تسللت من النافذة و تتلفت من حولها لمراقبة الأجواء و حتى لا يكتشف أمرها. ولجت إلى البناء و صعدت خلفه على أطراف أناملها، وحينما وصلت إلى السطح وجدت يد تجذبها بعنف و تدفعها إلى الجدار! شهقت بفزع و أخذت تلتقط أنفاسها و تردد بعض الأدعية. هدأت عندما أطمأنت إنه عمار و على وجهه علامات الغضب يسألها: -أي اللي منزلك الشارع في الوقت المتأخر ده؟ ردت بخوف و علامات الذعر على وجهها: -كنت جاية أطمن عليك لما لقيتك ما بتردش.
أبعد يده عن تلابيب عباءتها و أطلق زفرة نافرة فهذا ما كان ينقصه في تلك الحالة التي يمر بها. -مكنتش بترد ليه؟ أجاب بتأفف: -كنت في الشغل. ألقت نظرة على ثيابه و مظهره المزري فسألته مرة أخرى: -وأي اللي عمل فيك كده؟ جلس على أقرب مقعد خشبي بالي و أجاب بسأم: -اتخانقت و سبت الشغل. فغر فاهها بصدمة ثم قالت: -أنت لحقت ده أنت لسه مكملتش شهرين! رمقها من طرف عينيه و عقب على كلماتها:
-نصيبي كده أعمل أي يعني أبوس إيديهم و أتذل عشان أفضل أشتغل معاهم! اقتربت منه و جذبت مقعد شبيه للجالس فوقه و جلست عليه بجواره قائلة: -أنا ماقولتش كده، أنا قصدي يعني أي شغل فيه مشاكل و قرف و أنت محتاج لكل قرش عشان الشبكة و العفش و تشوف أوضة وصالة إيجار جديد. ابتسم بتهكم و قال: -شبكة و عفش و شقة إيجار، عايزاني أشتغل حرامي! ضيقت ما بين حاجبيها و تضايقت من حديثه الساخر: -وهو كل اللي بيتجوز كده بيشتغل حرامي!
-لأ، بس اللي ما بيشوفش من الغربال يبقى أعمى. أمسكت يده و بعينين مليئة بالرجاء و بنبرة توسل أخبرته: -عمار أنا بحبك و مش عايزة حاجة تفرقنا حتى لو كان أخويا، أنا هستناك مهما حصل، بس زي ما هاستحمل و أصبر و أجي على نفسي لازم أنت كمان تعمل كده، عشان هو ده الحب، الحب تضحية عشان تسعد اللي بتحبه. ما زالت ضحكة السخرية على ثغره و قال:
-كلام أفلام كانو بيضحكوا علينا بيه، الواقع بيقول عكس كده فيه فلوس يبقى فيه حب، مفيش فلوس، يبقى مفيش حب ولا كلام الأغاني اللي كنا بنصبر بيه نفسنا و نفضل عايشين في وهم. نهض و وقف أمامها و نظر نحوها من موضعه و أردف: -تقدري تقولي لي لو جيت تاني لأخوكي و أقول له طالب إيد أختك عشان بحبها و أصبر عليا عقبال ما أكون نفسي تفتكري هيرضي! ، ولا هايصرف علينا أنا و أنتي!
نهضت لتقف أمامه و بداخلها قد سأمت حالته الإنهزامية تلك، فبرغم حبها له لكن تمقت سلبيته المفرطة و حالة اليأس المسيطرة عليه بالكامل: -طول ما أنت إنسان سلبي و شايف كل حاجة سودة قدامك عمرك ما هاتقدم خطوة واحدة، ماتنساش وعدك ليا و أنت بتعترف لي بحُبك و أنك هاتعمل المستحيل عشان أكون ليك، بس الظاهر كان كله كلام في كلام. -اعتبريه وعد حين ميسرة.
رمقته من أعلى لأسفل بإزدراء و تذكرت كل ما تحملته من معاملة شقيقها السوء لها و ها هو الآن الإنسان الذي أحبته يتخلى بإستسلام بائس عنها، فقالت بغضب: -لأ وأنت الصادق الوعد ده للرجالة بس واللي شايفاه قدامي مش راجل. تلقت صفعة قوية صاحبها صياحه بغضب: -أنا راجل غصب عنك. رمقته بصدمة غير مصدقة ما فعله بها للتو، وكأن بداخلها بركان قد اندلع و أطلق حممه الحارقة:
-لأ مش راجل، ولا أخويا راجل عشان مفيش راجل يمد إيده على واحدة بنت أضعف منه، هقولك على حاجة أنا بقي اللي مش عايزاه ولو جيت بوست أيدي عشان أسامحك هقولك مليون لأ. دفعته من أمامها و عادت إلى منزلها باكية ضائعة، شريدة القلب. تتعالى أصوات التواشيح التي تسبق آذان الفجر و هناك أعين نائمة و أخرى يجافيها النوم، و هناك في انتظار أحدهم على أحر من الجمر. نهضت بتأفف من جوار زوجها الذي لا يجيد في حياته شيئاً سوى النوم.
وقفت أمام المرآة تنظر لصورة انعكاسها، تتأمل قدها الممشوق و المهمل من هذا النائم. ولما لا فقد أخذت على نفسها عهداً بأنه لم يستسلم هذا الجسد بإرادتها سوى من سلب قلبها منذ سنين، وزواجها من جلال لأنها تريد القرب من حبيب القلب والذي اختطف لبها، أفتنها شيطانها الغاوي وسيجلعها تخرج في بئر من الوحل كلما استسلمت لأهوائها كلما كان طريق التراجع صار درباً من دروب المستحيل. انتفضت عندما سمعت صوت باب الشقة، قطبت حاجبيها
و ذهبت لتوقظ زوجها: -ألحق يا جلال فيه حد بيفتح باب الشقة، قوم شوف ليكون حرامي. هز كتفه و يغمض عينيه قائلاً: -هتلاقيها أمي قامت تصلي الفجر و بتقفل باب الشقة، ما أنتي عارفها موسوسة. أشاحت بيدها له و قالت: -أمك زمانها في سابع نومة، فضلت مستنية أخوك لحد ما نام... صمتت و هي تتذكر أمر ما ذكرته الآن، نهضت و ارتدت مأزرها و ألقت بوشاح فوق رأسها.
وبمجرد خروجها انتفضت عندما رأته يقف في منتصف الردهة، يكشف ذلك الضوء المنبعث من المطبخ نصف وجهه. تفوهت باللهفة و اشتياق: -معتصم! -أزيك يا مرات أخويا عاملة أي؟ وها هو يذكرها بأكثر شئ تمقته و تريد نسيانه، اقتربت منه و بابتسامة تشق ثغرها من الأذن للأخرى: -بخير، حمد الله على السلامة. جلس على أقرب كرسي له و أجاب:
-الله يسلمك، معلش بقى المفروض كنت جيت من ساعات بس حصل شوية حاجات كده هي اللي أخرتني و عديت على مطعم في طريقي اتسحرت فيه، كل سنة و أنتم طيبين. نظر حوله ثم سألها: -هو جلال لسه نايم؟ هزت رأسها بالإيجاب: -آه، ما أنت عارف أخوك قدامه للضهر عقبال ما يصحي، شكلك طبعاً عايز تنام، أنا مجهزة لك أوضتك و مروقاها لك بنفسي و مخليها لك بتلمع. -تسلم إيدك، أنا فعلاً كل اللي محتاجه دلوقت أريح و أنام. نهض و كاد يتحرك نحو
غرفته أمسكت يده و سألته: -رايح فين؟ رمقها بتعجب من سؤالها و من ما فعلته، نظر نحو يدها التي تمسك بيده، وحين أدركت خطأ ما فعلته و قرأت ذلك في عينيه أبعدت يدها و ابتلعت ريقها: -قصدي يعني مش هتصلي الفجر؟ -داخل أتوضأ و بعد ما يأذن هصلي، ادخلي صلي أنتِ كمان خلي ربنا يهديكِ. تركها و ولج إلى غرفته و أصد الباب عمداً كرسالة إليها لعلها تدركها!
استيقظت كالعادة على صياح شقيقها و توبيخه لزوجته و هذا بسبب المصاريف التي لم تنته و متطلبات البيت من مأكل و أشياء كثيرة. -مش هاقدر أستنى أسبوع كمان يا حبشي دي الولية أم إمام ممكن تيجي لنا قدام البيت و تفضحني، ما أنت عارفها معندهاش تفاهم في تأخير فلوس الجمعية.
أخبرها بصوت هادر و دخان سيجارته يتطاير من فمه و أنفه، فلدي مبدأ عجيب بل و غريب بأن الصوم هو الامتناع عن الطعام و الشراب فقط لكن تدخين السجائر و إطلاق السباب و الشتائم، كل هذا في قاموسه لا يبطل الصيام! -ما قولتلك اصبري عليا كمان يومين، قولت لك ما أعيش أنزل أسرق لك يعني! وضعت الأخرى يديها في خصرها و قالت: -ماشي أنا هدفع لها من مصاريف البيت بس ما تجيش تسألني عن أكل. رد بصوت جهوري مهددًا إياها:
-طب و عليا الطلاق لو ما جيت لاقيت الفطار على الطبلية لأخدك أرميكي عند أمك و أجيب واحدة بدالك. تركته و لم تجب عليه، دلفت غرفة ليلة و هي تتمتم: -يا شيخ روح هو في واحدة هاتستحملك زيي، ده أنا ليا الجنة و ربنا. نظرت إليها ليلة و سألتها بصوت ناعس: -أنا اللي نفسي تبطلوا خناقة الصبح دي و لو يوم واحد، أو أقولك خليه يطلقني أنا و يرحمني أو يتبرى مني. ضحكت هدى رغماً عنها و لكزتها في يدها: -آهو ده اللي باخده منك تريقة وبس.
-حد قالك تتجوزي واحد اسمه حبشي. قهقهت الأخرى و أخبرتها: -آهو قدري و نصيبي كده، يلا يا لمضة قومي اغسلي وشك و جهزي نفسك عشان رايحين السوق. ضحكت ليلة و هزت رأسها مرددة: -صدق المثل اللي قال، الجبن سيد الأخلاق. ألقتها الأخرى بوسادة في وجهها، تلقتها ليلة و هي تقهقه، من يراها يحسب تلك الضحكة نابعة من قلبها لا يعلم أحد إنها تضحك من فرط حزنها! -شهلي يلا يا عايدة عشان ما نتأخرش.
كان صوت نفيسة التي ترتدي نعليها استعداداً للذهاب للتسوق. ردت الأخرى من داخل الغرفة: -حاضر جاية ثواني. كانت ترتدي وشاحها و تضع به دبوساً فقام باختراق طرف إصبعها تأوهت، فقال لها زوجها: -ألف سلامة عليكي من الآهه. رمقته من خلال المرآة و قالت: -بدل ما أنت عمال تتمسخر عليا قوم انزل أفتح المحل خلي ربنا يفتحها عليك بدل الفقر اللي ماسك فيك و عايش على معاش أمك و فلوس أخوك. لوح لها بيده قائلاً:
-والله الفقر ده راكبنا من يوم ما اتجوزتك. استدارت لتنظر إليه مباشرة: -وليه ما تقولش الهباب اللي بتشربه هو ده السبب، وصرمحتك ويا أصحابك العرة اللي فاكرين تحت القبة شيخ! نهض و اقترب منها ليجذبها من عضدها، و هسهس من بين أسنانه: -خليكي في حالك أحسن لك، ولا عايزاني أمد إيدي عليكي؟ رمقته بإزدراء جاذبة ذراعها من يده: -أبقى أعملها و شوف أنا هاعمل فيك أي وقتها. اتسعت عينيه بشر مستطير: -قصدك أي؟
-اللي على راسه بطحة بيحسس عليها، خد بالك من بطحتك يا جلال. ألقت كلماتها ذات المغزى و تركته و ذهبت لتجد حماتها في انتظارها و ذهبت كلتيهما للتسوق. هنا يكثر الازدحام حيث يتراص بائعين الفاكهة و الخضار على جانبي الشارع و صوت البائعين و أفران عمل الكنافة و القطايف، وتجد كل ما لذ و طاب. وهنا لدى بائع الدجاج تقف ليلة بعدما طلبت منها زوجة أخيها أن تنتظرها هنا حتى تشتري بعض الأشياء و تأتي إليها.
وفي الجهة المقابلة لها كانت تقوم عايدة بتعبئة ثمرات الطماطم فأخبرتها حماتها بصوت خافت: -مش دي ليلة أخت حبشي الميكانيكي؟ التفتت الأخرى لتنظر نحو ما تشير إليها حماتها، وبعدما تحققت ردت: -آه هي. عقبت نفيسة بابتسامة: -يا صلاة النبي، ماشاء الله البت كبرت و اتدورت و أحلوت، أي رأيك ناخدها للولد معتصم. وهنا عند ذكر اسمه أضرمت نيران الغيرة بداخلها فقالت باندفاع: -معتصم!
، ماينفعش خالص إزاي، قصدي يعني دي لسه مخلصة ثانوي و هو قد أخوها، فيه فرق يجي ١٢ سنة ما بينهم. -وأي يعني ما حماكي الله يرحمه كان أكبر مني ب١٥ سنة، وبعدين أهو كده أحسن خليه يشكلها و يربيها على إيديه. تخشى أن تستمر في مجادلتها و تظن الأخرى ظناً آخر، قامت بشراء الثمرات و دفع المال. بينما ليلة كانت كالتائهة في عالم آخر لا سيما عندما انتفضت لتوها عندما رأت عمار يقف مع بعض الشباب على مقربة.
تلاقت أعينهما لكنها تصنعت عدم الانتباه بل و أظهرت اللامبالاة إليه. انتبهت إلى صوت زوجة أخيها: -يلا أنا خلصت و جبت كل حاجة. ذهبت كلتيهما في اتجاه إحدى الشوارع المؤدية إلى الحارة، وفي الطريق تعرض إليهما شابين في الطريق. -كنافة بالمانجا ماشية على الأرض و في نهار رمضان، كده كتير! رد زميله بوقاحة: -كنافة أي يا صاحبي ده بطل. صاحت هدى بتوبيخهما: -جري أي يا أهبل منك ليه، أنتو ماتعرفوش إحنا نبقى مين!
اقترب منها الشاب بكل جرأة قائلاً: -عايزين نعرف، ولا عارفينا أنتي. -لأ يا روح خالتك منك ليه، هاعرفكم أنا. كان صوت عمار الذي أنهال عليهم باللكمات، وهما كذلك يوجها إليه الكثير من اللكمات. أخذت ليلة تصرخ خوفاً على عمار، تجمع المارة و تدخل الشباب في هذا العراك. وفي مكان قريب يقبع حبشي أسفل السيارة يقوم بتصليحها، سمع نداء مساعده الصغير و هو يناديه: -ألحق ياسطا حبشي في خناقة كبيرة في الشارع اللي جمبينا.
رد الآخر من أسفل السيارة و منهمك في إصلاحها: -خليك في حالك يا ولاه و ناولني مفتاح ١٠ من عندك. جاء إحدي الأطفال إليهما ليخبره: -ألحق ياسطا حبشي الخناقة اللي دايرة في الشارع هناك بسبب أن فيه عيال كان بيضايقوا الست هدي و الآنسة ليلة أختك. دفع نفسه من أسفل السيارة و الغضب ينضح من ملامحه حينما سمع ما قاله الصبي، أخرج المدية من جيبه و صاح بمساعده: -خلي بالك أنت من الورشة و أنا هاروح أشرح ولاد الـ...... دول.
وحين وصل إلى المكان المنشود وجد شقيقته تجلس بجوار عمار الذي يلتقط أنفاسه. جذبها من يدها بعنف و دفعها نحو زوجته، وبأمر: -خديها و ارجعوا على البيت. أومأت له بخوف، فأمسكت بيدها و أسرعت الخطي إلى المنزل. أمسك حبشي بالشابين و أبرحهم ضرباً و قام بخدشهم بالمُدية ثم صاح بصوته الغليظ الجهوري: -عليا الحرام اللي هيقرب من حد يخصني لأكون معلقه زي الدبيحة على بوابة البيت.
وقبل أن يبتعد ألقى نظرة على عمار، كانت نظرة تحذير أكثر من كونها وعيد لأنه اقترب من شقيقته مرة أخرى. عادت عايدة و تحمل الكثير من الأكياس بعدما تركت حماتها تثرثر مع جارتها التي تنقل لها ما حدث من العراك منذ قليل. ذهبت و تركت ما تحمله فوق طاولة الرخام بداخل المطبخ و في طريقها بدون أن تنتبه اصطدمت به و كادت تسقط، فأمسك بها: -معلش مكنتش واخد بالي. رفعت وجهها و نظرت في عينيه و ظلت صامتة. تحمحم و تركها ثم سألها:
-أومال فين أمي؟ ابتلعت ريقها بتوتر و أجابت: -خالتي تحت زمانها طالعة، محتاج حاجة؟ رمقها من أسفل لأعلى و قال لها باقتضاب و نفور: -شكراً. دفع باب المنزل على مصراعيه كالثور الهائج يبحث عن زوجته و شقيقته، وشياطينه تتراقص أمام عينيه: -ليلة، هدى، أنتي يا زفتة منك ليها. تختبئان بداخل الغرفة، قامت هدى باللطم على خديها: -يالهوي، يالهوي خلاص ضيعنا. عقدت ليلة ساعديها أمام صدرها و أخبرتها:
-بطلي خوف بقى، أنتي اللي بتخليه يعمل فيكي كده. أشاحت الأخرى بيدها و قالت بتهكم: -يا شيخة روحي ده أنا لسه حايشة عنك إمبارح لما كان هايموتك في إيده، ما فيكيش غير لسان و بس. وقبل أن ترد الأخرى انتفضت ذعراً حين قام الآخر بطرق الباب بقوة أفزعتهما: -افتحي منك ليها بدل و ربنا لأكسر الباب فوق دماغكم انتو الأتنين و أبقوا صرخوا لحد بكرة محدش هايحوشني عنكم. تفوهت زوجته بخوف و هي تبتلع ريقها:
-طيب ممكن تسمعنا قبل ما تتهور و تمد إيدك و أنت مش عارف حاجة؟ زمجر كالوحش الضاري و قال بتهديد: -أنا هعد لواحد لغاية تلاتة و ديني و ما أعبد لو الباب ما اتفتحش بعدها تكوني طالقة بالتلاتة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!