حال الصمت لدقائق قبل أن تطلب جنى منها أكمل ما بدأت. كانت دموعها تتساقط واحدة تلو الأخرى، بكاء بلا ضجيج لا يشعر به، دموع قاسية جداً. جنى: سلمى، ممكن تكملي؟ سلمى: هتسمعي وبس يا دكتورة، مش عايزة تقولي حاجة. جنى: قولتلك أنا هنا عشان أسمع وبس، أكيد لما يجي الوقت المناسب هتكلم، كملي ياحبيبتي. سلمى: إللي جاي جائز يصدمك بس حصل، ولو الأيام رجعت بيا كنت هعمل كدا تاني.
في هذه اللحظة بدأت سلمى تبتسم، ابتسامة هادئة بدت وكأنها أحبت تلك الذكريات وتشبتت بها جيداً. سلمى: عارفة يا جنى، في الأول حاربت فكرة تفكيري في حد تاني غير جوزي، كنت بستحقر نفسي جداً. تابعت سلمى حديثها بتوتر ملحوظ، صوت يعلو فينخفض، عيون تملؤها الدموع، كأنها تود إخبار جنى ما حدث كان رغماً عنها.
سلمى: لما كنت بقعد وأفكر وأسأل نفسي ليه كدا، أنتِ مش كدا ولا ينفع تفكري في حد تاني، كنت بفكر نفسي قد إيه جوزي تعبان في الغربة بعيد عننا، بيحاول ميحرمنيش من حاجة أنا وأولاده، ميستحقش مني غير الامتنان والحب. بشوف كتير حواليا كتير يتمنوا ربع إللي أنا فيه. العطاء دا من أسمى معاني الحب، أن حد يديك حاجة من غير ما يحاسبك عليها، هو دا الأمان وهي دي الثقة. سليم جوزي كان بيعوضني بدأ، نفسك في أي هاتيه، لبس، أكل، مكياج.
كنت بشوف كل ده بيزوقني لغيره، هو هيدفع وغيره هيملى عيني. تخيلي أوقات كنت أمسك موبيلي وأتصور بلبس البيت عشان ابعتهاله، بس كنت بتكسف، كان نفسي في مرة يقولي ابعتيلي صورتك وحشتيني. بس مكنش بيطلب، كان مكتفي بالعشر دقايق. مش ببرر لنفسي إللي عملته، بس دا الجسر اللي مشيت عليه عشان أوصل للي في بالي. عارفة يا جنى، الغيرة في الجواز دلالة حب، أنا شايفه كده، حاسة لو جوزي كان غار عليا كنت هضم ده لخانة الحب والاهتمام.
لو كان طلب مني أتنقب كنت اتنقبت، لو حسيت بحبه فعلاً كنت هعمل كل حاجة يطلبها مني. جنى: أفهم من كده أن الحب عندك غيرة واهتمام. سلمى بأستهزاء: أيوه، وهو بقى لا غار ولا اهتم ولا في باله غير المستقبل والدنيا بتغلاء ولازم نأمن مستقبلنا. بتنهيدة قوية كأنها تخرج من باطن بركان، تابعت سلمى حديثها قائلة: عدا يومين وجه معاد الدرس. النهاردة في حاجة مختلفة، فاكرة لما قولتلك الأيام كلها شبه بعضها؟ ده كان زمان.
النهاردة بقى قمت لبست أجمل ما عندي، حطيت مكياجي بعناية أكتر، خدت بالي من نفسي وأنا ببص في مرايتي، دي مش أنا! خلصت وخدت الأولاد الدرس بعدها ودعتهم. بحبل لقيت رجلي بتاخدني لعنده، النية انتقام على قلة ذوقه لما عاكسني، بس إللي حصل كان غير كده. جنى: الشاب ده اسمه إيه يا سلمى؟ عنده كام سنة؟ كلميني أكتر عنه. سلمى: اسمه حمزة، شاب في الثلاثينات من عمره.
مش هقولك أجمل من جوزي، بس عيني معرفتش تشوف غيره، قلبي مدقش من تاني إلا ليه. تابعت سلمى بابتسامة حائرة. عارفة حسيت فجأة إني بنت 18 سنة، مراهقة من تاني، فرحانة من جوايا أوي، مش خايفة من حاجة. المفروض كنت أخاف، الناس هنا كلهم يعرفون بعض كويس أوي، وبيركزوا مع بعض جداً، لكن حالة الحب اللي دخلت قلبي قوتني على الناس وعلى نفسي وعلى سليم، بقيت واحدة عايزة تعيش اللحظة وكأني بعوض قلبي عن حرمان السنين اللي فاتت.
جنى: سلمى أنتِ رحتي لحمزة؟ سلمى: أيوه روحت. كان عنده محل بن بيحمص فيه القهوة وبيصحنها، وكان بيعمل قهوة (مشروب) دخلت عنده بكل ثقة وطلبت ربع قهوة محوج. أتوتر جداً وبان عليه، حسيت عايز يسألني أنتِ جايه ليه. وقفت أبص للمجهول جوا المحمص، كنت مكسوفة أبصله، ويمكن خايفة عيني تفضحني. خلص القهوة واداهالي واديتو حسابها ولفيت بكل غرور ومشيت. متستغربيش من كلامي، حبه ليا حسسني بالغرور، حسسني قد إيه قوية.
لم يمضي الكثير من الوقت وكانت سلمى قد اصطحبت أولادها إلى منزلهم، فور دخولها من باب شقتها ألقت الكيس من يديها على أقرب طاولة وكأنها تدفع توتر الساعة الماضية عن عاتقها. تابعت سلمى بتمعن شديد. سلمى: اليوم ده بالذات كنت بحاول أخلص كل حاجة ببطء، طبخ، مذاكرة، تنضيف، كأن جوايا بيمنعني عن إللي عقلي ناوي عليه. زي ما تكون نفسي بتديني مهلة أتراجع. أزاي أرجع؟ كنت عارفة هعمل إيه من أول ما رميت الكيس من إيدي. فعلًا خلصت كل حاجة.
لقيت نفسي بجيب الكيس بتاع المحل وبدخل رابط الصفحة الخاصة به على الفيس بوك. هنا كانت لحظة المتعة. صور كتير ليه قدامي، معلومات أكتر عنه، حياته، شغله، دراسته، هواياته، أهله، حرفيًا عرفت كل حاجة. قاطعت جنى حبل ذكريات سلمى بسؤالها المليء بالفضول، وبعينين متسعتين قالت: أنتِ اللي راسلتيه الأول؟ سلمى: أيوه، لقيت نفسي بكتب تعليق تحت منشور للمحل وقولت: "البن بتاعكم جميل جداً إن شاء الله مش آخر تعامل."
ممرش وقت طويل لقيتها رد: "ده من ذوق حضرتك يا فندم نورتي المكان." من هنا بدأت الحكاية عندما استيقظت سلمى في اليوم التالي لتجد رسالة جديدة واردة على تطبيق التواصل الاجتماعي. تابعت سلمى: سلمى: صحيت تاني يوم يا جنى لقيتهُ باعتلي من صفحته الشخصية، أنا بقى في الوقت ده أتوترت، فرحت، خوفت، ابتسمت، خليط مشاعر في وقت واحد. بس ده مانعش إني أفتح الرسالة وبسرعة كمان.
"حضرتك نورتي المكان على فكرة عندنا أنواع كتير من البن لو تحبي تجربي حاجة غير المحوج." سلمى: "أكيد لو عايزة حاجة هطلب من حضرتك شكراً." حمزة: "في عندي قهوة فرنسي حلوة جداً." سلمى: "خلاص يا أستاذ حمزة مكنش ربع قهوة ده." قاطعتها جنى بأنفعال: بتهزري أنتِ! احرجتيه؟! طب إزاي وليه قربتي من الأول؟ جنى: هو عقلك كان رافض إللي بيحصل؟ سلمى: هو ده بالظبط، عقلي رافض جداً بس قلبي بيدق أوي.
حالة كنت بخاف على نفسي منها، شعور عظيم بالحب مقابله شعور بالعظمة، نفسه بالرهبة وجلد الذات. جنى: ده وقفك؟ سلمى: لا لا موقفنيش، أنا حد مغامر جدااا لما بتجيله الفرصة. جنى: تفتكري المغامرة مش كان لازم تخوفك؟ مغامرة يعني تتحرري من القيود كلها، وده ناقوس خطر بالذات أنتِ ست متجوزة. سلمى: أنا كنت مقيدة فعلاً، بس الفرق إني أنا اللي كنت مقيدة نفسي مش حد مقيدني.
كان نفسي سليم جوزي يحكمني أكتر من كده، يحاول يوازن بين الثقة والغيرة وبين الدلع والحب والاهتمام، بس كان دايماً يختار حاجة واحدة من الحاجات كلها. مثلاً اختار يحبني ويثق فيا. جنى بأنفعال مكتوم: تفتكري ده مش كفاية يا سلمى؟ إللي بتقوليه ده حلم أي ست، كلهم بيحلموا بالراجل اللي يديهم الثقة والأمان. سلمى بأنفعال: كل ست بس مش أنا، أنا قوية من جوايا بقالي 8 سنين متجوزة عمري ما شكيت لحد، عمري ما اعترضت على حاجة.
ست شايلة بيت وتوأم لوحدي، فراغ عاطفي متحملة ومكملة، كنت بطلب الاهتمام ولما مش ألاقيه بكمل عادي. كنت واقفة على أرض صلبة وقد وقفت. كنت ست مبتذلة جداً، أنا كنت حاسة بكده. رغم الكل شايفني ست الستات، في ستات صحابي بيقولولي يا بختك، بس أنا كنت قوية أكتر من اللازم يا جنى، يمكن لو كنت ست ضعيفة كانت حياتي هتبقى أفضل. بداخل كل شخص قوي شخص آخر ضعيف جداً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!