض مسرعًا وطرق الباب عليها:
- افتحي يا ليلة، جرس الباب بيرن، شكلها أمي ولا يكون أخوكي ومراته. افتحي، ما ينفعش يدخلوا يلاقوني لسه ببدلة الفرح!
فتحت الباب وأتسعت عيناه عندما رآها ترتدي منامة حريرية باللون النبيذ ومشطت خصلاتها بعناية وشكل فني جذاب. فقالت له وكأنه لم يحدث شيء ليلة أمس:
- هتلاقيهم أخويا ومراته.
أمسكها من يدها وسألها بحدة:
- هو أنتي ناوية تطلعي لهم بالمنظر ده؟
ألقت نظرة على هيئتها فقالت:
- ماله منظري، دي بجامة ستان بكُم و بنطلون طويل. وبعدين بقولك أخويا ومراته، يعني محدش غريب.
دفعها إلى داخل الغرفة وأخبرها بأمر:
- روحي البسي عباية أو الإسدال، ولو اتكررت الحركة دي تاني هتلاقي كل اللي في الدولاب ده مرمي في الشارع.
رمقته بسخط وقالت بتذمر:
- هو يعني عشان شاريهم لي بفلوسك هتذلني؟ مش عايزة منك حاجة، أنا هاكلم مرات أخويا تجيب لي هدومي القديمة.
رمقها بنظرة نارية قاتلة:
- ليلة، احذري غضبي واتقي شري وخشّي اسمعي الكلام بسرعة.
أرتدت في النهاية كما أمرها على مضض وذهبت هي وقامت بفتح الباب ريثما يبدل ثيابه.
- السلام عليكم، ازيكم يا عرايس.
صاحت بها هدي بسعادة وتحمل علبة من الحلوى. عانقتها الأخرى:
- أهلاً بحبايبي، وحشتوني.
ثم انحنت إلى أولاد شقيقها وعانقتهما وربتت عليهما بحنان. نظرت خلف هدي وسألتها:
- أومال فين حبشي، مجاش معاكم ليه؟
أجابت الأخرى بابتسامة تخفي توترها والحرج الذي تشعر به:
- أخوكي معلش مش هايقدر يجي لك النهارده، أصله يا عيني من ساعة الفرح إمبارح وهو مصدع وتعبان، ما قامش من النوم من وقت ما روحنا. شفتي، نسيت خدي، شيلي الحلويات دي في التلاجة ابقوا كلوها بعد الفطار.
أدركت ليلة كيف تقوم بتشتيتها عن الإجابة لتداري عن زوجها البخيل الذي يخشي أن يأتي إلى شقيقته ويبارك لها ويهنئها ويجب أن يعطي إليها مبلغًا من المال كنوع من أنواع المباركة.
- ربنا يشفيه، ادخلوا اقعدوا عقبال ما أجيب حاجة للعيال.
ذهبت لتحضر كؤوس من العصير وقطع حلوى وضعتها أمام الصغيرين. أقتربت هدي منها وسألتها بصوت خافت:
- ها، طمنيني عملتي إيه؟
رمقتها الأخرى باستفهام:
- في إيه؟
لكزتها بمزاح وخفة:
- ما أنتي عارفة يا بت قصدي إيه.
أدركت ما تقصده فقالت بتردد وترجع خصلاتها خلف أذنها:
- ما حصلش حاجة.
غرّت الأخرى فاها وشهقت:
- أنتي هبلة يا ليلة؟ ده أنا فاكرة أول ما دخلنا أنا وأخوكي من باب الشقة يا دوب عقبال ما وصلنا لأوضة النوم كان حصل اللي حصل، وأنتي تقولي لي ما حصلش حاجة!
نهضت ليلة لتتهرب من نظرات الأخرى قائلة:
- هدي لو سمحت، دي حاجة خاصة بيا أنا. أنتي وأخويا كنتم عارفين بعض وبتحبوا بعض قبل ما تتجوزوا بخمس سنين، أنا يا دوب لسه عارفة جوزي من أسبوع، لازم أتعود عليه الأول.
خرج معتصم من الغرفة يرتدي قميص وبنطال من القطن فأصبح شديد الوسامة. لأول مرة ليلة تحدق به هكذا، لم تصدق هذا الذي كان معها منذ أسبوع.
- يا أهلاً وسهلاً، البيت نور.
ردت هدي:
- ده نوركم يا أستاذ معتصم، وألف مبروك عليك أنت وليلة وربنا يرزقكم بالذرية الصالحة.
رد بابتسامة متكلفة:
- تسلمي، ربنا يحفظك. أومال فين حبشي؟
أجابت بتوتر يشوبه طيف ابتسامة:
- تعبان من إمبارح وما قدرش يقوم من النوم، بعد الفطار هتلاقيه جاي لكم إن شاء الله.
نهضت وأمسكت بطفليها وأردفت:
- فوتكم بعافية بقي.
فقالت ليلة بتعجب:
- أنتي لحقتي تقعدي، رايحة فين؟
- أنا جيت أطمن عليكم والحمد لله أطمنت، هابقى أجي لكم وقت تاني بإذن الله.
غادرت هدي، فقامت ليلة بحمل الصينية ودخلت إلى المطبخ. وجدته خلفها فسألته:
- تحب تاكل إيه على الفطار؟
أجاب ويبدو من نبرته لا يرغب في التحدث معها:
- لما يجي وقت الفطار هاتصرف أنا.
التفتت إليه وسألته مرة أخرى:
- أنت زعلان مني عشان إمبارح؟
تأفف بضجر وأخبرها:
- ليلة، واضح جداً أنك لسه ما تعرفيش يعني إيه جواز ولا أي حاجة. وشكلي هاخد وقت عقبال ما تتعودي عليا، بس ياريت بسرعة عشان أنا مش من النوع الصبور، خدي بالك.
أبتلعت لعابها بتوجس ونظرت إليه بتوتر وقالت:
- وأنا مش ذنبي أنك اتجوزتني بعد أسبوع من معرفتنا لبعض، يعني ما لحقتش أعرفك.
تلاقت حاجباه بضيق وقال:
- ودي مش حجة أو مبرر كافي لمعاملتك الجافة ليا إمبارح.
- والمطلوب مني؟
اقترب منها ليخبرها:
- المطلوب منك تسيبي لي نفسك وأنا هعلمك كل حاجة على إيديا.
رمقته بصمت قاطعه صوت مزعج للغاية:
- صباحية مباركة يا عرسان.
ألتفت كليهما إليها فسألها معتصم بغضب:
- أنتي إزاي دخلتي هنا؟
لوت عايدة شفتيها جانباً ورفعت أمامه عينيه مفتاح الشقة قائلة:
- دخلت بمفتاح خالتي نفيسة، وهي اللي قالت لي اطلعي لهم يمكن محتاجين حاجة وأقولكم تحبوا تاكلوا إيه على الفطار. طلعت افتكرتكم نايمين، بس واضح شكلكم صايحين من بدري. غريبة، أول مرة أشوف عرسان يبقوا صاحيين من صباحية ربنا، الظاهر كانت ليلة مش ظريفة.
رمقها الآخر بنظرة جعلتها تتراجع إلى الخلف. وحتى لا يثير شكوك ليلة حاول أن يهدأ من روعه وهو يخبر زوجة أخيه:
- أعمل إيه؟ أصل ليلة حبيبتي وحشاني ومش طايق النوم يبعدها عني، صح يا ليلة؟
ابتسمت الأخرى وقالت:
- صح يا حبيبي.
عقبت عايدة بتهكم وحقد جلي:
- ما براحة على نفسكم يا عرايس، ده احنا حتى في نهار رمضان، ولا تكونو فاطرين!
لاحظت ليلة نظرة الغيرة والحقد القاتلة في عيني الأخري وقد فسرت هذا غيرة سلاف ليس إلا، لا تعلم ما خفايا كان أعظم!
ـــــــــــــــــــــ
وبعد تناول الإفطار كان يجلس أمام التلفاز يشاهد مباراة كرة القدم ما بين فريقين كلاهما يتميز بالشهرة. يصب كامل تركيزه على اللعب، بينما هي كانت تتصفح الإنترنت على هاتفها. وإذ فجأة يصدح رنين الهاتف الذي أجفلها. شهقت عندما علمت بهوية المتصل، فسرعان جعلت الهاتف على وضع الصامت. وبعدما انتهى الاتصال تلقت رسالة كان فحواها كالتالي: (ردي عليا أحسن لك بدل ما أقابل المحروس جوزك وأحكي له على اللي بينا أو أسمعه تسجيلات مكالمتنا).
أتسعت عيناها والخوف ضرب قلبها. نهضت لتذهب وترى ماذا يفعل معتصم بالخارج. ومن بعيد رأته يصيح تارة ويهلل تارة ويشجع فريقه. عادت إلى الغرفة وقررت أن ترد على الاتصال خوفًا من أن ينفذ ذلك الأحمق تهديده ويهطل عليها المصائب.
- ألو، عايز مني إيه يا عمار؟
- عايز تنفذي اتفاقنا.
ردت بحنق من بين أسنانها:
- اتفاق إيه يا أبو اتفاق؟ أنت إيه ما عندكش دم ولا كرامة؟ ولا ما حرمتش من آخر مرة لما أديتك على دماغك؟
قهقه بصوت أخافها وقال:
- لأ مانسيتش، بس كل اللي أعرفه إننا متفقين مهما حصل هانكون لبعض.
شهقت وأجابت بغضب:
- ده في أحلامك! أنا دلوقتي خلاص ست متجوزة وباحترم جوزي، حتى لو مش باحبه. على الأقل دخل البيت من بابه، مش بيدخل من الشبابيك زي الحرامية. وبص بقي لو ما بعدتش عني ولميت نفسك هخلي جوزي وأخويا يقطعوك حتت.
أنهت المكالمة على الفور وقلبها يخفق بقوة من الخوف. وإذا بصياح أفزعها من الخارج:
- جول، جبنا جول، أيوه بقي!
خرجت وجدته في حاله حماس. ذهبت وأحضرت طبق من الحلويات الشرقية ووضعتها أمامه على الطاولة. ثم جلست على كرسي آخر ونظرت إلى التلفاز وسألته:
- هما مين اللي بيلعبوا؟
أجاب وعيناه نحو الشاشة:
- الأهلي والزمالك.
فسألته مرة أخرى:
- وأنت بتشجع إيه؟
أجاب باقتضاب وكامل تركيزه نحو المباراة:
- الأهلي طبعاً، وأنتي؟
ابتسمت بمكر ثم أخبرته بزهو وفخر:
- الزمالك طبعاً.
أمسك بجهاز التحكم وضغط على كتم الصوت وانتبه إليها ويشير نحو أذنه:
- قولتي بتحبي إيه؟
ترددت في الإجابة بعدما رأت في عينيه نظرة أرعبتها. قالت بصوت خافت:
- قولت بحب الزمالك، فيها إيه يعني.
نهض واقترب منها مما جعلها تلتصق بظهر الكرسي من الخوف. أستند بيديه على مساند الكرسي الجانبية وأخبرها:
- بما إننا بنتعرف على بعض، أحب أفهمك تلاته ما بسمحش فيهم وممكن تطير فيها رقاب.
أبتلعت ريقها بصعوبة وتركته يردف:
- الخيانة والكدب، وتالتهم الزمالك.
غرّت فاها فأكمل حديثه:
- أيوه زي ما سمعتي كده، أنا أهلاوي وتقدر تقولي أهلاوي متعصب كمان، وبكره الزمالك جداً. فلو مش عايزة مشاكل، ياريت ما تجيبيش الاسم ده على لسانك أحسن ليكي ولمصلحتك.
كادت تضحك رغمًا عنها، لكن نظرته الجادة جعلتها تتوقف عن الضحك فجأة وابتلعت ريقها. أنقذها من هذا الموقف رنين جرس المنزل المتواصل فأخبرها:
- ادخلي جوه وألبسي حاجة عشان شكلهم أمي وأخويا.
نهضت وأسرعت إلى الداخل لتبدل ثيابها. بينما بالخارج دلفت نفيسة إلى الداخل وتقول:
- اللهم صل على النبي، اللهم بارك. ألف مبروك يا حبيب أمك، أومال فين عروستك؟
أشار إليها لكي تجلس وأجاب:
- اتفضلي يا أمي، هي بتلبس حاجة وجاية.
صافحه شقيقه قائلاً:
- مبروك يا عريس.
رد الأخر مبتسمًا:
- الله يبارك فيك.
أقترب منه وألتصق به ليهمس إليه:
- ها، عملت إيه يا بطل، رفعت راسنا ولا إيه؟
صمت الأخر ولم يعلم ماذا سيخبره فقال:
- يابني حرام عليك، ما كان على يدك بقالي يومين ما نمتش وأنا كذلك، فمش معقول يعني كله ورا بعضه، إحنا مش هانطير من بعض.
تذكر جلال حديث زوجته وما أخبرته به، لوى شفتيه جانباً وربت على كتف شقيقه قائلاً:
- شد حيلك بقي.
أكتفى بابتسامة ثم نظر إلى ليلة التي خرجت للتو، ترتدي عباءة بيضاء مزخرفة بالخيوط الفضية بأشكال من الطبيعة كما ترتدي وشاحًا باللون الخيوط. وكالعادة جمالها يطفو على أي شيء، خاصة بشرتها الملساء الوردية.
- أزيك يا طنط.
قالتها وتمد يدها إلى والدة زوجها فقالت:
- طنط إيه يا سنيورة، اسمها ماما يا عينيا، ولا أخوكي ومراته ما علموكيش إن أم جوزك يتقالها يا ماما!
نظرت ليلة إلى معتصم لعله يتخذ موقف لكنه اكتفى بالمشاهدة فأخبرتها:
- أخويا علمني إن كلمة ماما ما تتقالش غير لأمي اللي ولدتني وسهرت عليا الليالي، يعني مش أي حد يتقاله يا ماما.
رأى جلال الأمر أصبح صعبًا ويخشى أن والدته تفعل ما لا يحمد عقباه فقال:
- أنا عايدة مراتي بتقولها يا خالتي، قولي لها يا خالتي.
ردت وقالت:
- لو كان كده ماشي، أزيك يا خالتي.
نهضت الأخرى وأجابت بازدراء وتهكم:
- ماشي يا روح خالتك، تعالي معايا عشان عايز اكي في حاجة.
نظرت ليلة إلى معتصم الذي أومأ لها بأن تذهب ففعلت هذا وذهبت معها ودخلت كلتيهما إلى الغرفة، فقالت نفيسة لها بقوة وحزم:
- أنا طبعاً مش هوصيكي على ابني وأقولك خدي بالك منه، لأن لو حصل عكس كده مش هقولك أنا ممكن أعمل فيكي إيه، أنا ولادي اللي يزعلهم أكلة بسناني خصوصاً معتصم، من صغره وهو شقيان يا قلب أمه وسافر واتغرب عشان يساعد أخوه في الجواز وبني البيت ده وعشان يعرف يتجوز ويعيشك في الخير اللي أنتي فيه ده كله.
لاحظت الأخرى لهجة والدة زوجها الحادة والعداء الجلي في نظراتها لها، فسألتها:
- أنا ممكن أفهم ليه حاسة إنك كرهاني ومش طيقاني كأني خطفت منك ابنك!
أجابت الأخرى بحدية:
- أنا ولا بحبك ولا بكرهك، أنا بحذرك بس.
بالخارج كان يتحدث جلال مع شقيقه الذي يخشي على ليلة من حديث والدته الحاد وخصوصًا عندما أخذتها إلى الداخل، تأكد أن هناك خطب ما يحدث.
نهض وترك شقيقه بمفرده وذهب ليرى الذي يحدث وقبل أن يفتح الباب سمع قولها:
- طب اسمعيني بقي زي ما سمعتك، لو حضرتك فاكرة طريقتك دي ها تخوفني وجو الحموات وماري منيب ده ها يعمل معايا حاجة، أحب أقولك وفري مجهودك لأنه مش ها ياكل معايا، كل اللي ليكي عندي كل احترام وأدب غير كده يبقي معلش، ابنك وحاجته وخيره عندك، أصلاً أنا ما كنتش موافقة على الجوازة من الأول يا طنط.
فتح معتصم الباب وتوقف ينظر لكلتيهما قائلاً:
- إيه مالكم صوتكم جايب للحارة.
وسرعان وجد والدته تبكي بحرقة قائلة:
- تعال يابني شوف مراتك اللي لسه بقولها تاخد بالها منك وبنصحها زي أي أم تاخد بالها من بيتها وجوزها راحت مزعقة فيا كأني قتلت لها قتيل.
رمق ليلة بغضب فأقترب من والدته وعانقها وربت عليها:
- معلش يا أمي، أكيد ليلة ما تقصدش حاجة، صح يا ليلة؟
كانت الأخرى تقف في حالة صدمة من تمثيل والدته المتقن وعلمت إنها قد وقعت في براثن عقربة، إذا لم تأمن غدرها فستلدغها لا محالة.
- أنا ما عملت لهاش حاجة، هي اللي عمالة تهددني وتتكلم معايا بأسلوب مش كويس.
صاح بأمر وعيناه تنضح شرر:
- ليلة، اعتذري لأمي.
نظرت إليه والغضب ينبلج في عينيها، أجابت برفض تام:
- مش هعتذر.
قالت له والدته:
- خلاص يا بني، هي زي بنتي برضو اللي ما خلفتهاش.
هدر بصوت أجفل كلتيهما ولأول مرة تراه ليلة في تلك الحالة:
- هاتعتذر غصب عنها.
- خلاص يا بني، أقصر الشر.
وقف أمام الأخري وأجاب على والدته:
- اسكتي أنتي يا أمي، أنا عارف أنا بعمل إيه.
كادت ليلة تذهب من أمامه قائلة:
- وأنا ما عملتش حاجة عشان أعتذر، أبقى أتأسفلها أنت عن أذنك.
أمسك يدها وأوقفها. تسحبت والدته قبل نشوب أي مشكلة وغادرت الغرفة بل والشقة بعدما أشارت إلى ابنها الآخر وقالت له:
- يلا بينا يا ولاه.
سألها بقلق:
- هو في إيه!
جذبته من يده إلى الخارج:
- هابقى أقولك تحت.
وبالعودة إلى معتصم وليلة التي تقف أمامه تتظاهر بالقوة لكن بداخلها عكس ذلك.
- ممكن أفهم إيه الأسلوب الزبالة اللي سمعتك بتتكلمي بيه أمي قبل ما أدخل!
صاحت بغضب:
- احترم نفسك وأنت بتتكلم معايا...
قطع جملتها وهو يركل الكرسي من أمامه بقوة بدلاً من أن يصفعها أو يقترف بها شئ يندم عليه لاحقاً. ولم يكتف بهذا فقط بل زجر كالوحش أمرًا إياها:
- اطلعي بره.
هرولت من أمامه قبل أن يدركها غضبه، ذهبت إلى الغرفة الأخرى وتبكي رغماً عنها. حسبت إنها تخلصت من ظلم وقسوة شقيقها لتجد نفسها وقعت في مصير أكثر قسوة!
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل التاسع 9 - بقلم ولاء رفعت
مضي اليوم بأكمله دون أن يرى أحدهما الآخر، مما جعل نيران غضبه تندلع كلما تذكر نظرة التحدي والتمرد التي رمقته بها عندما أمرها ولم تلبي أمره. علم أن القادم سيكون ملئ بالصعاب. لعن في داخله زوجة أخيه التي جعلته يسرع في هذه الزيجة.
انتبه إلى رنين جرس المنزل. نهض من فوق الأريكة بعد أن كان ممدد عليها. فتح الباب ليجدها أمامه مرة أخرى تقف ولا تكترث إلى نظرة الازدراء التي يرمقها بها.
- تفضلوا السحور، على فكرة أنا اللي عاملاه مش خالتي نفيسة.
عقد حاجبيه وينظر إلى الطعام بتردد، فقالت له:
- ما تخافش، مش هكون حطيتلك فيه سم يعني.
حدقها بتهكم وأخبرها:
- مش بعيد عن واحدة زيك تقدر تعمل أي حاجة.
أبعدته عن طريقها وولجت إلى الداخل حيث المطبخ. ذهب خلفها فوجدها تركت الصينية أعلى الطاولة الرخامية وألتفتت إليه:
- أنا أي حاجة بعملها بالنسبة لك وحشة، أنت السبب فيها. عموماً خلاص أنا مش هجري وراك تاني، كفاية بس هقعد أحط رجل على رجل وأنا شايفة مراتك بتديك على قفاك.
أمسكها من رسغها وعنفها قائلاً:
- لمي لسانك أحسن لك، ومراتي أنضف وأطهر منك، ولو جبت سيرتها على لسانك مرة تانية هقطعه لك.
اقتربت منه ورفعت إحدى حاجبيها وقالت بجرأة سافرة دون خجل:
- أقطع لك لساني أنا بنفسي لو كانت سمحت لك تتدخل عليها.
ابتسمت حين لم تتلق منه سوى الصمت، فأردفت:
- البت دي واخداك سلم عشان تكمل تعليمها وتهرب من عيشة أخوها البخيل.
جز على أسنانه، ودّ سحب لسان تلك الأفعى وقطعه بيده، فقال لها:
- عارفة يا عايدة، لو كل اللي بتقوليه طلع صح، على الأقل هي عندي أحسن منك بكتير وأنضف، مش واحدة لا مؤاخذة.
جزت على شفتها السفلى بغيظ، فقالت له بتحدٍ وعلى وشك الذهاب:
- خليك نايم في العسل، بكرة الأيام تثبت لك كلامي.
قالتها وذهبت، تاركة إياه في حالة غضب. إذا لم يسيطر على حاله لسوف يدمر كل شيء.
بعد مرور وقت...
عندما شعرت بالجوع، قررت الخروج من الغرفة والذهاب للبحث عن أي شيء تأكله. ولجت إلى داخل المطبخ وجدت صينية الطعام. رفعت الغطاء فنظرت إلى الطعام بتلذذ، تود أن تلتهم الأطباق. تناولت رغيف خبز وأخذت تأكل وتلتهم كل ما يقع عليه يدها بنهم.
- براحة على نفسك، محدش بيجري وراك.
كان يقف لدى مدخل المطبخ عاقداً ساعديه أمام صدره ويستند إلى الحائط.
توقفت عن تناول الطعام ونظرت إليه وتشعر بالحرج. ضحك رغماً عنه من هيئتها الطفولية، لاسيما عندما ضربت حمرة الخجل خديها. تراجعت عن تناول الطعام، فقال لها:
- ما أنتي عندك دم وبتتكسفي، أومال ليه ما اتكسفتيش وأنتي بتردي على أمي، وكمان مهنش عليكي تعتذري لها.
عادت نظرة الغضب إلى عينيها مجدداً. رمقته بامتعاض وقالت:
- مامتك اللي غلطت فيا الأول، عمالة تهددني بكلام. كل اللي فهمته منها شكلها متضايقة مني عشانك، روح شوف أنت حكيت لها إيه مخليها شايلة مني.
قطب حاجبيه وأجاب بنفي:
- أنا ما اتكلمتش معاها غير لما جت الصبح تبارك لنا وأحكي لها أي يعنـ...
صمت بعدما تفهم ما ترمي إليه الأخرى، فقال:
- وفرضاً حكيت لها حاجة، مش ده صح، ولا أنا بكذب؟
صاحت بعدم فهم:
- هو أي اللي صح؟ وضح كلامك، أنا مش فاهمة أنت تقصد إيه.
اقترب نحوها وهي تتراجع حتى أصبحت محاصرة بينه وبين الموقد:
- قصدي هو أن المفروض يحصل ما بينا اللي يحصل بين أي اتنين متجوزين.
انتابها التوتر والخجل في آن، فأخذت تتمتم:
- أي اللي أنت بتقوله ده؟ إحنا ما اتفقناش على كده، عايزني إزاي أعمل اللي بتقول عليه وإحنا يا دوب عارفين بعض بقالنا أسبوع بس.
أقترب بشفتيه نحو أذنها وهمس بصوت يعلم ماذا سيكون تأثيره عليها:
- مش شرط على فكرة إننا لازم نكون مخطوبين فترة كبيرة، وبعدين مش يمكن لما نقرب من بعض أكتر تتعودي عليا بسرعة.
حاوط خصرها بين يديه وهبط بشفتيه على عنقها، يقبلها ببطء جعلها تسمرت بين ذراعيه بإستسلام وكأنها فقدت الوعي. بينما هو عندما وجدها لم تقاوم، أخذ يرتفع بقبلاته حتى وصل إلى شفتيها وكاد يقبلها. سرعان ما عادت إلى وعيها عندما صدح رنين هاتفه. شعرت بالفزع ودفعته في صدره وركضت إلى الغرفة.
أخرج هاتفه من بنطال جيبه وأجاب:
- عايز أي يا هادم اللذات.
.......
- طيب يا عم خمس دقايق وجاي لك، سلام.
انتبه لإختفائها من أمامه، فأبتسم وحك فروة رأسه بسعادة ثم قال إلى نفسه:
- هاتجنني معاها بنت الأيه.
يجلس عمار على المقهى ويحتسي كوب الشاي. وحين أفرغ منه، لاحظ قدوم معتصم وإحدى الجالسين على طاولة قريبة منه يشير إليه:
- تعالي هنا يا نجم.
أسترق الآخر السمع وصاحب معتصم يقول له:
- معلش يا صاحبي خليتك تسيب عروستك وتنزل.
رد الآخر:
- طب أنجز عشان سايبها لوحدها.
وحين استمع عمار إلى هذا الحوار وعلم أن ليلة بمفردها الآن، ضربت رأسه فكرة جنونية. أسرع خطواته حتى وصل إلى منزل عائلة معتصم ودلف دون أن يراه أحد. صعد مسرعاً حتى وجد باب شقة جلال مفتوحاً. أسرع للطابق الأعلى وضغط على الجرس.
هي بالداخل كانت تجلس أمام التلفاز تنتظر زوجها لتناول السحور. وعندما سمعت صوت الجرس تأففت بضجر وقالت:
- لما أنت نازل المفروض كنت أخدت مفتاح ولا لازم انـ...
صمتت عند رؤيته أمامها. شهقت ووضعت كفها على فمها وبعد ذلك أخبرته:
- يخربيتك، أنت جاي لحد بيتي! عايز مني أي يخربيتك؟ هاتوديني في داهية وهاتفضح.
دفعها إلى الداخل وأغلق الباب خلفه ثم أخبرها:
- اطمني، المحروس جوزك قاعد على القهوة ومش جاي دلوقتي. أنا جاي لك بس عشان أسألك سؤال، أنتي بتحبيني لسه؟
أخذت تتلفت من حولها وقالت بصوت خافت:
- أطلع برة وامشي من هنا يا مجنون، جوزي لو جه هيدبحك، ده غير الفضيحة اللي هاتعملها لي.
و بالطابق الأسفل، كانت عايدة تفكر في أمر ما، وهو أن تصعد إلى ليلة والتحدث معها ومحاولة الوقيعة بينها وبين زوجها، وهذا بعدما رأت من الشرفة معتصم يغادر المنزل منذ قليل.
صعدت إليها وقبل أن تضغط على زر الجرس، استمعت حديث كلا منهما والشيطان يهيئ لها مئات السيناريوهات.
وفي لحظة، أتت لها فكرة من الجحيم. عادت إلى منزلها وذهبت إلى والدة زوجها التي تشاهد إحدى المسلسلات الرمضانية وقالت:
- خالتي، بقولك ما تيجي نطلع نقعد شوية مع العرايس ونتسحر معاهم.
أشاحت الأخرى بيدها:
- لأ، خليهم على راحتهم، وبعدين اسكتي، هتلاقيهم من وقت ما كنت عندهم وهم متخانقين.
عقدت عايدة حاجبيها وسألتها:
- ليه؟ هو أنتي عملتي لهم أي؟
أجابت نفيسة ببراءة ووداعة زائفة:
- البت يا اختي، خدتها على جنب وبوصيها على جوزها بنصحها. يعني لاقيتها هبت فيا زي نار الفرن، ولا كأني قتلت لها قتيل. بس أي معتصم ابني ربنا يبارك له، نفخها. سيبتهم ونزلت أنا وجوزك. قلت خليه يربيها. أم لسان متبري منها.
قالت الأخرى بداخل عقلها:
- هي برضو اللي لسانها متبري منها برضو! آه منك يا حيزبون، هتلاقيقي إديتلها كلمتين شبه وشك العكر والبت ما استحملتش. يلا أحسن يكش تولعوا أنتم الاتنين في بعض.
انتبهت إلى سؤال حماتها:
- بتقولي حاجة يا عايدة؟
ابتسمت لها ابتسامة صفراء وقالت:
- بقول إن كنت لسه شايفة معتصم من البلكونة رايح ناحية القهوة. فأي رأيك نطلع نقعد معاها وتفهميها إنك هنا الكل في الكل والكلمة كلمتك.
أخذت نفيسة تفكر قليلاً وراق لها الأمر فقالت:
- طب يلا بينا، وأبقى أطفي التليفزيون ده وحصّليني.
اتسع ثغرها بابتسامة عارمة قائلة:
- عينيا.
وعودة إلى ليلة وعمار الذي يقبض على عضديها بعنف ويخبرها من بين أسنانه بتملك وهوس:
- أنا مليش دعوة بكل اللي قولتيه، أنا اللي أعرفه حاجة واحدة، أنتِ بتاعتي أنا وبس.
دفعته بكل قوتها عنها مما أدى إلى اختلال توازنه فوقع على الأرض. نهض وكاد يهجم عليها، لكن صوت جرس الباب أوقفه. اتسعت عيناها ولطمت على خديها قائلة بصوت خافت:
- أنا اتفضحت، اتفضحت.
رفع يديه وقال:
- اهدي، أنا هاتصرف، بس خدي بالك لو ما عملتيش اللي قلت لك عليه المرة الجاية كلامي هايبقى مع جوزك نفسه. سلام يا حلوة.
وفي لحظة، ركض من أمامها وفر من نافذة المطبخ ومنها يتسلق على المواسير إلى أعلى السطح.
بينما ليلة ذهبت لتفتح الباب فوجدت أمامها نفيسة وعايدة، التي قالت بتهكم:
- معلش يا عروسة، صحيناكِ من النوم.
وأخذت تبحث بعينيها عن عمار في أرجاء المنزل حتى لاحظت نافذة المطبخ مفتوحة فأدركت أمر هروبه. جزت على أسنانها بحنق.
فقالت نفيسة:
- معلش لو عملنالك إزعاج، بس قولنا نطلع نقعد معاكي شوية وأقولك ما تضايقيش من كلامي، أنا زي أمك برضو.
وربتت على كتفها، فأخبرتها ليلة:
- خلاص يا خالتي، حصل خير.
يمشط خصلات شعره ثم شاربه الكثيف أمام المرآة. فجاءت زوجته بجواره قائلة:
- حبشي إيدك على فلوس عشان هاعزم أختك وجوزها ييجوا يفطروا معانا بكرة.
توقف عن ما كان يفعله ورمقها بنظرة من قاع الجحيم قائلاً:
- عزومة إيه يا روح خالتك!
لوت شفتيها جانباً بتهكم ثم أجابت:
- بقولك هاعزم أختك وجوزها، فيها إيه دي يعني.
قبض على ذراعها ووضعه خلف ظهرها مما جعلها تتأوه بألم قائلاً:
- أراكِ توزعين من مال أمك! ده عشان تقولي عزومة، عايزة لك أقل حاجة 200 جنيه.
صاحت بسخرية:
- 200 إيه يا حبشي؟ أنت مش عايش في الدنيا ولا إيه؟ دي الـ 200 دي يا دوب تجيب لك فرختين، وبعدين يا أخي، لا روحت زورتها ولا جبت لها موسم أو خزين زي أي عروسة. ده الحمد لله ربنا رزقها وكرمها بواحد زي معتصم، راجل كريم وجدع مش بخيل والقرش بيطلع منه بالضالين.
زاد قبضته مما جعلها تصرخ بألم:
- مين اللي بخيل يا بنت مفيدة؟ ما أنتي لو شقيانة وبتنزلي تحت العربية وتقعدي تصلحي فيها بالساعات كنتِ عرفتِ قيمة الجنيه اللي عايزة تبعتريه يمين وشمال وتقولي لي موسم وهباب على دماغك. هي خلاص بقت على ذمة راجل مسئولة منه، مش كفاية قعدت أصرف عليها وعلى تعليمها لحد ما خدت شهادة ثانوية عامة!
- يا شيخ حرام عليك، أنت يعني كنت بتصرف عليها من جيبك؟ ده لولا ورث أبوك وأمك الله يرحمهم كنت زمانك رميتها في الشارع.
كانت كلماتها كنيران أضرمت فجعلته ثائراً بغضب عارم:
- طب عليا الطلاق لأخليكِ تحرمي تنطقي أسطوانتك الحمضانة بتاعت كل مرة، أنتِ اللي جبتيه لنفسك.
أنهال عليها بالضرب على أنحاء جسدها حتى تمكنت من الهرب من أمامه واللجوء للغرفة وإغلاق الباب عليها وصدّه من الداخل:
- حسبي الله ونعم الوكيل فيك.
- بتقفلي الباب عليكي وبتحاسبيني عليا، ماشي يا هدى، هأروح من بعض فين؟ مصيرك تقعي في إيدي.
هم بالذهاب وأردف:
- كتك الهم، لازم تنكدي عليا كل يوم قبل ما أروح الشغل. هات هات، وكأن الواحد قاعد على بنك وأنا مش عارف.
غادر وصفق الباب خلفه.
أمام بناء في الحارة تقف تلك المتشحة بالسواد وترتدي غطاء الوجه حتى لا يراها أحد وهي ذاهبة إلى عمار. الذي عندما رآها، ولج إلى داخل المبنى وصعد الدرج. ذهبت خلفه حتى وصل إلى غرفته المقيم بها أعلى السطح. توقف فجأة والتفت إليها وأخرج مدية من جيبه وأشهرها بالقرب من تلك السيدة:
- أنت ولا أنتِ مين؟
تحدثت بصوتها الأنثوي ودون أن ترفع غطاء وجهها حتى لا ينكشف أمرها له:
- نزل اللي في إيدك الأول وتعالى نتفاهم. ما تخافش، أنا مش جاية أأذيك لأن مصلحتنا واحدة.
أخفض يده وأعاد المدية إلى جيبه وسألها بتوجس:
- أنتِ مين وعايزة أي؟
أجابت بكل هدوء:
- ليلة، أنا عارفة اللي بينك وبينها، وأنك بتحبها وبتحاول تضغط عليها وعايزها تطلق من معتصم. أنا بقى جاية أساعدك بس لمصلحتك.
نظر إليها بعدم فهم وسألها:
- وأي مصلحتك أنتِ؟
بالطبع لم تخبره بحقيقتها حتى لا تكشف له نواياها الخبيثة والقذرة، فأجابت:
- مصلحتي. أنا ومعتصم كنا متجوزين في السر. عشت معاه أسوأ أيام عمري، وفي الآخر رماني وخد كل اللي ورايا وقدامي. عايزة آخد حقي منه. بس أنا مهما كان ست وحيدة وضعيفة وماليش أهل يقفوا له.
شعر بأن هناك أمر ما خاطئ. وقبل أن ينصاع لها سألها للمرة الرابعة:
- والمطلوب مني أي أعمله؟
أشارت إليه نحو أريكة خشبية بالية:
- تعالي نقعد بس الأول عشان نعرف نتكلم.
ذهب كليهما وجلسا، فأردفت:
- بص يا سيدي، معتصم شغال بقاله أكتر من تلات سنين في الكويت، وقبلها كان في السعودية. ماشاء الله بيقبض حلو أوي وربنا فاتحها عليه من وسع. لولا أمه الحيزبون كنت زماني بتمتع في خيره. ولما عرفت بجوازنا فضلت وراه لحد ما خلته يسيبني. طبعاً زمانك بتقول طب برضو أنا هاعملك أي؟ أقولك، أنت بإيدك تعمل كتير أوي والخير يعم علينا إحنا الاتنين.
اتسعت عيناه عندما أدرك ما تقصده من حديثها الطائل هذا:
- قصدك أبتز ليلة وأطلب منها فلوس!
أومأت له وقالت:
- براوه عليك، أنا نظرتي ما تخيبش. هي كده ولا كده خلاص معدتش بتحبك ولا عايزاك وراحت اتجوزت غيرك، وهو كمان باعني وقطع الورقة العرفي اللي بينا. وما تستغربش إن أنا عرفت إزاي، أنا كنت طالعة امبارح لمعتصم عشان محتاجة قرشين وقبل ما أخبط سمعت صوتك أنت ومراته والحوار اللي دار بينكم.
لاحظت علامات الاعتراض والرفض على ملامحه. نهضت واستعدت للمغادرة فقالت قبل أن تذهب:
- خد وقتك في التفكير، و آه قبل ما أنسى، هات رقم تليفونك عشان أكلمك وأتواصل معاك ولو في أي جديد هابلغك. وياريت وأنت بتفكر اعقلها صح وفكر في مصلحتك. القرش هيجيب لك اللي أحسن من ليلة لحد عندك.
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل العاشر 10 - بقلم ولاء رفعت
عقب صلاة التراويح أستيقظت ليلة علي رنين هاتفها و رأت المتصل زوجة شقيقها فأجابت:
- الو أزيك يا هدي.
ردت الأخري:
-الحمدلله يا حبيبتي، أنتِ في شقتك و لا عند حماتك؟
ردت ليلة بصوت يغلبه النعاس:
- لاء، في شقتي أنتِ و حبشي جايين؟
أخبرت الأخري بتردد:
- اه، بس أنا اللي جاية لك، معلش بقي أخوكي عنده شغل كتير يا دوب بيرجع يفطر و ينام.
قالت ليلة و الضيق جلي من نبرة صوتها:
- خلاص يا هدي كفاية تبرري له موقفه و تخلقي له حجج و أعذار، أنا عارفه كويس أنه ما صدق جوزني و خلص من همي و مصاريفي أهو وفرت عليه علي رأي المثل هم و أنزاح.
- ليه بتقولي كده، أنتي فاهمة غلط هو فعلاً و الله مشغول أوي حتي قالي الصبح أول ما هفضي من اللي ورايا هايجي يزورك.
إبتسمت الأخري بسخرية و قالت:
- و أي الجديد في كده، طول عمري آخر إهتماماته، عمتاً أنا مستنياكي و أبقي هاتي العيال عشان وحشوني أوي حبايبي.
أنهت المكالمة و نهضت تبحث عن عباءة ترتديها لإستقبال الضيوف، فخلعت منامتها بعدما ألقت نظرة علي الباب فوجدته مُغلقاً و لحظات و وجدت الباب يُفتح علي مصرعه، شهقت بفزع و تدثرت بالعباءة، صاحت بغضب:
- أنت إزاي تدخل من غير ما تستأذن و لا تخبط!
غر فاهه ليعيد كلماتها داخل رأسه فقال:
- أنتي هبلة و لا شاربة حاجة علي المسا، فيه واحد بيستأذن أو بيخبط الباب قبل ما يدخل أوضة نومه اللي فيها مراته!
فكرت قليلاً فوجدت لديه حق، أنتابها التوتر مرة أخري و تلعثمت في الحديث:
- برضو يعني و ما ينفعش و إزاي.
أخذ يضحك علي هيئتها و أفعالها الطفولية و خاصة عندما أقترب منها و هي تعود إلي الوراء بتوجس، توقف عن الضحك و تبدلت نظراته من السعادة إلي أخري غامضة بل يرمقها بنظرة خبيثة جعلت خوفها يزداد:
- مالك بتبص لي كده ليه!
أجاب بهدوء أعصاب أثار ريبتها:
- عادي شايف قدامي واحدة زي القمر و يمكن أحلي كمان عايزاني أبص لها إزاي!
أشارت له بسبابتها و تحذره:
- بطل الكلام بتاعك ده و بصاتك دي اللي مش..
تعثرت و وقعت علي ظهرها أعلي الفراش، دنا إليها و استند علي كفيه:
- و لو ما بطلتش!
أبتلعت ريقها و لا تعلم لما قلبها يخفق و تتوقف الكلمات علي لسانها، لا تستطيع التفوه و غير قادرة أن تحيد عينيها عن خاصته و كأنه سحر شديد القوة.
بينما هو ظل ينظر إليها بتمعن فهي كالحورية تسلب عقول من يري جمالها الأسر و ذات عيون يؤلف من أجلها الشعراء آلاف الدواوين.
توقف الزمان في تلك اللحظة فوجد حاله ينجذب إليها و يهبط بشفتيه إلي خاصتها، ألتقمها كالظمآن عندما وجد بئر ملئ بالماء ظل يغترف منه و يرتشف بنهم، تحركت إحدي يديه إلي العباءة التي تتشبث بها و أبعدها من يدها فأصبحت بثوب قطني يظهر معظم معالم جسدها من أسفله، أبتعد عنها ليتمكن من رؤيتها في تلك الهيئة المثيرة فأفزعهما جرس المنزل، فعادت إلي وعيها علي الفور شهقت و دفعته من فوقه لكنه أمسك يدها:
- رايحة فين؟
أجابت بحدة و ضيق منه و من جسدها الذي كان علي وشك الإستسلام له:
- رايحة ألبس عشان مرات أخويا اللي بتخبط.
رمقها بإمتعاض و زفر بنفاذ صبر:
- ألبسي و أنا هاروح أفتح لها و نازل تحت شوية، أنا عارف إنها ليلة نحس و حد باصص لنا فيها أنها ما تكملش لحد الأخر.
ولي ظهره إليها و خلع قميصه القطني ليبدله بأخر من الخزانة، و لأول مرة تراه عاري الجذع، خفضت بصرها من الخجل و نهضت لتُعد نفسها لإستقبال زوجة شقيقها.
و بعد قليل قام بفتح الباب و رحب بالزائرة:
- أهلاً يا أم محمد، بصي معلش أنا نازل ليلة عندك جوه اقعدو براحتكم.
تركها و غادر مسرعاً، تعجبت و ولجت إلي الداخل فرأت ليلة آتيه من المطبخ تحمل صينية مليئة بالحلوي و المشروبات، ركض صغيريها نحوها مُهللين:
- عمتو يا عمتو.
- أهلاً أهلاً بحبايب قلبي اللي وحشني أوي.
تركت ما بيدها أعلي المنضدة و جلست علي ركبتيها لتعانقهما معاً، فقالت الصغيرة:
- ليه يا عمتو سبتينا إحنا بنحبك أوي.
ربتت عليها بحنان و أخبرتها:
- عشان خلاص أنا اتجوزت و ليا بيت تاني.
فسألها الصغير:
- يعني مش هتيجي تعيشي معانا تاني؟
عانقته و قالت:
- ياريت كان ينفع يا ميدو بس للأسف بقي خلاص مابقاش ينفع، أنا ممكن أجي لكم يومين كده.
نهضت و ربتت علي كلا الصغيرين و أخبرتهما:
- يلا بقي عايزاكم تاكلو كل الحاجات الجميلة دي و تشربو العصير.
جلست بجوار سهيلة التي سألتها بإهتمام:
- عامله أي يا ليلة أنتي كويسه؟
أومأت لها و أجابت بإقتضاب:
- الحمدلله.
- أنا عارفة أنك زعلانه من أخوكي، أنتي المفروض تكوني عارفاه أدعي له ربنا يهديه.
رددت بحزن و شجن:
- يارب.
- أنا شايفة إنه الله أكبر عليكي و اللهم بارك أحلويتي أوي، طبعاً يا سيدي باين علي جوزك حنين و طيب، الحمدلله ربنا عوضك عن أخوكي و قساوته.
أومأت لها بصمت مما جعل الأخري تسألها دون خجل:
- ألا قولي لي يا ليلة، هو أنتي و معتصم خلاص؟
قطبت حاجبيها بإستفهام:
- خلاص أي؟
أخبرتها بهمس لايسمعه سواها بما تقصده من سؤالها، شهقت ليلة و وبختها:
- أي اللي بتقوليه ده يا هدي عيب.
غرت الأخري فاهها و قالت:
- يخرب عقلك هو أنتي و هو لسه!، يا نهارك أزرق أنتي كده ناوية علي خراب بيتك و ياسلام لو الحيزبون حماتك شمت خبر بحاجة زي كده دي ممكن تخليه يدخل عليكي بلدي.
أنتفضت بفزع و قالت برفض تام:
- إستحالة ده يحصل، و بعدين هاتعرف منين هو و انا متفقين نتعود علي بعض الأول و بعد كده ممكن يحصل اللي هو عايزه.
كانت في الخارج من تسترق السمع علي حديثهما و حين التقطت الخبر المبين أتسع فمها بإبتسامة شيطانية، الأمور تسير تماماً كما تخطط، هبطت إلي اسفل قبل أن يراها أحد تتمتم في نفسها:
- بركاتك يا شيخنا و بركات الأسياد.
و بالعودة إلي هدي و ليلة التي تخبرها:
- هدي لو سمحت دي حياتي أنا و أنا حرة فيها، و ريحي دماغك هو ما أعترضش علي حاجة.
- و هو يا خايبة عشان موافقك علي موضوع زي كده تقومي تسوقي فيها!، و الله اللي أنا شيفاه أن الراجل بيحبك و اشتراكي بالغالي و مادام مطوعك في حاجة زي كده يبقي ابن اصول و بيحبك و مش عايز يغصبك علي حاجة، طب تصدقي بالله ده أنا عمري ما أنسي حبشي أخوكي يوم دخلتنا لسه برفع وشي و أبص له راح رزعني الكف و وراه يجي عشرة و في الأخر حصل اللي حصل و لما جيت سألته ليه ضربتني، قالي هو لازم يفرض سيطرته من اول ليلة بالبلدي كده يدبح لي القطة، تخيلي لو قولته له ما تقربش مني لما نتعود كان زمانه روحني لابويا بالفستان و معايا ورقتي.
رمقتها ليلة بإمتعاض و عقبت علي حديثها بسخط:
- و مالك فخورة بنفسك ليه كده، دي إهانة ليكِ و لكرامتك، عشان كده كنت بستغرب كل ما تتخانقو و يديكي علقة موت تروحي تغضبي يوم و ترجعي علي طول.
ردت الأخري بسلبية تامة:
- أعمل أي يا ليلة بحبه أوي رغم عيوبه و بخله اللي محدش يستحمله أبداً.
هزت رأسها بسأم و قالت:
- ربنا يهديه ليكِ.
بالأسفل تجلس عايدة علي الأريكة و تنظر نحو الفراغ، دلف زوجها من الباب و تعجب لعدم رؤيتها له أو حتي لاحظت وجوده، تحمحم و سألها:
- اللي شاغل بالك؟
لم ترد حتي قذفها بعلبة السجائر في وجهها، حينها أنتبهت بفزع و صاحت به:
- في أي يا جلال مالك أتجننت و لا ايه!
ضحك و قال:
- داخل من بدري و غيرت هدومي و لاقيكي من وقتها سرحانه، أي اللي واكل عقلك كده و لا بتخططي لأي؟
نهضت و أقتربت منه و بنظرة غامضة رمقته و قالت:
- و انا كنت بلم الغسيل من فوق السطوح ونزلت سمعت صوت واحده عند ليلة و معتصم اتاريها مرات أخوها، و بيني و بينك أنا ما بطيقش الوليه دي بس اللي سمعته شدني و مش عارفه أخوك ساكت علي مراته دي إزاي.
نظر بإستفهام:
- ساكت عليها في أي مش فاهم؟
أجابت بفرح و شماته:
- أخوك الأهبل البت مش راضيه تخليه يجي جمبها، يعني هي لسه بنت بنوت لحد دلوقت بقالهم اسبوع.
فقال الأخر بحسن نية:
- يا شيخة أتقي الله ممكن سمعتي غلط و لا هم بيحكو عن حد و افتكرتي الكلام يخصها هي و اخويا.
عقدت ساعديها أمام صدرها و قالت:
- طيب يا جلال أي رأيك بقي ليك ورقه بـ 200 جنيه من عندي لو طلع كلامي صح و أسأل أخوك كده بس من غير طريقة مباشرة و لو طلع كلامي صح لأخليك تجيب لي كل اللي نفسي فيه.
ضحك بتحدي و قال:
- موافق!
جاء يوم أخر و ليس بجديد سوي أن يغادر معتصم المنزل و يذهب للجلوس علي المقهي برفقة أصدقائه، و ليلة تمكث في المنزل تتابع التنسيق و قامت بملئ إستمارة الرغبات الألكترونية و تدعو ربها بأن تأتي لها الكلية التي ترغب بها.
علي حين غرة وجدت باب الشقة يُفتح و ظهرت أمامها عايدة و ترمقها بإزدراء:
- بقالك أكتر من أسبوعين عملالنا برنسيسة و قولنا نعديها عشان أنك عروسه، لكن هتسوقي فيها و ماتجيش تعملي معانا حاجة ده بقي اللي مش هانعديه.
تركت ليلة هاتفها علي المنضدة و نهضت تقف في وجهها مباشرة:
- في أي يا عايدة، أنا عملت لك أي عشان تكلميني كده!، و حاجة أي اللي أعملها معاكم!
- صحصحي يا حبيبتي و شوفي أنتي ساكنه في بيت عيله يعني المفروض تنزلي تخدمي حماتك و تشوفي طلباتها من غير ما تقولك.
صاحت الأخري:
- و مين قال الهبل اللي ذكرتيه ده كله، أنا لو نزلت و ساعدت حماتي ده بيبقي زوق مني مش فرض عليا، و بعدين لو أنتِ بتعملي كل حاجة ده شئ طبيعي عشان أنتي عايشه معاها في نفس الشقة، و علي كل حال أنا هانزل و أطمن علي خالتي نفيسة بنفسي و اشوفها لو محتاجه حاجه و مش عشان كلامك، عشان انا بنت اصول و متربية.
تركتها بمفردها و ذهبت لتبدل ثيابها و ذهبت إلي الأسفل، فوجدت والدة زوجها تعاملها بحدة و تلقي بعض الكلمات التي تحمل أكثر من معني لعل الأخري تدركها مما جعل ليلة تندم علي نزولها و مساعدة هؤلاء.
أنتهت من إعداد الطعام و من قبله قامت بجلي الصحون و ترتيب الشقة و كل شئ.
و لدي وقت الإفطار همت بالذهاب فأوقفتها نفيسة قائلة:
- رايحة فين، جوزك كلمني و طالع دلوقتي عشان نفطر كلنا.
كانت تشعر بالإرهاق و التعب:
- معلش يا خالتي هاطلع أنا هاريح شويه و هابقي أفطر بعدين.
صاحت الأخري بحدة:
- جري أي يابت، هو أنا عشان بعاملك بما يرضي الله هاتشوفي نفسك علينا و لا أي!، و لعلمك الفطار و السحور من النهارده كل يوم هنا عندي و بعد كل ده أطلعي علي شقتك.
كادت ليلة تطلق لسانها لكنها أكتفت بالصمت فهي قد تعلمت من الموقف الفائت لكن دون أن تنصاع لأوامر تلك السيدة المتسلطة، فغادرت بلا تردد و صعدت إلي منزلها، لا تعلم أن ما فعلته جعل والدة زوجها تستشيط غيظاً بل و أثار غضبها، توعدت لها بالإنتقام.
عاد معتصم من الخارج إلي منزل والدته كما أخبرته هي بأن يأتي ليتناول الفطور لديها وجد المنضدة مليئة بالطعام الشهي لكن لم يجلس حول المائدة أحد و وصل إليه صوت بكاء والدته:
- و الله يا عايدة و ما ليكِ عليا حلفان لسه كنت بقولها أقعدي عشان تفطري و جوزك زمانه طالع من تحت راحت هبت فيا و فضلت تزعق و أخرتها قامت زقتني في كتفي جامد لما حسيت أن كتفي أتخلع.
لاحظت عايدة وجود معتصم دون أن ترفع عيناها لكنها تصنعت الحزن و ربتت علي كتف حماتها برغم علمها بالحقيقة:
- معلشي يا خالتي ربنا يهديها ممكن تكون متضايقه من حاجه.
أخذت تبكي و قالت:
- و رحمة ابو جلال يا بنتي ما عملت لها حاجة، ده حتي كنت ناوية بعد ما نفطر أطلع لها الهدية اللي جبتها لها معرفش أنها هاتعمل معايا كده.
و أطلقت لعبراتها الزائفة العنان مما جعلت الأخر ثار كالوحش المفترس، لم يتمهل و صعد إلي ليلة ليأخذ حق والدته!
صعد إليها و قد وصل غضبه إلي ذروته، و كانت هي تستحم و أنتهت لتوها و بعدما جففت جسدها بالمنشفة تذكرت أمر ثيابها التي تركتها في الغرفة، قامت بلف المنشفة علي جسدها و خرجت.
ولجت إلي داخل الغرفة و ضغطت علي زر الضوء، شهقت بفزع عندما رأت هذا الجالس بزاوية و بين أنامله سيجارة مشتعلة نفث دخانها من فمه و أنفه حتي وصلت الرائحة إلي أنفها أنتابها السعال و قد ظن إنه أمراً عادياً فوجد السعال يزداد و وجهها أصبح محتقن بالدماء، نهض ليطمئن عليها رغماً من غضبه الذي ينوي أن يلقيه فوق رأسها.
- مالك في أي؟
أشارت إليه نحو السيجارة التي بيده و أخبرته بصعوبة:
- عندي حساسية علي الصدر و ريحة السجاير بتزودها.
سرعان أطفئ السيجارة في المنفضة فوق الكمود و أمسك بزجاجة مياه و سكب منها في الكوب:
- خدي أشربي ميه و الكحه هتهدي، المغرب لسه مأذن من شوية.
أخذت من يده و لم تنتبه إلي نظراته الجريئة علي جسدها الشبه عاري أمامه لا يستره سوي منشفة تغطي من أعلي مفاتنها حتي منتصف فخذيها و خصلاتها المبتلة التي أعطتها هيئة مثيرة للغاية، أبتلع ريقه و يراقب تصرفاتها العفوية، بعدما أنتهت من شرب الماء مسحت شفتيها بلسانها دون قصد منها.
- بقيتي أحسن؟
سألها فنظرت إليه و أجابت:
- اه الحمدلله.
- حلو أوي، أنا بقي عايز أعرف أي اللي حصل تحت عند أمي و أي اللي عملتيه معاها ده!
و قبل أن تسأله عن ماذا يتحدث أنتبهت إنها تقف أمامه بمظهرها هذا، أبتعدت و قالت:
- عن أذنك هلبس هدومي الأول.
أوقفها و جذبها من يدها و أخبرها بحزم:
- لما أكلمك تقفي و تردي مش تمشي و تسبيني!
ردت بخجل و دون أن تنظر إليه:
- أنا بس كنت عايزة ألبس حاجة الأول و بعدها هانتكلم.
زجرها بحنق و قال:
- أنتي واقفة قدام جوزك مش واحد غريب.
و من فرط ما تشعر به من الخجل و الحرج كانت علي وشك البكاء و ربما أنسدلت عبرة علي خدها مما جعلته يزفر بضجر قائلاً:
- بتعيطي ليه دلوقتي!
جلست علي طرف الفراش و أجابت باكية:
- عشان كلكم جايين عليا، أنت و مامتك و اخويا و كأني عدوتكم، أخويا طول عمره قاسي عليا و مامتك مش عارفه ليه بتعاملني وحش و كلامها كله جارح رغم ربنا يعلم أنا معملتش معاها حاجة وحشة و عملت شغل البيت و عملت معاهم الأكل و عشان طلبت بس ارتاح و ابقي أفطر بعدين زعقت فيا مقدرتش أرد عليها سبتها و مشيت و أنت جاي كمان تكمل عليا.
ها قد أتضح له الأمر، يبدو هناك من يكذب و أحدهم من يقول الصدق، و بعد أن كان ينوي توبيخها عدل عن قراره بل و شعر بالشفقة حيالها، جذبها بين ذراعيه و عانقها بحنان و أخذ يربت عليها، هيهات و تحول تربيته إلي تمسيد علي طول نصف ظهرها العاري و هبط بيده إلي خصرها و بشفتيه دنا إلي خاصتها و تناولها في قبلة حميمية.
- و أنا اللي كنت فاكراك تقولها عيب اللي عملتيه مع أمي، يا خيبتك نفيسة في إبنك النحنوح.
انتفض كليهما بعد سماع صوت والدته التي فتحت باب الشقة الخاص بها و دون أن تستأذن أو تنبه ولدها، بينما ليلة أختبأت خلفه و تشعر بالخجل.
أشار الأخر إلي والدته و أخبرها:
- لو سمحتي يا أمي تعالي نطلع في الصالة نتكلم عقبال ما ليلة تلبس هدومها.
لوت والدته شفتيها جانباً و قالت و النيران بداخلها قد وصلت للعنان:
- تعالي يا ضنايا، تعالي.
و أخذت تتمتم دون أن يسمعها أحداً:
- شكلك طلعتي داهية يا بنت آمال، أما وريتك ما بقاش أنا!