ابتلعت ريقها بكل مرارة وقسوة إلى أن أحست باختناق. مضى كل ما رأته لتكون الضربة التي أوجعت قلبها، ولكنها أفاقت عقلها. لتستيقظ من ذلك الكابوس بفزع شديد وجسد يتصبب عرقًا وكأنها كانت في مواجهة حقيقية. لتشعر بجسدها يؤلمها، متعبة غير قادرة على الحراك. هنا نظرت حولها لتتأكد أين هي.
استقرت نبضات قلبها بعد أن رأت غرفتها، حينما أدركت بأنه كابوس أشبه بواقع مؤكد. حينها تيقنت نغم من أن الصراع القائم لم يكن سوى حلم بشع، أو لعله رسالة من الله تأمرها بالابتعاد عن ذلك الرجل. هذا هو لطف الله. الأحلام رسائل إلهية ذات معاني تستحق الفهم. أشياء كثيرة شغلت تفكيرها، ولا تعلم أين كان عقلها حينها. تابعت نغم:
"لما صحيت وأدركت أني لسه في بيتي حمدت ربنا. قمت اتوضيت وصليت ركعتين شكر لله، أن ربنا ينور بصيرتي. دي حاجة كبيرة أوي حسيت إن ربنا بيطبطب على قلبي. بس جسمي كان واجعني جدًا كأن كل اللي حصل في الحلم كان حقيقة. عضلات جسمي كلها كانت وجعاني. إحساس غريب جدًا. حالة عشتها في الحلم بس كأنها واقع مؤلم. يااه على رحمة ربنا." جنى: "اللي شوفتيه ده ليه تفسير علمي يطلق عليه (الحلم الجلي أو الصافي)
وهو حلم بيكون واضح جدًا حقيقي. بيكون في إمكانية عالية لصاحب الحلم يغير مجريات اللي بيشوفه ويقدر يتحكم فيه كويس جدًا. وتفسير العلماء أن الفص الجداري من الدماغ بيكون نشط جدًا في الوقت ده وبيأكدوا إن اللي بيحلم في الوقت ده بيكون واعي ومستيقظ لوقت معين مش نايم زي ما هو فاكر. وده معناه أنك قاومتي في الحلم زي ما كنتِ هتقاومي في الواقع بالضبط. ردة فعلك كانت حقيقية جدًا وبتمثلك عشان كده حسيتي بالألم ده كله في جسمك."
نغم بأستعجاب: "أول مرة أعرف الكلام ده." تابعت جنى أسألتها: "طب لما الساعة جت 12 زي ما اتفقتوا حصل إيه؟ نغم: "ولا حاجة. فضلت في بيتي ومبعتش ليه رسالة ولا رنيت عليه. اكتفيت بالصمت، لحد ما بقى العصر تليفوني وصلت عليه رسالة منه. لقيته بيقولي 'انتي مجتيش ليه، انتِ كويسه؟ "رديت عليه عشان أنهي الموضوع بطريقة طبيعية." نغم:
"الحمد لله بخير، بس أنا حاسة أني بقيت كويسه ومش محتاجة أكمل. حتى سمعت شيخ كبير بيقول إن ممكن الواحد يرقي نفسه والحمد لله بصلي وبقرأ قرآن. أكيد بقى مادام مع ربنا مش هيصيبني سوء." محمود: "إزاي يعني لازم تيجي الجلسة دي عشان أحصنك بعدها ولا هتعملي ده لوحدك برضه." نغم: "لا أنا كده كويسه جدًا." محمود وبعد أن أحس أن خطته فشلت: "أنا أعرف أكتر منك." نغم: "وأنا بقولك خلاص مش عايزة." محمود:
"يا نغم فكري الأول عشان كده السحر لسه متفكش وأنا عارف نفسك تحملي هترجعي تندمي بس وقتها مش هيكون في إيدي حاجة أعملهالك." نغم: "لو ليا نصيب في حاجة أكيد هشوفها." محمود بيأس: "أنا بحبك." نغم: "تاني؟ وأنا إلى بقول أنك حسيت بالذنب ورجعت لربنا." محمود: "الحب مش ذنب، الذنب الحقيقي إنك تسبيني. أنا بحبك ومش هينفع تبعدي." نغم: "يا شيخ راعي إني متجوزة." محمود: "أطلقي وأنا هتجوزك. هعيشك ملكة على عرش قلبي." نغم
مقاطعة رسائله المتتالية: "أسفه مضطرة أعملك حظر." بالفعل قامت نغم بحظر محمود من جميع مواقع التواصل الاجتماعي. لقد فاقت من ذلك الكابوس في الخيال وفي الحقيقة. جنى: "وكده خرج خالص من حياتك." نغم: "بعتلي من أرقام مختلفة، بس المرة دي مش حب، وغزل. المرة دي تهديدات لو مردتش عليه عنده الطرق اللي يخرب بيها حياتي. وأقسم لي أن عنده القدرة يفرقني عن جوزي وهو يتجوزني وبإرادتي." جنى: "الكلام ده من زمان؟ نغم:
"لا التهديدات دي من كام يوم بس عشان كده كان لازم أتكلم معاكي. خايفة أوي ومحتاجة حد ينصحني أعمل إيه. خايفة لو فادي عرف ممكن يعمل فيا إيه. وصعبان عليا أكسر كلامه من البداية كان رافض السكة دي وأنا كسرت كلامه. ليكي أن تتخيلي رد فعله بالذات عصبيته الفترة الأخيرة تخوف أوي." جنى:
"اهدّي يا حبيبتي إن شاء الله خير. إحنا هنقسم مشكلتك لقسمين. القسم الأول وهو محمود تهديداته هنعتبرها مش موجودة ومحصلتش أصلًا، عشان لو بإيده حاجة زي ما قالك كان نفع نفسه من البداية. لكن ده فخ بيوقعك فيه عشان تخافي فتقربي منه تاني. يعني نقدر نقول إن مفيش مشكلة حقيقية ما إلا وهم بيبعوه لناس." "ثانيًا ودا الأهم هو فادي. كل اللي حكتيه عن علاقتكم آخر سنتين يأكد أن في حلقة مفقودة في علاقتكم." نغم: "إزاي؟ جنى:
"الراجل الشرقي يا نغم لما يتحط في خانة الربط بين الخلفة والذكورة وإن يكمل مع ست حتى لو سليمة عقله بيرفض ده قطعًا، ويبدأ يشوف ست تانية يمكن عقدتهُ تتفك معاها ويخلف فعلًا. وهنا مش عشان محتاج ست تانية ولا عشان نفسه في طفل. لا رقم واحد بالنسبة له عشان يثبت لناس أنه ذكر كامل قادر يثبت وجوده بالخلفة. الحاجة دي بالنسبة لهم إنجاز." نغم: "يعني ممكن يكون متغير معايا عشان أتجوز عليا مثلًا؟ جنى:
"لا متوقعش. لو متجوز عليكي فعلًا هيكون ألطف معاكي من الأول بكتير عشان يشتت انتباهك عن علاقته الجديدة." نغم: "اللي هتنصحيني بيه أنا هعمله." جنى: "هطلب منك طلب مهم جدًا. عايزاكِ تروحي معمل التحاليل اللي عملتو فيه تحليل الخصوبة من سنتين وتجيبي النتيجة اللي محفوظة عندهم باسمك أنتِ وفادي." نغم: "إنتِ شاكة في إيه؟ جنى: "لما نشوف التحاليل قدامنا هقولك." نغم: "حاضر، أنا هطلع من عندك دلوقتي على المعمل." جنى:
"أول ما تخلصي كلميني." نغم: "شكرًا لحضرتك بجد وأسفة ع الوقت الطويل اللي خدته." جنى: "متقوليش كده، سعيدة إني اتعرفت عليكي. ومعاكِ لحد ما تبقي على يقين أن موضوع الحمل ده بإرادة ربنا وحده." نغم: "ونعم بالله. عن إذنك." جنى: "أتفضلي." غادرت نغم العيادة بارتياح شق له قلبها. كانت بحاجة إلى شخص يطمئنها ويزرع بها الثقة مجددًا. ما قالته جنى عن محمود، ووصفه له بالضعيف زاد هذه الفتاة قوة وصبرًا على الحياة.
الأشخاص في حياتنا كقطرات المياه. أما أن تقطر عليك برفق فتبتسم، وأما أن تسكب عليك الماء سكباً، فتغمر المياه ملابسك، وتضوج منها وتبحث عن ملابس غيرها. اللهم اجعلنا ممن يقطر على الناس بالطمأنينة والحب لتزهو القلوب والأرواح. لم تستطع نغم الانتظار لليوم التالي. استقلت سيارتها، واتجهت نحو المركز الطبي الذي يقطن به الدكتور جمال. لم يكن جمال هو وجهتها، إنما معمل التحاليل التابع له.
همت بالدخول، لم تكن ضعيفة. إنها امرأة أخرى تعتليها القوة، كانت أشبه بصقر جامح يبحث عن فريسة. أرادت أن تظهر قوية لتضح أمامها الأمور، لم ترد إظهار ضعفها فيستهان بها. نغم: "مساء الخير." موظف الاستقبال: "مساء النور يا فندم، أقدر أخدم حضرتك إزاي؟ نغم: "كنت عاملة هنا تحاليل من سنتين وأكيد مسجلة عندك على الكمبيوتر، محتاجة نسخة منها." الموظف: "أكيد يا فندم، بس بطاقة حضرتك أتأكد من الاسم المطابق هنا." نغم: "أتفضل."
الموظف بعد أن أدخل البيانات وتأكد من وجود تحاليل لها ولزوجها أعاد إليها البطاقة، لكن عينيه كانت حائرة، تارة تنظر إليه وتارة أخرى تنظر إلى الحاسوب محدثًا نفسه: "هو إيه ده؟ طب إزاي ده في نتيجتين للتحليل نفسه؟ أطبعلها أي وأسيب أي؟ طب أعرفها ممكن يكون عندها خلفية وتفهمني ولا تكون هي أصلًا مش عارفة والدكتور يحاسبني ويغلطني؟ حيرة تسيطر على ملامحه إلى أن قاطعته نغم: "حضرتك هو في مشكلة ولا حاجة؟ الموظف بعد أن اتخذ القرار:
"مش عارف أقول لحضرتك إيه بس.... *** سيأتي يوم ويرفع الستار ليجرد من الستر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!