نظر عدى إلى بتول والدموع تتسابق على وجهه قائلاً بقلب مكسور: -بابا ريان عمل حادثة وحالته خطيرة. متزامناً مع خروج الطبيب من عند وليد بوجه حزين، قال بأسف: -للأسف المريض حالته تدهورت جداً وحالياً دخل في غيبوبة. هننتظر اثنين وسبعين ساعة، الساعات دي لو عدت بخير يبقى كده الخطر راح، بس معرض يحصل مضاعفات كتير ممكن تؤدي إلى وفاة المريض في الساعات دي. كثفوا الدعاء في الوقت ده. عن إذنكم.
إلى هنا وكفى، لن تستطيع بتول التحمل أكثر من ذلك في وقت واحد. شعرت بألم الفراق يأتي لها من جميع الاتجاهات، سقطت على الأرض فاقدة الوعي. تقاسم الفريقين، فريق اتجهوا إلى ريان وفريق بقي مع وليد وبتول. وقف عدى أمام غرفة العمليات المتواجد بها ريان، ما زال بالداخل والحالة تدهورت أكثر. ربت أنس على كتفه وقال: -اهدا يا عدى، إن شاء الله هيبقى كويس. رد عليه بدموع وقال بصوت مختنق:
-مش باين أنه هيبقى كويس، انت مش شايف بقاله كام ساعة في العمليات. قلبي هيوقف من القلق عليه وهتجنن برضه على بابا وليد وعلى ماما. يا رب، إحنا ليه حصلنا كل ده مرة واحدة. تحدث أنس بقلق وقال: -يا عدى، اهدا شوية. بص عمك أيوب قاعد إزاي، هدوئه ده مش طبيعي. أنا خايف عليه قوي. نظر باتجاه أيوب وتكلم بصوت مختنق: -روح اطمن عليه يا أنس، مش قادر أتكلم مع حد دلوقتي. أومأ رأسه بالموافقة وتحرك باتجاه أيوب وجلس بجواره وتكلم بقلق:
-عمي أيوب، روح ارتاح شوية بدل قعدتك دي. وشكلك باين عليه الإرهاق قوي. لم ينتبه أيوب لكلام أنس، كان يفكر في الحوار الذي دار بينهما قبل الحادث بدقائق، ونظرة الكسرة الموجودة داخل عينه وقتها. أغلق عينيه حتى لا تخدعه دموعه وتنهمر أمام الجميع. وفي ذلك الوقت، خرج الطبيب بملامح لا تبشر بالخير. نهض أيوب سريعاً واقترب من الطبيب وتكلم بتساؤل: -طمني يا دكتور، ريان عامل إيه دلوقتي. حرك رأسه بأسف وقال:
-للأسف رافض يرجع الحياة من تاني. مؤشرات جسمه كلها بتقاوم العودة، يعني هو حالياً المؤشرات كلها شبه متوقفة. إحنا هنحطه تحت الأجهزة علشان يتنفس اصطناعي والباقي على ربنا. عن إذنكم. إلى هنا وانهارت جميع حصون أيوب. انهمرت دموعه بغزارة وتكلم من بين شهقاته: -بترجاك ارجع للحياة من تاني، اتمسك بيها علشان خاطر اللي قلبك حبها. قوم منها يا ابن خالتي، اجمد يا صاحبي علشان خاطري.
كان عدى دموعه تتسابق على وجنتيه، تأبى الوقوف. لم يستطع التكلم، اكتفى بالبكاء فقط. وصلت منى ومعها رهف ورغد بعد أن أبلغ أنس الخبر لرهف. الثلاثة كانوا منهارين في البكاء. اقتربت رهف من عدى وارتمت داخل أحضانه وتكلمت بدموع: -أنا خايفة قوي على بابا يا عدى. ربت على ظهرها وتكلم بصعوبة: -بابا هيرجع لينا بالسلامة، أنا متأكد. نظرت منى إلى عدى بضيق، ثم نظرت إلى أيوب وتكلمت بدموع متسائلة: -طمني يا أيوب، ريان عامل إيه دلوقتي.
أغلق عينيه بحزن شديد وتكلم بوجع: -ادعيله يا منى يعدي الساعات الجاية على خير ويرجع لنا بالسلامة. تكلمت رغد من بين دموعها وهي تنظر إلى عدى بضيق: -منها لله اللي كانت السبب وهدمت حياتنا. نظرت رهف لها بضيق وهدرت بها بغضب وقالت: -رغد، اتلمي. مش وقت الكلام اللي بتقوليه ده. احتضنت منى ابنتها رغد وتكلمت وهي تنظر لعدى بكره شديد: -بنتي رغد مغلطتش. منها لله اللي كانت السبب. طول ما هما في حياتنا مش هنرتاح أبداً.
أغلق عدى عينيه بغضب شديد وحاول يتحكم في أعصابه قليلاً وقال: -لا ده وقته ولا ده مكانه. الكلام اللي بتقولوه ده فيه راجل نايم جوه بين الحياة والموت وانتوا بتقولوا إيه. أخرج جملته الأخيرة بصراخ مكبوت، انتفض عليها الجميع. تكلمت رهف بأسف وقالت: -متزعلش يا عدى، هما ميقصدوش حاجة. هما بس زعلانين على بابا وخايفين عليه. ضغط على أسنانه بغضب وقال: -يبقى كل واحد يحط لسانه في بقه ومسمعش نفس حد فيهم.
كانت الدموع تتسابق على وجه رهف وأومأت رأسها بالطاعة. كان أنس يتابع ما يحدث في صمت، لكنه شعر بقلبه يتقطع من شدة الألم عندما رأى دموع رهف. ود لو كان بإمكانه إزالة هذه العبارات عنها وأخذها داخل أحضانه. *** عند وليد. بدأت بتول تحرك رأسها ببطء شديد. ربتت قمر على يدها وتكلمت بحزن: -بتول، انتي كويسة؟! تذكرت ما حدث لوليد وما حدث لريان. انهمرت الدموع على وجهها بغزارة وتكلمت بصعوبة: -الاتنين هيروحوا في نفس الوقت، طيب ليه؟
إزاي يحصل كده في وقت واحد؟ كأنهم متفقين على وجع قلبي وكسرته. طيب المفروض دلوقتي أبقى جنب مين؟ جنب وليد اللي عمل كل حاجة حلوة في حياتي وشالني في أصعب أوقاتي، اللي دايماً كان بيدي وعمره ما انتظر مقابل مني، ولا أبقى جنب حب عمري وأبو ابني واللي ساكن قلبي ومحدش غيره دخل فيه. ردي عليا يا قمر، قوليلى أعمل إيه وأتصرف إزاي؟ يا رب الصبر من عندك يا رب. أنهت كلامها وارتمت داخل أحضان قمر. ربتت قمر على ظهرها
بحنو وتكلمت بنبرة هادئة: -وليد هو الأحق دلوقتي بوقفتك جنبه. ده الوقت اللي تردي جزء من اللي هو عمله معاكي. كفاية أنه ربى ابنك عدى زى ابنه وأكتر كمان رغم كان ممكن يقولك أبوه أولى بيكي. وليد هو اللي اتمسك بيكي رغم رفضك له سنين طويلة، هو اللي اتحدى الدنيا كلها وأتحدى أهله عشانك. فؤقي يا بتول وفكري بعقلك مش بقلبك وكفة وليد هي اللي هترجح. ابتعدت عن حضن قمر ونظرت لها ثم تكلمت بدموع وقالت من بين شهقاتها:
-تعرفي إن ريان كان هنا قبل الحادثة. سمعته وهو بيقول لأيوب إنه بيحبني ومش قادر يعيش حياته من غيري. كان بيعيط وبيقولوا إن حبي زي الإدمان المزمن. كانت نظرة عيونه بتترجاني أبقى معاه. رفض وزعقتله وطلبت منه إن ينسى إن كان فيه في حياته واحدة اسمها بتول. قلت له ينسانى وأنا مش قادرة أنساه وزي ما أنا بالنسبة ليه إدمان مزمن هو بالنسبالي الحياة وما فيها، هو النفس اللي بتنفسه. كان نفسي أترمي في حضنه وأعيط بس معملتش كده. وليد ميستحقش مني كده يا قمر. أنا حاسة نفسي تايهة ومشتتة، قلبي يقولي حاجة وعقلي يرفض ويقولي حاجة تانية. أنا تعبت من الحرب اللي جوايا دي ونفسي أرتاح.
أنهت كلامها وارتمت داخل أحضان قمر مرة أخرى وظلت تبكي حتى خارت قواها وفقدت الوعي. *** ابتعدت نغم عن الزحمة وأجرت اتصالاً بعدي حتى تطمئن عليه وانتظرت الرد ثواني معدودة. سمعت صوته الحزين يقول لها: -أيوه يا نغم، طمنيني بابا وليد عامل إيه دلوقتي. تنهدت بحزن وقالت بصوت مختنق: -لسه زي ما هو مافيش جديد. وعمو ريان عامل إيه دلوقتي. أجابها بوجع والكلام خرج منه بصعوبة:
-بابا رافض يرجع الحياة يا نغم. أنا فاهم بابا ليه رافض يرجع. أكيد عشان مش مستحمل يشوف ماما مع راجل تاني. الاتنين رغم الحب اللي كان ما بينهم كبريائهم وعنادهم ضيعهم من بعض. بس أرجع وأقول بابا وليد طيب ويستاهل يتحب ويعيش جنب اللي قلبه اختارها. حياة التلاتة لغز كبير ومحتاج حد يفك شفرته واللي هتبقى أكيد واحد فيهم خسران. ردت عليه باقتناع وقالت:
-عندك حق يا عدى. بس اللي ربنا ريده هو اللي هيكون. المهم الاتنين يقوموا بالسلامة وربنا يطمن قلبنا عليهم. أنا هقفل دلوقتي ولو جددت حاجة اتصل بيا بلغني وأنا هعمل كده. لو حصل حاجة لا قدر الله هبلغك. سلام. أغلقت الخط معه وعادت مرة أخرى عند الجميع، تنظر إلى الوجوه بحزن شديد وقلق وتتابعهم وهم يظهر عليهم الخوف والارتباك. داعية الله أن ينجي وليد وريان ويطمن قلب الجميع عليهم. *** باليوم التالي.
استيقظوا جميعاً على فاجعة. لقد كان يهرولوا جميع الأطباء إلى غرفة وليد يحاولوا إنعاش قلبه الذي توقف تماماً. وقفت بتول غير مصدقة ما يحدث. لا تستطيع تخيل ماذا سيحدث إذا تركها وليد وحيدة في هذه الدنيا. ركضت باتجاه الغرفة المتواجد بها زوجها ورأت جميع الأطباء ملتفين حوله. وقفت خلف الزجاج تنظر له بترجى والدموع تنهمر من عينيها. تكلمت بصعوبة وهي تحاول توصيل صوتها له قائلة:
-وليد، ارجوك اجمد علشان خاطري أنا وولادك. صدقني محدش منا هيقدر يكمل الحياة من غيرك. انت السند لينا. ولييييد ارجعلي بترجاك. جحظت عيناها بصدمة وهي ترى الممرضين وهم يضعوا الغطاء الأبيض على وجه. حركت رأسها رافضة ما ترى بعينيها وركضت سريعاً إلى الداخل وتكلمت بعدم تصديق: -لا لا لا، انتوا بتعملوا إيه؟ شيلوا البتاعة دي من على وشه. وليد، رد عليا. وليد وليييييد.
نظروا لها جميع من بالمكان بأشفاق، فهما كانوا معجبين بحبهم لبعض وتمنوا أن يعيشوا مثل قصة حبهم. اقتربت منها الممرضة حتى تأخذها إلى الخارج، لكنها رفضت وظلت تصرخ باسم وليد. جاءت قمر ونغم واتصدموا من خبر وفاة وليد. أخذت قمر بتول في أحضانها بدموع وتكلمت من بين شهقاتها: -البقاء لله يا حبيبتي. وليد قطع بينا كلنا بس هو ارتاح من الألم اللي كان حاسس بيه. ربنا يصبر قلبك وقلوبنا على فراقه. تكلمت بصراخ وهي ممسكة بقوة بأختها قمر:
-وليد مات وسابني يا قمر. هو وعدني إنه هيفضل جنبي ومش هيسبني مهما حصل. ليه بقى بيخلف كلامه معايا دلوقتي؟ هو عمره ما خلف بوعده. ولييييد، تهون عليك دموعي ده انت مجرد ما بتشوف دمعة تنزل مني كنت بتجري وتمسحها بإيدك وتخدني في حضنك. قوم علشان خاطري. انت قولتلي مبتعرفش تنام وأنا بعيدة عن حضنك. إزاي جالك قلب تنام دلوقتي وتسيبني. اااااه يارب. نظرت قمر بدموع للدكتور وقالت بترجى: -بترجاك يا دكتور، اديها حقنة مهدئة.
أومأ رأسه بالموافقة وأمر الممرضة تأخذها إلى الغرفة وتعطيها المهدئ. لكن بتول رفضت بشدة وظلت تصرخ بقوة هزت أركان المشفى باسم وليد حتى خارت قواها ونقلوها إلى الغرفة وأخذت المهدئ. جلست نغم بالأرض مثل طفل صغير وظلت تبكي بألم الفقدان. بعد عودتها إلى أحضان الجميع وتصورت أن الحياة رضت عليها. تفاجئت بقلم تلو الآخر تصفعه لها الحياة وأخذت كل من هو عزيز على قلبها. تكلمت بدموع وقالت:
-ااايه حرام عليكي. ليه كل ما تشوفيني مبسوطة شوية تديني بالقلم على وشي توجعيني. ليه مصممة تاخدي مني اللي بحبهم. بعد ما صدقت رجعت تاني لحضنهم. كفاااايه بقى قلبي مش حمل وجع ولا فراق. كفايه صدمات فيا. حرام عليكي.
تذكرت عدى وكيف ستبلغه هذا الخبر المفزع. مشفقة على حاله في لحظة فقد أبيه الروحي والآخر حاله لا يبشر بالخير وعلى مشارف الموت. تنهدت بوجع وأمسكت الهاتف الخاص بها وأجرت اتصالاً هاتفياً على عدى وانتظرت الرد دقائق معدودة. وسمعت صوت صراخه: -بابا ريان بيموت يا نغم. الدكاترة بيحاولوا معاه جوه بس رافض يرجع الحياة.
ألجمتها الصدمة. يا للقدر تزامن المصائب بوقت واحد وكأنه اتفاق مسبق. لم تستطيع إخباره بوفاة وليد وهو يعاني من الخوف من فقدان أبيه ريان. الحروف رافضة تجتمع على لسانها. حاولت مراراً وتكراراً وكأنها عادت مرة أخرى خرساء. كان الصمت سيد الموقف والدموع تزين اللحظة الحزينة تلك. ولكن جاء سؤال عدى المفاجئ قائلاً من بين شهقاته: -بابا وليد عامل إيه دلوقتي؟ طمنيني. غمامة سوداء ظللت في سماء الفراق. حركت شفاها ببطء شديد منتظرة
عواقب ما سوف تنطقه قائلة: -ا ا البقاء لله. صمت تاااام. لا تسمع غير صوت شهقات ريان وفقط. شعرت دقات قلبها سوف تخترق صدرها من شدة الألم. تكلمت بقلق قائلة: -عدي، انت كويس؟ رد عليا أرجوك. في هذا الوقت، استمعت صوت إنهاء المكالمة. ازداد القلق عندها. نهضت سريعاً وركضت باتجاه والدتها وتكلمت بدموع:
-ماما، أنا هروح عند عدى. عرف بالخبر وكمان عمو ريان حالته خطر والدكاترة بيحاولوا يرجعوا وهو رافض وبابا أيوب في الشغل ومحدش معاه هناك. نظرت قمر لها بدموع وقالت: -اللهم لا اعتراض على أمرك وحكمك. اللهم لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه. اللهم صبر قلوبنا ونزل السكينة فيه. نظرت إلى نغم بدموع وقالت: -ماشي يا بنتي، روحي وابقي طمنيني على عمك ريان. ربنا يقومه بالسلامة. وأنا هبلغ الكل خبر وفاة وليد.
نظرت لها بدموع وأومأت رأسها بالطاعة وخرجت من المشفى وذهبت عند عدى. *** أبلغت قمر الجميع بخبر وفاة وليد ووصل زين وفرح وهما منهاران تماماً. ظلت بتول تحت تأثير المهدئ. بدأ عدى وزين إنهاء إجراءات الدفن. وبعد إتمام جميع الإجراءات، وصلوا جميعاً إلى مقابر عائلة الديب معاداً بتول وظلت معها حور حتى لا تتركها بمفردها. بدأ تشييع جثمان وليد إلى مثواه الأخير، داعياً المولى أن يتغمده بواسع رحمته.
نظرت نغم إلى قبر والدها مروان الديب الذي يجاور مقبرة عمها وليد وجدها وجدتها. وتذكرت يوم الحادث. وضعت يدها على عنقها وتسارعت دقات قلبها وكادت أن تقع. يد عدى أمسكتها. نظر لها بأعين مملوءة دموع وتكلم بقلق: -مالك يا نغم. حاولت أن تهدأ وتكلمت بصوت مهتز: -م م مافيش يا عدى، زعلانة بس على فراق عمو وليد. شعر برعشة يدها تكلم بصوت مختنق: -لا يا نغم، مش هو ده السبب. قولي مالك. أنا مش قادر أتكلم. نظرت إلى قبر والدها وتكلمت بدموع:
-افتكرت مشهد موت بابا و و وهو محروس بيدبحه. منظر كان بشع. وضعت يدها على عنقها وجسمها كله بدأ ينتفض بشدة وتكلمت بخنقة: -المنظر كله بيتعاد قدامي دلوقتي. شايفه منظر السكينة وهي ماشية على رقبته. شايفه الدم وهو بيطرطش في المكان. شايفه هزت جسم بابا وسامعة صوته وهو بيطلع الروح. ا ا المشهد كله قصادي. وبدأ جسمها ينتفض بشدة. ضمه عدى داخل أحضانه وتكلم بدموع:
-نغم يا نغم، اجمدي علشان خاطري. ا ا أنا محتاجك جنبي دلوقتي. خليكي قوتي. أوعي تضعفي في اللحظة دي. نغم، ردي عليا. خارت قواها وأغمي عليها بعد صراع مع ماضيها المؤلم والمشهد الذي سيظل محفور في ذاكراتها وستظل ندبة لا تلتئم مدى الحياة. مال بجسده حملها من على الأرض. اتجه إلى خارج المقابر. وضعها داخل السيارة وخلع سترته عنه ووضعها عليها وأغلق الباب وعاد مرة أخرى إلى الداخل حتى يأخذ العزاء. ***
بعد الانتهاء من العزاء بالمقابر، تقسموا فريقين مثل الأول. ذهب عدى مرة أخرى إلى المشفى المتواجد بها ريان ومعه أيوب وزياد. ولكن هذه المرة ذهب أنس مع زين حتى يؤازره في هذه المصيبة لأنه كان منهاراً على فراق والده. وعادت قمر ومعها فرح ونغم المشفى المتواجد بها بتول ومعها حور. عندما اطمئنت حور على بتول خرجت وطلبت من والدتها أنها تهتم بها قليلاً وبحثت عن زين ووجدته يجلس على الأرض ويبكي. تحركت باتجاهه وجلست بجواره
وأمسكت يده بدموع وقالت: -شد حيلك يا زين علشان خاطري. تكلم من بين شهقاتها وقال: -الشدة على الله. أبويا مات يا حور. ضهري انكسر خلاص. مبقاش عندي سند في الدنيا. مات وعرفت قيمته بعد فوات الأوان. كام مرة طلب مني أنزل أساعده في الشركة عشان تعب وأنا رفضت. كان بيجهد نفسه عشان يحافظ على فلوسنا وأنا غبي حمار كنت بقوله لأ. يمكن لو كنت ساعدته مكانش قلبه تعب من المجهود وكان زمانه عايش وسطنا دلوقتي. عرفت ده متأخررر أوي.
حركت رأسها بدموع وقالت: -لا يا زين، متحملش نفسك ذنب موته. ده عمره وانتهى وبيك أو من غيرك كان هيموت لأن ساعته جات. اجمد يا حبيبي. أمك واختك محتاجينك دلوقتي. ارتمى داخل أحضان حور وتمسك بها بقوة وظل يبكي مثل طفل صغير وتكلم من بين شهقاته وقال:
-مش عارف هقدر أكمل حياتي إزاي بعد موته. حاسس إن حياتي وقفت على اللحظة دي. عقلي رافض يستوعب فكرة موته. لسه لحد من كام ساعة كانت ضحكته منورة على وشه. إزاي دلوقتي يكون نايم تحت الأرض. والله صعبة عليا يا حور، صعبة. ربت على ظهره بحنو وتكلمت من بين شهقاتها: -عارفة إنها صعبة والله. عمو وليد قطع بينا كلنا. بس انت قدها يا زين. أنا متأكدة إنك هتقوى علشان خاطر اللي بيحبوك. تمسك زين بها بقوة وازدادت شهقاته وحرك
رأسه بالرفض وقال بدموع: -لا يا حور، أنا ضعيف. أضعف مخلوق على الأرض. قوتي وسندي ماااات خلاص. أنا من غيره ولا حاجة. لم تجد حور كلام تقوله له غير احتوائها له داخل أحضانها، متغلبة عن خجلها تاركة أي قيود. فهو الآن في أمس الحاجة لحضنها. *** كان زياد جالس معهم بالمشفى وعقله مشغول بفرح وعن حالتها الغير مطمئنة لانهيارها عند فقدان والدها. نظر إلى والده وجده يجلس بحزن شديد. اقترب منه وتكلم بصوت هامس:
-بابا، هروح أطمن على خالتو بتول وأشوفهم محتاجين حاجة ولا لا وجاي تاني. اكتفى أيوب بإيماء رأسه بالموافقة دون أن يتكلم. نهض زياد واتجه إلى عدى وقال: -عدى، هروح عندهم هناك أطمن عليهم وأجيلك تاني. محتاج حاجة مني؟ حرك رأسه بالرفض وتكلم من بين دموعه: -لا يا زياد، روح ليهم انت هناك وابقى طمني على ماما عاملة إيه دلوقتي.
أومأ زياد رأسه بالموافقة وربت على كتفه وتركه واتجه إلى المشفى المتواجد بها بتول. بعد عدة دقائق كان بالداخل يبحث بعينه على فرح وجدها تجلس على إحدى المقاعد بمفردها وتبكي. ذهب عندها وجلس بجوارها وأمسك يدها وقال بحزن شديد: -اهدي يا فرح علشان خاطري. تكلمت بصعوبة من بين شهقاتها وقالت: -أنا السبب يا زياد. بابا مات مقهور بسببى. حرك رأسه بالرفض وقال بوجع:
-لا طبعاً يا فرح. عمو وليد الله يرحمه مش من النوع اللي بيفكر كده. أنا متأكد إنه كان متفهم وضعك وعارف إنك عيلة صغيرة واضحك عليكي. ومتأكد إنه وصى خالتو بتول عليكي لأن غلاوتك انتي في قلبه غير أي حد. أما اللي حصله ده كلنا عارفين إن عضلة القلب عنده كانت ضعيفة وأنه في الفترة الأخيرة دي كان واضح عليه التعب والإرهاق وكان لازم يعمل العملية في أسرع وقت. يعني الموضوع بعيد عنك خالص. وفي الآخر ده أجله وانتهى ومحدش فينا يقدر يعترض على قضاء الله. ادعيله بالرحمة والمغفرة هو دلوقتي في أمس الحاجة لدعاء.
وضعت يدها على وجهها وقالت: -مش قادرة أصدق إن خلاص مش هشوفه تاني. مش هيحضني كل يوم الصبح زي ما متعودة. مش هيقولي يا فرحة قلبي ويبتسم ليا ابتسامته الجميلة. بابا هيوحشني أوي والله. تكلم بقلب مفطور من شدة الحزن على وجع محبوبته قائلاً: -انتي عارفة إنه هو دلوقتي حاسس بيكي ودموعك دي بتعذبه في نومته. لو بتحبيه بجد بلاش عياط وخليكي قوية عشان يكون مرتاح في نومته دلوقتي. أومأت رأسها بحزن ومسحت دموعها وقالت:
-ربنا يصبر قلبي على فراقك يا حبيبي. ثم نظرت إلى زياد وقالت: -ممكن تجيب لي مصحف عايزة أقرأ فيه عشان النار اللي في قلبي تهدأ شوية. أومأ رأسه بالموافقة ونهض سريعا وقال: -عيوني حاضر. هروح أجيب لك المصحف وأجي على طول. وبالفعل خرج مسرعاً متجهًا إلى أحد المتاجر حتى يأتي لها بكتاب الله الشريف كما تريد. ***
بدأ مفعول المهدئ ينسحب من جسد بتول وبدأت تحرك رأسها ببطء شديد ويصدر منها صوت أنين. شعرت بها قمر نهضت سريعاً من مقعدها واقتربت منها وامسكت يدها وربتت عليها بحنو وقالت: -بتول، طمنيني عليكي. عاملة إيه دلوقتي؟ فتحت عينيها بصعوبة وتكلمت بصوت ضعيف وقالت بتساؤل: -وليد يا قمر، عامل إيه دلوقتي؟ طمنيني عليه. تنهدت بحزن على حالة أختها وتكلمت بصوت مختنق: -ادعيله يا حبيبتي بالرحمة. هو دلوقتي في مكان أحسن من هنا. حركت رأسها رافضة
ما قالته قمر وتكلمت بدموع: -لا لا لا، متقوليش كده. وليد عايش. أنا متأكدة. هو مستحيل يسيبني بسهولة كده. روحي بس قوليله بتولك بتعيط ودموعها على خدها هييجي جري عشان يمسحهم بإيديه. أبوس إيدك يا قمر، قوليلى إن وليد عايش واللي حصل ده كله كابوس وهصحى منه. اتكلمي يا قمر، ساكتة ليييه؟ ردي علييييا بترجاكي. جلست قمر بجوارها ضمتها داخل أحضانها وربتت على ظهرها بحنو وقالت:
-اهدي يا بتول علشان خاطري. قلبي بيتقطع علشانك. ادعيله بالرحمة وربنا يصبرنا كلنا على فراقه. تمسكت بها بقوة وقالت بصراخ: -ياااااااارب الصبر من عندك يا رب. وظلت تبكي بقلب مفطور من وجع الفراق. *** وصلت أسيل إلى المشفى عند ريان بعد ما أبلغه أنس بما حصل له وجاء معها ابنتها أميرة. متزامناً في نفس وصول عامر إلى المشفى. نظر لها بضيق ودلف إلى الداخل وذهب عند أيوب وتكلم سريعاً: -أيوب، طمني ريان عامل إيه دلوقتي؟
أنا عرفت صدفة من شوية من الأخبار اللي انتشرت على النت بخبر موت وليد وحادثة ريان. نظر له بوجع وقال بصوت مختنق: -ادعيله يا عامر، حالته وحشة أوي ورافض يرجع للحياة. الدكتور قال محتاج حد يكون بيحبه أوي يجي يبقى جنبه في الوقت ده عشان يديله دافع يرجع من الغيبوبة دي. تكلمت أسيل سريعاً وقالت: -بتول، هي أقرب حد لقلبه وهي الوحيدة اللي ريان هيتمسك بالحياة عشانها. حرك رأسه بالرفض وقال بصوت مختنق:
-مينفعش. بتول جوزها مات النهارده وحالتها صعبة. مينفعش أطلب منها طلب زي ده في الوقت ده. ما أنا عارف إنها هي الوحيدة اللي في قلبه بس وجودها صعب. كانت منى تستمع كلماتهم ونار الغيرة تحرق قلبها والغضب يزداد بقوة داخلها. نظرت لهم بغضب شديد وابتعدت عنهم. تكلمت أسيل بتوتر وقالت: -شكلها زعلت من الكلام اللي إحنا قولناه دلوقتي وغيرانة على جوزها. نظر لها أيوب بعدم اهتمام وقال:
-أصلاً ريان طلقها يوم الحادثة، وهي عارفة بموضوع بتول ده من أول لحظة دخلت حياة ريان فيها. شعرت أسيل بالذنب لأنها كانت هي السبب في فراق ريان وبتول ووصلهم إلى المرحلة دي من العذاب. تنهدت بحزن وقالت: -ربنا يصلح الأمور ما بينهم. ابتسم عامر بتهكم وقال: -الشيخة فتكات. دلوقتي نزل عليكي التقوى والإيمان. الله يرحم أيام ما كنتي في حضن... قاطعه كلامه أيوب الذي صرخ بغضب شديد وقال:
-عااااامر، احترم نفسك. مش وقت اللي بتعمله ده. اطمن بس على ريان ولينا كلام بعدين. نظر عامر له بعدم اهتمام ونظر إلى أسيل بغضب ثم تحرك إلى مكان آخر وجلس عليه. نظرت إلى عامر بدموع ثم نظرت إلى أيوب وقالت: -هروح أطمن على بتول وأعزيها وأرجع لكم تاني. أومأ أيوب رأسه بالموافقة وقال: -ماشي، خلي السواق يوصلك. خرجت أسيل من المشفى وصعدت السيارة واتجهت إلى بتول حتى تؤازرها في حزنها. ***
وصلت أسيل المشفى عند بتول وسألت على الغرفة المتواجدة بها وصعدت عندها. طرقت على الباب ودلفت إلى الداخل بإحراج ونظرت إلى بتول بتوتر وقالت: -البقاء لله. أجابتها بصوت حزين وقالت: -ونعم بالله. اتفضلي. أحضرت قمر مقعداً لها ووضعته بجوار السرير وقالت: -اتفضلي يا أسيل اقعدي. جلست أسيل على المقعد ونظرت إلى بتول وقالت: -شد حيلك يا بتول ربنا يرحمه ويصبرك على فراقه. ردت عليها بدموع: -الشدة على الله. أخذت أسيل نفساً عميقاً
وقالت بتوتر: -ا ا أنا لسه جايه من عند ريان. نظرت لها بدموع وقالت: -ربنا يقومه بالسلامة لمراته وبناته. حركت رأسها بالرفض وقالت بصوت حزين: -ريان رافض يرجع الحياة تاني. بيحاولوا الدكاترة معاه عشان يفوق من الغيبوبة بس هو رافض يستجيب ليهم ومؤشرات جسمه كلها شبه واقفة. و و الدكتور قال لازم حد يكون ريان متعلق بيه قوي ويكون هو الدافع اللي يرجع علشانه الحياة. نظرت إلى الجانب الآخر وتكلمت من بين شهقاتها:
-بيتهيأ لي مراته وبناته هما أقوى دافع ليه. ابتلعت ريقها بتوتر وقالت: -بتول، ريان طلق منى يوم الحادثة. وحتى لو مطلقهاش كلنا عارفين مين أكتر حد قريب من قلبه والوحيدة اللي ريان هيتمسك بالحياة عشانها. نظرت بتول لها بصدمة وقالت: -ريان طلق مني!! ليه؟ حركت رأسها بعدم معرفة وقالت: -معرفش والله. ده أيوب اللي لسه قايل لي الكلام ده. أغلقت عينيها بدموع وقالت: -هو حر في حياته يعمل اللي عايز يعمله. أسيل أمسكت يد
بتول ونظرت لها بأسف وقالت:
-بتول، أنا عارفة إن الوقت مش مناسب لكلامي ده ولا اللي هقوله هيرجع اللي فات. أنا آسفة يا بتول على اللي حصل زمان. أنا السبب في فراقك انتي وريان طول السنين اللي فاتت دي وأنا اللي سرقت منكم سعادتكم وأنا السبب في اللي وصلتوا ليه دلوقتي. بس صدقيني كنت عيلة صغيرة مراهقة. كنت في ثانوي. خالتها استغلت صغر عقلي ولعبت بدماغي وكبرت فكرت الجواز من ابنها في دماغي. كنت شبه العروسة بحركها بصوابعها. وعلى ما جيت كبرت وفهمت وفقت من اللي
كنت فيه. لاقيت الدنيا كلها باظت وكل واحد منكم شاف حياته مع حد تاني وأنا اتجوزت عامر وكل واحد اتلهى في حياته. بس اتفاجئت بعد السنين دي كلها لا انتي قدرتي تنسي ريان ولا هو قدر ينسي حبك وحسيت بالذنب وتأنيب الضمير وربنا جاب لك حقك مني تالت ومتلت وشوفت العذاب ألوان على إيد عامر وأمه. نفسي تسامحيني يا بتول. هو آه جات متأخر أوي بس المهم إن قدرت أتأسف لك عشان لما أقابل ربنا أقابله وأنا ضميري مرتاح.
كانت بتول تستمع كلماتها والدموع كالشلال تدفق بغزارة. لا تعلم ماذا تقول وماذا تفعل. تكلمت بصعوبة من بين شهقاتها وقالت:
-بسببك انتي عشت عمري كله ظلمه. عشت مع أعظم راجل في الدنيا بس مقدرتش أحبه. لو مكنتيش دخلتي حياتي أنا وريان كان زمانه عايشين مع بعض بنربي ابننا وأخواته. كان قلبي ارتاح من تأنيب الضمير اللي بيعذبني عشان كنت باخد الحب والحنان كله من وليد ومكنتش قادرة أرد له نص اللي بيعمله معايا. وفي الآخر مات وأنا مدينة له بعمري كله. مات زي ما قالي هيفضل لآخر نفس فيه يحبني ويديني بدون مقابل. ثم أخذت نفساً عميقاً كله ألم ووجع وقالت:
-عموماً أنا مسامحاكي. عارفة ليه؟ عشان لو وليد كان عايش كان هو أول واحد هيطلب مني أسامحك. ابتسمت لها بحزن وقالت: -ربنا يرحمه يا حبيبتي، وبجد أنا مبسوطة أوي إنك سامحتيني وريحتيني من تأنيب الضمير ده. بس برضه مش هرتاح غير اللي في دماغي يتحقق. هسيبك بقى ترتاحي دلوقتي وهروح أطمن على ريان وهجيلك تاني. أنهت أسيل كلامها وخرجت من الغرفة. نظرت بتول إلى أثرها بدموع ووضعت يدها على وجهها وأجهشت في البكاء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!