تحميل رواية ما بين الحب والحرمان بقلم ولاء رفعت pdf
بقلم ولاء رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
علي نغمات و صوت كارم محمود و أغنية «مرحب شهر الصوم»، و روائح و نفحات رمضان تجول في شوارع المحروسة و الحواري، و متاجر الفوانيس و ياميش رمضان. و هنا بداخل إحدي الأحياء الشعبية الشهيرة في محافظة الجيزة، حي إمبابة الشهير، و بأعلي ذلك البناء القديم حيث يحلق أعلاه سرب من الحمام الزاجل يقوم هذا الشاب متوسط القامة بالصفير و التلويح بعلم كبير. أمتدت إيدي ذات ملمس ناعم و رائحة ذكية فوق عينيه، أبتسم و قال: -قال يعني لما تغمي عينيا مش هاعرفك. أبعدت كفيها عن عينيه و لكزته في كتفه قائلة: -أنت رخم أوي علي فكرة...
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ولاء رفعت
بصي يا أمي ليلة بتقولي إنها كانت تعبانة وداخت شوية، فحبت تطلع ترتاح.
ومكنش قصدها حاجة، ومكنتش عايزة تشيلي همها و تقلقك عليها.
صح يا ليلة؟
وغمز لها معتصم، فأدركت ليلة مقصده.
فتقدمت نحو والدته بأداء متقن، فهي قد تعلمت الدرس جيداً.
حقك عليا يا خالتي، أنا فعلاً كنت تعبانة ومقدرتش أقعد معاكم تحت.
وياريت ما تكونيش زعلانة مني، أنا بحبك أوي.
وقامت بتقبيل رأس والدته، مما جعل معتصم يكاد يضحك لكنه خشي من غضب والدته.
فقالت نفيسة، على غرار ما تكنه داخلها إلى ليلة:
ألف سلامة عليكي يا حبيبتي، كنتي قولتي لي.
أنا برضو ما يهونش عليا أشوفك تعبانة، ما أنتِ في مقام بنتي اللي ما خلفتهاش.
ابتسمت ليلة، وودت أن تقول لها: أتقِ الله.
لكنها سايرت الأمر على ما يرام، وهذا من أجل معتصم الذي لم تجد منه سوى المعاملة الطيبة والعطف والحنان.
***
وبالأسفل تقف تسترق السمع من النافذة، والتي يعلوها نافذة الطابق الأعلى المطلة على غرفة النوم.
فأتاها صوت زوجها من الغرفة الأخرى:
عايدة، بالله عليكي ولعي لي على الفحم وحضري لي الشيشة، خلي الواحد يظبط دماغه.
أشاحت بيدها دون أن تهتم، وعلى أحر من الجمر لمعرفة ماذا فعل معتصم مع ليلة.
تود أن يعاملها أسوأ معاملة.
واقفة عندك بتعملي إيه يا آخرة صبري.
استدارت إلى صاحبة الصوت.
فكانت والدة زوجها قد أتت للتو.
ركضت نحوها وسألتها بلهفة:
ها، عملها إيه؟
أجابت الأخرى بغيظ وحنق:
عملها أسود ومهبب.
طلعت عشان أهدّي ما بينهم وأطمن لتكون قومته عليا ولا لأ.
لاقيت يا أختي البت ضحكة عليه وعاملين، استغفر الله العظيم، يحضنوا ويبوسوا في بعض، ومش ساتر جسمها غير البشكير.
اشتعلت نيران الغيرة بداخل عايدة أكثر فأكثر، لكنها أصدرت شهقة زائفة وقالت:
يا لهوي عليها، دي ما طلعتش سهلة.
دي بقى اللي يتقال عليها على رأي المثل: يا ما تحت السواهي دواهي.
نظرت الأخرى لها وعقبت على حديثها:
ولسه في الجراب يا حاوي.
بس على مين، ما بقاش أنا نفيسة غير لما خليته يكسرها ويذلها ويرميها تحت رجلي.
أشاحت عايدة بيدها دون أن تلاحظ الأخرى كدلالة على استحالة حدوث ما تقوله.
***
وفي اليوم التالي نزلت ليلة إلى منزل والدة زوجها، تاركة زوجها نائمًا بالأعلى.
ترتسم السعادة على محياها وترمق بها الجميع، فعليها أن تريهم كم هي قوية وليست ضعيفة، حتى لا تعطي إحداهما فرصة لتخريب ما بينها وبين زوجها.
ذهبت إلى نفيسة وانحنت على رأسها وقامت بتقبيل جبهتها قائلة:
حقك عليا يا خالتي، مش عايزة أكون زعلانة مني.
أنتي مهما كان في مقام أمي الله يرحمها.
ولم تكتف بهذا، فقامت بأداء مهام المنزل من تنظيف وغسيل وكل الأعمال.
وقبل أن تقوم بإعداد الطعام، أخبرتها:
خالتي، أنا هنزل للسوق أشتري شوية حاجات للمطبخ.
عايزة أي حاجة معينة أجيبها لك من تحت؟
أجابت الأخرى باقتضاب:
شكراً.
تركتها وذهبت إلى التسوق، وبداخلها تشعر بالسعادة، وهذا بعدما وجدت نتيجة ما تفعله يأتي في صالحها.
وفي طريقها إلى السوق، أمام بناء مهجور، جذبها أحدهم بقوة وقال لها بسخرية:
أخيرًا عريس الغفلة أفرج عنك يا عروسة.
اتسعت عيناها بخوف وقالت وهي تحاول التملص منه:
عايز مني إيه يا عمار؟
ما خلاص بقى، قلت لك أنا بقيت ست متجوزة وما ينفعش أكلم راجل غريب، وكل اللي ما بينا انتهى.
قهقه بسخرية وقال:
متجوزة؟ تصدقي مكنتش أعرف يا أخت حبشي الميكانيكي.
ما هو انت لو ما سبتنيش أمشي ولميت نفسك، هخليه يأكدلك أنا أخته لما يقطع لحمك حتة ويخليك تحرم تتعرض لي تاني.
ترك يديها وأخبرها بتهديد:
ياريت تقولي له عشان أسمعه تسجيلات مكالمتنا الجميلة وأعرفه كان ما بينا حب وغراميات.
لأ، وأبعتها للمحروس جوزك عشان تبقي فضحتك بجلاجل.
حرام عليك يا أخي، أنت عايز مني إيه؟
أنا ما عملتش معاك أي حاجة.
بالعكس، أنا حبيتك بجد ودافعت عنك بكل قوة لما اتقدمت لي، واستحملت كلام زي الزفت، واتضربت واتهنت لأن كنت فاكراك بتحبني.
طلعت غير كده خالص، أنت واحد مستهتر وفاشل ومعندكش تربية ولا أخلاق و...
قاطعها بصفعة قوية، أتبعها صفعة أخرى.
ولم تستطع التحمل أكثر من ذلك، فدفعته بكل قوتها وركلته في ساقه.
ثم تمكنت من الهرب والفرار من أمامه.
قررت العودة دون شراء أي شيء، ولم تعد تمتلك أعصابًا لتكمل.
ظلت تركض حتى وصلت إلى بناء عائلة زوجها.
وعندما ولجت إلى داخل المبنى، اصطدمت به فسألها بغضب:
كنتي فين؟
كان يسألها بوجه متجهم، بينما هي فرت الدماء من وجهها.
أجابت بتلعثم:
كنت، روحت، ورجعت.
ثم استعادت رباطة جأشها وقالت:
كنت رايحة السوق أشتري طلبات.
ونظر إلى يديها الفارغتين وأشار إليهما:
وفين الطلبات؟
ابتلعت ريقها وقالت:
أصل لاقيت كشك العيش شغال، قولت أرجع أطلع آخد بطاقة التموين من خالتي أجيب لها عيش.
عقد حاجبيه بضيق، وهذا عندما وجد إنها ترتدي عباءة ضيقة إلى حد ما، ويخرج من حجابها قليل من الشعر.
جذبها من يدها وقال من بين أسنانه:
يا نهارك مش فايت، إيه ده!
رمقته بتوتر وخوف فسألته:
فيه إيه؟
رمقه بتحذير قائلاً:
أول وآخر مرة تنزلي بالعباية دي تاني.
وشعرك الحلو ده لو شفت شعراية منه طالعة بعد كده، هلبسك النقاب وأريح دماغي. مفهوم؟
هزت رأسها فصاح بها:
مش سامع؟
ردت على الفور:
حاضر.
أشار لها نحو الدرج:
يلا اطلعي على شقتنا، وأنا نازل هاجيب العيش وطالع تاني.
صعدت تحت أنظاره، فأبتسم وهز رأسه بسعادة.
فتلك الليلة، بحسنها وجمالها الباهي، ستقوده إلى الجنون!
***
صعدت إلى أعلى في منزلها وتنفست الصعداء.
حمدت ربها إنها عادت قبل أن يراها زوجها مع عمار، وكانت ستصبح فضيحة يشهدها كل أهل الحارة.
جلست على الكرسي تتذكر ملامحه وهو يوبخها على مظهرها.
وهذا يعود إلى غيرته التي جذبتها إليه، وكذلك حنانه الغادق عليها، حتى في حضرة أهله لا يتحمل عليها كلمة واحدة.
انتبهت إلى فتح الباب وظنت إنه هو، لكن خاب ظنها عندما رأت عايدة أمامها.
فسألتها والضيق يبدو على ملامحها بسبب دخولها دون استئذان:
خير يا عايدة، فيه حاجة؟
جلست ووضعت ساقًا فوق الأخرى قائلة:
ألا قولي لي يا ليلة، معتصم بيحبك؟
تعجبت من ذاك السؤال:
لو مش بيحبني، أتجوزني ليه؟
قهقهت بصوت مدوٍّ لتخبئ نيران الغيرة بداخلها وأخبرتها:
إيه اللي مخليكي واثقة أوي كدة؟
مش يمكن متجوزك عشان يرضي أمه مثلاً.
رمقتها بامتعاض ولم تفهم لما تخبرها بتلك الترهات، فقالت:
لو كلامك صح، ما كانش دافع عني لما مامته اتهمتني بحاجة ما عملتهاش.
جزت الأخرى على أسنانها وودت اقتلاع خصلات شعرها من الغيظ:
أصل بصراحة، وبينى وبينك، أنا أول ما شوفتك حبيتك أوي، وكمان صعبتي عليا جداً.
أصل أنا عارفة اللي فيها.
معتصم متجوز هناك في الكويت ومخلف، بس مخبي على مامته وقايل لأخوه بس.
جلال حبيبي ما بيعرفش يخبي عني حرف واحد خالص.
حبيت بس أوعيكي بدل ما تنخدعي فيه وتلحقي تنفدي بجلدك قبل ما تتدبسي وتحملي منه، ويبقي طلعتي كمان بعيل ومسئولية.
شعرت ليلة بضيق واختناق، وفي نفس الوقت تشعر بأن هناك خطب ما أو كذب.
فقالت لها:
طب لو افترضنا كل كلامك صح، أي دليلك على الكلام ده؟
شهقت الأخرى بتصنع قائلة:
أخص عليكي يا ليلة، بتشكي فيا.
عموماً، لو مش مصدقاني، أبقي اسألي جلال أخوه.
بس كده، ها تعملي لي مشكلة، ده غير أكيد هينبه أخوه وهيخليه يكذب عليكي أكتر ويخترع لك كام كذبة.
أطلقت زفرة عميقة وعقبت على كلمات الأخرى ذات النوايا الخبيثة:
اطمني، أنا ولا هسأل جوزك ولا هسأل جوزي.
ولو عايزة أعرف، هتأكد بنفسي، مش هسأل حد.
نهضت عايدة بعدما انتهت من مهمتها:
فوتك بعافية بقي، أنا نازلة عشان هاغير هدومي ورايحة أفطر عند أمي النهاردة.
ولو محتاجة أي حاجة، أبقي رني عليا.
أخذت هاتفها المتروك على المنضدة وقامت بتدوين رقم هاتفها:
رقمي أهو، أبقي سجليه.
وعلى فكرة، عندي واتس وفيس كمان، هابقي أبعت لك عليه.
ذهبت وتركت خلفها عاصفة من الأسئلة تدور في فلك ذهن ليلة، التي شعرت بالضيق مجرد سماع ما أخبرتها به الأخرى.
هل هذه بداية شرارة الحب!
***
وبالأسفل ترك الخبز على طاولة الرخام وصاح:
العيش على الرخامة يا أمي، أنا طالع.
عايزة حاجة؟
ولجت عايدة من باب الشقة ووقفت بميل قليلاً:
أمك مش هنا، نزلت عند أم جمال تدي لها الجمعية، وأخوك لسه ما رجعش من الشغل.
رمقه بازدراء.
وقبل أن يذهب، أوقفته قائلة:
خلي بالك من ليلة، عشان ولاد الحرام كتير، وهي حلوة وصغيرة وفيها الطمع.
صاح بتحذير:
ملككيش دعوة بيها و خليكي في حالك أحسن لك.
ذهب وتركها تتمتم بتوعد:
إما خليتك تخلص عليها بإيدك، ما بقاش أنا عايدة.
بينما هو صعد ودخل إلى المنزل يبحث عنها منادياً:
ليلة، يا ليلة.
كانت بداخل الغرفة وتضع في أذنيها سماعة الهاتف.
جذب واحدة من أذنها وقال لها:
عمال أنادي عليكي من الصبح، ما بترديش ليه.
خلعت السماعة الأخرى وأجابت ببرود:
كنت بسمع مسلسل.
ونهضت تاركة هاتفها، ثم سألته:
عايز تاكل إيه على الفطار؟
ناوية تطبخي لنا إيه؟
سألها فأجابت:
هاعمل مكرونة وبانيه.
ضحك وقال بمزاح:
أفضل أكل طول السنة في الغربة مكرونة وبانيه.
ويوم ما اتجوز وأقول: ربنا بيحبني ومراتي هاتعملي المحمر والمحشي والبشاميل، في الآخر ألاقي المكرونة والبانيه ورايا ورايا.
ردت بحنق طفولي:
لو مش عاجبك، إنزل افطر عند مامتك، هاتعمل بط ومحشي.
أطلق قهقه فأصبح مظهره أكثر وسامة وقال لها:
يا حبيبتي، بهزر.
أي حاجة من إيدك أكيد هتبقى حلوة طالما أنتي اللي عاملاها.
ابتسمت بخجل وذهبت لتعد طعام الفطور.
أما هو، فألقى نفسه على الفراش وتمدد ريثما تنتهي.
انتبه إلى صوت رسالة واردة، فتلفت من حوله ظن إنه هاتفه.
لكنه وجد الصوت أتى من هاتف آخر بجواره.
أخذه الفضول قبل أن يناديها ويعطيها الهاتف.
ألقى نظرة فوجدها رسالة على تطبيق الدردشة الشهير (WhatsApp) وبدأ يقرأ فحواها:
«حطي في دماغك دي مش أول مرة أقابلك. الجايات أكتر من الرياحات، وابقي اعملي لي حظر تاني، هاطلع لك من كذا خط جديد يا ليلة.»
قرأ الرسالة مرة أخرى واتسعت عيناه بغضب.
نهض وذهب إليها وعيناه يندلع منها نيران كالشرر.
ليلة!
انتبهت إليه وتركت ما بيدها عندما رأت هيئته المخيفة.
رفع شاشة الهاتف أمام عينيها وسألها:
مين اللي رحتي قابلتيه النهاردة وبعت لك الرسالة دي؟
ابتلعت لعابها بخوف وسألته بتوجس:
رسالة إيه! أنا معرفش حاـ...
أطلقت صرخة عندما جذبها من عضدها بعنف وصاح بها:
ما تكدبيش عليا وتحوري.
مرواحك للسوق ورجوعك من غير ما تشتري حاجة، وأول ما شوفتيني خفتي واترعبتي، ودلوقتي ألاقي رسالة زي كده، عايزني أفهم إيه!
اتسعت عيناها وتخشى أن تخبره الحقيقة، وهذا عمار يقلب الحقيقة ضدها وتنقلب الأمور فوق رأسها.
هكذا ظنت، قالت:
بالتأكيد مبعوته غلط، وقدامك الرقم مش متسجل.
قهقه ساخرًا وقال:
مش متسجل لأنه بيقول انتي عاملة له حظر، وهو هيبعت لك من رقم جديد.
كادت تتفوه، فقاطعها صوت تنبيه رسالة أخرى.
رفع إحدى حاجبيه وبدأ يقرأ لها الرسالة وقلبها يدق بخوف:
«ومـاتنسيش تسلمي لي على عريس الغفلة يا حب.»
صاح بغضب عارم:
مين ده يا هانم، انطقي!
وكأن دلوا من ماء ثلج انسكب فوق رأسها.
فصاح بها مرة أخرى وقبضته تضغط بقوة، فشعرت بألم ساحق في ذراعها:
ما تنطقي، الباشا بيقولك سلمي لي على عريس الغفلة، الظاهر إنه يعرفك أوي.
ردت بصعوبة بالغة وهي تفكر في حيلة تتهرب من سؤاله ونظراته النارية، أو كذبة مقنعة تنطلي عليه:
ده يبقى أخو واحدة صاحبتي.
حاول يكلمني كذا مرة وأنا ما ادتهوش فرصة، والنهاردة وأنا رايحة السوق قابلته بالصدفة وحاول يكلمني، فهربت قبل ما يقرب مني وجيت على هنا على طول.
ظنت أن هذا سيجعله يهدأ، لكنه جعله غرار ذلك وكأنه ماء بداخل مرجل تشتعل أسفله النيران، فألقت المزيد من الحطب فأزدادت النيران أكثر وجعلت المياه تفور.
صاح بها بصوت هادر:
صاحبتك دي ساكنة فين؟
ابتلعت غصتها فأجابت:
والله ما أعرف.
أنا كل اللي أعرفه عنها إنها مش من هنا.
هي كانت قاعدة عند جماعة قرايبهم، وبعد ما خدنا الإجازة معرفش عنها حاجة.
وهو بقي الأستاذ جا لك هنا مخصوص!
رفعت كتفيها على عدم علمها بهذا الشيء، فأخبرته:
معرفش.
أنا كل اللي أعرفه قلته لك.
جز على فكه بغضب ويرمقها بشر مستطير، فقال لها:
عارفة يا ليلة، لو حد تاني وشاف الرسايل دي على موبايل مراته، هيقول عليها إيه!
طأطأت رأسها بحزن وقالت:
وأنا مش خاينة.
وأنا مقولتش كده، لأن لو عندي ذرة شك، مش هطلقك وأسيبك في حالك.
ده أنا هحرق دمك لحد ما هتيجي تحت رجلي وتتحايلى عليا عشان أطلقك.
فياريت لو مخبية عليا حاجة تقوليها قبل ما أعرفها بنفسي أو من برة، ساعتها مش هتلومي غير نفسك.
وأمسك بهاتفها وقام بإخراج شريحة الاتصال أمام عينيها وقام بكسرها وإلقائها في الحاوية قائلاً:
أنا هاجيب لك خط جديد، وآخرك تديه لأخوكي ومراته وأهلي بس.
أي حد تاني لاء، لما نشوف أخرتها.
وقبل أن يتركها سألته:
معتصم؟
التفت إليها فأردفت:
أرجوك ما تقولش لحبشي أخويا حاجة.
أطلق زفرة وأخبرها بجدية وتحذير:
أنا أخوكي، يوم ما أحكي له حاجة زي كدة، أعرفي وقتها إن كل اللي ما بينا انتهى.
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ولاء رفعت
يتسحب حبشي على أطراف أنامله ليتأكد من أن زوجته تغط في النوم. وبعدما تأكد من ذلك، ذهب وجلس في إحدى الأركان. أخرج من جيب بنطاله دزينة من المال ونظر إليهم بفرح وسعادة، وتحدث بصوت منخفض:
- تعالوا بقى يا حلوين أشيلكم جنب أخواتكم تدفوا جنبهم.
والتفت من حوله، ثم هبط على عقبيه وانحنى في وضع الجثو وسحب من أسفل الأريكة صندوق معدني كبير مدون عليه "صندوق العدة"، أي الأدوات الخاصة بعمله كميكانيكي تصليح سيارات.
أخرج مجموعة مفاتيح ودس إحداها في القفل وقام بفتحه. ظهر غطاء معدني، أمسكه ووضعه جانبًا فظهرت العديد من الأموال المتراصة في صفوف. مسح عليهم بيده والسعادة تقفز من عينيه:
- ما تقلقوش يا حبايبي، أنا هانت، هكمل لكم المبلغ اللي أنا عايزه وهاعمل بيكم المشروع اللي هيخليني أطلع من الحارة المعفنة دي.
وكانت هناك عيون زوجته التي استيقظت للتو تراقب له وترمقه بتوعد قائلة:
- يعني بخلان علينا ووريتنا الذل، وفي الآخر طلعت بتحوش، آه يا بخيل يا معفن، إما حسرتك عليهم.
قبل الإفطار بساعة صعدت عايدة ووقفت أمام باب شقة معتصم، وأخذت تسكب ماء من زجاجة مجهولة تتذكر حديث الدجال لها:
- العمل ده أقوى من اللي قبله، يا ريت يخطي عليه الاثنين، هيبقى مفعوله أقوى وهينعكس عليهم بالفراق.
وبعدما انتهت، تجلت ابتسامة على ثغرها، ثم عادت إلى منزلها على الفور قبل أن يراها أحد.
وفي حلول المساء، تجمعت العائلة حول المائدة. حين صدح أذان المغرب، بدأ يتناولون الطعام. فكان معتصم يتناول الطعام ولم ينتبه إلى ليلة التي لم تأكل ولو ملعقة، ويبدو على وجهها التعب. فسألتها عايدة بسخرية:
- مالك ما بتاكليش ليه يا ليلة؟ ولا عشان ده مش مكرونة وبانيه مش عاجبك الكرشة والكوارع! ده حتى جوزك بيحبهم وهو اللي طالبهم من خالتي وأنا اللي طبختهم بإيديا.
رمقته الأخرى بشبه ابتسامة لم تصل إلى عينيها، وهذا لأنها لا تحب هذا الطعام. فقالت نفيسة بتهكم:
- مكرونة وبانيه إيه اللي بيعملوهم البنات الخايبة اللي ما بتعرفش تعمل أكل ده، غير إنه أكل العيال الصغيرة. أنا ابني شقيان وتعبان يا قلب أمه محتاج يتغذى، كول يابني ورم عضمك بدل ما أنت هفتان من وقت ما اتجوزت.
قالتها ووضعت أمامه طاجنًا من الكوارع، فتناول قطعة وأخذ يأكل منها. ولاحظت ليلة تراقبه بطرف عينيها بتقزز. مد يده نحو فمها بقطعة وقال:
- على فكرة طعمها جامد أوي، دوقي كده.
أشاحت بوجهها عن يده باشمئزاز، وانتابها الشعور بالغثيان. نهضت مسرعة إلى المرحاض لتفرغ ما بجوفها.
ضحك جلال وغمز بعينه إلى شقيقه:
- أنت لحقت يا عصام ولا إيه؟
عقبت والدته:
- قول ما شاء الله عليه، شوفت أخوك أهو مكملش شهر ومراته شكلها حامل.
توقف معتصم عن الطعام حينما استمع إلى حديث والدته. وحين خرجت من المرحاض، رمقها بنظرة أجفلتها، ثم قال:
- الحمد لله.
ونهض، فقالت له والدته:
- هو أنت لحقت تاكل يابني! ما تكمل فطارك.
- الحمد لله شبعت يا أمي، يلا يا ليلة.
فقالت عايدة بتهكم:
- هتطلعوا فوق غير لما تاكلوا الحلو!
لم يهتم أن ينظر إليها حتى، فأجاب على والدته:
- معلش يا أمي أصل كنت سهران امبارح وما نمتش كويس، فطالع أريح حبة.
تمتمت الأخرى قائلة:
- يا عيني يا ابني، البت هدت حيلك، اللهي يهدها.
وقد سمعها جلال، فأخذ يضحك وقال:
- تريح ولا تطمن على ابنك.
وإذا الأخر هب كالريح غاضبًا:
- جلال خليك في حالك، أنا مش فايق لك.
ثم نظر إلى زوجته وأكمل صياحه:
- واقفة لسه عندك، بقولك يالا انجزي.
ترددت ليلة بخوف قبل أن تذهب معه. وما أن خطت خطوة، جذبها من يدها وسحبها خلفه إلى الشقة بالأعلى.
وبعدما وصلا، دفعها على الأريكة ووقف أمامها واضعًا يديه لدي جانبي خصره، وقال لها من بين أسنانه:
- وآخرتها معاكي إيه؟
نظرت إليه بعدم فهم وسألته:
- قصدك إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.
جز على شفته السفلى وأجاب:
- بجد والله مش فاهمة؟ هاقولك أنا، أهلي كانوا فاكرينك حامل لما قمتي وقرفتِ من الأكل ودخلتي الحمام.
- إيه التخلف ده، هو أي حد يقرف من الأكل يبقى حامل.
صاحت بها مما أثار غضبه:
- لأ يا هانم، اللي أنتي مش فاهماه إن أمي فاكرة علاقتنا الزوجية تمام، ما تعرفش اللي فيها، واللي هو إنك بتستهبلي وأنا صابر عليكي كتير، خلاص فاضل شهر وإجازتي تخلص.
أجفلها حديثه فقالت:
- وأنا ما منعتكش، بس كل اللي طلبته نتعود على بعض مش أكتر.
صاح قائلاً:
- وبقالنا أكتر من أسبوعين مش كفاية عرفتيني فيه، ولا مستنية لما أسافر وأرجع لك السنة الجاية!
تأففت وسألته بنفاد صبر:
- يعني عايز إيه دلوقتي يا معتصم؟
صدمها بقوله:
- عايز حقي الشرعي يا ليلة.
تركته ودلفت إلى داخل غرفة النوم. ظل ينتظرها لدقائق، فخرجت إليه ترتدي قميصًا من الحرير الأبيض وتاركة خصلاتها، وعلى شفتيها طلاء حمرة غير منتظمة، ووقفت أمامه ترمقه بامتعاض:
- اتفضل خد حقك.
رفع إحدى حاجبيه بتعجب لما تفعله الآن. صاحت به لتثير غضبه:
- اتفضل خد حقك، مستني إيه! يلا عشان مامتك لو ما لقتش بطني كبرت ما تتكلمش وتمصمص في شفايفها وتقول يا عيني يا ابني دي البت حرمك من حقك، اتفضل يلا مستني إيه!
كان ما بين الغضب والإثارة من هيئتها الفوضوية، جذبها من يدها وأنهال على شفتيها، يقبلها بعنف، ثم هبط بشفتيه على عنقها ثم إلى جيدها ويداه تزيح حمالات القميص وكاد يخلعه عنها. سمع صوت بكائها. أبتعد ليتأكد من سمعه. رآها تبكي بالفعل، تجهم وجهه وسألها بأنفاس متهدجة:
- بتعيطي ليه؟
وكأنها كانت تنتظر سؤاله، فأجهشت في البكاء وأخبرته من بين بكائها:
- مفيش.
صاح بها:
- هتقولي ولا لأ، ما تنطقي.
نظرت إليه بأعين باكية وأخبرته:
- أنت حسستني إني مجرد جسم بالنسبة لك.
شعر بالصدمة الجلية على ملامحه، لما تقول له ذلك. أطلق زفرة لعله يخرج بها طاقة غضبه بدلاً من أن يطلقها عليها ويحدث ما لا يحمد عقباه.
هز رأسه وتمتم بكلمات غير مسموعة، ثم قال:
- لو أنتي شايفة كده، فأنا بقولك خلاص، كل واحد يروح لحاله أحسن.
- بتتكلم بجد؟
سألته والصدمة تبدو من نبرتها وعينيها المتسعة. أجاب عليها بوجه من فولاذ:
- أيوه بتكلم جد، عارف ليه؟ لأن كل اللي حسيته من ناحيتك أن سبب موافقتك على جوازك مني عشان تهربي من نار أخوكي وتكملي تعليمك، لكن أنا فين من كل ده وكأني هوا. هقولك على حاجة، أنا كنت قبل ما أتزوجك كنت بتفرج على أفلام إياها وبصبر نفسي، وقلت هابطل الموضوع ده لما أتزوج وأعف نفسي وأتوب. لكن بسبب بعد ما اتجوزت خلتيني أرجع أتفرج على القرف ده تاني وأعمل حاجة تغضب ربنا. شوفتي أنتي وصلتني لأي!
قالها وولي إليها ظهره غير مصدق بما تفوه به وكيف أخبرها بهذا. كان لا يريدها أن تنظر إليه بعدما صرح لها بمعصيته وشعر بالخجل من حاله أمامها.
كانت ترمقه وكفها على فمها بصدمة وهي تسمعه. لم يتحمل الوقوف أمامها أكثر من ذلك فتركها وغادر. بينما هي عادت إلى الغرفة وأخذت تبكي وفاض بها الأمر حتى أهداها تفكيرها إلى آخر شيء يمكن حدوثه وربما تسرعت في هذا القرار.
وضعت هدى الطبق أمام زوجها الذي قال لها بسخط:
- كشري! هو كل يوم كشري ولا إيه؟ مفيش رز وخضار طبيخ! ده إحنا حتى في رمضان يا شيخة.
صاحت بتهكم:
- والله يا أخويا الخمسين جنيه اللي بتدهالي يا دوب تقضي تجيب حاجة الكشري بالعافية. بحبح إيدك وكفاية بخل وأديني فلوس بما يرضي الله وهاعملك المحمر والمحشي.
- ما أنتي عشان ما بتعرفيش تدبري حالك، لو أديت لك أكتر من خمسين هاتصرفيهم برضو.
- حرام عليك وبطل افتري، الأسعار غالية نار وأنت عمرك ما زودت القرشين اللي بقالك من وقت ما اتجوزنا وبتديهم لي.
ثم أردفت دون أن يسمعها:
- روح يا شيخ، اللهي يجي اللي يلهفهم منك.
وصدح رنين جرس المنزل، فذهبت لترى من الزائر. فتحت لتجد ليلة تقف أمامها وعيناها منتفخة من البكاء وبيدها تمسك حقيبة صغيرة.
دلفت في صمت وسألتها زوجة شقيقها:
- خير يا ليلة، مالك عاملة ليه كده في نفسك!
ودت أن تصرخ وتجيش عما بصدرها، لكن ماذا عساها أن تقول، فهذا قدرها وعليها التسليم به. وكبرياؤها لم يسمح لها أن تتغاضى عما أخبره به زوجها.
ولجت إلى الداخل في صمت. وحين رأت شقيقها، وقفت أمامه وبدون أي مقدمة أو ذكر أسباب مقنعة قالت:
- أنا عايزة أطلق!
شهقت هدى وضربت كفها على صدرها عندما أعربت الأخرى عن رغبتها في الطلاق. نهض حبشي وسألها وإمارات وجهه لا تبشر بالخير على الإطلاق.
فسألها بسخرية ويشير إلى أذنه:
- عايزة إيه يا نن عين أخوكي؟
تقدمت نحوه ووقفت بشموخ تجيب بلا خوف:
- زي ما سمعت يا حبشي، عايزة أطلق.
وفي لحظة كانت في قبضته يهزها بعنف وبصياح هادر:
- عايزة إيه يا روح خالتك، طلاق إيه وأنتي مكملتيش شهر جواز، عايزة تفضحينا يا بنت الـ...، عايزة يقولوا دي أخت حبشي الميكانيكي اتطلقت ولسه مكملتش شهر جواز! وطبعاً هم ما يعرفوش الأسباب، مش هيقولوا غير حاجة واحدة بس، إن العريس لقاكي شمال ومش متربية عشان كده طلقك.
جذبت ذراعها عنوة مما سبب لها ألمًا، لكنها لا تبالي بقدر ما تشعر به من ألم كلمات شقيقها التي تنهال عليها كالسياط.
صرخت بغضب وبكاء:
- تغور الناس وطز في كلامهم، أنا أهم حاجة عندي راحتي ونفسيتي. أنا زهقت منك ومن العيشة في الحارة وجوزي اللي اتجوزته عشان أخلص من قرفك. عملوا لي إيه الناس؟ عارف يا حبشي أنا بكرهك لدرجة إن نفسي ربنا ياخدك وأرتاح منك، على الأقل هاعيش في سلام.
صاح الآخر بهياج عصبي وأنهال عليها بالضرب المبرح:
- بتدعي عليا بالموت يا بنت الـ...، بتدعي عليا يا و...
كانت تصرخ وزوجته تصرخ بتوسل:
- أبوس إيدك سيبها يا حبشي، وغلاوة عيالك سيبها.
صاح بها وكاد يوجه له لكمة:
- اخشي جوة بدل ما أديك بونية تخرسك خالص.
خشيت هدى أن يحدث لليلة مكروه على يد زوجها الطاغية. ارتدت إسدال الصلاة وركضت سريعًا دون أن يراها الآخر وغادرت، لعلها تفعل شيئًا لتنقذ ليلة من يدي شقيقها.
عاد معتصم من الخارج ووقف بداخل الشرفة يحسب أن ليلة في الغرفة نائمة. أخذ ينفث دخان سيجارته بكثافة يلوم نفسه لما تفوه به مع ليلة ولا يعلم لما فعل ذلك، وبداخله يشعر بمزيج من المشاعر المتضاربة كالحب والغضب والغيرة والشوق واللوعة.
وفي الأسفل كانت نفيسة تتحدث مع عايدة:
- إيه يا عايدة مش ناوية تتجدعي و تبقي حامل زي سلفتك. اللي يا دوب ابني اتجوزها شهر وحملت، وأنتي بقالك يجي تلات سنين ولا حصل مرة حتى. ده أنتي لو حتة أرض كان زمانها طرحت.
أجابت الأخرى بابتسامة صفراء:
- ادعي يا خالتي ربنا يرزقنا. ما هو على يدك كشفنا وحللنا أنا وابنك يجي مليون مرة ومفيش حاجة.
انتبهت كلتيهما إلى صوت أقدام تصعد الدرج بقوة.
سألتها نفيسة:
- ده مين ده اللي طالع بيجري على السلم.
نهضت الأخرى وأخبرتها:
- خليكي لما أقوم أشوف مين.
خرجت من الشقة فوجدت صوت الأقدام صعدت إلى أعلى وصوت أنثوي يردد:
- افتح يا أستاذ معتصم، أنا أم محمد مرات حبشي.
صعدت عايدة تستمع لما يحدث وترى ماذا يجري، بينما بالأعلى دلف معتصم من الشرفة على صوت رنين الجرس. فتح الباب فوجدها هدى والذعر يغزو ملامحها:
- ألحق ليلة يا أستاذ معتصم، أول ما رجلها خطت البيت وبتقول لأخوها عايزة أطلق عينك ما تشوف إلا النور. نازل فيها ضرب ومش عايز يسيبها وخايفة لبعد الشر يعمل فيها حاجة ولا تروح في إيديه.
أشار لها وقال على عجالة:
- يلا قدامي بسرعة.
بينما عايدة دلفت للداخل على وجه السرعة فسألتها نفيسة:
- إيه اللي بيحصل؟
أجابت الأخرى وأرادت ألا تخبرها، وهذا بعدما استرقت السمع على حديث هدى وبعدما علمت بطلب طلاق ليلة من معتصم رقص قلبها. ظنت تلك نتيجة السحر الذي سكبته لهما من أجل أن يفترقا:
- مفيش، شكله واحد صاحب معتصم.
وفي منزل حبشي الذي ما زال ينهال عليها بالضرب والسباب، يمسك تلابيب عباءتها وكاد ينهال على وجهها باللطمة قوية:
- أنا هوريكي يا بنت الـ...
أوقفته قبضة من الفولاذ وبقبضة أخرى وجه له معتصم لكمة قوية. وأمسك بليلة وحاوطها بذراعه قائلاً:
- طول ما أختك على ذمتي إياك إيدك تتمد عليها تاني بدل ما أزعلك.
صاح حبشي بصوته الغليظ:
- دي سابت لك البيت وجاي لي تقولي عايزة أطلق وأنتم لسه مكملتوش شهر، عايزني أطبطب لك عليها!
بصوت هادر لوح له بيده:
- لما يحصل كده تكلمني أنا راجل لراجل ونتفاهم مع بعض، لكن تمد إيدك عليها بالغباء ده يبقى ما تستاهلش تكون أخوها.
كانت تبكي وتنتفض تحت ذراعه. ربت عليها لتهدأ قائلاً:
- خلاص أهدي يا ليلة وهاعمل لك اللي أنتي عايزاه، بس مش هاتقعدي هنا.
نظرت له بتردد وقلق، فأردف:
- أنا هنزل أقعد عند أمي تحت وهسيب لك الشقة فوق تقعدي براحتك، واللي أنتي عايزاه هاعمله لك.
وبعدما اطمأنت إليه، ولما لا، فمنذ أن تزوجته لم تجد منه معاملة سيئة بل وحنون عليها، ويكون لها عونًا وحماية من أي شخص يريد أيذائها حتى لو بكلمة.
ذهبت معه وغادرت منزل شقيقها الذي بعد أن ذهبا، رمق زوجته نظرة نارية فصرخت وركضت إلى غرفة ليلة وأوصدت عليها الباب من الداخل. ظل يصيح كالوحش الثائر ويطرق الباب بعنف:
- افتحي يا هدى بدل ما أكسر الباب على نفوخك، بقي تخرجي من ورايا وتروحي تنادي عليه عشان ينقذ أختي من إيدي، بقت كده يا هدى! ماشي، صبرك عليا أما أعلمك الأدب ما بقاش أنا حبشي يا شوية رمم.
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ولاء رفعت
فتح باب الشقة وربت عليها بحنان:
- أدخلي يا ليلة، دي شقتك أنتي وأنا زي ما قولت لك هنزل أقعد عند أمي ولو محتاجة أي حاجة رني عليا وأطلع لك.
أمسكت بيده وقالت من بين بكائها:
- أرجوك ما تسيبنيش لوحدي.
رأى الخوف في عينيها فسألها:
- خايفة تقعدي لوحدك؟
أومأت له كطفلة صغيرة تشعر بالخوف فعانقها وأخذ يربت عليها:
- ما تخافيش أنا هاقعد معاكي مش هاسيبك.
أبعد وجهها عن صدره وتأمل وجهها الملئ بآثار أنامل شقيقها الأحمق علي خديها. أخذ يجفف عبراتها بأطراف أنامله ولم يجد أحد ملام غير سواه. وبخ نفسه على إنفعاله عليها وجعلها تترك المنزل وتذهب إلى شقيقها الظالم الذي لم يرأف بها يومًا.
- بصي يا ليلة إحنا ممكن نبتدي من أول وجديد زي ما بيقولوا صفحة جديدة، وكأني أعرفك أول مرة. وعشان تبقي على راحتك هاسيبك تقعدي في أوضة النوم براحتك وأنا هنام في أوضة الأطفال. طبعًا كل طلباتك مجابة ومش عايزك تتكسفي أبدًا. وبالنسبة لموضوع الكلية أنا مش ناسيه، من بكرة هانروح الجامعة ونشوف أي الأوراق المطلوبة. وقبل ما أسافر هاسيب لك مبلغ عشان مصاريف وكل مستلزماتك.
ابتسمت من بين عبراتها، غير مصدقة أخيرًا وجدت يدًا حانية بدلًا من يد شقيقها الغليظة الذي يظلمها ولا تجد منه سوى بطشه وظلمه لها.
أقترب منها وقبلها أعلى رأسها وقال لها:
- أدخلي خدي لك دش وخشى ارتاحي وأنا هانزل أقعد على القهوة شوية مع أصحابي لو في أي حاجة رني عليا وأنا هاكلمك. وما تحضريش السحور أنا هاشتريه جاهز.
ـــــــــــــــــــــ
وها هي حياتها قد تبدلت من الحزن والبؤس إلى السعادة والفرح. فكما أخبرها ووعدها أخذها إلى الجامعة وانتهى من تقديم كل ما طلبته شئون الطلبة من أوراق ومصاريف. وبعد ذلك أخذها إلى إحدى المجمعات التجارية الشهيرة فقال لها:
- نقي اللي نفسك فيه من هدوم خروج وشنط وجزم وأي حاجة أنتي عايزاها.
نظرت إليه وقالت بحرج:
- أنا عندي هدوم خروج كتير أنت جيبتها لي قبل الجواز.
أمسك يدها وربت عليها قائلاً:
- وأي يعني جيبي تاني وتالت وكل اللي نفسك فيه هاتيه. وما تشيليش هم أي حاجة أنا الحمدلله ربنا موسعها عليا فهستخسر فيكي ليه يعني. أنتي اطلبي وأنا عينيا ليكي.
ضحكت من فرط السعادة وودت أن تقفز كالطفلة فأخيرًا وجدت العوض والحب الحقيقي. ذهب كلاهما بعدما انتهت من الشراء وجلبت الكثير إلى إحدى المطاعم الشهيرة وظل يتبادلا الأحاديث عن اهتمام كليهما وبدأت تشعر بشيء حياله وربما قلبها قد خفق نتيجة شعور حقيقي تشعر به لأول مرة.
وعلى جانب آخر كان هناك من يحترق من الغيظ والحقد والغيرة. كانت زوجة شقيقه تراقبهما وكلما تراهما يزداد حقدها وتريد التخلص من ليلة بشتى الطرق فقررت الانتقام في أقرب فرصة!
ـــــــــــــــــــ
ها هي تذهب بقدميها للمرة الثانية إلى عمار وهذا لعدم رده على اتصالاتها منذ الأيام السابقة.
دلفت بخطى وئيدة وتتلفت يمينًا ويسارًا. وإن وطأت قدمها غرفته وجدت من يدفعها إلى الداخل ويغلق الباب. كادت تصرخ فرفع سبابته أمام شفتيه يحذرها بنبرة يغلب عليها الثمالة:
- هوس يا ليلة هاتفضحينا وتسمعي بينا الجيران.
رفعت غطاء وجهها وهدرت من بين أسنانها:
- أبعد يا متخلف أنا مش ليلة.
دفعها نحو الفراش فوقعت وجثى فوقها. أخذت تقاومه بدفعه وضربه فأخرج مدية من جيب بنطاله وأشهرها في وجهها وكأنه لم يرى سوى ليلة فقط. هوى بكفه على وجهها بصفعة قوية:
- قولت أخرصي بقي. كل مرة تعملي كده وتهربي مني لكن دلوقت مش هخليكي تهربي لازم أعرفك إن ملكيش غيري أنا. فاهمة يا ليلة.
وسرعان ما قام بتقييد يديها وتكميم فاهها وشرع فيما عزم عليه وقد كان. فبدلًا من أن توقع ليلة في شر أعمالها فوقعت هي في شر من صنع يداها.
ـــــــــــــــــــ
عاد جلال من عمله في ساعة متأخرة من الليل يترنح يمينًا ويسارًا حتى وصل إلى غرفته. وجد زوجته تغط في النوم. جلس بجوارها وخلع حذائه. لكزها ليوقظها:
- عايدة، أصحي وقومي عايز أقولك حاجة.
همهمت بصوت يخرج بصعوبة ويشوبه النعاس أو هكذا تصنعت فاللذي حدث لها ليس بالشئ الهين:
- سيبني يا جلال عايزة أنام.
لكزها مرة أخرى وقال:
- قومي يا بت عايزك افهمي بقي. أنتي وحشاني أوي وأنتي بقالك يجي شهر مش سألة فيا ولا عايزة تقربي مني وكلها يومين على العيد.
زفرت بتأفف ونهضت بجذعها وفاضت بما تشعر به من حزن وهم فوق رأسه:
- عشان قربك مني زي عدمه بالظبط وإحمد ربنا أنا مستحملاك ومستحملة تلقيح أمك عليا لمدة تلات سنين وأنا ساكتة وكاتمة في قلبي.
عقب بحزن:
- كده بتعايرني يا حب. أخص عليكي ده أنا بحبك أكتر من نفسي. أخرتها بقت أنا اللي وحش.
تقلبت وولّت ظهرها إليه ثم دثرت جسدها بالغطاء بتأفف قائلة:
- يوه بقي هاتقعد لي بقي تتمسكن. ما تسكت بقي أنا أصلاً مش فايقة لك وعايزة أنام.
لم تكن تريد أن يرى عبراتها أو رجفة جسدها الذي أنهكه رغماً عنها. أبتعد عنها بإمتعاض قائلاً:
- ماشي يا دودو. بس عايزك تعرفي حاجة واحدة أنا مفيش حد بيحبك وهايستحملك قدي.
ـــــــــــــــــــــ
تكبيرات العيد تصدح في كل أرجاء المعمورة.
وهنا استيقظت ليلة من النوم وخرجت إلى الردهة. وصل إلى مسمعها غناء بصوت عذب لأغنية العندليب "أول مرة تحب يا قلبي".
ذهبت إلى المطبخ حيث مصدر الصوت فوجدته يقف ويعد الطعام فقالت له:
- كل سنة وأنت طيب يا حبيبي.
نظر إليها مبتسماً:
- كل سنة وأنتي لياليا وأيامي ومنورة دنيتي كلها.
تورّدت وجنتيها من الخجل فسألته:
- أنت بتعمل إيه؟
- أنا روحت صليت ورجعت وبما أنك لسه كسلانة ونايمة قولت هعاملك فطار تاكلي صوابعك وراه. حاجة كده شغل فنادق. تدوقي؟
ومد يده بقطعة من الشطيرة فتقدمت لتأكلها من يده. لامست شفتيها طرف أنامله دون قصد منها. لكن تلك الحركة أثارت ما بداخله من مشاعر ورغبة أن يلتقط تلك الشفتين في قبلة عميقة لم تنتهِ.
- تسلم إيدك حلوة أوي.
نظر إليها بحب وهيام وأخبرها:
- أنتي اللي حلوة أوي يا ليلة.
وأقترب بشفتيه ليفعل ما يريده فوجدها في حالة استسلام فقال لها بعشق:
- أنا بحبك أوي.
ثم أخذ يقبلها مرة أخرى لكن بقوة وكأنه كالظمآن الذي يرتوي من بئر الماء. لم يعد هناك وقت للانتظار. نظر إليها في حالة لا يرثى لها:
- ليلة أنا مشتاق لك أوي.
أدركت ما يقصده من نظرته الهائمة تلك ونبرته كالغارق في المحيط وهي طوق النجاة الذي سينقذه من الغرق. أومأت له وكأنه تصريح عام.
فسألها ليتأكد:
- يعني موافقة؟
أومأت له بنعم وخجل. فترك كل ما بيده وحملها على ذراعيه ودخل غرفة النوم ليبدأ معها أول خطوات العشق فوق السحاب وكان من أجمل الأيام إليه فها هو أصبح يمتلك ليلته قلبًا وقالباً.
ــــــــــــــــــ
ولجت هدى الغرفة لتوقظ زوجها. فوجدته ما زال نائماً. لكزته بخفة:
- أصحي يا حبشي. أصحي ده صلاة العيد خلصت والناس فطرت وأنت لسه نايم هاتصحي إمتى؟
تقلب على يمينه وقال بصوته الغليظ:
- مش قولت يا وليه محدش يصيحني غير لما أصحي أنا من نفسي. ولا الكلام ما بيتسمعش ولازم تاخدي لك قلمين.
تمتمت وهي تبتعد عنه:
- ما باخدش منك غير الشتيمة وطولة اللسان ومد الإيد. ربنا يهديك ولا يهدك.
نادت على أولادها:
- واد يا محمد تعالي وأنت وأختك عشان تلبسو ونروح نعيد على عمتكم. الحمدلله ربنا نجدها من أخوها ورزقها بجدع ابن حلال.
ـــــــــــــــــ
وفي منزل نفيسة تلفت جلال من حوله ليتأكد أن زوجته ما زالت نائمة ولم تراه وهو يبتلع قرصين باللون الأزرق بدلًا من كان يتناول قرصًا واحدًا! أراد أن يثبت لها أنه رجل أفعال وليس كما كانت تلقبه دائمًا (جلال أبو دقيقة) وتعاييره.
بينما هي كانت تغط في النوم. فقام بإيقاظها:
- قومي يابت كفاية نوم. أنا ما صدقت أمي راحت تعيد على خالتي. قومي يلا قبل ما ترجع وأخويا ومراته ينزلوا.
تململت بتأفف وقالت بضجر:
- يوه يا جلال سيبني أنام.
- تنامي إيه ما ينفعش خالص. بقولك إحنا لوحدنا يا بت أخيرًا. تعالي يلا نحتفل بالعيد يمكن المرة دي تصيب وربنا يرزقنا بعبدالجليل صغير.
شهقت بسخط:
- نعم يا أخويا عبدالجليل إيه ده. وأنا مالي أتدبس في اسم جدك الكبير.
- ماله اسم جدي مش عاجبك ولا إيه!
أمسكت بالوسادة وتمددت للمرة الثانية:
- طيب يا أبو عبده سيبني أنام وابقي صحيني على الغدا.
جذبها من يدها وصاح بنفاذ صبر:
- بقولك إيه مفيش نوم خالص.
وأنهال عليها بالقبلات وهي تحاول أن تنسحب لكنه أرغمها على ذلك.
وبعد قليل...
آهات تنطلق من فم جلال. من يسمعها يظن إنها آهات من النوع الآخر لكنها في الحقيقة آنات نتيجة ألم ساحق داهمه وكان يضع كفه على موضع قلبه. صرخت عايدة:
- مالك يا جلال في إيه؟
أبتعد عنها ويلتقط أنفاسه بصعوبة. يغر فاهه لعله يلتقط بعض الهواء. أشار لها ويشهق:
- ألـ حـ قـ يـ نـ ي.
يستغيث بصوت متقطع. نهضت سريعًا وارتدت عباءتها على عجالة. وأمسكت ببنطاله لتجعله يرتديه:
- ألبس وأستر نفسك. هاروح أنادي لك أخوك. يالهوي ربنا يستر.
أخبرها بشيء تكاد تسمعه بصعوبة:
- بحبك يا عايدة.
وخرجت شهقة قوية سكن بعدها جسده ووقع بجذعه على الفراش. اتسعت عينيها وأخذت تصرخ باسمه:
- جلال! فوق أبوس إيدك! أنت شربت إيه المرة دي؟ جلال مالك في إيه!
ظلت تهز جسده وأمسكت بيده لتجد جسده متراخيًا. وحين تأكدت أنه توفي بوضع أذنها على قلبه فوجدته توقف عن النبض. أخذت تصرخ وتصرخ غير مصدقة أنه قد فارق الحياة!
ــــــــــــــ
صرخات تتعالى وصادرة من منزل نفيسة وتردد:
- جلال ابناي! ماكنش يومك يا ضنايا.
فكانت ليلة تغط في النوم بين ذراعي معتصم وانتفضت حيث استيقظت بفزع:
- يا ستار يارب إيه الصريخ ده.
نهض الآخر قائلاً:
- يا نهار أزرق ده الصويت ده جاي من عند أمي تحت.
ارتدى ثيابه وكذلك هي وغادرا على عجالة من أمرهما. وعندما دخلا كليهما وجدا عايدة تبكي بحرقة وربما يبدو هكذا. وصوت والدته يأتي من الغرفة تبكي وتنوح على ولدها البكري الذي توفي وما زال في ريعان شبابه.
ــــــــــــــــــــ
نُصِب سرادق العزاء بطول الحارة وصوت الشيخ يتلو القرآن. يعم الحزن على الجميع فكان العيد سعيدًا على أهل الحارة سوي عائلة نفيسة التي فقدت ابنها الكبير.
وفي الأعلى تجلس الأم الثكلى والنساء يتوافدون عليها لتعزيتها. بينما تجلس عايدة في ركن هادئ بملامح ساكنة وكأن المتوفي ليس زوجها. ومن قال إنها ستشعر بالحزن حياله بل هي خير شاكرة للقدر بأنه أزاح عقبتها من أمامها.
- بت يا ليلة هي مالها سلفتك قاعدة كده ولا بتعيط ولا بتنوح على جوزها!
سألتها هدي فأجابت الأخرى:
- ممكن مصدومة عادي يعني.
- بيني وبينك وقت ما شوفتها دخلت علينا البيت وقت ما جت مع حماتها يطلبوا إيدك ما ارتحتش ليها. وديما ببقى شايفة في عينيها وهي بتبص لك غل وحقد غيرة.
عقبت الأخرى بنفي:
- لأ يا بنتي مش للدرجدي. أنا ما أنكرش أنها كانت بتضايقني بس أنا عارفة كانت بتعمل كده عشان تراضي حماتي. يلا ربنا يصبرها على فراق جوزها.
رمقتها هدي بامتعاض وقالت:
- خليكي في هبلك وطيبتك اللي هاتوديكي في داهية وبكرة تقولي مرات أخويا قالت لما تشوفيها على حقيقتها مش بعيد تلوف على جوزك.
تأففت الأخرى بضجر وقالت:
- يوه بقى يا هدي. بطلي بقى سوء الظن اللي جايب لك وجع الدماغ. يا ستي أصلا جوزي نفسه مش بيطيقها يعني استحالة أصلا يفكر فيها.
لاحظت هدي معتصم يقف أمام باب الشقة ويشير إلى زوجته فقالت لها زوجة أخيها:
- طيب ياختي روحي كلمي جوزك.
وعندما ذهبت الأخرى إلى زوجها لم تحيد عيني هدي عن عايدة التي لم تلاحظ مراقبة الأخرى لها وهي عيناها صوب معتصم وليلة ونظرتها كافية لما تضمره من حقد دفين نحو شقيقة زوجها.
ـــــــــــــــــــــ
مر أربعون يومًا على وفاة جلال. والحال كما هو. لكن هناك من يكون مثل الهدوء قبل العاصفة.
ولدى منزل نفيسة تجلس عايدة في غرفتها بوجه متجهم وشاردة في الفراغ وأمامها على الطاولة اختبار حمل منزلي. فالاختبار تظهر شرطتان وهذا يعني الحمل إيجابي. كانت لا تتوقع مثل تلك الكارثة وأكبر مخاوفها يكون هذا الحمل نتيجة الليلة التي اعتدى عليها عمار عندما كان في حالة ثمالة أم يكون هذا من زوجها المتوفي. لكن كيف يكون من زوجها الذي كان يعاني من مشاكل عديدة على رأسها مشكلة عدم القدرة على الإنجاب!
طرق على الباب جعلها نهضت مسرعة تخبئ الاختبار سريعًا أسفل وسادة الأريكة وسألت الطارق:
- مين؟
رد الطارق:
- أنا يا بنتي.
- اتفضلي يا خالتي أنا صاحية.
فتحت نفيسة الباب وعيناها تفيض بالدمع. ما زال قلبها منفطرًا على ولدها:
- هاتفضلي قافلة على نفسك كده يابنتي؟
ردت الأخرى وتخشى موقف حماتها تجاهها خاصة بعد وفاة ابنها:
- يعني أروح فين يا خالتي؟
أجابت حماتها:
- أنا عارفة إن جلال الله يرحمه كان بيحبك أوي وكان نفسه يجيب حتة عيل منك يشيل اسمه بس ربنا ما أرادش.
كانت الأخرى تستمع في حالة صمت تخشى أن تتخلى عنها حماتها وهي لا تريد ترك المنزل أو بالأحرى لا تريد الابتعاد عن معتصم.
تنهدت نفيسة ثم أردفت:
- أنا عارفة الكلام ده لسه سابق لأوانه بس مش حابة أظلمك وأنتي لسه شابة صغيرة وفيكي الطمع. بعد ما تخلص شهور عدتك لو عايزة تتجوزي اتجوزي محدش فينا يقدر يمنعك.
وجدت عايدة تلك اللحظة المناسبة التي تبدأ بها أن تحيك ألاعيبها الماكرة. تصنعت دور الحمل الوديع فقالت:
- إيه اللي بتقولي ده يا خالتي. أنا ماليش غيركم. أنتم أهلي وعزوتي وبعدين فيه حاجة لسه عارفها وكنت هاجي لك عشان أبلغك بيها.
انتبهت الأخرى بكامل حواسها حتى أخبرتها زوجة ابنها بالمفاجأة. أخرجت الاختبار من أسفل الوسادة وأعطتها إياه قائلة بثقة ودون تردد:
- أنا حامل.
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ولاء رفعت
ذهب معتصم إلى والدته بعدما تأكد من أن ليلة تغفو في نوم عميق بعد يوم طويل من العمل، فهي الآن تقوم بمهام عايدة التي أصبحت حاملًا ولم تستطع القيام بأي أعمال منزلية شاقة قد تضر بحملها. ربما هذا حديث نفيسة التي تتمسك بحفيدها وكأنه عوضًا عن ابنها الذي فقدته.
جلست مع والدتها لتخبرها بهذا الأمر الهام، وهو حمل زوجة أخيه المتوفي.
سألها بعدم فهم:
- طيب يا أمي، وأعملها إيه يعني؟ ربنا يكملها على خير. عايزة إيه أنتي مني، مش فاهم؟
ابتلعت ريقها وخشيت من ردة فعل ابنها بعدما تخبره بطلبها:
- عايزك تتجوزها بعد ما تقوم بالسلامة.
صاح بغضب كالوحش الكاسر:
- نعم! بتقولي إيه! أنتي أكيد بتهزري، استحالة.
- يا ابني اسمعني بس قبل ما تقرر. هي لو كانت لوحدها ما كنتش هطلب منك الطلب ده، وكنت هقول تروح تتجوز أي حد. لكن دي شايلة حتة من أخوك.
انتصب شعر جسده عندما أدرك ما تقصده والدته:
- قصدك حامل؟
أومأت له وقالت:
- أيوه، لسه عارفة إمبارح. ما تعرفش أنا فرحت قد إيه، قلت سبحان الله، ربنا ليه حكمة بأنه يرزقنا بحتة من جلال الله يرحمه.
نهض معتصم وولي بظهره لوالدته وأخبرها:
- معلش يا أمي، اطلبي مني أي حاجة ما عدا موضوع جوازي من عايدة. أنا بحب ليلة وما أقدرش أخونها.
نهضت ووضعت يدها على كتفه وقالت:
- خيانة إيه يا ابني؟ كفى الله الشر، ده جواز على سنة الله ورسوله.
التفت إليها قائلاً:
- يا أمي، أرجوكي ما تضغطييش عليا أكتر من كده.
- ماشي يا ابني. عمومًا، أنا بقولك فكر من هنا لحد ما تقوم هي بالسلامة، يعني قدامك تسع شهور، ولما تخلف وتربعن تكتب عليها.
جز على أسنانه يكبت غضبه حتى لا يصدر منه فعل أو قول نحو والدته يندم عليه لاحقًا، فأطلق زفرة وكأنها لهيب مستعر، ثم ذهب من أمامها. وبالطبع، هناك زوج من العيون المليئة بالخبث والشر تراقب وتسترق السمع من خلف باب غرفتها.
***
وفي صباح اليوم التالي، استيقظت ليلة على صوت زوجها وهو يصيح بغضب ويتحدث في هاتفه:
- إزاي ده يحصل من غير حتى يبلغني؟ ولا هم فاكرين نفسهم إيه!
الطرف الآخر في المكالمة:
- أهدي يا صاحبي وبطل زعيق. أنت عارف وأنا عارف إنهم ممكن يمشونا في أي وقت من زمان، وخصوصًا عشان بنقبض بالعملة الصعبة.
رد معتصم وصدره يضيق ويشعر بالاختناق:
- طيب خلاص، يدوني باقي فلوسي وأنا مش عايز من وشهم حاجة. وبلغ الشيخ عبد الله إن خلاص مش راجع، وباقي فلوسي وأتعابي يبعتهم لي في حوالة. يلا سلام.
زفر بحدة وألقى هاتفه على الأريكة، فجميع المصائب تتوالى فوق رأسه. الأولى طلب والدته بأن يتزوج أرملة أخيه التي يمقتها ويكرهها بشدة، وها هو قد خسر عمله في الخارج وأصبح بلا عمل.
اقتربت منه ليلة وسألته باهتمام:
- مالك يا حبيبي؟ فيه حاجة حصلت في شغلك؟
حاول رسم ابتسامة على شفتيه، فلا يريد أن يشاركها أحزانه، يكفيها ما رأته من حزن في الماضي. ربت عليها بحنان وقال لها:
- مفيش يا حبيبتي، شوية مشاكل كده في الشغل.
نظرت إليه بحب وحنان وقالت:
- معتصم، لو محتاج أي حاجة، أنا دهبي تحت أمرك.
التفت إليها وظل يرمقها لثوانٍ بسعادة، فها هي تعرض عليه المساعدة دون أن يطلب منها ذلك. أمسك بيدها وقام بتقبيل باطن كفها وقال:
- ربنا يخليكي ليا وما يحرمنيش منك يا روح قلب معتصم.
ثم عانقها بحنان وحب، فأخذت تربت عليه وقالت:
- ولا يحرمني منك أبداً يا حبيبي.
أغمض عينيه ويتذكر طلب والدته بالزواج عليها. كيف يفعل بها ذلك!
***
وفي المساء، كان شارداً في الأمر الذي يشغله وينظر نحو سرب الطيور المحلق في السماء، فيبدو أكثر حرية منه. وقاطع شروده يد تربت عليه بحنانها الغادق دائمًا، فالتفت إليها قائلاً:
- تعالي يا أمي.
وأشار إليها لكي تجلس بجواره، فقالت له:
- أنت زعلان مني يا بني؟
نظر إليها وأمسك بيدها:
- عمري ما أزعل منك يا أمي مهما حصل. لكن اللي أنتي طلباه مني صعب أوي أوي عليا. أنا فاهم ومقدر مشاعرك. وبعدين، ما هي كده أو كده، هي قاعدة معاكِ عشان ملهاش غيرنا. وابن أخويا يبقى زي ابني، يشرف بس وييجي بالسلامة، وأنا والله ما هقصر معاه أبداً، ده هيبقى الغالي ابن الغالي، الله يرحمه.
ربتت عليه وما زالت تصر على رأيها:
- عارفة من غير ما تحلف، بس برضه ريح قلب أمك. أنت خلاص أهو قاعد وما فيش شغل ولا سفر، فبالتالي ما ينفعش تدخل وتطلع عليا ومرات أخوك قاعدة معايا وهي من غير راجل. يرضيك حد يقول عليها كلمة كده ولا كده!
نهض وهم بالذهاب والشياطين تتراقص أمام عينيه، فسألته:
- قايم رايح فين؟
زفر بتأفف وأجاب:
- نازل، هاقعد على القهوة مع أصحابي.
وقبل أن تتفوه بكلمة، تركها مسرعًا وذهب.
وعلى المقهى، رأى حبشي يلقي مكعب الزهر على القطعة الخشبية ويقهقه قائلاً:
- ها آو! تالت دور وغلبتك. يلا حاسب على المشاريب يا حلو.
رد الشاب الآخر:
- طب وربنا حاسس إنك بتخُم. لأ يا عم مش هحاسب. حاسب أنت على مشاريبك وأنا هحاسب على مشاريبي.
قبض حبشي على تلابيب قميصه وأخبره بصوته الغليظ:
- ما تطلع راجل قد كلامك يالاه وادفع بدل. وعليا الطلاق لـ...
قاطعه معتصم الذي حضر للتو وأمسكه من يده قائلاً:
- جري إيه يا أبو نسب؟ مش لاقي غير الولا حمدي اللي بيموت على الجنيه زيك وتلاعبه على المشاريب! أنا اللي هدفع، اهدى بقى.
قام الآخر بدفع حمدي من ذراعه:
- قوم يالاه من هنا وقعد سيدك معتصم.
ابتسم معتصم رغمًا عنه وجلس وأطلق تنهيدة، فسأله حبشي:
- مالك؟ أختي منكدة عليك ولا إيه؟ ولا موت المرحوم أخوك لسه مأثر عليك؟
رمقه بامتعاض وقال:
- مفيش. سيبك مني أنا دلوقتي. إلا قولي يا حبشي، هو أنت ما بتجيش ليه تسأل على أختك؟ وقبل ما ترد بإجابات ملهاش لازمة وأنا عارف وراها إيه. إحنا مش عايزين منك حاجة، بس موضوع قلة سؤالك على أختك وكأنك ما صدقت تخلص منها، ده مأثر على نفسيتها. واللي يزعل ليلة كأنه زعلني بالظبط.
حك الآخر ذقنه وقام بقلب الأمر من الجدية إلى المزاح الساخر قائلاً:
- أختي على طول نكدية، وأنت شكلك كده طري معاها. ما تنشف يا صاحبي وبطل خيبة ورجولة شوية. أجيب لك بيريل ولا تاخد لك سوجارة؟
نهض معتصم ورمقه بازدراء:
- تصدق بالله، أنت الكلام معاك خسارة ومضيعة للوقت. وهقولك على حاجة، البيريل دي تشربها أنت يمكن ترفع عندك هرمونات الرجولة. ولا آه، صح نسيت إنك معفن ونتن، مش هاتقدر تشتريها.
تركه وذهب قاصدًا العودة إلى أحضان زوجته، فكلما ضاق به الحال ذرعًا، يذهب ويرتمي على صدرها لعله يهدأ ويصبح في حال أفضل. لكن أحيانًا يقدم لنا القدر ما يشرح صدورنا ويسهل لنا أمرنا.
وقبل أن يصعد إلى ليلة، قامت والدته بمناداته:
- معتصم، تعالي يا بني، عايزك دقيقة.
ولج إليها وقال لها:
- نعم يا أمي.
- المحلات تحت مقفولة. عايزة تتوضب وأفتح لك المشروع اللي يناسبك. هتلاقي أوراق الترخيص والكهرباء والمياه عندك في الأوضة جوة.
أومأ لها قائلاً:
- حاضر يا أمي، بس بعدين بقى.
- يا ابني ريحني واعمل اللي بقولك عليه، ولا أنت متكل على القرشين اللي حيلتك تقعد تصرف فيهم لحد ما يخلصوا!
رمقها بامتعاض ثم نهض:
- حاضر.
وذهب على مضض، وولج إلى داخل غرفته، فتح الخزانة وأخذ يبحث عن تلك الأوراق، فأنتبه إلى عدة ملفات لنتائج تحاليل طبية. قام بفتح إحداها فوجد اسم شقيقه وتقريرًا بالإنجليزية لم يفقه منه شيئًا، حتى وقعت عيناه على ورقة مرفقة بها اسم الطبيب، وضرب الشك صدره عندما رأى تخصص الطبيب أسفل اسمه. أخذ تقارير النتائج وعقد العزم على معرفة شيئًا ما، وإذا أصبح شكه يقينًا، فسيجعل الدنيا تنقلب فوق رأس تلك الحرباء عايدة.
***
تلتفت من حولها عندما وصلت إلى هذا المكان النائي لتقابله بعدما أرسل لها رسالة إنه يريد مقابلتها، أم سيأتي لها في منزل عائلة زوجها، وهذا كافٍ لجعل الخوف يدب في قلبها. تخشى أن ينكشف خداعها أمامهم، لا سيما بعدما اقتربت من غايتها وهو الزواج من معتصم.
- عايز إيه يا زفت؟ عمال تبعت لي في رسايل وتتصل.
أقترب منها بابتسامة شيطانية أخبرها:
- خايفة لأكشف حقيقتك لمعتصم أخو جوزك المرحوم!
اتسعت عيناها، فأردف موضحًا لها:
- أنتي فكراني مغفل وما أعرفش أنتِ مين! أنتي لما مشيتي من عندي أول مرة، نزلت وراكي وشوفتك قبل ما تدخلي البيت بتقلعي النقاب. ده غير لما حضرتي عزاء جوزك الله يرحمه ويبشبش الطوبة اللي تحت راسه، اللي سبحان الله بقدرة قادر طلع أخو معتصم اللي كنتي بتقولي إنه كان متجوزك، اللي هو إزاي يعني. فطبيعي، فقست الحوار.
انقضت عليه وقبضت على تلابيب قميصه تحذره من بين أسنانها:
- اسمع ياض أنت، وربنا لو نطقت بحرف لأقول لمعتصم على إنك بتشاغل مراته وبتجري وراها. ويا سلام أخوها لو عرف هيمسكوك ويقطعوك حتت ويرموك للكلاب، خاصة بعد ما أعرف معتصم اللي عملته فيا اليوم إيـ...
صمتت حتى لا يفتضح أمرها وما تخبئه على معتصم ووالدته إذا علموا بأمر علاقتها بعمار واغتصابه لها.
- سكتي ليه؟ إيه اللي عملته فيكي!
تهربت من النظر إليه وأجابت:
- قصدي يعني، تهديدك ليا. بقولك إيه، ابعد عني بقي. أنا دلوقتي واحدة أرملة وبخاف على سمعتي.
خفقات قلبها كانت تتزايد، لكن بدأت تهدأ عندما أيقنت من سؤاله بعدم تذكره لأمر اعتداءه عليها.
ضحك بسخرية وأخبرها:
- أنا كده فهمت. أنتي عينك من معتصم وكنتي عايزة تزيحي ليلة من قدامك وتخليه يطلقها بعد ما يعرف علاقتي بيها. وطبعًا دلوقتي موت جوزك حل لكِ المشكلة، عشان كده واقفة قدامي وبقلب جامد تقولي لي ابعد عنك عشان سمعتك! طب بصي بقي، أنا يا قاتل يا مقتول. تتصرفي وتتشقلبي، تخلي معتصم يطلقها. وفي نفس الوقت تشخللي جيبك وعايز 100 ألف جنيه.
صاحت في وجهه:
- نعم يا أخويا! مية عفريت لما يلهفوك. مش هديلك حاجة، وغور بقي بدل ما ألبسك مصيبة.
قبض على رسغها:
- العفاريت دي اللي هطلعها عليكي لما أفضحك في الحارة وأقولهم على اتفاقنا، ولا هيهمني. وساعتها هيطردوكي طرده الكلاب في الشارع. فياريت تسمعي الكلام زي الشاطرة، وفي خلال أسبوع ألاقيكي عندي ومعاكي المبلغ.
***
- أنا نازلة، هاروح عند أخويا أشوف العيال وهدي عشان وحشوني أوي.
قالتها ليلة له، فأجاب الآخر:
- استني، هانزل أوصلك.
ذهب معها وقام بإيصالها، ثم ذهب إلى الطبيب الذي أخبره ما هو مدون في التقارير الطبية:
- أستاذ جلال الله يرحمه كان بيتعالج بقاله سنتين، بس للأسف كل محاولات العلاج فشلت. والنتائج الأخيرة كلها بتقول استحالة إنه يخلف.
وبعدما غادر من العيادة، عاد إلى المنزل. وعند وصوله أمام شقة والدته، وجد عايدة تقف تنتظره:
- أنا عايزة في موضوع مهم.
رد بسخرية:
- يا ترى ها تقولي لي اللي في بطنك ده يبقى ابن مين؟ ولا لعبة جديدة هتلعبيها عليا من ألاعيبك القذرة!
لم تنظر إلى عينيه مباشرة، تخشى أن يدرك خداعها وأكاذيبها، فقررت أن تشغله بإخباره عن عامر وعلاقته بليلة:
- المرة دي بجد، مش لعبة. ويلا قبل ما أمك ما ترجع من بره، لأن اللي هاقوله لك ماينفعش حد يسمعه غيرك، لأنه يمس سمعة مراتك.
أمسك ذراعها بعنف وصاح بها:
- بت أنتِ، أقسم بالله لو جبتِ سيرة مراتي تاني وألفتي لها مصايب، لأفضحك وأفضح وساختك. وهقول لأمي إن اللي في بطنك مش ابن أخويا، لأن جلال الله يرحمه كان عنده مشكلة وبيتعالج منها، وللأسف التحاليل كلها اللي عملها بتقول استحالة إنه يخلف.
ابتلعت ريقها وارتدت قناع الجمود، وأرادت أن تقلب الطاولة فوق رأسه، فألقت عليه تلك القنبلة الموقوتة لتنفجر في وجهه:
- أخوك الله يرحمه ما كانش بيخلف، وداريت عليه عشان ما يبقاش مكسور قدامكم. وفعلاً، اللي في بطني ده مش ابنه.
رمقته بجرأة سافرة وأردفت:
- يبقى ابنك.
نهض وانقض عليها كالوحش، حيث أمسكها من ذراعها بعنف:
- أنتي بتخرفي! بتقولي إيه؟ أقسم بالله الهبل ده لو كررتيه تاني مش هقولك أنا وقتها ممكن أعمل فيكي إيه.
- أهدي كده واسمعني. هتتكلم كلمة عليا، هابلي عليك وأقولهم أنا كنت قاعدة لوحدي وأنت اتهجمت عليا واعتديت عليا تحت التهديد. وأنا عشان بنت أصول خوفت لأحكي لأخوك ويحصل فتنة ما بينكم وحد فيكم يقتل التاني.
حاول استيعاب ما ألقته عليه، وود اقتلاع لسانها والتخلص منها. أخذ يهذي بكلمات غير مسموعة، حتى صاح في وجهها وأشار لها بأصبعه قائلاً لها بثقة وقوة:
- كدابة وساflة وحقيرة. يخربيتك، ده أنتي شيطانة.
وقبل أن تتفوه بحرف، دخلت والدته تنظر إليهما بتعجب:
- في إيه يا معتصم؟ أنت وعايدة صوتكم عالي كده ليه؟
تصنعت عايدة البكاء وأخبرتها بزيف:
- شفتي يا خالتي، معتصم جاي يقولي أنتي خلاص مالكيش مكان بينا، وروحي أقعدي مع قرايبك، وأنا ومراتي هانقعد مع أمي.
اتسعت عيناه غير مصدق لما تقوله تلك الحرباء، فقالت له والدته:
- صحيح الكلام ده يا ابني! أخص عليك، ده أنا لسه كنت بوصيك عليها. طب كنت أعمل خاطر حتى لأخوك الله يرحمه وابنه اللي في بطنها.
رمق معتصم عايدة بتوعد، فبادلته الأخرى بنظرة انتصار وخبث أفعى ماهرة.
- أنتي بتصدقيها وتيجي عليا عشانها؟ ماشي يا ماه، خليكي فاكرة.
قالها وترك لهما المنزل وغادر. بينما عايدة كانت تقول بداخل عقلها:
- أنت لسه شفت حاجة؟ أما جننتك، ما بقاش أنا عايدة. وبرضه في الآخر هتبقى ليا.
***
تقف ليلة أمام الخزانة في حيرة، تمسك بثوب وتضعه عليه ثم تهز رأسها بالرفض، ثم تعلق الثوب في مكانه داخل الخزانة مرة أخرى. وكان معتصم يجلس على الكرسي شارداً وينفث دخان سيجارته، يفكر في كلمات عايدة ومكائدها، أو الكارثة التي أخبرته، والذي يخبره حدسه إنه عليه التحري في هذا الأمر ويثبت كذبها بالدليل والبرهان.
- حبيبي، إيه رأيك في الفستان ده؟
سألته ليلة ووجدته ما زال شارداً وغير منتبه إليها، فأعادت السؤال عليه مرة أخرى:
- معتصم، إيه رأيك في الفستان ده؟
نظر إليها وهز رأسه بنعم دون أن يجيب عليها. تركت ما بيدها جانباً واقتربت منه تسأله:
- مالك يا حبيبي؟ إيه؟
انتبه إليها وظل ينظر إليها لثوانٍ ثم أجاب:
- مفيش يا حبيبتي. خلاص جهزتي هدومك اللي هتلبسيها؟
لكزته بخفة في كتفه قائلة:
- أومال أنا عمالة أقولك إيه من الصبح. بص بقي، أنا هاستنى مرات أخويا هاتعدي عليا وهانروح مع بعض.
- ماشي، بس أنا هوصلكم. وحاجة تانية.
نظرت إليه ومنتظرة ما سيخبرها به، فقال:
- تلبسي فستان واسع ومحترم، وممنوع تحطي نقطة مكياج في وشك، يا إما كده يا إما مفيش فرح.
ابتسمت وحاوت عنقه بذراعيها تسأله بدلال:
- بتغير عليا يا حبيبي؟
أمسك بيدها وقام بتقبيل باطن كفها:
- آه طبعًا. هو أنا ليا مين غيرك أغير عليه! مبسوطة يا ليلة؟
- طبعًا مبسوطة طول ما أنت معايا.
صمتت لثوانٍ ورمقته بجدية وسألته:
- بتحبني يا معتصم؟
أجاب من أعماق قلبه:
- كلمة حب دي مش كفاية، ده أنا أنا بعشقك.
واختتم جملته بقبلة قوية، لعله يشتت عقله من التفكير في كل ما حدث اليوم.
وبعد دقائق، فصلت القبلة قائلة:
- هاروح بقي ألحق ألبس عشان ما أتأخرش، وهدي تزعل مني. ده فرح بنت خالتها.
ابتسم بمكر وذهب ليغلق باب الغرفة بالمفتاح وقال لها:
- كلمي مرات أخوكي واعتذري لها.
- بطل هزار بقي وافتح الباب، دي كلها عشر دقايق وها ألاقيها هنا.
فاجأها بجذبها بين ذراعيه وعانقها قائلاً:
- وأنا مش بهزر. أنتي وحشاني أوي.
وألتقم شفتيها في قبلة جنونية، حتى قاطعه هاتفها باتصال وارد. أمسك بالهاتف وأجاب بدلاً منها:
- الو يا أم محمد، معلش ليلة تعبت فجأة فخدت مسكن ونامت. معلش بقي مش هاتقدر تيجي الفرح......
- حاضر، عينيا. مع السلامة.
وبعد أن أنهى المكالمة، صاحت به ليلة:
- إيه اللي أنت عملته ده؟ هدي مش هبلة وزمانها هاتزعل مني.
اقترب منها وعانقها مرة أخرى ثم قال بنبرة مليئة بالشوق واللهفة:
- يعني خايفة على زعل مرات أخوكي ومش همك جوزك حبيبك المشتاق ليكِ!
- أبداً والله يا حبيبي، بس....
قاطعها قائلاً:
- مفيش بس، وركزي معايا.
سألته ببلاهة:
- أركز في إيه.
- هقولك دلوقتي.
وألتقم شفتيها مرة أخرى في قبلة عميقة تلاها عناق ولمسات وهمسات شوق عارم فوق فراش العشق الوردي.
***
وفي يوم آخر، ذهب إلى مركز تحاليل والذي يوجد به معمل خاص لعمل تحليل الـ DNA.
أقترب من موظف الاستقبال وسأله:
- لو سمحت، عايز أسأل عن عمل التحليل الوراثي، أنا مش عارف اسمه إيه بالضبط.
رد الموظف:
- تحليل DNA يا فندم.
أشار له قائلاً:
- أيوه هو ده اللي بتقول عليه. هو أنا عايز أعمله لجنين لسه عمره حوالي شهر أو شهر ونص في بطن أمه.
انتبهت له فتاة يبدو أنها مساعدة، فأخبرته:
- ما ينفعش يا فندم، لازم يكون مر شهرين على الحمل أقل حاجة، وبناخد من الأم عينة دم بنقدر من خلالها نعمل التحليل.
أومأ لها وقال:
- شكرًا لحضرتك.
- العفو يا فندم.
غادر المكان وهو يشعر بالاختناق، فهل سيظل عشرين يومًا في هذا التفكير الحارق للأعصاب! وبين رؤية تلك الأفعى أمامه طوال الوقت وسعيها أن تكون له بأي ثمن!
عاد إلى المنزل، وقبل أن يصعد إلى شقته، سمع نداء والدته له:
- معتصم، تعالي يا بني.
دلف إليها وجلس أمامها:
- نعم يا أمي.
- فكرت في اللي قولت لك فيه يا ضنايا. دي ولية غلبانة وبعدين شايلة حتة من أخوك، وجوازك منها هتحافظ عليها واللي في بطنها هيتربى وسطنا وتحت عنينا، أحسن ما تروح تتجوز واحد غريب وهو اللي يربي ابن أخوك ويا عالم هيربيه إزاي ولا هيعامله حلو ولا وحش.
أطلق زفرة عميقة وهز رأسه وأخبرها:
- خلاص يا أمي، اديني مهلة عشرين يوم وهرد عليكي.
سألته باستفهام:
- اشمعنى عشرين يوم؟
أجاب وعيناه تنظر نحو الفراغ:
- لما يجي وقتها هبقى أقولك السبب.
***
ولدي هدي وحبشي...
- حبشي، أنا هاروح أطل على أختك عشان أطمن عليها. مقدرتش تيجي الفرح وجوزها قالي كانت تعبانة. مش ناوي تيجي معايا؟
رد بعدما نفث دخان سيجارته:
- هابقى أروح أعدي عليها آخر النهار. وعشان عايز معتصم في مصلحة كده.
انتبهت لما قاله وسألته:
- ويتري إيه المصلحة دي يا أبو محمد؟
حك ذقنه ونظر بتمعن في الفراغ قائلاً:
- مصلحة في الجون لو اتقضت هانعدي الفلانات.
غرت فاهها وقالت بتهكم، وهي تعلم ما لديه من مخزون أموال:
- وأنت حيلتك حاجة يا أخويا عشان تعمل بها مشروع ولا حتى مصلحة؟
- ما هو اللي زيك آخره بيفكر في الأكل والشرب واللبس، لكن تشغلي دماغك دي إزاي، عمرك ما هاتعرفي. بصي يا أم مخ بطاطس، أنا جاي لي مجموعة عربيات موديل من قيمة عشر سنين محتاجين شغل وصاحبهم مسافر وعايز يتصرف فيهم، بس طالب سعر حراق شوية. فقولت ممكن أستلف مبلغ من جوز أختي، وأول ما هظبط العربيات وأبيعها بسعر حلو هاسدد الفلوس على طول.
فسألته هدي بترقب:
- طب واللي هاتكسبه هاتعمل بيه إيه؟
انتبه لها وأجاب:
- ها! وأنتي مالك! اعمل بيه إيه؟ غوري يلا شوفي بتعملي إيه. ولا أقولك أنا اللي ها أقوم أعمل. خليني أروح أشوف أكل عيشي.
غادر المنزل، فتأكدت إنه لم يعد حاليًا وأطفالها نيام. ذهبت وجلبت سكينًا صغيرًا وركضت نحو المكان الذي يخبئ به أمواله وجلبت الصندوق الحديدي وقامت بفتحه عبر السكين. غرت فاهها ولم تصدق نفسها من كثرة المال:
- حرمنا ومجوعنا ومطلع عيننا، وفي الآخر طالع بتحوش كل ده! طب وربنا أنت اللي جبته لنفسك وتستاهل حسرتك عليهم.
نهضت وجلبت حقيبة صغيرة ووضعت بها الأموال كلها، ثم بدلت ثيابها وأيقظت أولادها وجعلتهم يبدلون ثيابهم. فسألتها صغيرتها:
- إحنا رايحين فين يا ماما؟
أجابت وهي تغلق سحاب سترة ابنها:
- هنهرب من قرف وبخل أبوكم. هيعيشكم وأجيب لكم كل اللي نفسكم فيه. يلا بسرعة نمشي من هنا قبل ما يرجع.
وغادرت المنزل عاقدة العزم على الهروب من زوجها البخيل الظالم!
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ولاء رفعت
كانت ليلة تبحث عن معتصم في المنزل فلم تجده، لكنها انتبهت إلى صوت رنين هاتفه. ذهبت لرؤيته فوجدته أعلى منضدة الطعام. أخذته ووجدته رسالة واردة من تطبيق الدردشة الشهير. ترددت في فتحها، ثم بالنهاية قامت بفتحها وقراءة فحواها:
"معتصم حبيبي أنا سوزي حبيبتك. آه يا قاسي، ناسيني كل ده ونسيت ليالينا؟ ولا خلاص اتجوزت ونسيتني؟ أخص عليك."
وبأسفل الرسالة صور لسيدة ترتدي ثيابًا فاضحة. اتسعت عيناها وما لحقت أن تستوعب ما قرأته ورأته حتى وجدت طرقًا على الباب بشدة ويتبعه رنين جرس المنزل. ذهبت لترى من هذا الطارق الذي أفزعها. وجدته شقيقها وعيناه تتطاير منها الشر ونيران مشتعلة، يصيح بصوت مخيف:
"هي فين؟"
شعرت ليلة بالفزع حينما رأت شقيقها في تلك الهيئة المخيفة، ولم يمهلها. فدفعها إلى الداخل وأزاحها عن طريقه، ثم أخذ يبحث عن زوجته ويصيح بغضب عارم:
"هي فين؟ وربنا لأقطع جثتها حتت وأرميها للكلاب الحرامية بنت الـ..."
أشارت له بيديها وقالت:
"اهدأ بس يا حبشي وفهمني فيه إيه."
قبض على تلابيب منامتها وصاح بها:
"إنتي هاتعملي عليا يا روح خالتك! يعني مش عارفة الواطية هدي راحت سرقت فلوسي وهربت بيهم؟ وشكلكم متفقين ومدبرينها مع بعض."
صرخت به وتدفع يده عن تلابيبها:
"متفقين على إيه يخربيتك؟ أنا وربنا ما شوفت مراتك من وقت ما كنت عندكم آخر مرة."
زفر بغضب وأخبرها:
"الهانم خلتني بره ورجعت لقيتها سرقت القرشين اللي كنت محوشهم للزمن وللعيال. وكنت لسه بحكي لها عن مشروع هعمله هناكل منه الشهد، وكنت لسه هاجي لكم عشان أعرض الشراكة على جوزك. أبص ألاقي الحلوة مقلباني وسرقت شقا عمري وتعب سنين. وربنا ما هسيبها ويا ويلها وسواد ليلها."
رمقته ليلة بغضب فقالت له:
"يعني فضلت حارمني وحارم مراتك وعيالك عشان تحوش وتعمل مشاريع؟ تصدق بالله هي لو فعلاً سرقتهم يبقى حلال عليها، هي بنت حلال وصبرت معاك كتير أوي."
كانت كلماتها كالنيران التي اقترب منها الوقود، فازدادت اشتعالاً. ثار وجال فقبض على ذراعيها:
"إنتي شمتانة فيا يا بنت الـ..."
وكاد يصفعها لكن أوقفته يد معتصم الذي عاد للتو من الخارج قائلاً:
"أنا المرة اللي فاتت حذرتك إياك تمد إيدك على مراتي، والمرة دي جاي تتهجم عليها وفي بيتي؟ يا بجاحتك ووساختك يا أخي."
وسدد له لكمة قوية، فتراجع ووقع على الأرض تحت صرخة ليلة. اقترب معتصم منه وأمسك بتلابيبه وكاد يسدد له لكمة أخرى، فأوقفته ليلة بتوسل:
"لابلاش والنبي يا معتصم."
أشار له معتصم بازدراء:
"إكرامًا للنسب اللي بينا وعشان خاطر أختك هاكتفي بطردك من البيت، لكن لو اللي حصل ده اتكرر تاني ها تكون بموتك المرة الجاية."
نهض حبشي بثقل ويمسك بخده المصاب، ورمقهما شزرًا ورحل. فأقترب معتصم من ليلة وسألها:
"إنتي كويسة؟"
أومأت له، فجذبها في عناق قوي وأخذ يربت عليها قائلاً:
"ما تخافيش طول ما أنا جنبك."
ابتعدت من بين ذراعيه رويدًا وذهبت لتأتي بهاتفه وقامت بوضعه أمام عينيه وسألته:
"مين سوزي دي؟"
***
وبداخل حافلة متجهة إلى الإسكندرية، كانت تجلس هدى بجوار النافذة وبجوارها ولديها. فسألها ابنها:
"إحنا رايحين فين يا ماما؟"
ربتت على رأسه وأخبرته:
"أنا رايحة عند خالتي في الإسكندرية. هانقعد عندها هناك كتير وهاشتري لكم كل اللي أنتم عايزينه ونفسكم فيه."
فقالت لها ابنتها بصوتها الطفولي البريء:
"يعني مش هانرجع بيتنا ونشوف بابا تاني."
رمقتها بحزن أليم، فرغم ما يصدر منه، ما زالت تحبه ولا تعلم ماذا ستفعل. وتخشى أن يجدها ويفعل بها شيئًا. فتذكرت أنه لا يعلم أين تعيش خالتها، فتنهدت وحمدت ربها.
ثم نظرت إلى صغيرتها وقالت لها:
"دلوقتي مش هينفع. يمكن نرجع بعدين في وقت تاني، بس عايزاكم تعرفوا أنا بحبكم أوي وعملت كده عشانكم."
***
تأوه عمار بشدة، وهذا الشاب مفتول العضلات يلكمه بقوة في بطنه، ويمسك به آخر من ذراعيه حتى لا يستطيع التحرك أو الفرار. فقال رجل يجلس أمامهم يزفر دخان الأرجيلة قائلاً:
"إنت لما جيت لي أول مرة من قيمة شهر، قولت شكلك راجل جدع وهتطلع قد المسؤولية وهتعرف تبيع البضاعة اللي معاك، لكن لأول مرة أتخدع في حد. قدامك بكرة وترجع البضاعة، ولو بعتها يكون الـ 200 ألف هنا على الترابيزة، وبرضه بكرة، لإما هاتكون راسك اللي زي راس الحمار هي اللي على الترابيزة."
بالطبع لا يريد أن يخبره بأنه تم سرقة البضاعة منذ أيام. التقط أنفاسه بصعوبة وأخبره:
"إنت قولت لي 100 ألف بس."
ضحك الرجل ذو الملامح الغليظة وقال:
"ده كان من أسبوع يا ننوس عين الحجة، لكن نعمل إيه بقى، الأسعار كل يوم في العالي والصنف اللي معاك مستورد يعني بنستورده بالدولار."
رد عمار وجسده قد تراخى بين يدي الذي يمسكه، والآخر يقف استعدادًا للكمة مرة أخرى:
"كل اللي أقدر أدبره لك 100 ألف جنيه."
ترك الأخر عصا الأرجيلة أعلى المنضدة ونهض يقف أمامه يرمقه بتوعد ويخبره في آن واحد:
"لأ، هما 200 ألف. ولو نقصوا جنيه قول على نفسك يا رحمن يا رحيم. شغلتنا دي ما بتعرفش غير حاجتين: فلوسك يا روحك."
***
"أقسم بالله ما أعرف واحدة بالاسم ده."
صاح بها معتصم إلى ليلة التي ترمقه بامتعاض:
"يا سلام! لو واحدة متعرفهاش ها تبعت لك صورها بقمصان النوم!"
زفر بضيق ونفاذ صبر أخبرها:
"ما الصور مليانة النت وأقدر أطلع لك ألف صورة زيها. ولو خدتي بالك هتلاقيها هي بدأت المحادثة وأنا ولا رديت بحرف."
ابتسمت بسخرية وقالت:
"يا سلام على أساس إن مش ممكن تقدر تمسح أي رسايل قديمة بينكم! أنا مش عيلة صغيرة يا معتصم عشان تضحك عليا بكلمتين."
أطلق زفرة وظل يتمتم بالاستغفار ثم قال:
"وأنا مش كداب ولا بضحك عليكي يا ليلة، بس واضح إنك مش واثقة فيا وده موضوع تاني، الحمد لله إن عرفته."
شعرت بالندم على ما تفوهت به:
"بالعكس، أنا واثقة فيك جدًا، بس ما عنديش ثقة في اللي حواليك. وشيء طبيعي أغير لما أشوف حاجة زي كده، حط نفسك مكاني."
"أيوه عليك نور، شوفتي كان عندي حق أتضايق لما شوفت الرسايل اللي كانت بتتبعت لك من الواد الوسـ... وأنا عشان بحبك وواثق فيكي صدقت دفاعك، برغم لو راجل غيري وروحنا بعيد ليه، ده لو واحد زي حبشي أخوكي كان زمانه وراكي النجوم في عز الضهر وضرب وإهانة."
جزت على شفتها السفلى بحنق، وكان لكبريائها السيطرة عليها في هذا الموقف، لذا قالت له:
"يعني بتعملها واحدة قصاد واحدة؟ ماشي."
أشار لها بسبابته بتحذير:
"أحذري كلامك يا ليلة، إنتِ فعلاً لو مش عيلة صغيرة زي ما بتقولي كنتِ فهمت قصدي إيه من الأول. يا أستاذة يا متعلمة يا بتاعت الجامعة، أنا كان قصدي ملخص الحوار كله إنك ماعندكيش ثقة فيا."
كان صوته مرتفعًا كفاية أن يصل إلى عايدة التي وقفت لدى النافذة المطلة على المسقط وتبتسم بانتصار، وتمسك بهاتفها وأرسلت إلى عمار رسالة فحواها رقم الهاتف الجديد الخاص بليلة.
***
يتمدد حبشي على الفراش ويمسك بكيس ملء بقطع الثلج يضعه على كدمات وجهه:
"آه يا ناري لو أعرف خدتي الفلوس وهربتي على فين، وديني ما أنا سايبك. هخليكي توطي تبوسي رجلي عشان أرحمك عن اللي هاعمله فيكي، بس ترجعي لي الفلوس الأول."
طرق على باب منزله فتأفف بضجر وقال:
"وده مين الرذل اللي جاي في وقت شبه وشه."
نهض وذهب ليفتح الباب:
"اتفضل يا حاج نصر."
قال الأخر بضيق:
"أنا مش جاي أُتضاف يا سطا حبشي، أنا جاي لك آخد إيجار الورشة المكسور عليك بقالك خمس شهور، وكل مرة تقولي لما ربنا يفرجها وتطلع لي بمليون حجة."
تمتم الأخر بصوت غير مسموع:
"هي المصايب كلها بتيجي مرة واحدة فوق دماغي ليه كده."
انتبه على صياح الرجل:
"بقولك إيه، فيه واحد هيأجرها وهايدفع أضعاف الملاليم اللي مش قادر تدفعهالي."
بادله حبشي الصياح بصوت جهوري:
"آه قول كده بقى، عايز من الآخر تطفشني؟ لأ يا عم الحاج بيني وبينك عقد تلات سنين فات منهم سنة ونص ولسه فاضل زيهم كمان."
"ما إنت بقالك كام شهر ما بتدفعش عايزني أعملك إيه! عندي عيال بتتجهز ومحتاجين لكل قرش."
لم يتحمل حبشي وقال له:
"وأنا كنت هدفعلك بالليل وأديك شايف اللي في وشي، شوية عيال ولاد حرام طلعوا عليا وقلبوني. قولي هدفع لك منين دلوقتي، ده حتى الولية والعيال بعتهم على حماتي عشان معيش فلوس أجيب لهم أكل وأنت جاي تكمل عليا."
عقد الأخر حاجبيه ورمقه بازدراء قائلاً:
"عيب عليك لما تكذب وتعمل عليا حوار عشان تصعب عليا. إزاي معكش فلوس ومراتك وعيالك سافروا في السوبر چيت اللي رايح إسكندرية؟ الواد زيزو ابني لسه شايفهم من قيمة كام ساعة في الموقف."
انتبهت كل حواسه إلى ما وصل إلى مسامعه فسأله للتأكيد:
"إنت قلت سافرت فين؟"
أجاب الرجل بتهكم:
"شوفت إنت إزاي كداب وبتاع حوارات، بقولك ابني شافها هي وعيالك بيركبوا السوبر چيت اللي رايح إسكندرية."
دفع الرجل من أمامه وركض إلى الخارج، مما أثار غضب الأخر الذي صاح بتوعد:
"بتزوقني يا حبشي؟ طب وربنا لأفضي لك المخروبة بتاعتك وأطردك منها إنت وحبة الخردة بتاعتك."
***
أصبحت بمفردها بعدما ترك لها المنزل وغادر قبل أن يحتدم بينهما العراك أكثر من ذلك، بينما هي ما زالت تبكي كلما تتذكر حديثه ومعايرته لها.
صدح رنين هاتفها فقالت قبل أن ترى هوية المتصل:
"ياسلام! تتخانق معايا وتبهدلني وتيجي في الآخر تكلمني في التليفون؟ طب شوف مين اللي هاترد عليك."
وبعدما انتهى الرنين تكرر مرة أخرى فأردفت:
"طب إيه رأيك هكنسل في وشك."
وعندما أمسكت بالهاتف رأت رقمًا غير مسجل، داهمها شعور غريب. تكرر الرنين للمرة الثالثة، ترددت في الإجابة وبالنهاية قامت بالرد:
"الو."
جاء لها صوته ذو النبرة التي يشوبها التهديد:
"إيه يا لولا غيرتي رقمك عشان معرفش أوصلك؟ غلبانة أوي."
وأطلق ضحكة، فصاحت بغضب والخوف يسيطر عليها:
"إنت معندكش دم ولا كرامة، عايز مني إيه يا عمار!"
"100 ألف جنيه."
"أنا ما بهزرش وإياك تتصل بيا تاني..."
قاطعها قائلاً:
"وأنا ما بهزرش، أنا فعلاً محتاج الـ 100 ألف ضروري."
صمت لثوانٍ وأردف بنبرة رجاء حتى ينال عطفها:
"أنا والله مش بكدب عليكي، أنا فعلاً محتاجهم ضروري خلال 24 ساعة، يا إما أدفع يا إما رقبتي."
شهقت ووضعت كفها على فمها ثم سألته:
"إنت ورطت نفسك في إيه المرة دي! وبعدين هجيب لك المبلغ ده منين؟ أنا معيش فلوس."
"بس جوزك معاه وما شاء الله كان شغال كام سنة بره. أنا هاخدهم منك على سبيل السلف وهابقي أرجعهم لك تاني. قولي له إن مرات أخوكي محتاجة المبلغ ده أو اخترعي له أي حوار، بس بالله عليك ضروري محتاجهم."
كانت في تردد أن تنهي المكالمة على الفور، لكن هنا تغلبت العاطفة لديها على عقلها، كما يخبرها قلبها بأن حديثه صحيح، وبالفعل هو في مأزق وخطر إذا لم تقم بمساعدته. أطلقت زفرة عميقة وانتبهت إلى ندائه عليها في الهاتف:
"ليلة، يا ليلة."
أجابت:
"معاك، بص أنا هاتصرف وربنا يستر، بس أقسم بالله لو طلع حوار نصب واشتغالة أنا بنفسي اللي هاطلع روحك في إيدي. ويا ريت بعد ما يخلص حوارك ده ما أشوفش وشك تاني ولا رقمك على الموبايل عندي."
انتبهت إلى صوت رنين جرس المنزل فأخبرت الأخر بهمس:
"الفلوس هاتكون عندك بكرة الصبح. سلام."
وأنهت المكالمة على الفور وقلبها يخفق بشدة. خرجت وظنت معتصم من جاء، لكنها وجدت والدته تقول لها:
"إزيك يا حبيبتي."
وكانت تبتسم لها على غير عادتها. أشارت لها ليلة للدخول:
"اتفضلي يا خالتي."
ولجت إلى الداخل وقالت:
"أنا عارفة إن معتصم مش هنا، كنت في البلكونة وشوفته رايح ناحية القهوة، قولت ما أطلع وأقعد معاكِ حبة. أفضفض شوية وعايزاكِ في موضوع كده."
ابتسمت ليلة وسألتها:
"خير يا خالتي، أنا تحت أمرك."
"ما يأمرش عليكي عدو أبدًا يا حبيبتي. أنا عارفة إنك شايلة مني من أول الجواز لحد ما مات جلال ابني الله يرحمه. معلش بقى اعتبريها غيرة حماه على ابنها، بس الحمد لله دلوقتي ربنا يعلم أنا بحبك قد إيه وبعتبرك بنتي اللي ما خلفتهاش."
"تسلمي يا خالتي."
ردت ليلة باقتضاب وبشبه ابتسامة، لأن لديها شعور أن هذا الحديث من المؤكد خلفه أمر آخر.
"تسلمي يا حبيبتي، أنا كنت عايزة آخد رأيك في موضوع وأنا عارفاكِ عاقلة وما شاء الله عليكِ متعلمة وبنت أصول. بصي، فيه واحدة جارتنا كان عندها ولدين اللهم بارك رجالة قد الدنيا، والاتنين متجوزين. واحد منهم الله يرحمه والتاني ربنا يبارك لها فيه. أرملة ابنها اللي توفى طلعت حامل، وجارتي خايفة إن مرات ابنها بعد ما تقوم بالسلامة تروح تتجوز وتاخد الواد يتربى عند واحد غريب الله أعلم هايعمله إزاي. فهي فكرت إنها تلم الشمل، وهي إنها تجوز مرات ابنها اللي مات لأخوه، هو أولى بتربيته وكمان في مقام أبوه."
كانت تستمع ليلة إليها باتمعن، وعندما أدركت ما ترمي إليه تلك السيدة، اتسعت عيناها ووقفت بصوت هادر:
"يخربيتك! عايزة جوزي يتجوز عايدة الحرباية!"
نهضت وأمسكت يدها برفق:
"اهدأ واسمعيني بس يا بنتي..."
نفضت يد الأخرى عن يدها:
"بنتك إيه بس يا شيخة، ده أنا من ساعة ما دخلت البيت ده وأنتِ مش طيقاني واستحملت كتير عشان خاطر ابنك وقولت يا بت عدي واسكتي يمكن مع الوقت تحبك وتعتبرك زي بنتها، ولما حسيت منك بكده بقالي فترة مكنش حب. أتاريكي بتنيميني في العسل عشان تديني الخازوق المتين وتجوزي ابنك لعايدة حبيبتك ومش مهم أنا أتحرق ولا أولع بجاز. روحي يا شيخة، حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ."
وفي تلك اللحظة أتى صوت آخر يصيح باسمها بنبرة تنذر أن هناك كارثة على وشك الحدوث:
"ليلة."
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل السادس عشر 16 - بقلم ولاء رفعت
في تلك اللحظة أتى صوت آخر يصيح باسمها بنبرة تنذر أن هناك كارثة على وشك الحدوث:
- ليلة.
استدارت إليه، رأت الغضب ينضح من عينيه يسألها:
- إيه اللي أنا سمعته ده؟
أقتربت منه، وبحلقها غصة عالقة، أجابت بتحدي وكبرياء:
- زي ما سمعت بالظبط، بحاسبك على أمك عشان عايزة تخرب بيتي.
أشار إليها نحو والدته قائلاً لها بأمر:
- أتأسفي لها.
هنا لم تتحمل، أمامها أن تبكي أو تتصنع القوة وهي تكره أن يرى أحد عبراتها، أجابت بصوت مرتفع:
- لأ يا معتصم مش هتأسف، أنا معملتلهاش حاجة، هي اللي جاية لحد عندي وبتقولي عايزة أتجوزك لعايزة.
ظل يرمقها بتلك النظرة المخيفة والمليئة بالغضب الجامح، هدر من بين أسنانه وكأنه يُقيد شيطانه:
- اعتذري يا ليلة واحذري غضبي.
أجابت بنبرة أعلى من سابقتها وبسخط:
- وأنا بقولك لأ وألف لأ، أنا قبل كده اعتذرت عشان كان موقف سهل أعديه لكن المرة دي مش هعديه.
تدخلت نفيسة قائلة:
- يا بنتي هو أنتِ شفتيني جبت المأذون وجوزتهم!، أنا كنت باخد رأيك و...
- خلاص يا أمي.
قاطع والدته ونظر إليها، ثم عاد ببصره إلى ليلة وتحدث بجدية وحسم:
- هي أمي غلطانة فعلاً، بس غلطها إنها بتاخد رأيك، وده مش اختيار ده أمر مفروغ منه.
ابتلعت ليلة غصتها المريرة كالعلقم وسألته:
- يعني إيه؟
مازالت نظرته تحتفظ بالجدية ويخبرها بقراره:
- يعني أنا هاتجوز عايدة بعد ما تقوم بالسلامة.
غرّت والدته فاهها ونظرت إليه، فرمقها ابنها بتحذير، بينما ليلة صاحت وجالت:
- أنت واحد كذاب وخاين وابن أمك.
- اخرسي.
هوى بكفه على خدها بصفعة جعلت والدته شهقت، تراجعت ليلة غير مصدقة أنه صفعها ويرمقها دون أي نظرة ندم لما اقترفه للتو.
- طلقني.
صاحت به فأجاب برفض قاطع:
- مفيش طلاق.
أجهشت في البكاء رغماً عنها وصرخت:
- بقولك طلقني ولو مش هتطلقني أنا هاسيب لك البيت وهاروح لخالي وهو هيعرف يطلقني منك.
وكادت تذهب من أمامه، أوقفها قابضًا على ذراعها بقوة:
- وأنا بقولك مفيش طلاق ورجلك مش هاتخطي عتبة الشقة ولا أقولك.
جذبها خلفه بالقوة فتأوهت من قبضة يده، ذهبت خلفهما والدته:
- معتصم اهدي يا ضنايا مش كده، سيب إيدها.
توقف وقال لوالدته:
- لو سمحت يا أمي ما تدخليش، دي مراتي وأنا عارف بعمل إيه.
- كتر خيرك يابني أنا نازلة تحت.
تركتهما وغادرت، ونعود إلى ليلة التي تحاول التملص من قبضته:
- أوعي سيبني، أنا خلاص عرفتك على حقيقتك، كلكم صنف واحد أنا بكرهكم.
ترك يدها وأجفلها بصياح أخافها وجعلها تتقهقر إلى الوراء:
- مش عايز أسمع نفس، كلمة تاني وهاخليكي لا تتكلمي ولا تسمعي ولا حتى تشوفي، الظاهر دلعتك كتير وكان المفروض أسمع كلام أخوكي لما قالي دي ما بتجيش غير إنها تاخد على دماغها بالجزمة.
تهز رأسها يمينًا ويسارًا برفض قائلة:
- وأنا مش هاسمح لك بكده.
قفز نحوها كالفهد في وضع هجوم وسألها:
- وريني هاتعملي إيه.
رفعت وجهها لتنظر إليه وتبتلع ريقها بخوف، ثم أخبرته:
- ههرب ومش هاتعرف لي طريق.
رفع زاوية فمه جانبًا بسخرية وقال:
- لما أشوف هاتقدري تهربي إزاي.
- إيه هاتحبسني وتعذبني!
أبعد عنها وذهب وأخذ مفتاح الغرفة، وقبل أن يغادر أخبرها:
- أكلك وشربك هيبقوا عندك، مفيش خروج غير على الحمام وبس، وهتفضلي على الوضع ده لحد ما تتربي من أول وجديد.
وسرعان خرج وأوصد الباب من الخارج، ركضت تصرخ وتضرب الباب بيديها:
- افتح الباب يا معتصم بدل ما أفتح الشباك وأستنجد بالجيران.
أطلق ضحكة ساخرة وقال لها:
- أيوه افتحي الشباك اللي بيفتح على المنور وأبقي استنجدي بالفئران والعرسة وقولي لهم معتصم حابسني وبيعلّمني الأدب.
أخذت تدب بيديها على الباب بغيظ وحنق:
- أنا بكرهك يا معتصم.
وقف خلف الباب ليصل صوته بقوة إليها ليثير جنونها قائلاً:
- وأنا بحبك يا قلب وروح معتصم، عن إذنك بقي لما أنزل أطمئن على ضرتك أصلها حامل بقى ولازم آخد بالي منها.
قالها وذهب تاركًا إياها تحترق وتصرخ بكل قوتها.
***
في صباح اليوم التالي يجلس حبشي في القطار المتجه إلى محافظة الإسكندرية، و بداخله مراجل تحترق كلما تذكر أمواله التي سرقتها زوجته، لكن سرعان ما ظهرت ابتسامة شر على محياه وهذا عندما علم بالمكان التي ذهبت إليه بالأمس من والدتها.
(حدث بالأمس)
في منزل عائلة هدى يرتشف الشاي بهدوء يحسد عليه، وتقول والدة زوجته:
- وأخيرًا رضيت علينا يا جوز بنتي وجيت تزورني.
أبتلع آخر رشفة وقال:
- معلش بقى مشغول من الورشة للبيت، بالتأكيد بنتك بتقولك.
تنهدت ثم أخبرته:
- بنتي، وهي فين دي؟ بقى لها من وقت العيد وما جتش، ألا هي مش معاك ليه؟
ترك الكوب الشاغر على المنضدة وأجاب:
- أصل أنا كنت في مشوار جنبكم قلت أجي أطمئن وأسأل عليكي يا حبيبتي يا حماتي.
وأطلق ضحكة صفراء، فبادلته مثلها قائلة بسخرية:
- سألت عليك العافية يا أخويا.
أعتدل وسألها بمكر ثعلب:
- ألا قولي لي يا حماتي مفيش ليكم قرايب في إسكندرية، أصل ناوي آخد هدى والعيال ونقضي لنا يومين مصيف وبصراحة معرفش أي مطرح هناك.
أجابت على الفور وبتلقائية:
- آه، أختي اللي كانت عايشة مع جوزها في ليبيا رجعت بقالها يجي خمس سنين أهي، دي بقى بتموت في هدى مراتك وكانت على طول بتتحايل عليها تروح لها تقضي عندها كام يوم هناك، أصلهم عندهم شاليه على البحر بس حاجة فخمة أوي.
اتسع ثغره بابتسامة عارمة وقال:
- حلو أوي ما شاء الله، طيب ما تديني رقمها وعنوانها.
نهضت بثقل بسبب وزنها الزائد:
- ثواني هقوم أجيب لك الأجندة اللي كانت هدى كاتبة فيها الرقم والعنوان، بعيد عنك بقى الذاكرة بقت على القد فبخليها تكتب لي أرقام وعناوين أخواتي وأخوات أبوها وقرايبنا.
وبعد قليل جاءت ولديها الدفتر الورقي وأعطته إياه، فتحه وقام بتقليب الصفحات حتى توقف لدى صفحة مدون بها خالتي هيام وأسفل الرقم عنوان مسكنها في إسكندرية.
(عودة للزمن الحالي)
- يا سطا هو فاضل قد إيه ونوصل؟
أجاب السائق:
- فاضل حوالي ساعتين.
قال حبشي داخل عقله:
- كلها ساعتين وجاي لك أطبق على زمارة رقبتك يا حرامية يا بنت الـ.....
***
تجول في الغرفة ذهابًا وإيابًا، وهذا بعدما تذكرت أمر عمار الذي يبدو إنه وقع في كارثة ستهلك به إذا لم تلحق به وتعطيه المال.
أمسكت هاتفها تتردد في الاتصال عليه وإخباره أنها لم تستطع أن تساعده نظراً للظروف التي لديها.
وإذا به وهي أسيرة أفكارها وجدت الباب فُتح على مصراعيه، ولج إليها معتصم يحمل صينية الطعام:
- صباح الخير.
ولت إليه ظهرها ولم تجب، وضع الصينية أعلى الطاولة قائلاً:
- احمدي ربنا إن حبستك في الأوضة ومخلتكيش تخرجي، تخيلي لو رحتي لخالك تفتكري لو قلتي له عايزة أطلق هيفتح لك دراعاته ويقولك من عينيا! ده يوم ما حضر كتب الكتاب خد ديله في سنانه ومشي على طول كأنه جاي يقضي مهمة تقيلة على قلبه، ولا أخوكي ذات نفسه اللي بيموت على الجنيه يا سلام لو قلتي له عايزة أطلق تخيلي برضو كده إيه يا ترى هاتكون ردة فعله!
استدارت ورمقته بامتعاض تحول إلى ازدراء قائلة:
- وأنت بقى تفرق إيه عنهم!
أقترب منها ووقف أمامها مباشرة:
- أنتِ أكتر واحدة تعرفي الفرق بيني وبين غيري كويس.
ابتلعت لعابها عندما ظنت لوهلة بأن لديه علم بأمر عمار، لكن سرعان ما تلاشى ظنها وهو يردف:
- أنا عمري ما كنت زي أخوكي ولا هاكون زيه أبداً.
رمقته بعتاب وحزن ثم أخبرته:
- بس مديت إيدك عليا.
شعر بغصة في قلبه عند تذكره صفعه لها، لكن تذكر أيضاً السبب الذي دفعه فقال:
- أنا ضربت لما رديتي عليا بقلة أدب، تقولي لي أنا كداب وخاين وابن أمي!
- عايزني أقولك إيه وأنت بتقول هاتجوز عايدة!
رفع إحدى حاجبيه قائلاً:
- وأنتِ خلاص شوفتيني روحت أتجوزتها! شوفتي بقى كان عندي حق لما قولت لك إنك ما عندكيش ثقة فيا!
ردت بعند ومكابرة:
- لو قصدك على موضوع الرسالة فيه فرق ما بينه وبين أنك واقف بتتكلم جد وتقول لمامتك قدامي إنك موافق على جوازك من أرملة أخوك، ولا كنت بتغيظ فيا وتحرق في دمي!
ابتسم رغماً عنه وقال:
- ما أنتِ طلعتي ذكية أهو، ليه بقى طولة اللسان وتجيبي لنفسك الضرب.
عقدت ساعديها أمام صدرها كالطفلة بتذمر:
- أنا لما بتعصب ما بعرفش أنا بقول إيه وأنت كمان غلطت لما ضربتني بالقلم وأنت عارف موضوع الضرب ده أكتر حاجة بكرهها.
أقترب منها واحتضنها:
- أنا هعلمك إزاي تتحكمي في لسانك ساعة غضبك وبالنسبة للقلم.
دنا بشفتيه نحو خدها الذي قام بصفعه وطبع عليه قبلة ناعمة ثم أردف:
- لسه زعلانة؟
هزت رأسها بالنفي وأجابت:
- لأ، وأنا كمان بقولك آسفة على الكلام اللي قولته لك وأنا متنرفزة.
- وأنا مش قابل الاعتذار.
رمقته بتعجب وحزن فأردف بابتسامة ماكرة:
- قصدي مش هقبله كلام.
سألته بتوتر ودقات قلبها تخفق بقوة عندما رأت بريق العشق في عينيه:
- أومال أنت عايزني أعتذر لك إزاي؟
رد بنبرة حالمة تنضح بفيض من العشق كغيث يهطل على صحراء قاحلة فجعلها مروج خضراء تسر الناظرين إليها:
- الإجابة مش كلام، الإجابة همس.
وأقترب من أذنها وهمس:
- بحبك أوي وأنتِ عندي بكل ستات العالم.
ثم أمسك بيدها ووضعها فوق صدره لدى موضع قلبه وأردف:
- ولمس، المسِ قلبي وحسي بكل دقة فيه وهي بتقول بعشقك يا ليلة ولا ألف ليلة وليلة.
ودنا نحو شفتيها وقال:
- وإحساس، عايزك تحسي بكل همسة ولمسة مني ليكِ يمكن ده يجدد ثقتك فيا ويعرفك ليلة بالنسبة لمعتصم تبقى إيه.
رمقته بنظرات عشق ووله:
- وأنا مش بثق في أي حد غيرك أنت وبس، وأي ردة فعل ليا كانت من غيرتي عليك وحبي لـ....
- هسسس...
جعلها تكف عن الحديث بوضع سبابته على شفتيها وأخبرها:
- عارف، ممكن ننسى اللي حصل ونخلينا نعيش كل لحظة حلوة ونستمتع بيها وما نخليش أي حاجة تنكد علينا تاني!
أومأت له والابتسامة تشق ثغرها من الأذن للأذن الأخرى ثم تفوهت بحروف اسمه بدلال يسلب الألباب ويقفز له الفؤاد:
- معتصم.
- قلبه وروحه.
- أنا لو فيه كلمة أقوى من كلمة بعشقك فده اللي أنا حاساه، ربنا ما يحرمني منك ويبارك لي فيك.
احتضنها بقوة وقال:
- أنا بقى اللي جوايا أضعاف حبك ليا وعارف إيه هي الكلمة اللي أقوى من العشق.
نظرت إليه باستفهام فأردف مبتسمًا:
- كلمة ما بتتقالش بتتحس كده.
وأنهال على شفتيها بسيل من القبلات يتخللها همس يطرب قلبها الصغير ويجعله يقفز ويود أن يترك صدرها ويذهب إلى قلب عاشقه ويعانقه بشدة.
***
وفي المساء في غرفة عايدة، تجلس شاردة تضيق عينيها وهي تعقد العزم على أمر ما، وهذا بعدما أجرى عمار الاتصال بها صباح هذا اليوم ليقوم بتهديدها إذا لم تأت له بالمبلغ الذي يريده سوف يقوم بفضحها أمام الحارة لا سيما عائلة زوجها المتوفي وتصبح خاسرة كل شيء.
ارتدت ثيابها السوداء وخبأت في حقيبتها غطاء الوجه.
ترجلت من سيارة الأجرة حيث ثم دلفت إلى داخل البناء الذي يقطن به عمار لتنفذ مخططها الشيطاني والتي ستطيح به كلا من عمار وليلة.
وجدت باب غرفته مفتوحًا ورأته مستلقيًا على وجهه، اقتربت منه وكزته بإصبعها:
- عمار، عمار.
وإذا به وهي تزِيحه لعله يستيقظ تفاجأت بجسمانه ينقلب على ظهره، ولدي نحره قطع بالعرض تتدفق منه الدماء وجواره سكين ملطخة بدمائه، يبدو إن أحدهم قام بذبحه.
شهقت بفزع وقامت باللطم على خديها:
- يا لهوي يا لهوي.
ابتعدت والتقطت أنفاسها حتى أتى لها إبليس بفكرة من الجحيم، أخرجت من حقيبتها دزينة من المال وأساور ذهبية ألقت بها في زاوية من الغرفة، ثم تناولت محرمة ورقية لتمسك بها السكين وتحرص أن لا تلامس يدها مباشرة وغلفها بعدة أوراق من المحارم ووضعتها في حقيبتها، وقبل أن تغادر بحثت عن هاتفه الملقي جواره وقامت بمسح أي اتصال وارد وصادر بينهما وكذلك الرسائل أيضاً، وبعدما أنتهت بأسرع خطوات لديها ركضت قبل أن يراها أحد.
***
استيقظت ليلة بعد غفوة فوجدت نفسها بين ذراعيه ورأسها على صدره العاري، ابتسمت عندما تذكرت ما حدث لعدة ساعات بينهما وكلماته التي ظل يلقيها على مسامعها وجعلها ترفرف كالطير من فرط ما تشعر به من لذة الحب والعشق الذي يأسر حواسك.
وإذا بأمر ما يضرب ذاكرتها ويعصف بتفكيرها، وما هو سوى أمر عمار الذي تلاشى بمجرد قرب معتصم منها، نظرت إليه وهو نائم في سكون، أخذت تلمس بأطراف أناملها بشرته وتتأمل ملامحه التي أصبحت تعشق كل شبر بها فقالت بداخل عقلها:
- يا ترى يا معتصم لو حكيت لك عن عمار هاتسامحني! ولا هاتكون ردة فعلك حاجة تانية! أنا خايفة أخسرك بعد ما لاقيتك وحبيتك وعايشة معاك أجمل أيام عمري.
أتاها صوت آخر من النفس اللوامة:
- احكي له وقولي له على كل حاجة وما تخليش حد يهدد حياتك، هو بيحبك وأحن الناس عليكِ، عمار كان مجرد تجربة وعدت وأديكي اتعلمتي من أخطائها وربنا رزقك بزوج صالح شايلك جوه قلبه ولما يعرف إنها تجربة قبل ما يكون جوزك بالتأكيد ده هيكون دافع قوي إنه يسامحك، ولو زعل جامد أو غضب يبقى من غيرته وحبه ليكِ بس في النهاية هو بيحبك وما يقدرش يستغني عنك، يا ليلة الأصعب من البلاء هو انتظار حدوثه.
سحبت جسدها من بين ذراعيه ثم ألتقطت المأزر خاصتها الملقي على الأرض بجوار الفراش فأرتدته وهي ترد على حديث نفسها:
- بس قبل ما أحكي له لازم أقفل صفحة الماضي.
أمسكت هاتفها وبدأت باللمس الحروف لتكتب رسالة فحواها كالتالي: (آسفة يا عمار مش هاقدر أساعدك من ورا جوزي لأن كده تبقى خيانة وأنا عمري ما كنت خاينة، أرجوك ابعد عني وانساني وربنا يرزقك باللي أحسن مني).
ضغطت على علامة الإرسال، وعلى الجانب الآخر لدى جثة عمار، تصل دماءه إلى هاتفه الذي أضاء للتو معلنًا عن الرسالة الواردة.
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل السابع عشر 17 - بقلم ولاء رفعت
تتلاطم الأمواج على صخور شاطئ عروس البحر. توقفت سيارة أجرة جماعية أمام أحد الشوارع القريبة من الكورنيش، وترجل منها حبشي ذو الهيئة المزرية وشعره المبعثر، يبدو كالذي فقد رشده. صعد أعلى الرصيف، ثم أخرج من جيبه ورقة مدون بها العنوان. وعندما وجد أنه وصل إلى المكان المنشود، مسح على شاربه وقال بتوعد:
- هانت يا هدي، أبقى وريني منظرك وأنتِ بتبوسي إيدي عشان أرحمك. هوريكي وش حبشي التاني اللي عمرك ما شوفتيه.
وتجلت ابتسامة شيطانية على ثغره.
وعلى بعد أمتار، بداخل بناء مرتفع، تجلس هدي أمام التلفاز، لكنها لم تنظر إليه، بل تتأمل صغيريها وهما يلاعبان ويركضان في الردهة. ويدور ذهنها عدة أفكار عديدة عندما تتذكر أمر زوجها الذي سرقت أمواله وهربت. أحياناً تشعر بالندم، لكن عندما تعود ذاكرتها عليها بما كان يفعله معها من معاملة قاسية، ويدخر أمواله ويبخل عليها وعلى أولادهما، كان ذلك كافياً ليجعل الشعور بالندم سرعان ما يتبدد على الفور.
- يلا يا محمد، يلا يا بسنت، تعالوا يا ولاد كُلوا الفشار والتسالي.
كان صوت خالتها التي خرجت من المطبخ وهي تحمل صينية كبيرة مليئة بأطباق التسالي وذرة الفشار. ترك الأطفال اللعب وركضوا إليها. وقبل أن يتناول أي منهما شيئاً، توقفا ينظران إلى والدتهما. فسأل الولد والدته:
- أكل يا ماما؟
انتبهت هدي إليه وربتت عليه:
- كُل يا حبيبي.
نظرت إليهم الخالة بشفقة وقالت:
- أنتو بتستأذنو في بيت خالتكم كده، هزعل منكم. كُلوا يا حبايبي، الخير كتير.
عقبت هدي على ما حدث:
- معلش يا خالتي، أصل أبوهم معودهم ياكلوا ويشربوا بستأذان.
- ماشي يا بنتي، ده لو كان هما في بيت حد غريب. لكن هيستأذنوا في بيت أبوهم!
ابتسمت الأخرى بسخرية وقالت:
- دي أقل حاجة يا خالتي، لو حكيت لك على اللي كان بيعمله مش هاتصدقي. يلا الله يسامحه.
ربتت خالتها عليها وسألتها:
- لسه بتحبيه رغم كل اللي شوفتيه معاه؟
أطلقت تنهيدة ثم أجابت ودموعها تجمعت للتو:
- للأسف يا خالتي، برغم كل ده لسه بحبه. قلبي بيحبه وعقلي كارهه، مش عارفة أعمل إيه. أنا في دوامة وخايفة وتايهة. حسبي الله ونعم الوكيل.
وأطلقت سراح دموعها الأسيرة. فاحتضنتها خالتها وأخذت تربت عليها بحنان ومواساة:
- ما تخافيش يا حبيبتي، أنتِ هنا في أمان. والحمد لله إنه ما يعرفش أنا عايشة هنا، يعني عمره ما يقدر يوصلك. وربنا يريح بالك ويشيل الحزن من قلبك.
صدح رنين جرس الباب. نهضت الخالة قائلة:
- هتلاقيه عمك مراد، بس إيه اللي رجعه من الشغل بدري كده.
وبمجرد أن فتحت الباب، وجدت من يدفعها من أمامه ويصيح بصوت غليظ وجهوري:
- هي فين الخاينة الحرامية؟
انتفضت هدي ونهضت. ركض نحوها الصغيران يرتجفان بخوف. لحقت به الخالة توبخه:
- أنت مين سمح لك تدخل وكمان بالطريقة الهمجية دي!
أزاحها بيده من طريقه قائلاً:
- والنبي أركني على جنب يا حاجة، أنا جاي آخد مراتي عشان ليها عندي حساب عسير.
صرخت هدي وكان الخوف يبدو عليها:
- ده بعينك، عمري ما هرجع لك تاني يا بخيل يا معفن.
وفي لحظة، كان شعرها في قبضته، ويخبرها بتهكم وصياح:
- مين البخيل والمعفن يا حرامية يا بنت الـ....
حاولت الخالة دفعه وتخلصها من يده:
- ابعد عنها يا حبشي، وعيب اللي بتعمله ده. ابعد أحسن ما أتصل بالبوليس.
رمقه بنظرة من نار قائلاً بتحدي:
- اتصلي يا ست الحاجة، بس هييجوا ياخدوا بنت أختك الحرامية اللي سرقت شقي عمري.
ردت الخالة بصياح:
- مفيش اللي أنت بتقوله ده، وابعد إيدك عنها أحسن لها.
- يا ولية، غوري من وشي. أنا محترم سنك ومحترم إنك في بيتك.
صرخت هدي وهي تحاول التملص من قبضته:
- اتصلي بالبوليس يا خالتي.
فقالت الخالة:
- أنت بني آدم قليل الأدب وزبالة، واستحالة هدي تقعد على ذمتك دقيقة كمان.
صرخت هدي:
- طلقني يا حبشي.
أخذ يدفعها ذهاباً وإياباً وشعرها ما زال في قبضته:
- خد فلوسي الأول يا حرامية، وهاطلقك بالتلاتة.
رمقته بغضب وعيناها باكية:
- ده على جثتي. الفلوس دي حق سنين عمري اللي ضاعت معاك، وصبري على بخلك، وحق عيالك اللي فضلت حارمهم من كل حاجة.
ما زاده حديثها سوى تأججت نيران مراجل غضبه أكثر فأكثر. بدلاً من أن يعترف بخطئه، قال لها:
- على جثتك! استحملي بقى اللي هعمله فيكي.
وكاد يصفعها حتى وجد قبضة قوية. صاحت الخالة:
- شريف!
فسأله حبشي باستهازاء، ويبدو على وجهه إمارات الشر وعلى وشك أن يهاجمه:
- ومين أنت يا عم الأمور؟
كان شريف ينظر إلى هدي التي تسمرت في تلك اللحظة ونظرات الخوف تنضح من عينيها. بينما قالت الخالة:
- شريف يبقى ابني يا حبشي.
نظر شريف إلى والدته وقال لها:
- ماما، خدي هدي والولاد وادخلوا جوه.
وقبل أن تخطو هدي خطوة، أوقفها حبشي ويقبض على ساعدها:
- مش هاتخطي غير رجلها على رجلي. وأنت مالك وواحد جاي ياخد مراته، إيه اللي يحشرك ما بينا.
رمقه شريف بتهديد جلي وأخبره:
- احمد ربنا إن أنا جيت في الوقت المناسب. وزي ما هي مراتك، أنا أبقى ابن خالتها. ولما ألاقيك تمد إيدك عليها، مش هاسكت لك.
ترك حبشي ذراعها وابتسم بتهكم وسأله:
- مش هاتسكت إزاي يا عم شريف! طيب، وعليا الطلاق لأنا واخدها حالاً. ولو دكر، أبقى أتكلم حتى.
وجذب زوجته من خصلاتها مرة أخرى، مما جعل الآخر ينفذ صبره ولم يتحمل حماقة ذلك الوغد. فزمجر كالوحش قائلاً:
- الظاهر الذوق والأدب ما ينفعوش مع واحد حيوان زيك.
وأخذ يكيل له اللكمات والركلات. بينما ركضت هدي بعيداً عندما حررها زوجها خصلاتها من قبضته، وأخذت تصرخ بتوسل:
- خلاص يا شريف، بالله عليك.
***
تمكث عايدة في غرفتها منذ أن عادت، وبعدما علمت من نفيسة أن كلا من معتصم وليلة غادرا المنزل. أخذت تفكر فيما هي مُقبلة عليه، وحينما تتخيل نجاح تلك الخطة الشيطانية، فقلبها يتراقص من السعادة. تريد إزاحة ليلة بشتى الطرق من أمامها.
ودقائق كانت تخطو بخفة بعد أن سرقت مفتاح شقة معتصم من نفيسة التي تغط في النوم منذ قليل. أدارت المفتاح داخل قفل الباب وولجت إلى الداخل. ذهبت إلى المطبخ، فتحت الضلفة العليا لتضع بها السكين الملفوف، لكنها تراجعت.
خرجت واتجهت إلى غرفة النوم وقررت أن تضعها داخل خزانة الثياب، لاسيما الرف الذي يخص ثياب ليلة. وقامت بدسها أسفل الثياب المطوية. وما أن انتهت من مهمتها، غادرت على الفور.
دلفت إلى غرفتها وأمسكت بالهاتف. وقامت بإدخال شريحة ثم أجرت اتصالاً:
- ألو، أنا عايزة أبلغ عن جريمة قتل!
***
داخل قسم الشرطة، يقف كلا من حبشي ويكبل أحد يديه أصفاد حديدية، طرفها الآخر بيد العسكري. وجهه ملئ بالكدمات، مما زاد مظهره رعباً. وتجلس هدي التي تبكي أمام مكتب الضابط، وأمامها يجلس شريف ابن خالتها.
قال الضابط:
- أهدي يا مدام هدي وبطلي عياط عشان عايز أسمع أقوالك.
مال شريف للأمام قليلاً نحوها وأخبرها:
- بتعيطي ليه؟ إحنا هنا أصحاب حق والرائد عماد يبقى صاحبي.
صاح حبشي بصوت كالحمل الوديع المجني عليه:
- يا باشا، أنا اللي المفروض أقدم بلاغ فيهم هما الاتنين. مراتي الحرامية اللي سرقت فلوسي وهربت على هنا. ولما روحت لها عند خالتها وسألتها الفلوس فين، جه ابن خالتها اللي قاعد قدامك ده ونزل فيا ضرب. يعني أنا بقدم بلاغين كده.
عاد الضابط بظهره إلى الوراء ورمق حبشي بسخرية وأخبره:
- أولاً، مراتك لو خدت منك فلوس في عرف القانون ما تبقاش جريمة سرقة. إلا إذا زورت في أوراق باسمك بيع وشراء عقود ملكية. لكن خدت فلوس منك، دي مسألة تحلوها ما بينكم ومن غير تعدي أي طرف فيكم على الثاني. وشها عليه آثار ضرب. أما بالنسبة لأستاذ شريف ده، فيبقى بيته هو ووالدته، وأنت اللي جيت تعتدي عليهم بالضرب والسب والقذف. والجيران تشهد، وشيء طبيعي هيدافع عن نفسه وعن أهل بيته، حتى بنت خالته اللي تبقي مراتك.
صاح حبشي مرة أخرى بسخط وإساءة:
- آه، هي بقت كده؟ واللي سمعته ده صح؟ أنت وهو أصحاب، فايز توجب مع صاحبك وتلبسوني مصيبة؟ وأنا مش هاسكت.
- اخرس يا متهم، وخذوه يا عسكري تحت في الحجز.
ثم نظر إلى كاتب المحضر وأمره:
- ضيف عندك على المحضر تهمة التعدي على السلطات. خليه يتعلم الأدب ويتربى له كام سنة في السجن.
هنا توقفت هدي عن البكاء ونهضت لتتوسل الضابط:
- أرجوك يا بيه، أنا خلاص متنازلة، بس بلاش تحبسه.
رمقها شريف بصدمة، فقال للضابط:
- معلش يا عماد، ممكن أتكلم معاها دقيقتين على انفراد.
لبي الآخر طلبه، وحينما أصبح كلاهما بمفردهما، قال لها:
- هتتنازلي عن حقك؟ بعد ما ضربك وبهدلك، ولولا أنا جيت في الوقت المناسب، الله أعلم كان عمل فيكي إيه!
أزاحت عبراتها بأطراف أناملها من عينيها ثم قالت:
- يا شريف، إحنا ملناش غيره، أنا والعيال. لو طلقني، مين اللي هايستحملني بولادي وأمي؟ يادوب معاش أبويا يكفيها بالعافية. وغير المصاريف، العيال محتاجين أبوهم زي ما هم محتاجيني.
عقد حاجبيه وهز رأسه برفض:
- أنا مستغرب تفكيرك. إزاي تقبلي تعيشي مع واحد، حسب ما سمعت، إنه بخيل ومجوعك وبيعملك أسوأ معاملة من ضرب وإهانة؟ إزاي تقابلي كل ده على نفسك.
أطلقت زفرة، لعلها تزيل ولو قليلاً عما بداخلها من حزن دفين، ثم قالت:
- ساعات الظروف والحياة بيحكموا عليك ترضي بالأمر الواقع. وكمان لما تبقي مسئولة عن أطفال، يبقى لازم تفكري فيهم قبل نفسك.
- غلط يا هدي. لو كنتِ فاكرة إن اللي بتعمليه ده عمل بطولي وأهم حاجة سعادة ولادك حتى لو على حساب حياتك، ده يبقى اسمه انتحار. عايشة مجرد جسد من غير روح. وليه كل ده؟ وأنتِ ربنا ودينك حافظ لك حقوقك. لما تلاقي عيشتك مع جوزك مستحيلة وفيها ضرر نفسي ومادي عليكي وعلى أولادك، ليه تكملي؟ ليه تيجي على نفسك لحد ما في يوم يسبب لك عاهة مستديمة، ولا لا قدر الله يديكي خبطة تموتي فيها؟ ساعتها هترتاحي، بس هاتسيبي عيالك هيتبهدلوا مع أب ظالم وبخيل وما فيش في قلبه رحمة.
ردت بتأفف وإصرار:
- في ستات كتير عاشت واستحملت وكان بيحصلهم اللي أسوأ من الضرب، وبرغم كده كملوا عشان خاطر ولادهم.
أخبرها بتهكم وغضب:
- وفي الآخر يطلعوا لنا عيال معقدة نفسياً ويكملوا مسيرة أبوهم في الهمجية والقرف اللي ما بيخلصش.
صمتت ولم تعلم بماذا تجيب عليه، فلديه حق، لكن ما بيدها حيلة أو شيء تفعله. تخشى كلمة مطلقة، وكذلك حمل مسئولية طفليها بمفردها وما ستواجهه من بطش زوجها بعد الطلاق من مضايقات والتهرب من دفع النفقة.
- أنت بتتكلم بقلب جامد يا شريف عشان أنت مش في مكاني، واللي إيده في الميه مش زي اللي في النار.
نهض ووقف أمامها ليدافع عن نفسه من ذلك الاهتمام ويفجر لها ما بداخله:
- أنا قلبي اللي في النار من زمان يا هدي. من وقت ما اتفاجأت زي أي حد غريب وعرفت بخبر جوازك في نفس يوم الفرح. وبرغم كده جيت، بس وقفت من بعيد عشان أقدر أشوفك. لاقيتك فرحانة، وأنا عشان بحبك كنت بتمنى لك تكوني سعيدة، أهم حاجة.
اتسعت عيناها وغرت شفاها بصدمة، فأردف:
- أيوه بحبك وما زلت بحبك. وكنت بتابع أخبارك من بعيد لبعيد. أنا لما شفته وهو بيمد إيده عليكي، كان نفسي أقطع له إيده. دمي غلي وما استحتملتش. يا هدي، أنتِ اللي زيك يتشال على الراس ويتحط جوه العين.
نهضت وتهربت من النظر إليه، أمسكت بمتعلقاتها قائلة:
- أنا عايزة أمشي.
عقد حاجبيه بضيق، فسألها:
- أنا عارف كلامي مش وقته، بس ارجوكِ فكري في الكلام التاني وبصي ليكي ولولادك. لو التنازل عن المحضر هيرضيكي، هعمل اللي يريحك.
- أنا هتنازل عن المحضر عشان مش عايزة حد في يوم من الأيام يعاير عيالي ويقولهم: "يالا يا اللي أمكم سكنت أبوكم" أو "يالا يا اللي أبوكم رد سجون".
***
يمسك في يديه كوبين من مشروب حمص الشام الساخن ويسير نحو تلك الجالسة أعلى السياج على كورنيش النيل، كانت تغني مع الأغنية الصادرة من المركب الراسية على الشاطئ:
- على عش الحب طير يا حمام...
صمتت عندما وجدته يقف أمامها ويتأملها بابتسامة حالمة، فقال لها:
- كملي، وقفتي ليه.
ضربت حمرة الخجل خديها، فأشاحت وجهها ونظرت نحو مياه النيل المتلألأة:
- أصل بتكسف أغني قدام حد. أخري أدندن مع نفسي لما بكون فرحانة ومبسوطة.
عقد حاجبيه بحزن زائف:
- وأنا بالنسبة لك أبقى حد!
هزت رأسها بالنفي ثم أجابت:
- أنتَ ليا العالم كله.
غر فاهه بسعادة وترك الكوبين جانباً على السياج واقترب منها ليخبرها بحماس شديد:
- عارفة أنا لو قولت لك حاسس بإيه دلوقتي ونفذت اللي حسه، هانتمسك بفعل فاضح في الطريق العام.
أطلقت ضحكاتها إلى العنان وشاركها الضحك أيضاً، حتى توقفت عن الضحك وعقبت:
- خير اللهم اجعله خير، قلبي حاسس آخرة الضحك دي نكد مستنينا.
أمسك يدها بحنان وقال:
- طول ما أنتِ جنبي، فرحة الدنيا وما فيها. يبقى النكد هيجي منين!
رمقته بعتاب وأجابت باللوم:
- جوازك من عايدة ده يبقى إيه إن شاء الله.
تذكر إلحاح والدته وما حدث في الأيام المنصرمة. أطلق زفرة من أعماقه ثم أخبرها:
- بصي، للمرة الأخيرة بقولها لك يا ليلة، أنا قلبي اللي يملكه واحدة بس. هي اللي خطفتني من أول نظرة لدرجة ما بقتش شايف غيرها وبس.
صدق كلماته اخترق فؤادها فأصابه كالسهم، مما جعل بريق عينيها قد توهج وأصبحت تلمع كالنجوم في سماء ليلة شاعرية صافية. اتسع ثغرها ببسمة تنضح بعشق غامر:
- أنا بحبك أوي يا معتصم، حب عمري ما سمعت عنه ولا هايكون زيه.
نزلت من فوق السياج ورمقته بسعادة تملأ الكون بهجة وسرور، قائلة:
- بمناسبة اللحظة الحلوة أوي دي، ليك عندي مفاجأة.
قطب ما بين حاجبيه ورمقها بفضول فسألها:
- ممكن أعرف إيه هي ده لو معندكيش مانع يعني.
ابتسمت وقامت بالضغط على وجنتيها بإصبعيها السبابة والإبهام:
- ولما هقولها لك هتبقى مفاجأة إزاي!
أمسكت بيده وخللت أناملها الرقيقة بين خاصته الغليظة وأردفت:
- يلا بينا نروح، ولما نوصل بيتنا هحكي لك عن المفاجأة عشان دي محتاجة طقوس خاصة.
***
- يا بنتي، هاتروحي فين الساعة دي؟ عيب اللي بتعمليه ده.
قالتها خالة هدي، التي ردت وهي تتجنب النظر إلى شريف الجالس في حالة صمت:
- معلش يا خالتي، أنا هانزل في أي فندق وأشوف لي شقة إيجار.
رمقتها بغضب وقالت:
- فندق وشقة إيجار وأنا موجودة! ما تقولها حاجة يا شريف.
وقبل أن يتحدث الآخر بحرف واحد، سبقته بإصرار ولهجة حادة موجهة إليه:
- خالتو، أنا مش صغيرة. وبعدين أنا عايزة أبقى على راحتي.
نهض شريف وينظر إليها بامتعاض:
- أنا أصلاً رايح أقعد في الشاليه، اتفضلي خليكِ هنا على راحتك.
رمقته بتحدي وإصرار عاقدة ساعديها:
- وأنا قولت هامشي يعني هامشي.
زفرت الخالة بسأم وقالت:
- على راحتك يا بنتي، وأنا شقتي مفتوحة ليكِ في أي وقت.
ابتسمت لها هدي:
- شكراً يا خالتو.
وهمت بالذهاب، فقامت بالنداء على صغيريها. وقبل أن تفتح الباب وتغادر، أوقفها شريف قائلاً:
- استني، هاجي أوصلك.
رفعت إحدى حاجبيها والرفض يبدو على ملامحها:
- شكراً، أنا هاخد تاكسي.
أطلق زفرة بنفاذ صبر، وقبل أن يتهور بفعل أهوج، تركها ودلف إلى الداخل. بينما هي ذهبت برفقة صغيريها. وصلت إلى نهاية الشارع الذي يعمه الهدوء. انتظرت لدقائق علها تجد سيارة أجرة، حتى توقفت أمامها سيارة أجرة خاصة. سألت السائق الذي يرتدي قبعة ونظارة شمسية يخفي بها معظم وجهه:
- في فندق قريب من هنا يا سطا؟
اكتفى بالإيماءة، ولن تدقق في ملامح هذا الغريب. فتحت الباب، فولج الأولاد إلى داخل السيارة ووضعت الحقائب جوارهما، بينما هي جلست في المقعد الأمامي بجوار السائق. الذي بمجرد أن دخلت وأغلقت الباب، انطلق بسرعة جعلتها تشعر بالقلق، لاسيما بعد أن وجدته يضغط على زر أوصد كل الأبواب والنوافذ. التفتت إليه وسألته بخوف جلي:
- أنت بتقفل الأبواب ليه؟
رفع زاوية فمه بابتسامة ساخرة، ثم بدأ يخلع القبعة والنظارة، ورمقها بنظرة تكفي أن تخبرها بالذي ينتظرها من أهوال:
- معقول يا دودو معرفتيش حبشي جوزك حبيبك أبو عيالك.
أطلقت صرخة، فقام بدفع رأسها إلى الأمام ويصيح بها:
- اخرسي، أنا لسه عملت فيكي حاجة!
اصطدمت جبهتها في التابلوه مما أفقدها الوعي في التو، وهذا كان على مرأى ومسمع الصغار. اكتفى كلاهما بالبكاء وجسدان يرتجفان بشدة من الخوف.
***
ولنعود إلى معتصم وليلة، التي تعد ليلة ولا ألف ليلة. حيث طلبت منه بأن ينتظرها في الأسفل ويصعد إليها بعد أن تقوم بمهاتفته ريثما تنتهي من إعداد طقوس مفاجأتها.
كان يقف داخل الشرفة لدى منزل والدته، وكانت تتحدث في الهاتف، بينما هو ينفث دخان سيجارته في الهواء الطلق. فشعر بخطوات خلفه، علم في الحال صاحبة الخطوات:
- عايزة إيه يا عايدة؟ ولا تكوني ناوية تعترفي وتقولي مين أبو اللي في بطنك!
وابتسم بتهكم. فوقفت جواره وارتسمت على ملامحها إمارات القلق والخوف:
- اللي في بطني يبقى ابن عشيق مراتك.
وفي لحظة، كانت تلابيب عباءتها في يديه، قائلاً بغضب من بين أسنانه:
- أقسم بالله، كلمة تانية على مراتي لهكون رميك من البلكونة وما يهمني.
أمسكت بيديه ورمقته بتمثيل متقن لتكمل له السيناريو الذي على وشك أن يتم:
- ورحمة أخوك ما بكذب، ليلة فعلاً كانت على علاقة بواحد اسمه عمار. ولما أنت اتجوزتها، فضل يكلمها ومرة جالها هنا. ولما نزلت السوق، كان مستنيها يشوفها. فضلت مراقباها لحد ما عرفت إنها بتروح له المكان اللي عايش فيه. شافتني وهددتني إن لو ما بعدتش عنها ولو اتكلمت بحرف، هتخلي اللي اسمه عمار يدلق على وشي مية نار. وفي آخر مرة سمعتها بتقول إنها رايحة له، روحت هناك عشان أصورهم وأبعت لك الصور كدليل بدل ما أنت ما بتصدقنيش. أتاريه كان كمين من عشيقها، ضربني على راسي وفوقت لاقيته ربطني في السرير و...
تصنعت الحرج فأردفت:
- وعمل اللي عمله معايا بالغصب وصور فيديو بكده وهددني لو اتكلمت هينشر الفيديوهات دي على النت. مراتك جت لي بعدها بيومين وعرفت اللي حصلي، فضلت تشتم وتزعق إنه إزاي عمل معايا كده. تقدر تقول غارت، واستحلفلت لي إنها هاتدفعني تمن اللي حصل ده غالي. أنا عارف إنك مش مصدقني، بس مصير الأيام تثبت لك.
كانت نظرات عينيه كالذي فقد صوابه، جاحظة من صدمة ما سمعه للتو. فقاطع أفكاره المظلمة في تلك اللحظة صوت سيارة الشرطة التي توقفت أمام منزله وترجل منها رجال الشرطة.
وبالأعلى، قد انتهت للتو من إعداد السهرة الرومانسية وأضواء الشموع وصوت الموسيقى. الذي قاطعها رنين الجرس وطرقات شديدة على الباب. ظنت إنه هو فقالت:
- للدرجة دي مش قادر تصبر! حاضر، أنا جاية أ...
فتحت الباب، فـ تفاجأت برجال الشرطة أمامها. شدت من طرفي مأزرها وتناولت وشاحها الموضوع أعلى منضدة بجوار باب المنزل. ارتدت الوشاح على رأسها بعشوائية، والضابط يسألها:
- أنتِ ليلة محمد نصار؟
ابتلعت ريقها بخوف ورهبة ثم أجابت:
- أيوه أنا.
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ولاء رفعت
فتحت الباب فتفاجأت برجال الشرطة أمامها. شدت من طرفي مأزرها وتناولت وشاحها الموضوع أعلى منضدة بجوار باب المنزل. ارتدت الوشاح على رأسها بعشوائية والضابط يسألها:
- أنتِ ليلة محمد نصار؟
ابتلعت ريقها بخوف ورهبة ثم أجابت:
- أيوه أنا.
رفع أمام بصرها ورقة قائلاً:
- معانا أمر بالنيابة بالقبض عليكِ.
حاولت استيعاب ما قيل لها للتو، وقبل أن تسأل لماذا، سبقها زوجها الذي صعد للتو وخلفه كلاهما والدته وعايدة. يسأله بعد أن أمسك زوجته وجعلها تقف خلفه بسبب ما ترتديه من ثياب لا يجب أن يراها بها سوى زوجها، رغم أنها ترتدي معطفًا حريريًا محتشمًا:
- القبض عليها بتهمة إيه حضرتك؟
أجاب الضابط بنبرة حادة:
- اسأل المدام وهي هتقولك.
وأشار إلى الرجال قائلاً:
- ادخلوا فتشوا.
ولج الرجال وسرعان ما انتشروا في جميع أرجاء المنزل. لم يتحمل معتصم ما يسمعه أو يراه، فسأل الضابط مرة أخرى:
- لو سمحت ممكن حضرتك تفهمنا، دلوقتي بتقول لي معاك أمر من النيابة بالقبض على مراتي والمفروض هتاخدوها على القسم، أنا بقي من حقي أعرف تهمتها إيه؟
كانت ليلة ترتجف خوفًا لا تصدق ما يحدث، وما تلك الجريمة التي ارتكبتها؟
- لقينا دي يا باشا في المطبخ.
وأعطاه الكيس البلاستيكي وبه السكين الملفوف. أخذه الضابط ونظر إلى ليلة يسألها بتهكم:
- واضح إن مدام ليلة ملحقتش تتخلص من السكينة.
تنظر الأخرى بعينين جاحظتين من هول ما ترى، فأخذت تردد بنفي:
- أنا معرفش عنها حاجة والله.
ورمقت زوجها وتشبثت بذراعه:
- معتصم الحقني.
- هاتوها على البوكس.
كان أمر الضابط، وقبل أن يقترب منها أحدهم، فقال معتصم:
- لو سمحت ممكن تغير هدومها، ما ينفعش تروح بالمنظر ده سعادتك.
شهقة فزع قوية انطلقت من فم هدى الجالسة على كرسي خشبي قديم، مقيدة اليدين والقدمين، وهذا بعدما ألقى زوجها على رأسها دلوًا من الماء المثلج. يرمقها بشر بعدما أفرغ كل الحقائب رأسًا على عقب ولم يجد سوى ملابس أولاده وزوجته.
- إيه؟ كنت فاكرة هاصحيكي بالورد والأحضان، ده أنا لسه هوريكي النجوم في عز الضهر يا حرامية.
أنقض على تلابيب عباءتها وهدر بها:
- فلوسي فين يا بنت الـ...، خبّيتيهم عند خالتك ولا أمك؟
أخذت تلتقط أنفاسها من أثر ما اقترفه للتو، ثم قالت وهي ترمقه بازدراء:
- ريح نفسك، أنا شيلتهم باسم عيالك وأنا الواصية عليهم عشان ده حقهم اللي حرمتهم منهم طول السنين اللي فاتت.
أطلق قهقهة ساخرة ثم قبض على خصلاتها وصاح بصوت فزع صغاره داخل الغرفة حيث أوصد عليهما الباب من الخارج:
- فاكراني أهبل يا بت عشان أصدق الحوار اللي ما يدخلش على عقل عيل صغير، فُوقي يا روح خالتك، ده أنا حبشي نصار اللي يصيع على بلد بحالها.
- اللي عندي قولته يا حبشي، عايز تصدق ولا ما تصدقش دي حاجة ترجع لك، وأنت عارفني ما بكذبش.
صفعها بقوة قائلاً:
- ما بتكذبيش أه، لكن تسرقي، فلوسي فين يا مرة.
صاح الصغيران بطرق عنيف على الباب:
- ماما، ماما.
صاح بهما:
- اخرسوا بدل ما أقسم بالله لأجي أعلقكم بدل أمكم.
أجهشت الأخرى في البكاء فأخبرته بتوسل:
- خرج العيال ووديهم لخالتي يا حبشي، دول مالهمش ذنب.
- ذنبهم هو أن أمهم حرامية، خليهم محبوسين كده من غير ميه ولا أكل وأنتِ اشرحي لحد ما تقولي على مكان الفلوس.
ما زالت تبكي وقالت:
- يا خسارة يا حبشي، يا خسارة حبي ليك واستحملت قسوتك وبخلك وأي حاجة عشان بحبك، عمري ما كنت أتوقع تعمل معايا كده، روح يا شيخ منك لله.
أخرج سيجارة من العلبة وقام بإشعالها ثم نفث الدخان من فمه:
- والنبي بلاش جو الصعبانيات ده يا ختي عشان أنتِ عرفاني كويس ما بياكلش معايا خالص، أنا كل اللي عايزه منك ترجعي لي فلوسي وأوعدك هأخلصك من الشرير القاسي البخيل وأبقى روحي اتجوزي ابن خالتك السيس أهو ده مقامك.
رمقته بكل نظرات الكراهية التي تشعرها حياله الآن، إلى هذا الحد عاشت معه في وهم كانت تدعوه الحب!
تذكرت حديث ابن خالتها الآن وشعرت بالفرق الشاسع بينهما، لكن ما الفائدة من الندم.
هيهات، وأجفلها بدفن سيجارته المشتعلة في يدها المقيدة في المسند الجانبي للكرسي، فأطلقت صرخة ألم دوى صداها في كل الأرجاء.
صاح الصغار بذعر وخوف منادين والدتهما، لكن طغى صوت هذا الطاغي:
- قدامك دقيقة لو مقولتيش على مكان الفلوس لهدخل للعيال دلوقتي وهأنزل عليهم ضرب بالحزام وخلي دماغك اللي أنشف من الحجر تنفعك.
رفع إحدى حاجبيه بكبرياء منتظرًا إجابتها، اشتد بكاؤها أكثر:
- حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا ظالم، منك لله.
وضع يده على حزامه وشرع بفكّه وبدأ العد:
- شكلك هاتضيعي الدقيقة في النواح، وفاكراني بهدد، طب إيه رأيك لأقطعه عليكِ قبل منهم.
وبالأسفل وصلت سيارة شرطة ترجل منها شريف والضابط:
- أنت متأكد يا شريف إنه خدهم على هنا؟
أجاب الآخر وهو يهرول إلى داخل البناء:
- قلت لك بعد ما نزلت بشوية قلقت عليها نزلت أشوفها لاقيتها راكبة تاكسي مع سواق شكله غريب، متأكد إنه هو جوزها.
رمقه الضابط بامتعاض وقال:
- يارب يطلع ظنك غلط، ربنا يستر وما يكونش عمل فيها حاجة.
وبالأعلى تصرخ وتبكي في آن واحد بعدما أنهال عليها بحزامه مرتين، يصيح بصوت مخيف:
- فلوسي فين يا وليه؟
وكاد يهوي عليها بالضربة الثالثة فأوقفه كسر باب الشقة، وولج الضابط ورجاله وكذلك شريف، فصاح الأول في رجاله:
- خدوا الحيوان ده على البوكس.
زمجر حبشي كالمجنون:
- ابعدوا عني، أنا عايز فلوسي، فلوسي يا بنت الـ...
ركض شريف إليها وينظر لها بحزن وخوف عليها، بدأ بفك قيودها:
- اهدي ما تخافيش، هم خدوه خلاص، وأوعدك هاخد لك حقك منه وأدفعه تمن اللي عمله فيكِ.
انتبه إلى صراخ وبكاء الأطفال، نهضت وركضت إلى الغرفة:
- العيال حابسهم جوه وقافل عليهم بالمفتاح.
أشار لها بالابتعاد قائلاً:
- اقفي أنتِ بعيد.
ثم أمر الصغيرين بصوت جلي:
- محمد، بسنت، ابعدوا عن الباب يا حبايبي عشان هأكسره.
وبالفعل بعدما نفذ الصغيران أمره، أخذ يدفع الباب بجسده بقوة حتى نجح في فتحه على مصرعه. ركضت هدى نحو صغيريها واحتضنتهما وبادلها العناق. قالت الصغيرة وهي تتفحص آثار الضرب على وجه والدتها:
- بابا ده وحش، أنا مش بحبه عشان سمعته بيزعق لك وبيضربك.
عقب شقيقها:
- ماما خلينا قاعدين عند خالتو وعمو شريف، مش عايزين نرجع لبابا تاني، أنا خايف منه.
عجز لسانها عن الرد، عانقتهما مرة أخرى وتعتصر عينيها بألم، فكان ألم قلبها أقوى وأشد من ألم جسدها.
وداخل قسم الشرطة تقف ليلة وتبكي عندما قال لها الضابط:
- العياط مش هايفيدك بحاجة، أنتِ دلوقتي متهمة في قضية قتل عمار إبراهيم عبدالوهاب. أداة الجريمة لقيناها عندك ورسالة من تليفونك اللي واضح جدًا إنك كنتِ على علاقة بالمجني عليه، وشكله كان بيهددك فقولتي تخلصي منه.
صاحت ببكاء ونفي:
- والله ما قتلته، أنا فعلاً كنت أعرفه بس قبل ما أتزوج، وهو كان بيطاردني بعد ما اتزوجت. وآخر مكالمة كان عايز مني 100 ألف جنيه، شكله كان متورط في فلوس مع حد.
كان الضابط منصتًا لها جيدًا فسألها:
- مين الحد ده؟
أخذت تجفف عبراتها بالمحرمة الورقية وأجابت:
- معرفش، كل اللي أعرفه قلته لحضرتك، بس والله العظيم ما قتلته ولا أعرف حاجة عن السكينة ومعرفش مين اللي حطها عندي!
هز الآخر رأسه وقبل أن يتحدث قاطعه طرق إحدى العساكر:
- محامي المتهمة وصل يا فندم.
أشار له الضابط قائلاً:
- خليه يدخل.
ولج رجل في الأربعينات يبدو عليه الوقار، وكان خلفه معتصم الذي وقعت عيناه على ليلة يرمقها بصدمة، لم يستوعب ما يحدث حتى الآن.
أعطى المحامي للضابط بطاقات الهوية الخاصتين بهما:
- السلام عليكم، مع حضرتك مدحت وفيق المحامي يا فندم.
وتحدث الآخر:
- وأنا معتصم جوز مدام ليلة.
- اتفضلوا.
جلس الآخر أمام المكتب وقال:
- لو سمحت ممكن تسمح لي أقعد مع موكلتي عشر دقايق أفهم منها كل حاجة؟
خرج الضابط ومن معه تاركًا ثلاثتهم. انتفضت ليلة بعد غلق الباب، لا سيما عندما رمقها معتصم بنظرة تحمل مئات من الأسئلة على رأسها: من هو عمار وما العلاقة التي بينها وبينه؟
- مدام ليلة، عايز حضرتك تحكي لي كل حاجة بالتفاصيل عشان أقدر أساعدك. الموضوع مش سهل، دي جريمة قتل وأداة الجريمة على حسب اللي عرفته من أستاذ معتصم طلعوها من مطبخك، وده لو دل يدل إن فيه حد واضح إنه بلّغهم عن التفاصيل دي. أنتِ كنتِ على معرفة بالمجني عليه؟
ابتلعت لعابها بتوجس وتوتر ثم أجابت:
- أيوه أعرفه.
وهنا كانت الصدمة لدى معتصم الذي لم يسمعها بأذنيه فقط بل كل حواسه أجمعها صاغية إليها وهي تسرد كل شيء منذ بداية علاقتها بعمار حتى وقت القبض عليها.
- أفهم من كده إنهم اتهموكِ بناءً على الرسالة اللي لقوها على موبايل القتيل، وكمان السكينة اللي لقوها دي صعبت موقفك خالص.
أخبرته بنبرة أوشكت على البكاء مرة أخرى:
- أنا ما قتلتهوش.
ثم نظرت إلى معتصم الذي أثر الصمت وأردفت:
- معتصم، أنا والله بحبك أنت. هو كان مجرد علاقة وراحت لحالها قبل ما نتزوج. أنا خبيت عليك عشان خوفت تروح تتخانق معاه ويحصل لك حاجة لا قدر الله، عمار مكنش ليه أمان وكان كل همي أنت.
أومأ لها قائلاً:
- أيوه ما أنا عارف بأمارة لما جالك في شقتنا وأنا مش موجود، ولما نزلتِ السوق كان مستنيكِ يشوفكِ، ولما رجعتِ شوفتيني في وشك اتخضيتِ. ولا عايدة اللي شافته نازل من عندك، وفي مرة راحت وراكِ ولما شوفتيها هددتيها إن لو ما بعدتش عنك ولو اتكلمت بحرف هتخلي اللي عشيقك يدلق على وشها ميه نار. وعشان يكمل جميله راح اغتصبها وصورها فيديو بكده وهددها لو اتكلمت هينشر الفيديوهات دي على النت، فانتِ رحتي لها بعدها بيومين بعد ما عرفتي اللي حصلها من عشيقك، فضلتِ تشتمي وتزعقي إنه إزاي عمل معاها كده، والله أعلم يمكن ده اللي خلاكِ قتلتييه!
صاحت دفاعًا وقلب محترق من تلك الاتهامات التي ألقاها عليها كوابل من الرصاص:
- كذب، كل ده كذب والله ما حصل. كل اللي حصل يوم ما روحت السوق شوفته، ومرة جالي فعلاً بس هددته لو ما بعدش هأقول لأخويا وأنت عليه. وبعدها فضل يبعت لي في رسايل ويتصل وأنا ما كنتش بعبره. ولما أنت غيرت لي الخط قلت الحمد لله ارتحت منه، لقيته اتصل عليّ على الرقم الجديد وكنت هاتجنن، عرفه إزاي! ولما كلمني وطلب مني الفلوس ما أنكرش إنه صعب عليا لما حسيت إنه في خطر، بس قررت أقطع أي خيط ما بينا فبعت له الرسالة اللي لقوها على التليفون بتاعه. يعني لو كان كلامك حقيقي وقتلته زي ما بتقول ما كنتش بعت له رسالة أدين بها نفسي. والله العظيم ما بكذب، أنا قلت كل الحقيقة.
نهض ووقف بكل هدوء جعلها تشعر وكأنها على حافة هاوية جبل شاهق. تفرقت شفتيه قائلاً:
- من غير ما تحلفي مصدقك، وأنا ابن أصول وهأقف معاكِ لحد ما نشوف إن كان كلامك صادق ولا كذب، وبعدها كل واحد فينا هايروح لحاله.
اتسعت عيناها وتجمدت أوصالها، وقبل أن تتفوه بكلمة دلف الضابط وقال:
- الوقت خلص يا حضرات.
سأله المحامي:
- طب وضع موكلتي كده هايكون إيه سعادتك؟
أجاب الآخر:
- هاتتحبس 4 أيام على ذمة التحقيق وها تترحل على النيابة لحد ما يخلص تقرير المعمل الجنائي وتفريغ الكاميرات الموجودة قدام بيت المجني عليه.
عاد إلى المنزل وداخله صراع ما بين قلبه وعقله. كلما يتذكر اعترافها وكيف كانت تخدعه عندما رأى رسائل مرسلة إليها قبل ذلك وعندما سألها أنكرت عدم معرفتها به. وما زاد شكوكه ما أخبرته به تلك الأفعى عايدة التي بخت سمها في أذنه، ولم يلبث دقيقة للتفكير في صحة أو كذب حديثها حتى تفاجأ بالقبض على زوجته.
يشعر بالاختناق من فرط التفكير والوقوع بين شقي الرحى، لو أن يطلق صرخة لليث مجروح علها تخفف وطأة الضغط عليه.
صعد الدرج فوجد والدته تنتظره:
- ليلة فين يا بني؟ ومن اللي قتلته؟
تركها وصعد إلى الأعلى وكأنه لا يسمع أو يرى وأكمل صعوده حتى ولج إلى داخل منزله وصفق الباب بقوة لينفرد بذاته وقلبه الجريح.
عادت نفيسة إلى داخل منزلها وتقول:
- يا عيني عليك يا بني، كان مستخبي لك فين كل ده.
بينما عايدة كانت تراقب ما يحدث وتنتظر وصوله على أحر من الجمر لتعلم ما حدث مع ليلة. حدسها يخبرها أن الساحة أصبحت شاغرة أمامها وعليها أن تستغل تلك الفرصة وتكن بجوار معتصم حتى تستحوذ على عقله وقلبه، هكذا صور لها شيطانها الفاجر.
ظلت تنتظر حتى غفت نفيسة في غرفتها، فقامت وأبدلت عباءتها السوداء بأخرى ملونة وملتصقة بجسدها حيث تظهر كل منحنيات جسدها. وضعت بعض مساحيق التجميل وتركت خصلات شعرها تنسدل بحرية على طول ظهرها. أتمت هندامها بنثر قليل من العطر الفواح.
أخذت مفتاح منزله الخاص بحماتها ثم صعدت على الفور لأعلى. قامت بفتح الباب ودلفت بهدوء تبحث عنه ببصرها في الأرجاء. اخترق أنفها رائحة دخان سيجارته، لكن رائحة تعلمها جيدًا طالما كان جلال شقيقه يدخن هذا النوع من المخدر المسمى بـ (الحشيش).
البسمة شقت ثغرها وأظهرت تفاحتي وجنتيها. لمع بريق عيناها عندما رأته يجلس على الأرض داخل غرفة النوم وجواره إطار صورة تجمعه هو وزوجته. يستند بظهره إلى جانب السرير ويريح رأسه إلى الخلف على الفراش، ينفث دخان سيجارته.
اقتربت منه فأزاحت إطار الصورة بقدمها ثم نظرت إليه فوجدته مغمض العينين. هبطت على عقبيها جواره. مدت يدها إلى ذقنه تتخلل بأناملها شعر لحيته، انتفضت فجأة وأبعدت يدها عندما فتح عينيه ورمقها بحدة يسألها:
- أنتِ إيه اللي جابك هنا؟
أجابت بنبرة أنثوية ناعمة وضعف يأسر لب أقوى الرجال:
- قلبي اللي جابني ليك، قالي إنك محتاج لحضن يحتويك في اللحظة دي.
وكادت تمد يدها إلى صدره فقبض على رسغها واقترب منها للغاية فظنت إنه سيقبلها لكنه أخبرها:
- لو أنتِ آخر واحدة في الدنيا، فمن عاشر المستحيلات اللي في دماغك ده يحصل.
أزدردت ريقها ثم أخبرته:
- فوق بقي، أنا أول واحدة كانت في حياتك وهاكون الأخيرة.
رمقها بازدراء قائلاً:
- جايبة الثقة دي منين! شكلك غرقانة في الوهم، ابعدي أحسن برضاكِ بدل ما أنا أخليكِ تبعدي غصب عنك.
وإذا بها نهضت لتجلس أعلى فخذيه وتقبض على تلابيب قميصه وتخبره بشفتيها التي تقترب من خاصته:
- مش هأبعد يا معتصم، وأنا فعلاً غرقانة بس مش في الوهم، غرقانة في حبك ونفسي أكون ليك، هاخليك تعيش أجمل أيام حياتك اللي جاية، هاكون خدامتك، مجرد إشارة من إيدك هاتلاقيني بين إيديك.
تفوهت تلك الكلمات بدهاء أنثى تنخدع بها قلوب الرجال عند سماعها. لم تمهله فرصة للإجابة، باغتته بقبلة كانت لها السيطرة بها عليه بل كانت هيمنة إبليس تسيطر عليه وجعلته يغمض عينيه وبدأ بالرضوخ لها ويبادلها تلك القبلة المحرمة حتى صدح صوت النور داخل عقله الشبه واعي من تأثير المخدر عليه. كان صوتها الذي كان يبكي ويتوسل له منذ ساعات وهي تتدافع عن نفسها. اكتمل الصوت بصورتها وعيناها تذرف عبراتها التي هبطت كالجمار على قلبه فمزقته لأشلاء. تريد نهشها تلك الأفعى التي ما زالت تقبله بل وبكل جرأة قامت بجذب تلابيب قميصه فتطايرت أزراره.
تردد صوت نداء ليلته باسمه داخل عقله وفؤاده. كان كافياً لجعله يفوق فجأة. فتح عينيه وعاد إلى رشده. دفع تلك الحرباء عنه ونهض مبتعدًا عنها. أسندت يدها على الفراش ونهضت تصيح به:
- أنت بتزقني! للدرجدي هي مسيطرة عليك رغم إنها خانتك وكمان قتلت عشيقها عشان خايفة ليفضحها قدامك وتفضل عايشة معاها واخد على قفاك!
تملك منه غضبه فقام بصفعها على وجهها قائلاً:
- أقسم بالله لولا اللي في بطنك لكنت جايبك من شعرك وجرجرتك على السلالم ورميتك بره البيت كله، وكلمة تاني تخص ليلة حتى لو من بعيد مش هاتردد لحظة هأقطع لسانك بنفسي وأرميه لكلاب الشارع اللي هم أنضف منك.
دفعها من أمامه وترك لها المنزل وغادر دون وجهة، خشية أن يؤذيها أو يستسلم لكيدها طوال الوقت حتى توقعه في براثنها السامة.
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ولاء رفعت
تقف أمام الضابط وبجوارها المحامي الذي كلفه ابن خالتها من أجل محضر اختطافها عنوة والتعدي عليها.
في زاوية يقف هذا الهمجي مقيد اليدين، وبجواره العسكري يمسك ذراعه.
تحدقه بطرف عينيها، ولم تصدق في يوم من الأيام أن هذا كان زوجها ولديهما أطفال. كيف سولت إليه نفسه بأن يفعل بها ما اقترفه من تعدٍ، من الممكن قد يصل إلى القتل إذا لم تبلغه عن مكان أمواله.
"مدام هدى، أمضي هنا."
قال لها الضابط ويشير إلى نهاية الورقة. أخذت القلم وترددت في الإمضاء. نظر إليها المحامي وأومأ لها، فقامت بتوقيع اسمها ثم عادت حيثما تقف.
نظر الضابط إلى حبشي بازدراء، ثم عاد ببصره إلى هدى وقال لها:
"حضرتك كده في أمان، الأستاذ هيتحول على النيابة وبالمحضر ده لو رفعتي قضية طلاق هتكسبيها على طول، لأنه زوج غير مؤتمن وغير أهل للثقة، ولا عليكِ ولا على عياله."
نظر إلى العسكري وبأمر أردف:
"خد المتهم على الحجز."
ثم قال لـ هدى:
"تقدري حضرتك تروحي دلوقتي."
أومأت في صمت وذهبت. وفي الخارج وجدت خالتها التي جذبتها بين ذراعيها:
"هدى حبيبتي، عامل فيكِ إيه ابن الحرام ده؟"
تدخل شريف قائلاً:
"يلا يا أمي خلينا نمشي من هنا."
كان لا يتحمل النظر إلى حبشي، وود لو قام بطرحه أرضاً وينال عليه باللكمات، وهذا لما فعله في ابنة خالته. وهذا ليس بدافع الحب بل بدافع الغيرة والمروءة، يبغض الرجال الذين يحللون لأنفسهم التعدي على المرأة.
دلفت هدى إلى داخل سيارة شريف وكذلك خالتها بجوارها. كانت الأخرى تلتزم الصمت وتلاحظ نظرات شريف لها عبر المرآة، وكأنه يسألها ماذا بعد؟
وصل ثلاثتهم إلى المنزل، وكانت تمسك الخالة بيد هدى:
"تعالي يا حبيبتي، تعالي أقعدي ارتاحي."
كانت تبحث بعينيها عن شيء ما، فسألتها:
"فين ولادي؟"
أجابت الخالة وتربت عليها بحنان:
"ما تقلقيش عليهم، أول ما وصلهم شريف أكلتهم وحمتهم وأخذتهم في حضني لحد ما ناموا. صعبوا عليا لما فضلوا يعيطوا خايفين عليكِ. منه لله أبوهم."
عقب ابنها قائلاً:
"خلاص هانت، بكرة المحامي هيرفع قضية الطلاق."
فقالت الخالة:
"اصبر عليها يا ابني لما تاخد نفسها وترتاح لها يومين، وبعدين ده قرارها هي اللي تقول تطلق ولا لأ."
نظرت إلى هدى الشاردة في الفراغ وسألتها:
"ناوية على إيه يا بنتي؟"
انتبهت إلى سؤال خالتها ورمقتها بتيه. نظرت إلى شريف المحتقن وجهه بالدماء من حالة الغضب التي يشعر بها كلما ينظر إلى آثار أيدي حبشي على وجهها والدماء المتجلطة على جانب شفتيها.
أجابت والحيرة تغلب أمرها:
"مش عارفة."
ليتها ما نطقت. هنا تحول شريف المعروف بهدوء طباعه إلى شخص آخر، صاح بصوت جهوري:
"مش عارفة إيه! أنتِ لسه باقية على واحد لولا جينا أنقذناكِ منه كان زمانه قتلك عشان شوية فلوس اللي عنده أهم منك ومن ولاده!"
أجهشت في البكاء. حدقته والدته بعتاب ولوم:
"وطي صوتك يا شريف واهدي، مالك بتزعق لها كده ليه، الست في حالة يعلم بها ربنا مش قادرة تفكر، تيجي أنت والزمن عليها."
ابتعد عنهم قليلاً، ولي ظهره إليهما ويزفر بقوة لعل يهدأ من روعه ويخبو غضبه الثائر. ألتفت إلى والدته وقال:
"عن إذنك يا أمي، سبينا لوحدنا خمس دقايق."
فقالت الأخرى وتخشى على ابنة شقيقتها من غضب ولدها:
"عارف لو زعلتها والله يا..."
"ما تخافيش يا أمي، عمري ما أقدر أزعلها وأنتِ أكتر واحدة عارفة كده."
نهضت الخالة قائلة:
"إذا كان كده ماشي، هدخل أقعد جنب الأولاد وخمسة وراجع لكم."
وعندما دخلت الخالة في إحدى الغرف، سار الآخر إلى الكرسي المقابل لـ هدى وجلس وبهدوء تحدث:
"حقك عليا ما تزعليش مني، أنتِ ما تعرفيش جوايا إيه كل ما أبص لوشك وأشوف آثار ضربه ليكِ المعلمة على وشك. بصي أنا مش هجبرك على حاجة، وهاقف جمبك لحد ما تقفي على رجلك وأي حاجة أنتِ عايزاها هتتنفذ، بس عايزك تفكري في نفسك وفي عيالك قبل أي شيء."
نظرت إلى عينيه التي تخبرها بمدى حبه إليها وكيف يريدها أن تكون إليه زوجة وحبيبة، بينما عقلها بداخله صراع دائر لا تعلم ماذا عليها أن تفعل.
"أنا حالياً كل اللي في دماغي عيالي وعشانهم استحمل أي حاجة."
اندفع الآخر قائلاً:
"ولادك هيبقوا عيالي وهخليهم يعيشوا حياة وتعليم ومستقبل أحسن، وطبعاً حقهم يشوفوا أبوهم بس طبعاً لازم يكون في محيط آمن ليهم."
حديثه كان صريحاً على طلبه للزواج منها، وهي الآن ما زالت على ذمة زوجها العفن البخيل.
نهضت وقالت:
"شريف، اديني فرصة حتى لو أطلقت لسه فيه تلات شهور عدة، ما ينفعش أتكلم ولا أقول حاجة غير لما يخلصوا."
أخبرها بإصرار:
"وأنا مش عايز حاجة غير كلمة موافقة وهاستنى حتى لو سنة مش تلات شهور بس، ده أنا أكتر واحد يعرف معنى الصبر."
شعرت بالضغط وهي في حالة لا تسمح بأي قرار حتى لو كانت لديها موافقة:
"وأنا مش قادرة أتكلم دلوقتي."
عقد ما بين حاجبيه وظل ينظر لها ثم قال:
"على راحتك، أنا على أي حال مشغول اليومين دول يعني مش هاتشوفيني كتير، ده غير إني مسافر بعد شهرين واحتمال هقعد فترة كبيرة برة."
سألته والحزن جلي في صوتها:
"وهترجع إمتى؟"
نهض ووقف أمامها بمسافة قصيرة:
"مش عارف، بس بكلمة منك ممكن أرجع عن قرار السفر خالص، كله بأيدك أنتِ."
***
أمام مكتب الضابط داخل قسم إمبابة، يجلس المحامي الموكل في قضية ليلة. يمسك بمجموعة من الأوراق:
"دي يا فندم بيانات بكل الأرقام والرسائل الصادرة والواردة للقتيل عمار، وواضح إن حد مسحهم وقت وقوع الجريمة وبحكم مهنتي وخبرتي قدرت أوصل لصاحبة رقم كانت بتبعت له رسايل مضمونها إنها بتحرض القتيل إنه يبتز مدام ليلة أو يبلغ جوزها الأستاذ معتصم إنهم كانوا على علاقة ببعض."
سأله الضابط المحقق وينظر إلى الأوراق:
"ودي مين دي اللي من مصلحتها تخلص من ليلة؟"
ابتسم الآخر بثقة ويضبط من عويناته قائلاً:
"تبقى الأستاذة عايدة مرات أخو معتصم."
***
وفي مكان آخر موحش ألا وهو الزنزانة، حيث تجلس في ركن بعيد عن تلك النسوة والفتيات اللاتي يضحكن ويتغامزن بينهن. قالت إحداهن بصوت مرتفع حتى تسمعه الأخرى:
"ومالها دي من وقت ما جت عمالة تعيط زي اللي مات لها ميت."
عقبت فتاة أخرى بسخرية:
"لأ دي شكلها اتمسكت في شقة."
ردت فتاة ثالثة:
"دي شكلها صغير على كده، دي هتلاقوها اتقفشت مع الواد بتاعها بعد ما خرجوا من الدرس."
"يا ضنايا، صعبت عليا."
قالتها إحداهن، فأطلق الباقي ضحكات سافرة.
"طب استنوا هاروح أسألها مش ممكن تكون زميلة لينا في الكفاح."
قالتها امرأة ترتدي ثوباً فاضحاً، يبدو على مظهرها إنها من فتيات الليل الماجنات. اقتربت منها وجلست بجوارها تتشدق بالعلكة:
"مال القمر قاعد لوحده ليه وعمال يعيط، ما تفرفشي كده محدش واخد منها حاجة."
رمقتها ليلة بازدراء ثم نظرت بعيداً، مما أثار حنق الأخرى، فصاحت:
"لأ يا حبيبتي ده أنتِ بصي عدل بدل ما أخزوق لك عينيك الحلوين دول، شايفة نفسك على إيه يا بت."
وكادت تدفعها من يدها، أوقفها صوت امرأة:
"نعيمة، أقصري الشر وابعدي عن البنت."
نظرت المرأة إلى تلك السيدة الوقور وقامت بإحترام قائلة:
"أمرك يا حاجة كوثر يا بركة القسم كله."
عادت إلى أدراجها، وقامت السيدة بالإشارة إلى ليلة:
"تعالي يا بنتي اقعدي جنبي."
توقفت ليلة عن البكاء وترددت في الذهاب إلى الأخرى التي أدركت هذا فأردفت:
"تعالي يا حبيبتي، ما تخافيش أنا زي والدتك."
نهضت وذهبت إليها وبحذر جلست بمسافة قليلة. تمكنت رؤية وجه تلك السيدة بوضوح، وجهها كالبدر المنير في ليلة التمام، وعليه إمارات الخير والسماح.
"أنا اسمي كوثر، دخلت هنا بسبب اشتريت معظم جهاز بنتي بالقسط، قدرت أدفع قسط ورا الثاني ومن أول خامس قسط مقدرتش، الأسعار ولعت وما بقتش قادرة على طلبات ولادي ولا جهاز أختهم اللي ما بيخلصش، صاحب المحل مقدرش يصبر عليا أكتر من خمس شهور، راح قدم فيا محضر وجابوني على هنا، مش هأنكر قلبي واكلني على عيالي، بس اللي متأكدة منه ليهم رب يحميهم ويحفظهم لحد ما أرجع لهم، بدعي لهم ربنا يوقف لهم ولاد الحلال، أنتِ بقى اسمك إيه؟"
أجابت الأخرى باقتضاب:
"ليلة."
ابتسمت إليها وقالت:
"اسمك حلو أوي يا ليلة، بس شكلك صغير إنك تدخلي في مكان زي ده، عملتي إيه خلاهم يقبضوا عليكِ؟"
أجابت الأخرى قائلة بحزن دفين:
"أنا صغيرة في العمر فعلاً، بس لحد دلوقتي الدنيا علمتني فوق عمري عمر تاني، كفاية إحساس الظلم في حاجة ما عملتهاش، يمكن ربنا بيعاقبني عن ذنوب استهونت بيها، أو بدفع تمن غبائي لما خبيت عن جوزي حاجات يمكن لو حكيتها له من يوم ما عرفته، ما كانش بقى ده حالي."
لم تفهم السيدة السبب كاملاً، لكنها أدركت بأن ليلة وقعت في براثن الظلم، وتنتظر العدل من رب العباد. ربتت عليها وأخبرتها:
"بصي يا بنتي، خديها نصيحة من واحدة شافت قد اللي شوفتيه ميت مرة، مهما الدنيا غدرت بيكِ مفيش غيره اللي تلجأي له في أي محنة، ارفعي إيديكِ وقولي يارب واشكي له همك وأدعي يقف جمبك ويظهر الحق وبراءتك لو كنتِ مظلومة."
عقبت الأخرى بكل ما يدور في رأسها ويفيض به قلبها الملتاع:
"أنا فعلاً مليش غير ربنا، من وقت ما بابا وماما اتوفوا وسابوني لأخ عمري ما شوفت معاه حنية أخوه وأهله الجنيه وبس، وثقت وحبيت واحد وقولت يمكن ده اللي هلاقي معاه اللي اتحرمت منه من حب وحنان، أتاريه كان بيخدعني وبيتسلى بيا، ويوم ما ضحكت لي الدنيا وربنا رزقني بالراجل الحنين اللي كنت بحلم بيه، حبني وحبيته وكأن الدنيا استكترته عليه، في يوم وليلة فرقتني عنه ويا عالم دلوقتي لسه بيحبني ولا كرهني بعد اللي حصل وهيبعد عني هو كمان زي كل اللي بعدوا وراحوا، أنا تعبت أوي، مبقتش قادرة، يارب."
ضمتها الحاجة كوثر إلى صدرها وأخذت تربت عليها:
"اهدي يا بنتي، سمي الله واستغفريه، وادعي بكل اللي نفسك فيه، ربنا أقوى وأحن من أي بشر."
"ونعم بالله."
قالتها ليلة وأخذت تبكي بحرقة وبألم، تنادي ربها من أجل نصرتها في تلك المحنة ويلهمها الصبر على هذا الابتلاء.
***
وفي الخارج كان المحامي قد انتهى من ما جاء إليه وتقديم بعض الأدلة التي ربما يجد بها براءة ليلة. قابله معتصم الذي ينتظر خارجاً ويحمل أكياساً كثيرة مليئة بالطعام وبعض المستلزمات.
"ها عملت إيه يا متر، الظابط شاف السجل والرسائل؟"
كان سؤال معتصم، والذي أجاب عليه المحامي قائلاً:
"قالي مش كفاية لنفي التهمة عن مدام ليلة، بس قالي لسه المعمل الجنائي والتحريات شغالة لأن فيه دايرة مفقودة، برغم إنهم لقوا أداة الجريمة والتليفون اللي جالهم من مجهول إن مدام ليلة المتهمة، لكن مفيش بصمات ليها، طبعاً ممكن يقولوا كانت لابسة جوانتي أو حاجة عازلة عشان البصمات، بس أحسن حاجة إن التحريات شغالة ولسه فيه أمل."
أغمض الآخر عينيه، كم هو قلبه يموت من الخوف والقلق عليها بالرغم من صدمته بعد علمه بكل شيء وموقفه الذي اتخذه اتجاهها، لكن هذا لم يمنعه عن الوقوف بجوارها ومساعدتها حتى إظهار براءتها.
ذهب إلى إحدى العساكر وأعطاه ورقة مالية من أجل أن يقوم بإيصال ما جلبه إليها من طعام وأشياء أخرى.
***
بداخل هذا البناء القديم، يتسلل اثنان من الرجال الملثمين حتى وصلا كليهما إلى أعلى البناء حيث يوجد مسرح الجريمة. توقف أحدهما وقال للآخر:
"بقولك إيه يا واد يا مسعود، اللي بنعمله ده خطر أوي لو المعلم كشف الحكاية هيخلينا نحصل المرحوم، ولو البوليس طلع مراقب المكان هنروح في ستين داهية وبرضو المعلم هيبعت اللي يخلص علينا عشان ما نعترفش عليه للحكومة."
لكزه الآخر وأخبره بصوت خافت:
"فال الله ولا فالك، ما تبطل نواح زي غراب البين، قولت لك نلاقي بس البضاعة وناخدها ونقول يا فكيك ولا من شاف ولا من دري، وافترضنا الحكومة كانت مراقبة المكان، كده كده مخبيين وشوشنا وساعة القدر برضو نجري."
تراجع الأول وقال بتردد:
"لأ يا عم أنا قلبي مقبوض، والمصلحة دي شكلها هتبقى خراب فوق دماغنا، تعالي نمشي."
"بطل ياض يا جبان وانجز، تعالي دور معايا نشوف المرحوم كان مخبي الحاجة فين، أهو نصرفها ونطلع لنا بقرشين حلوين."
أذعن الآخر في النهاية، وذهب معه وأخذ كليهما يبحثان، بينما توقف أحدهما في مكانه فسأله الذي يدعى مسعود:
"مالك ياض واقف كده ليه، ما تدور معايا."
"أصلي مزنوق وعايز أدخل الحمام."
حدقه الآخر بإشمئزاز قائلاً:
"روح الله يقرفك، فك زنقتك بره بعيد عني."
خرج وابتعد عن الغرفة، أخرج هاتفه من جيبه وقد ظن أن الآخر لا يراه، بل كان مسعود يشعر بالخوف من أن صاحبه يوشي به إلى المعلم. خرج ليطمئن قلبه، لكن رأى ما كان يخشاه. صاح ويوجه لكمة لصاحبه:
"يا ابن الـ... بتسلمني للمعلم يالا."
دافع الآخر عن نفسه:
"أنت فاهم غلط، ده تليفوني جاله مكالمة، اسمعنـ..."
سدد له لكمة أخرى قوية، أخذ كل منهما يضرب الآخر ولا يدركان ما يحدث بالأسفل، فبعد أن صعد كليهما، قام مراقب العمارة بإبلاغ الضابط والذي أرسل قوة للقبض عليهما.
"وقف ضرب منك ليه وسلموا نفسكم."
صاح بها الضابط، فقال مسعود:
"إيه ده يا باشا والله ما عملنا حاجة، ده إحنا كنا بنهزر مع بعض مش أكتر."
حدقه الضابط بازدراء وأخبره:
"جايين تهزروا في مكان حصل فيه جريمة قتل! هاتهم على البوكس."
***
وفي المخفر صاح مسعود بألم بعد أن لطمه بقوة مساعد الضابط:
"وعليا النعمة يا باشا معرفش حاجة أزيد من اللي قولته لك، إحنا كنا جايين نشقر على عمار ومنعرفش إنه اتقتل."
حدقه الضابط بابتسامة ساخرة قائلاً:
"وأنا مقلتش إن عمار اتقتل، أديك وقعت بلسانك وكدبك اتكشف، ها مش ناوي برضو تقول مين اللي قتل عمار وإيه السبب؟ وإلا..."
نظر الضابط إلى مساعده والذي التقط شيئاً من منضدة خلفه فكان صاعق كهربائي، وعندما رآه مسعود، لا سيما قام الضابط بتشغيله فأصدر أزيزاً، صاح بذعر مبالغ به:
"لأ، كهرباء لأ، مش عايز أموت، أبوس إيدك يا باشا هعترف بكل حاجة بس بلاش كهربا."
استنتج الضابط من علامات الفزع على وجه مسعود إنه لديه رهاب من الكهرباء، وبابتسامة انتصار قال:
"انجز وقول وإلا أنت عارف."
هز الآخر رأسه وعينيه لا تحيد عن الصاعق بذعر:
"هقول، هقول يا باشا، الحكاية هي إن عمار خد بضاعة مخدرات برشام على حشيش على كوك من المعلم بحوالي ربع مليون جنيه يمكن أكتر، المعلم أداله مهلة لو خلصت تكون فلوس البضاعة عنده وهدده وقاله لو ماجبتش الفلوس ولا البضاعة رقبتك هتكون التمن، المعلم افتكر إن عمار هيغدر بيه بعت واحد اسمه التروبيني، ده تخصصه يخلص أي عملية انتقام للمعلم من غير ما يسيب وراه دليل ضده."
أمره الضابط الذي ينصت له:
"ها، كمل وبعدين."
أجاب الآخر بتردد وخوف:
"والله يا باشا زي ما حكيت لك بالظبط والباقي حضرتك عارفه وهو قصة قتل عمار، والمعلم اطمن لما استقص وعرف إن حد شال الموضوع، وده خلاني أنا والواد مدبولي نيجي عشان ندور على البضاعة اللي مرجعهاش عمار وقولنا خلينا نسترزق منها ومن غير ما يعرف المعلم."
مد الضابط الصاعق بالقرب منه ويسأله:
"مفيش حاجة تاني؟"
صرخ الآخر بخوف وفزع:
"أقسم بالله يا باشا ده كل اللي أعرفه وقولته لسعادتك."
"كده حلو أوي، يلا يا عسكري خدوهما الاتنين على الحجز."
نفذ الآخر الأمر على الفور، فقام الضابط بالاتصال:
"حضروا لي قوة بسرعة عندنا طالعة في المنيب."
***
وفي اليوم التالي استيقظت ليلة على نداء العسكري لها:
"ليلة محمد نصار."
نهضت وأجابت:
"حاضر."
وقبل أن تغادر الزنزانة رمقتها السيدة كوثر بابتسامة مشرقة وأخبرتها:
"أنا حلمت لك حلم جميل أوي، أبشري يا بنتي."
أومأت لها الأخرى وذهبت مسرعة عندما كرر النداء عليها مرة أخرى.
***
وفي مكتب الضابط، أشار إليها قائلاً:
"تعالي يا ليلة اتفضلي اقعدي."
وجدت المحامي يجلس والضابط تظهر على ثغره بسمة، جعلتها توترت أكثر. جلست بتوجس وسألته:
"خلاص هترحلي على النيابة؟"
أجاب الضابط:
"لأ هتترحلي على بيتكم، الحمدلله قبضنا على المجرم امبارح وجاري التحقيق معاه، لأن طلع الموضوع وراه عصابة مخدرات كبيرة كان شغال معاهم القتيل."
تذكرت أمر مكالمة عمار لها حين اتصل عليها ليستغيث بها ويريد المال.
"يعني أنا كده براءة؟"
أجاب المحامي الذي يجلس في سعادة من أجل موكلته:
"هنخلص حضرتك شوية إجراءات بسيطة."
وعقب الضابط:
"هتخرجي بضمان محل إقامتك وهتفضلي تحت المراقبة لحد ما تخلص التحقيقات مع المجرم، ألف مبروك على البراءة."
"الله يبارك في حضرتك."
قالتها بشبه ابتسامة، وبعد أن انتهت من إجراءات إخلاء سبيلها، خرجت من القسم لم تجد أحد. كانت تود أن يكون في انتظارها، لكن خاب ظنها.
وجدت المحامي يقف بجوار سيارة أجرة وأخبرها:
"مدام ليلة، تعالي اركبي السواق هيوديكي على البيت."
ذهبت ودلفت إلى داخل السيارة، أخذت تراقب الطريق من خلف النافذة وتبكي وتقول داخل رأسها:
"للدرجدي هونت عليك يا معتصم، بالتأكيد المحامي اتصل عليك وقال لك إن أنا بريئة، آه لو تعرف أنا بحبك قد إيه وصعب عليا بعدك عني."
***
وصلت السيارة داخل الحارة ونزلت ليلة لتجد السيدات تتهافت عليها بسعادة:
"حمد الله على السلامة يا ليلة."
وقالت أخرى:
"والله كنا بندعي لك يا بنتي، أصل معدنك طيب وعمرك ما تعملي اللي سمعناه ده."
هزت ليلة رأسها بامتنان:
"شكراً."
أطلقت أخريات الزغاريد التي وصلت إلى والدة معتصم وعايدة التي نهضت من أمام التلفاز لترى مصدر الزغاريد. وقفت هي وحماتها في الشرفة ليجدن الجارة المقابلة تخبرهما بفرح:
"ألف مبروك يا أم معتصم، ليلة خرجت بالسلامة بس بيقولوا راحت عند بيت أخوها."
ردت الأخرى بسعادة عارمة:
"يا فرج الله، لما أروح أكلم معتصم وأقوله."
وكانت عايدة تقف والشر يتطاير من عينيها تقول بصوت خافت:
"هي البت دي مش عارفة أخلص منها! صبرك عليا يا ليلة يا أنا يا أنتِ في البيت ده."
كانت نفيسة تتصل بولدها لكنه لم يرد كالعادة، فقالت:
"الله يسامحك يا معتصم، لازم أنزل أدور عليه وقبلها هاروح لـ ليلة أطمن عليها وأخليها ترجع لبيتها عقبال ما معتصم يرجع هو كمان، وينوروا عليا البيت."
بعد قليل...
أخذت تطرق الباب، نهضت ليلة من فوق الأريكة بصعوبة:
"حاضر."
قامت بفتح الباب فوجدت والدة زوجها التي بمجرد رؤيتها قامت بعناقها:
"حمد الله على السلامة يا حبيبتي، والله فرحت لك لما خرجتي وطلعتي براءة."
"الله يسلمك يا خالتي، اتفضلي اقعدي، تشربي إيه؟"
قالتها وهمت بالذهاب إلى المطبخ، فأوقفتها الأخرى وقالت:
"تعالي هنا أنا مش جاية عشان أشرب، يلا تعالي معايا على بيت جوزك."
وقفت ليلة وحدقتها بنظرة ساخرة:
"وفين جوزي أصلاً؟ مجيت حضرتك على عيني وراسي، لكن أنا مش راجعة وقولي لابنك ما تقلقش أنا مش عايزة أي حاجة منك، أنا ليا ربنا اللي أحن من الكل."
حدقتها الأخرى بحزن وسألتها:
"ليه بتقولي كده يا حبيبتي، كفى الله الشر، إيه اللي حصل."
شعرت بدوار مفاجئ لاسيما بعد أن ازداد التوتر لديها:
"ما فيش يا خالتي، كل اللي أقدر أقوله لك مش راجعة البيت تاني و..."
لم يتحمل جسدها أكثر من ذلك، يكفيها ما تحملته الأيام السابقة وكانت لا تأكل وتكتفي بشرب الماء فقط مما جعلها نقصت وزناً قليلاً، وحول عينيها بدأت الهالات السوداء في الظهور.
وقعت مغشياً عليها، صرخت والدة معتصم:
"ليلة؟"
يتبع....
رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل العشرون 20 - بقلم ولاء رفعت
مالها ليلة يا دكتورة؟ سألتها والدة معتصم.
فأجابت الأخري وتخلع السماعة الطبية من أذنيها: أطمني يا حاجة، مدام ليلة بخير الحمدلله، كل الحكاية إنها محتاجة تاكل و تتغذي و تبعد عن أي ضغط نفسي عشان ده عندها عملها أنخفاض في ضغط الدم، و ده خطر عليها و علي الجنين.
غرت نفيسة فاها عندما أخترقت أذنيها الكلمة الأخيرة، فسألت لتتأكد من سمعها: حضرتك قولتي جنين، هي حامل؟
أومأت لها الأخري بنعم و قالت: اه يا حاجة، و لازم تروح تتابع مع دكتور نسا عشان هيطلب منها تحاليل و يكتب لها علي شوية حاجات.
الحمد و الشكر ليك يارب.
أخذت ترددها والدة معتصم، فكان وقع خبر حمل ليلة عليها جعل كان كنقطة الضوء وسط ظلام دامس. ذهبت مع الطبيبة و قامت بإعطائها المال، فقالت الأخري قبل أن تغادر: معلش يا حاجة ممكن تهتمي ببنتك شوية، واضح إنها ما بتاكلش بقي لها يومين.
ردت الأخري بحزن: حاضر يا دكتورة، هجيب لها كل حاجة نفسها فيها.
إن شاء الله، سلام عليكم.
ردت الأخري التحية ثم أغلقت الباب و عادت إلي ليلة المستلقية علي الفراش دون حراك، و علي خدها عبرة كاللؤلؤة.
ألف مبروك يا حبيبتي، ما تتصوريش أنا فرحانة قد إيه، يمكن أكتر من فرحتي لما عايدة حملت.
ليلة لا رد منها أو نظرة، فأردفت الأخري: أنا عارفة إنك زعلانة مني من كام موقف، أخرهم لما طلبت من معتصم يتجوز عايدة، بس و الله كان قصدي خير، عايزة أجمعكم كلكم تحت سقف واحد و أتباهي بيكم، أنا ما أنكرش كنت بغير علي ابني منك في بداية جوازكم، بس لما شوفت في عينيه إنه قد إيه هو بيحبك و عمري ما شوفته فرحان غير بعد ما أتجوزك، لاقيتني كنت غلطانة أوي في حقك، فبقولك حقك عليا يا بنتي متزعليش مني.
أعتدلت ليلة و قالت: خلاص يا خالتي، حصل خير.
عانقتها الأخري بسعادة ثم أخبرتها: بصي أنا عارفة مش هاتقدري تقومي، أنا هاروح البيت عندي هاجيب شوية حاجات و اعملك لقمة تاكليها، و لما تاكلي و تقومي هاخدك و ترجعي علي شقتك.
ألتزمت ليلة الصمت، ليس لديها طاقة للرفض أو الجدال أو التفكير أيضاً.
نهضت الأخري قائلة: هاروح بسرعة و مش هغيب عنك، لو فيه حاجة رني عليا.
***
تركتها و ذهبت إلي المنزل، فوجدت عايدة ترتدي عباءة سوداء و تهم بالذهاب. سألتها: رايحة فين يا عايدة؟
حدقت الأخري بتوتر فقالت: مفيش، أصل قلقت لما لاقيتك أتأخرتي عند ليلة، فقولت أجي أشوفك و بالمرة أطمن عليها.
جلست نفيسة علي الكرسي و أطلقت زفرة ثم قالت: اسكتي يا عايدة ده أنا كنت هاموت من الخوف عليها، البنت يا قلب أمها مقهورة من اللي حصلها و اللي فهمته معتصم بعيد عنها المهم عماله أقولها أرجعي، و مرة واحدة أغمي عليها و وقعت من طولها، بعت عيل من عيال الحارة يبلغ الدكتورة اللي فاتحة عيادة علي الناصية، جت و كشفت عليها و طلع سبب إغمائها تخيلي إيه؟
عقبت الأخري بقلق و نيران الغيرة و الحقد تنهشها من الداخل: أوعي تكون...
صاحت حماتها بسعادة: يا ماشاء الله طلعت حامل.
حامل!
رددتها عايدة بصدمة لم تنتبه لها الأخري. نهضت و أجابت: أيوه حامل، ربنا يقومكم بالسلامة أنتم الأتنيم و تملوا عليا البيت بالصبيان و البنات، لما أقوم بقي أعملها حاجة تاكلها دي يا ضنايا ما كلتش حاجة من وقت ما تقبض عليها، سيبتها قاعدة لوحدها و جيت، منه لله اللي كان عايز يحبسها ظلم، ربنا ينتقم من كل مفتري و ظالم.
قالتها و دخلت إلي المطبخ، بينما عايدة كانت تنظر في إثرها و الشر يندلع من عينيها. تتحدث داخل عقلها: و كمان حامل، أقسم بالله ما هخليكي لا تتهني أنتِ و لا اللي في بطنك، و لا يطلع عليكم صبح.
استغلت انشغال الأخري و غادرت المنزل علي الفور، كانت تهبط الدرج بخطي أشبه بالركض حتي خرجت من البناء، و لم تلاحظ ذلك القادم من الجهة الأخري. و قبل أن يدلف إلي البناء ألقي نظرة إلي التي تسير بخطي مسرعة. زفر بأريحية فكان لا يريد رؤيتها خاصة بعد ما حدث بينهما في أخر لقاء لهما عندما كان ثملاً.
بعد أن صعد الدرج وجد باب شقة والدته مفتوحاً، دخل ليطمئن عليها: سلام عليكم يا أمي.
شهقت والدته بفزع: بسم الله الرحمن الرحيم أنت جيت أمتي؟
أجاب و يتهرب من النظر إليها: لسه جاي دلوقت، هي ليلة فوق؟
تركت ما بيدها و رمقته بعتاب و قالت: لاء، ليلة رجعت علي بيت أخوها و روحت لها عشان اطمن عليها و أخدها ترجع لاقيتها رافضة ترجع و بتلوم عليك، أنت عملت لها إيه؟
لم يعلم بماذا يجيب، فقال بإقتضاب: مفيش.
فاكرني هبلة يالاه، ده أنا أمك اللي مربياك و حفظاك من و أنت في اللفة، واضح أوي إن فيه حاجة و حاجة كبيرة كمان.
أخبرها بإمتعاض لا يريد الإفصاح عن أي شئ: أرجوكِ يا أمي، دي حاجة ما بيني و ما بين ليلة.
يعني إيه؟، أنا اللي فهمته منها إنك مسألتش عليها و المفروض تكون أول واحد مستنيها لما خرجت من القسم، أستغربت أنت مش موجود إزاي.
زفر بضيق و فاض الأمر به: حضرتك عايزة مني إيه دلوقت؟
رفعت حاجبها و سألته و القلق ينهش قلبها: عايزة اعرف أنت ناوي علي إيه يا ابن بطني، لأن شكلك مش مطمني و قلبي بيقولي أنك ناوي علي نية سودة.
وصل إلي ذروة صبره الذي نفذ للتو فأخبرها بصوت مرتفع: أيوه، أنا هطلقها، خلاص أرتاحتِ!
***
و لدي ليلة بعد أن تغلب عليها النوم، أيقظها رنين جرس المنزل. زفت بتأفف لم تكن قادرة علي النهوض، لكن تذكرت أمر والدة زوجها، لابد إنها هي حيث أخبرتها إنها ستعود إليها.
نهضت بثقل و قالت بصوت يكاد مسموعاً: حاضر، جاية أهو.
سارت بخطوات بطيئة من الوهن حتي وصلت إلي الباب و قامت بفتحه، تفاجئت بالتي تقف أمامها و ملامح وجهها لا تنذر سوي بالشر.
عايدة؟
دفعتها الأخري بكتفها و دخلت دون أن تسمح لها ليلة بذلك و قالت ساخرة: أيوة عايدة، إيه مكنتيش عايزة تشوفيني؟
أجابت ليلة بنفي قائلة: لاء، يعني مش عايزة أشوفك ليه؟
جلست علي أقرب كرسي و وضعت ساق فوق الأخري: أنا أصلاً مش جاية عشان أطمن عليكِ، أنا جاية عشان حاجة هعملها بس قبلها أحب أعرفك إن معتصم قبل ما يكون ليكِ كان ليا أنا كمان.
قرأت علامات الدهشة و التعجب علي ملامح ليلة فأردفت: أنا و معتصم كان بينا قصة حب من زمان، كنت بشتغل في محل تصوير و جمب المحل سايبر بتاع واحد صاحبه، كان كل يوم يجي له مخصوص عشان يشوفني، مرة في التانية و حصل ما بينا كلام، من أول نظرة عرفت إنه واقع في غرامي و مستني مني رد، طلب مني نخرج، خرجنا و اتفسحنا و في كل مرة أشوف في عينيه نظرة حب ما شوفتهاش في عيون أي راجل قبل كدة، جه واحد صاحبه اسمه سعد منه لله كنت أعرفه قبل معتصم و لما عرف بقصتي أنا و معتصم، راح فبرك حوار و قدر يفرق ما بينا، يشاء القدر في نفس الوقت ده صاحب محل التصوير لمح لي إنه عايز يتجوزني و هايجيب لي كل اللي أنا عايزاه بس بشرط جوازنا هيكون في السر.
نهضت و سارت إلي النافذة تنظر إلي الشارع و تسطرد: أنا زي الهبلة طمعت و بدل ما أحافظ علي حب معتصم ليا و أدافع عن نفس قدامه، بيعته و قولت له يبعد و ينساني، و أتجوزت أنا و صاحب المحل اللي كنت شغالة فيه، بس عرفي، مكنتش أعرف إنه متجوز أو هو كان مخبي عليا، شهرين و مراته عرفت، حد شافنا و إحنا خارجيين مع بعض و راح قالها، في لحظة غدر باعني و قطع الورقتين اللي ما بينا، قعدت أترجاه إنه ما يسبينيش و لو أهلي عرفوا ممكن يقتلوني، عايرني و قالي فين أهلك دول، أبوكِ اللي إزازة الخمرة ما بتفرقش إيده و لا أمك اللي بعد ما أتطلقت سابتك أنتِ و أخواتك و راحت أتجوزت، حسيت وقتها إن حق معتصم بيترد له، كنت ضايعة مش عارفة أعمل إيه، شيطاني خلاني أروح أعمل عملية و أرجع بنت بنوت عشان أقدر ألاقي ابن الحلال، بعدها قعدت أدور علي معتصم عرفت إنه سافر، و في يوم كنت بدور علي شغل قابلت جلال الله يرحمه، كان فاتح محل في العتبة طلبت أشتغل عنده، لاقيته أول ما بص لي قالي أنا هقولك علي حاجة أحسن من الشغل، و طلب إنه يتجوزني علي سنة الله و رسوله، طبعاً فرصة ما تتعوضش، و بعد ما كتبنا الكتاب، أكتشفت إنه يبقي أخو معتصم، عرفت قد إيه الدنيا ضايقه و مهما هربت من الماضي هتلاقيه ملحقك طول العمر.
سألتها ليلة بعدما ابتلعت غصتها: و معتصم عمل إيه أول ما شافك؟
حدقت إليها بإبتسامة سخرية ثم أخبرتها: اتصدم، كانت أول اجازة ليه لما رجع من برة و كنت فاكرة نفسي نسيته و اعتبره ماضي و انتهي، لاقتني بتشد له أكتر، عايزاه ليا بأي طريقة، عرضت عليه كتير إننا نهرب و نتجوز و يسامحني عن اللي فات، رفض و أستحقرني ما صدقتش إنه معتصم اللي عرفته زمان خصوصاً بعد ما شوفت في عينيه كمية كره ليا، ما أستحملش و سافر بعد أسبوع علي طول، فضل ما ينزلش كام سنة لحد ما نزل السنة دي، و ياريته ما نزل، قرر إنه يتجوز و جيتي أنتِ خدتيه مني بعد ما كنت خلاص هرجعه ليا بطريقتي.
***
أنت أتجننت!
صاحت بها والدته بعدما صرح عن ما ينوي عليه، فأجاب الأخر: لو سمحت يا أمي، دي حياتي و ياريت محدش يدخل فيها.
أخذت تربت بحدة علي كتفه و تقول: دي ما بقتش حياتك لوحدك يا قلب أمك، مراتك لسه الدكتورة كانت كاشفه عليها و طلعت حامل.
هبط الخبر فوق رأسه كالصاعقة: حامل!
رددها بصوت خافت، فأخبرته والدته: أيوه حامل، و كان مغمي عليها من قهرتها منك، ده بدل ما تروح تطمن عليها و تقولها حمدالله علي السلامة، جاي تقولي هتطلقها!، ما تقولي له حاجة يا عايدة.
عقد ما بين حاجبيه يتذكر أمر عايدة الذي رآها بالأسفل في الشارع: عايدة شوفتها كانت في الشارع و بتمد، هي رايحة فين؟
رفعت كتفيها إلي أعلي و أخبرته: معرفش.
ضرب قلبه شعور مخيف و كأن صوت يأمره بالذهاب إلي زوجته.
ليلة، أنا لازم أروح لها.
رفعت والدته يدها إلي السماء: ربنا يهديك يا بني و يبعد عنكم الشيطان أنت و مراتك.
ذهب إليها راكضاً، و هذا بعد ما شعر بأن هناك خطر يحيط بزوجته، فإنه يعلم عايدة جيداً، و هذا بعدما علم من المحامي إنها هي التي قامت بتدبير المكائد لليلة حتي لو جعلتها متهمة في قضية قتل.
وصل إلي البناء بلهاث، توقف أمام باب الشقة و يستمع إلي الحوار الدائر بين عايدة و ليلة التي تصيح بصعوبة: أنتِ إستحالة تكوني بني آدمة طبيعية، ربنا أدالك فرصة تتوبي و تتعدلي، لكن طلعتي ما تستهليش.
أخرج هاتفه و ضغط علي علامة التسجيل.
بينما بالداخل ردت عايدة بزهو و فخر كأنها ستخبرها أمراً عظيماً: أومال لو تعرفي إن أنا كنت علي تواصل مع عمار و أنا اللي أديته له رقمك الجديد و كنت متفقة معاه إنه يفضل يزن عليكِ عشان تطفشي و أنا من ناحية تانية أخلي معتصم بنفسه يكرهك بعد ما يشوفك واحدة خاينة، و عشان هو كان عيل و.... أعتدي عليا بالغصب، أهو خد جزاءه و أتقتل، و زي ما أستغليته و هو عايش، أستغليته و هو ميت و أخدت السكينة اللي أتدبح بيها حطتها لك في المطبخ و بلغت عنك في نفس الوقت، لكن أنتِ زي القطط بسبع أرواح كل ما أدبر لك مصيبة تطلعي منها.
تراجعت ليلة إلي الوراء و بتوجس سألتها: مش خايفة لأروح أحكي لمعتصم و مامته اللي حكتيه دلوقت؟
أطلقت ضحكة الشر عنوانها و قالت: مش لما تلحقي تروحي لهم الأول، أنا خلاص مش هدبر لك مصايب تاني، المرة دي أنا هخلص عليكِ بنفسي.
زمجرت و أنقضت عليها، أخذت ليلة تركض و تحاول أن تدافع عن نفسها، في ذات اللحظة اقتحم معتصم الشقة و قبض علي ذراع عايدة التي كانت كالوحش الضاري.
أوعي سيبوني أقتلها و أخلص منها.
دفعته بقوة فأطرحته علي الأرض، و أستطاعت في القبض علي عنق ليلة، تقوم بخنقها، كانت الأخري في حالة ضعف و هزال لكنها أخذت تقاوم حتي تمكن معتصم من جذبها بالقوة و ضربها بحافة يده علي جانب موضع عنقها المتخفي أسفل الحجاب مما أدي إلي إنها تفقد الوعي في الحال.
تركها و جذب ليلة بين ذراعيه، يسألها بقلق و خوف: أنتِ بخير؟
أخذت تتحسس عنقها المحتقن بحمرة الدماء آثار قبضة عايدة و قالت: بخير، بخير الحمدلله.
***
تم القبض علي عايدة بتهمة تضليل العدالة و هذا بعدما قدم معتصم تسجيل إعترافها و إصرارها علي التخلص من ليلة.
و في مكان آخر بداخل مصحة نفسية، يجلس حبشي علي التخت في حالة لا يرثي لها، يمسك في يده ورق مقصوص في حجم العملة الورقية و أمامه صندوق خشبي صغير، يمسك كل ورقة علي حده و يضعها قائلاً: أدي جنيه و دي خمسة، و دي ١٠٠، و لو حطينا دول هيبقو خمسة آلاف.
تلفت من حوله بتوجس، يخشي أن يراه أحد و هو يخبئ ما يظنها أمواله، أغلق الصندوق ثم قام برفع الفراش و خبأه أسفله: كده هدي مش هتشوفهم و لا هتاخدهم تاني.
و أطلق ضحكة هيسترية، فهو بالفعل فقد عقله بسبب صدمة فقدانه لماله الذي كان يجمعه طوال السنوات و أخذته هدي التي أصبحت طليقته بعد رفع دعوي طلاق و سرعان ما أخذت الحكم بعد أن قدم المحامي الشهادة الصحية الخاصة بحبشي من المصحة النفسية.
و لدي هدي التي كانت تمكث لدي خالتها بعد. إصرار من الخالة و هذا خوفاً و حرصاً عليها و لكن الأمر الخفي هي وصية و إصرار شريف و إتفاق بينه و بين والدته لا تعلمه الأخري، و كان الأخر يهاتفها بشكل يومي ليطمئن عليها، كان حديثها دائماً معه مقتضباً، فقطع الإتصال مرة واحدة، أجرت هي الإتصال عليه و كان الأخر لا يجيب مما أثار خوفها، وقعت عيناها علي تاريخ اليوم في النتيجة المعلقة علي الحائط و تذكرت إنه قد مر شهران بالفعل منذ أخر لقاء بينهما و إنتظاره لكلمة يطوق لها شوقاً.
نهضت بفزع و ذهبت إلي خالتها في غرفتها وجدتها تقرأ آيات الله بعد أن أدت فرضها. وقفت أمامها ريثما قالت: صدق الله العظيم.
رفعت الخالة عينيها إليها و سألتها: فيه حاجة يا هدي؟
أجابت الأخري بتوتر و سألتها: هو شريف بيكلمك، أصله بقي له يومين ما أتصلش و جيت أتصل بيه ما بيردش.
خلعت الخالة عويناتها الخاصة بالقراءة و أخبرتها بهدوء: هو ما بيتصلش عشان مشغول و كان بيحضر للسفر، و كان مكلمني الصبح قالي إن ميعاد طيارته الساعة ستة المغرب.
نظرت هدي في هاتفها لتجدها الخامسة و خمسة عشر دقيقة، شهقت و قالت: ده فاضل ساعة إلا ربع علي الطيارة، ليه يا خالتي ما قولت ليش من بدري؟
تنهدت الخالة و أجابت: و هيفرق معاكِ في إيه، ما أنتِ ما بتسأليش عليه، و كلامك كله معاه كان علي قد السؤال، و ابني ما بيحبش يغصب حد علي حاجة.
سألتها مرة ثالثة بلهفة، فالوقت ليس في صالحها و عليها أن تلحق به قبل خسارته: هو فين كده دلوقتي؟
زمانه بيجهز و نازل دلوقت لأن المطار قريب منه.
فقالت لها الأخري و يبدو عليها العجلة من أمرها: خلي بالك من محمد و بسنت، أنا نازلة.
قالتها و ذهبت تبدل ثيابها و غادرت المنزل في دقائق، أشارت إلي سيارة أجرة و أخبرت السائق بالمكان الذي يمكث فيه شريف. و عندما اقتربت السيارة من البناء، وجدت شريف قد ولج إلي داخل السيارة التي سوف توصله إلي المطار، أنطلقت به، فصاحت في السائق: معلش ممكن تطلع ورا العربية دي بسرعة.
نفذ الأخر طلبها، أسرع خلف السيارة، و في طريق السيارات، أقتربت السيارة التي هي بها من السيارة الأخري حيث يجلس شريف.
قامت بفتح زجاج النافذة و قامت بالنداء عليه: شريف، يا شريف.
و كان الأخر ينظر إلي شاشة هاتفه و لم يسمع شيء و هذا لأن الزجاج بجواره مغلقاً. رأي سائقه عبر المرأة هدي التي تناديه بكل قوتها: لو سمحت يا فندم، فيه واحدة ست في العربية اللي جمبنا عماله تنادي علي حضرتك.
ألتفت ينظر من خلف النافذة المغلقة، فتح الزجاج و حدق إليها يسألها: إيه اللي جابك ورايا؟
صاحت بجملة واحدة: أنا موافقة.
لم يصدق ما سمعه، فأشار لها نحو أذنه لتكرر ما تفوهت به، فصاحت مرة أخري: أنا موافقة نتجوز.
أسرع قائلاً إلي السائق: وقف لو سمحت علي جمب.
و فعلت هي المثل، فتوقفت السيارة التي بها، ترجل كليهما و تقابلا و أعينهم تنضح بالسعادة و الفرح.
حاول أن يهدأ روعه ليهدأ أيضاً قلبه الذي ينبض بقوة، و قال: و أنا أوعدك طول ما أنا فيا نفس هشيلك جوه عينيا، بحبك.
حدقت إليه بسعادة و خجل معاً ثم أجابت: و أنا كمان...
سألها بلهفة: و أنتِ إيه؟
نظرت إلي أسفل و خديها يضربهما حمرة الخجل: أنا كمان بحبك.
***
و لدي ليلة بعد أن قام معتصم بإنقاذها، أمرها بالعودة إلي منزلهما و هذا بعد إصرارها علي المكوث في منزل عائلتها خاصة بعد علمها ما حدث إلي شقيقها و بالرغم ما كان يفعله به أشفقت عليه و دعت له بالهداية.
لكن بعد أن عادت و ظنت إنه قد غفر لها و يعود إليها، تفاجئت إنه جعلها تعود من أجل أن يعتني بها حتي تضع مولودها و سوف يقرر حينها ماذا يفعل معها. كان ينفصل عنها في غرفة أخري و لا يتحدث لها سوي في الضرورة.
كان هو بداخل غرفة و هي في غرفة أخري، تبكي علي جفاءه و قسوته برغم وجوده معها في نفس المنزل. البعد في القرب من أسوأ أنواع الفراق.
و في المساء، كانت تجلس داخل الغرفة و تعلم بوجوده في الغرفة الأخري، كم آلامها ذلك و شعرت بالقهر. و في خضم تلك الأفكار، انقطع التيار الكهربي فجأة، أنتابها خوف شديد من الظلام. أخذت تردد بعض الأذكار ليطمئن قلبها، نهضت و مدت يديها تلمس كل ما يقابلها حتي أستطاعت الوصول إلي الغرفة المجاورة حيث يغط في النوم أو هكذا تعتقد، فكان مستيقظ لكن لأنه يغلق الباب و الإضاءة مغلقة أيضاً لذا لا يعلم بإنقطاع التيار.
قامت بإدارة المقبض و ولجت تناديه بنبرة لمس بها رجاء: معتصم، يا معتصم.
حاولت الوصول إلي السرير الذي يتمدد عليه، أجاب بجدية و إقتضاب: نعم؟
وضعت يدها علي السرير لتجلس فقالت: النور قطع و أنا بخاف من الضلمة.
بمجرد أن سمع كلماتها ابتسم ثم تصنع عدم الإكتراث قائلاً: و أنا أعملك إيه؟
ممكن أقعد معاك لحد ما النور يجي.
أطلق زفرة و نهض يلتقط هاتفه من فوق الكمود و قام بتشغيل ضوء الفلاش، رآها تجلس علي طرف الفراش و تحدق إليه بخليط من النظرات الرجاء و الخوف و أخيراً الندم و طلب السماح.
تفوهت بتوتر تخشي من ردة فعله: مش كفاية بُعد، بقي لنا أكتر من شهرين يا دوب الجواب علي قد السؤال، و أنت في أوضة و أنا في أوضة زي الأغراب، أتكلم، عاتبني، طلع كل اللي في قلبك بدل ما أنت سايبني هاموت من كتر التفكير.
حدقها بذات النظرة التي رمقها بها في المخفر عندما علم بكل شئ: سكوتي أحسن لك بكتير، لأن لو أتكلمت كلامي هيزعلك.
باغتتها غصة علقت في حلقها و قلبها يخفق بقوة من كلماته و نظرته التي تمنت أن يقتلع قلبها بيده و لا ينظر إليها هكذا.
طيب لما أنت شايل مني أوي كدة، ليه خلتني أرجع؟
لأن واخد عهد علي نفسي، عمري ما أتخلي عنك.
بدأت تتجمع الدموع في عينيها و قالت بصوت يوشك علي البكاء: بس أنت أتخليت، عايش معايا و بعيد عني في نفس الوقت، عقابك ليا مش قادرة أستحمله، عارفة إني غلطت لما خبيت عليك، بس برضو أنت غلطك ما يفرقش عن غلطي، خبيت عليا إن مرات أخوك كانت البنت اللي بتحبها، و علي كلامها اللي قالته ليا شكلها كانت بتحاول معاك تكون ليها، و اللي زي عايدة دي ممكن أتوقع منها أي حاجة، و قلبي بيقولي مليون في المية حصل ما بينكم مواقف و محاولات منها و أنت بالتأكيد مخبيها عليا، صح؟
أثر الصمت و يتذكر تلك المشاهد لاسيما الموقف الأخير الذي حدث بينهما بعدما تم القبض علي ليلة.
نهضت و صاحت به: يعني إحساسي طلع صح، طيب أنا علي الأقل يشهد ربي عليا من ما أتجوزتك صونت عرضك و شرفك في غيابك قبل حضورك، و لما خبيت عليك تهديدات عمار ليا مش عشان خوف منك، عشان حاجتين أولهم عارفة أنك دمك حامي و مش هاتسكت و ممكن كنت هتودي روحك في داهية، الحاجة التانية خوفت لتفهم غلط و تسيبني و تبعد بعد ما قلبي أتعلق بيك و حبيتك، أي واحدة فينا قلبها مليان أسرار، ساعات البوح بيها زي ما بيرفعها لسابع سما ممكن يخسف بيها لسابع أرض، و أنا مكنتش عايزة غير بر الأمان و هو حضنك.
لم تستطع السيطرة علي دموعها التي تحررت علي وجنتيها كمجري نهر منهمر، نهضت و أتجهت نحو الباب: أنا هامشي و هاقعد في بيت أهلي، لأن خلاص ما بقاش عندي طاقة أستحمل.
و قبل أن تخطو قدمها خارج الغرفة و جدت يده تجذبها و جعلها ترتمي علي صدره، ينظر إلي عينيها التي تصل إليها إضاءة الفلاش الخافتة، قال لها بكل جوارحه: أهلك و ناسك هما أنا، و قسماً باللي خالقني و خالقك، ده عمره ما عرف يعني إيه حب غير علي إيديكِ.
أشار لها إلي قلبه و أردف: أنا سبب زعلي منك هو إن كل ما أتخيل إن الحيوان ده كان بيكلمك أو بيشوفك، دمي بيغلي و حظه إنه أتقتل، عشان لو كان عايش كنت أنا اللي خلصت عليه بنفسي، اليومين اللي بعدت عنك فيهم لما كنتِ في الحجز، كان كل دقيقة بتمر عليا كنت بتعذب فيها، عاقبت نفسي قبل ما أعاقبك، أكتشفت أن كلمة حب دي قليلة أوي علي اللي جوايا ليكِ، ليلة أنا بعشقك أوي.
أنهي حديثه بإلتقام شفتيها في قبلة بث إليها من خلالها كل مشاعره و هيامه، عانقها بشوق الغائب الذي عاد إلي أرض وطنه بعد عذاب الغربة، تحولت القبلات إلي همسات و نظرات و لمسات أنتهت بإتحاد جسديهما في تناغم و عشق فاضت الأفئدة به فأصبح التيم و الهيام عنوان قصة عشقهما.
***
بعد مرور شهر و نصف تم عقد قران هدي و شريف في حفل عائلي، بعد أن أنتهي أخذها إلي الساحل الشمالي ليقضي معها أجمل ليالي العشق و الغرام، فها هو قد فاز بحب عمره بعد صبر سنوات.
و في يوم عاد من الخارج يبحث عنها وجدها تقف في المطبخ تعد الطعام و لم تنتبه إليه. مد يديه إلي خصرها ليعانقها من الظهر فشهقت بفزع.
مش تكح و لا تعمل صوت بدل ما تخضني؟
جعلها تلتفت إليه و قال: سلامتك يا روحي، أصل بصراحة أول ما شوفتك نسيت نفسي و لاقيتني بحضنك، أصلك وحشاني أوي.
ابتسمت وقالت بمشاكسة: لحقت أوحشك و أنت لسه سايبني من الصبح!
أنتِ أصلاً بتوحشيني و إحنا مع بعض، فما بالك لما ببقي بعيد عنك و لو دقيقة.
قالها و أختطف قبلة ناعمة من شفتيها.
و بعدما حرر موطن كلماتها من خاصته، قالت: روح غير هدومك، عقبال ما أحط الأكل.
أخرج من جيبه علبة مخملية و قام بفتحها ليظهر منها خاتم تتوسطه ماسة: كان نفسي أشتريهولك قبل كتب كتابنا بس مكنتش ظروفي متظبطة، و الحمدلله من يوم ما بقيتي مراتي و ربنا رزقني من وسع.
حبيبي ربنا يخليك ليا، بس أنت مش مخليني محتاجة حاجة أبداً، و الخاتم ده شكله غالي أوي.
أمسك يدها و قام بتقبيل راحة كفها: أنا لو بأيدي، أجيب لك نجمة من السما، و الغالي أتعمل علشانك.
حدق إليها بابتسامة ماكرة و اخبرها بنظرة شوق عاشق متيم و أردف: أنا مش عايز أتغدي.
سألته بدلال و تتغنج بين يديه: أومال عايز تاكل إيه؟
عايز أكلك أنتِ.
قالها و ألتقط شفتيها و عانقها بقوة، يريد أن يخبئها بين أضلعه، كل يوم يزداد عشقه نحوها، فكل منهما كان للأخر الفوز بعد صبر و عناء.
***
بعد مرور خمسة أشهر...
أستيقظ معتصم بفزع علي صوت صرخات ليلة التي لم يعرف النوم درباً إلي عينيها منذ الأمس، بدأت آلام المخاض تتزايد حتي وصلت ذروتها في الصباح الباكر، و لم تتحمل كبت الألم أكثر من ذلك.
ألحقني يا معتصم، أنا بولد اه.
صرخة ألم و تقف تستند علي الحائط داخل المرحاض.
نهض و ركض إليها: حبيبتي معلش و الله نمت غصب عني، ثانية هاتصل بهدي و لا أقولك أتصل علي الدكتورة.
كانت تقف منفرجة الساقين و بملامح متألمة تخبره: مش قادرة أتحرك من مكاني.
اقترب منها و أمسك بيدها يسندها: يا قلبي تعالي نامي علي السرير، هنادي لك علي أمي عقبال ما أروح أجيب لك الدكتورة عشان الوقت ده بالتأكيد مش في العيادة أو المستشفي.
صرخت بألم: لاء، خليك جمبي ما تسبينيش.
حاوط كتفيها بذراعه و قام بتقبيل رأسها: معلش يا حبيبتي، أستحملي.
تحدث مع أحد أصدقائه ليحضر إليه سيارة أجرة أتت في دقائق لا تذكر، حمل ليلة علي ذراعيه و نزل الدرج ثم وضعها داخل السيارة و جلس بجوارها، يمسك بيدها و يمسح علي رأسها يزيل قطرات العرق من فوق جبهتها.
و في داخل المشفي، بمجرد أن دلفت غرفة العمليات تمت الولادة علي الفور.
و في غرفة تملؤها الزينة و البالونات، تحمل هدي الرضيعة و تنظر لها بسعادة: بسم الله ماشاء الله، بنوتة زي القمر، ربنا يبارك لكم فيها و تفرحوا بيها، و حمدالله على سلامتك.
عقبت ليلة التي تمسك بيد معتصم: الله يسلمك يا هدي، و ربنا يقومك بالسلامة.
أعطت هدي الرضيعة إلي والدة معتصم التي حملتها بحرص: بسم الله ماشاء الله.
و نظرت إلي ليلة: حمدالله علي السلامة يا بنتي.
ابتسمت الأخري و قالت: الله يسلمك يا ماما.
كان شريف يقف في زاوية و يمسك بيد بسنت و شقيقها محمد الذي سأل: عمو شريف هي ماما هاتجيب لنا نونة زي نونة عمتو ليلة؟
أجاب الأخر: اه يا حبيبي، هاتجيب أخوك الصغير و تلعبوا مع بعض.
فقالت الصغيرة: اشمعنا محمد ماما هتجيب له أخ و أنا كمان عايزة أخت.
ضحك الجميع علي كلمات الصغيرة، فسألت هدي: ألا قولوا لي سميتوها إيه؟
أجاب معتصم و الفرح يرسم بسمة تملئ ثغره: ليلة.
تمت بحمدالله.