بدأت بتول تحرك رأسها ببطء شديد، محاولة فتح عينيها بصعوبة. نظرت حولها، وجدت عدى ونغم وقمر ينظرون إليها بقلق بالغ، وتذكرت ما حدث مع وليد. حاولت القيام من على السرير بدموع، قائلة: -وليد لازم أكون جنبه، لازم أطمن عليه. منعها عدى سريعًا وقال بصوت مختنق: -اهدي يا ماما، بابا وليد كويس والله. القلب رجع يشتغل تاني بس بمساعدة الأجهزة، والدكتور قال لازم إجراء العملية بكرة بالكتير أوي. انهمرت الدموع على وجنتيها،
وتحدثت من بين شهقاتها: -ااه يا وليد، معرفتش غلاوتك عندي غير دلوقتي. أنا مقدرش أعيش من غيره، أنا خايفة أوي عليه يا عدي. قبل رأسها بحب وقال: -صدقيني ربنا كريم أوي ومش هيوجع قلوبنا عليه أبداً، بس ادعي له انتي بس. ربتت قمر على يدها وتكلمت بصوت مختنق:
-وليد حنين أوي وعمله الطيب هيقعد ليه في وقت زي ده. واحنا ده اختبار من ربنا لينا، بيشوفنا مؤمنين بيه ولا لا، هنرضى بحكمه وأمره ولا هنسيب شيطانه يتحكم فينا ونعترض. أنا عن نفسي راضية بأمره وواثقة في ربنا إنه هيرجعه لينا أحسن من الأول. كانت بتول تستمع كلمات قمر والدموع تنهمر من عينيها، تكلمت من بين شهقاتها: -اللهم لا اعتراض على حكمك وأمرك، يارب اشفي وليد ورجعه ليا في أسرع وقت.
نظر عدى إلى نغم، وجدها واقفة متابعة ما يحدث بصمت والدموع تتسابق على وجنتيها بغزارة. اقترب منها وأمسك يدها وتكلم بصوت مختنق: -تعالي معايا يا نغم. تحركت معه في صمت تام وخرجوا سويا من الغرفة. ضم عدى وجه نغم بيديه ونظر في عينيها حتى يبث لها مدى قلقه عليها، قائلاً:
-نغم علشان خاطري اقوي. أنا عارف إن كل ضربة أقوى من التانية، بس خليكي واثقة في ربنا إنه هيجبرنا بعد الحزن ده وبابا وليد هيرجع لينا أحسن من الأول والفرح هيرجع بيتنا بعد سنين طويلة غاب عنا. ارتمت نغم في أحضانه وتمسكت به بقوة وظلت تبكي حتى تقطعت أنفاسها، وتكلمت من بين شهقاتها: -أنا مش بلحق أفرح يا عدي. يعني رجعت لحضنك أبلة نجلاء ماتت، رجعت في حضن ماما عمو وليد تعب وما بين الحياة والموت. نفسي فرحة واحدة بس تكمل للآخر.
ربت على ظهرها بحنو وتكلم بنبرة هادية: -هيحصل صدقيني، بكرة الفرحة اللي هتحسي بيها هتعوضك عن كل الحزن والوجع اللي عشتيهم وحسيتي بيهم. ابتعدت عن حضنه ونظرت له بامتنان وقالت: -شكراً يا عدى. من أول ما اتقابلنا وانت واقف جنبي، حتى من قبل ما تعرف إن أنا نغم بنت خالتك. أنت جميل أوي من جوه. ابتسم لها بحب وقال بنبرة عاشقة:
-ساعدتك علشان كنت حاسس إني أعرفك. نظرة عيونك كانت بتشدني ليكي وكنت حاسس إن شوفتهم قبل كده، حسيت إنك بتاعتي وتخصيني أنا، وإحساسي كان كله صح. تنهدت بحب وتحدثت بنبرة قلقة: -طيب يلا بينا ندخل عندهم. أومأ رأسه بالموافقة وعادوا مرة أخرى الغرفة. *** عند فرح وزياد كانت فرح منهارة من البكاء، ولم يبالي زياد لدموعها أو كان يوهمها بذلك. تمزق قلبه عندما استمع كلماتها تقول له: -ليه عمل فيا كده؟
أنا حبيته بجد، رغم كل التحذيرات منه إلا قلبي كان رافض يصدق ومتمسك بيه. هو أنا وحشة كده يا زياد؟ نظر الاتجاه الآخر وتكلم بصوت مختنق: -الموضوع مش إنك وحشة ولا حلوة، الغلط في الاختيار. ولو كنتي فكرتي شوية صح بدماغك كنتي هتشوفي الحقيقة كلها كاملة. حركت رأسها بعدم اقتناع وقالت من بين شهقاتها:
-معرفتش، والله العظيم قلبي لغى مخي وبقى هو بياخد كل قراراته. كنت شايفة ملاك، كنت بستنى اللحظة اللي هشوفه فيها بفارغ الصبر. بس اللي كنت متأكده منه، لو كان فكر يقرب مني، مستحيل كنت هسمح له يعمل زي ما هو عايز. أنا متربية كويس يا زياد، والله العظيم ما سمحت له يتخطى حدوده. مصدقني يا زياد؟ نظر لها بضيق وتكلم بصوت مختنق:
-مش هيفرق كتير إذا كنت مصدقك ولا لا. للأسف انتي دلوقتي ولا حاجة عندي، مش أكتر من بنت خالتي. اتفضلي امشي قدامي، هوديكي المستشفى عندك أمك وابوكي. أمسكت يده بأسف وتحدثت بدموع: -أنا آسفة. أبعد يدها عنه بغضب وقال بعدم اهتمام: -أسفك مش هيرجع اللي كان يا فرح، اتفضلي امشي.
وتحرك سريعًا من أمامها وصعد السيارة. جلس داخلها وظل صامتًا منتظراً صعودها. ظلت تنظر فرح له بدموع وصعدت بجواره على المقعد الأمامي للسيارة، وظل نظرها معلقاً أمامها بصمت. أدار زياد السيارة وتحرك بها مسرعًا متجهًا إلى المستشفى. *** بعد انتهاء العمل بالشركة عند أيوب، تحرك بأرهاق شديد وخرج من مكتبه. اتجه إلى مكتب ابنته حور ووجدها نائمة على مكتبها. نظر لها بنفاد صبر وتكلم بغضب شديد قائلاً:
-والله عال أوي، جاية تنامي هنا. انتي امتى هيكون عندك إحساس بالمسؤولية؟ أنا تعبت من الكلام. انتفضت حور من مقعدها وابتلعت ريقها بصعوبة وقالت: -ب ب بابا. احم ا ا أنا آسفة والله، بس مش عارفة نمت كده إزاي. حرك رأسه بعدم رضا وقال: -أنا بجد تعبت منك، بحاول أعمل منك شخصية عملية ويعتمد عليها، بس عمرك ما هتتغيري. واللي ببني فيه سنين باستخبارك ده، هضيعيه في غمضة عين.
قال كلامه وتحرك إلى الخارج تاركاً إياها في ذهول من كلامه. تجمعت الدموع في عين حور، وفي ذلك الوقت دخل أنس ورأى دموعها. تكلم بقلق بالغ وقال بتساؤل: -حور مالك يا بت؟ ما الصبح كنتي فرفوشة وتهزري. نظرت له بدموع وقالت: -بابا دخل عليا المكتب وشافني وأنا نايمة وسمعني كلام صعب أوي. هو بابا بيكرهني ليه يا أنس؟ اتسعت عين أنس بصدمة وتكلم بغضب وقال: -انتي عبيطة يا بت، عم أيوب بيكرهك؟ طيب إزاي؟
ده هو بيشتغل وبيضغط على نفسه وصحته علشان خاطرك انتي وأخوكي زياد، عايز يكبر الشركة ويعلي اسمها علشانكم في المستقبل. وإذا كان بيتعصب عليكي دلوقتي ده لأنه عايز يعمل منك شخصية عملية يقدر يعتمد عليها وتحافظ على تعب السنين ده. ثم ابتسم بانكسار وتكلم بصوت مختنق:
-فيه غيرك بيتمنى إن أبوه يعمل نص اللي بيعمله عم أيوب معاكي. نفسه يحس الاهتمام من أبوه ويبقى باله مشغول بمستقبله. انتي في نعمة يا حور حافظي عليها، علشان إحساس إهمال الأب وحش أوي. شعرت بوجع أنس في حديثه، نهضت من على مقعدها وجلست أمامه على المقعد الآخر وتكلمت بابتسامة جميلة وقالت:
-أنا فاهمة ومقدرة خوف بابا عليا وعلى شقي عمره يا أنس، وفاهمة كلامك أوي. بس صدقيني لا الاهتمام بيعجب ولا الإهمال بيعجب، احنا كأبناء بنفضل متمردين على كل قرارات أهالينا لحد ما يجي وقت نحس قيمة اللي هما كانوا بيعملوه معانا. أما على الكلام اللي يخصك على عمو عامر، فأنا مش معاك. أنا شايفة إن عمو عامر بيحبك انت وأميرة، بس هو عايش حالياً في نزوة، محتاج توقف جنبه وتساعده إن يبعد عن الطريق ده. تحسسه بوجودك، تعرفه عواقب الطريق
اللي ماشي فيه ده إيه. هو ده وقتك يا أنس. زمان وانت صغير وبتغلط كنت بتلاقيه هو أول الناس اللي بتفهمك الصح وتاخد بأيدك للطريق ده، دلوقتي حان وقتك ترد ليه الجميل وتعرفه الصح فين وتاخد بأيده. هو شيطانه مسيطر عليه، لازم تساعده يتخلص من شيطانه ده.
تنهد بارتياح وابتسم لها بامتنان وقال: -تعرفي إني محظوظ إن عندي أخت قمر كده، طيب هحبك أكتر من كده إيه. تعالت ضحكاتها وقالت: -أقسم بالله لو زين كان هنا وسمعك بتقول كده كان علقك. وبعدين انت زيك زي زياد وكثير أوي وقفت في ضهري ومازالت. إحنا ربنا بيحبنا علشان خلقنا عيلة مترابطة بتحب الخير لبعضها. تذكر رهف، نهض سريعًا وقال بضيق:
-الله يخربيتك على يخربيت اليوم اللي بقينا فيه أخوات. البت زمانها مشيت وأنا كنت عايز آخدها مكان أعترف ليها بمشاعري. نظرت له باستغراب وقالت بتساؤل: -بت مين دي؟ الله يحرقك؟ رد عليها وهو يتحرك باتجاه الباب: -رهف يا أختي. هموت عليها، ربنا يحنن قلبها عليا. قال كلامه وخرج مسرعًا إليها. نظرت إلى أثره بسعادة وقالت: -ربنا يسعدك يا أنوس يارب. ثم استقامت، أخذت شنطة يدها وغادرت الشركة. ***
وصل زين إلى المستشفى عند والده وعلم بما حدث له. جلس على المقعد بقلق شديد حتى رأى فرح تتحرك مع زياد إلى الداخل. هب واقفاً واقترب منها والشرار يتطاير من عينه قائلاً: -عجبك اللي بيحصل لأبوكي بسببك؟ مبقاش أنا لو مكسرتش رقبتك يا فاج** وقف زياد أمامها كدرع حامي وتكلم بنبرة هادية: -اهدا يا زين، أختك صغيرة وهو ضحك على عقلها بكلمتين معسولين والحمد لله ربنا بعده عن طريقها خلاص. تكلم بغضب وصوت مرتفع هز أركان المكان قائلاً:
-بعد إيه؟ بعد ما أبوها اترمي في المستشفى بسببها؟ بعد الكل عرف إنها واحدة رخيصة وماشية مع شاب فلاتي ده؟ انتي القتل قليل عليكي والله. كانت فرح منهارة من البكاء، وفي ذلك الوقت خرج عدى ونغم على صوت زين. نظر لهم بعدم فهم وقال: -فيه إيه؟ وبتزعقي لأختك ليه يا زين؟ تكلم بغضب شديد وقال: -فيه إن أختك واحدة رخيصة واللي حصل لأبوك ده بسببها. زياد ابن خالتك شافها ماشية مع واحد زبالة وأبوك لما عرف طب ساكت. نظرت نغم
لهم بتوتر وقالت بتوضيح: -اهدا بس يا زين، فرح عيلة واتضحك عليها. مينفعش اللي بتعمله ده. تكلم بصراخ غاضب وقال: -محدش يقولي اهدا، دي واحدة فاج** كانت ماشية مع واحد عايز يضحك عليها. وفي ذلك الوقت شعر بصفعة دوت على وجهه. اتسعت أعين الجميع مما حدث ووجهوا أنظارهم إلى عدى، الذي تحولت نظراته الغاضبة إلى زين وتكلم بتحذير:
-كلمة زيادة على أختك هنسي إنك أخويا واللي هعمله فيك مش هيعجبك. انت غبي يالا، دي أختنا لحمنا. إزاي تقول عليها الكلام ده؟ لما إحنا نقول عليها كده، الغريب يقول إيه. ضغط زين على أسنانه بغضب وتكلم بصوت مختنق: -انت بتمد ايدك عليا يا عدي؟ أنا ممكن أدنك مكانك على حركة زي دي، بس عارف أنا مش هعمل كده لأن المفروض انت قدوتنا وتعرف تحترم إخواتك. إنما إنك تمد ايدك على أخوك علشان عايز يربي أخته، انت نزلت من نظري للأسف.
أنهى كلامه وخرج سريعًا تاركاً المكان برمته. وأثناء خروجه تقابل مع حور التي حضرت لتو. وعندما رأته بهذه الحالة صعدت معه السيارة قبل أن يتحرك بها. بالداخل، ارتمت فرح داخل أحضان عدى وتمسكت به بقوة وظلت تبكي، وتحدثت من بين شهقاتها: -أنا آسفة يا عدى، مكنتش عايزة كل ده يحصل. والله العظيم ما عملت حاجة غلط، اسأل زياد، حتى هو شاف كل حاجة. ربت على ظهرها بحنو وتكلم بصوت مختنق:
-اهدي يا حبيبتي، أنا واثق فيكي ومتأكد إنك مستحيل تعملي كده لأنك بنت رجالة ومتربية على إيد رجالة. سيبك من كلام أخوكي الأبلة ده. ابتعدت عن حضنه ونظرت له بدموع وقالت: -بس زين زعل منك بسببي، مكنتش عايزة يحصل كده، أنا آسفة يا عدي. ضم وجهها بين يديه ونظر لها نظرة حنونة وقال: -ملكيش دعوة بزين، أنا هعرف أراضيه. أهم حاجة متقوليش لماما اللي حصل ده لأنها تعبت لما قلب بابا وقف وأغمى عليها ومش حمل ضغوطات تاني. اتسعت عين فرح
بعدم تصديق وتكلمت بدموع: -بابا، بابا حصله إيه يا عدى؟ حرك رأسه حتى يطمئنها قائلاً: -ولا أي حاجة، زي الفل دلوقتي وهيدخل بكرة العمليات. اهدي يا حبيبتي. كانت نغم تتابع عدى بحب وفخر وابتسمت له ابتسامة هادئة حتى تطمئنه أنها بجواره. وما على عدى غير أنه يرد لها الابتسامة بابتسامة كلها شكر وامتنان على وجودها بجواره في أصعب لحظاته. ***
خرج ريان من عمله بعد مرور يوم شاق، بعد المشادات الصباحية بينه وبين منى زوجته. ظل يتجول بالشوارع دون أن يعلم إلى أين ذاهب. وفي لحظة تذكر بتول وحبه لها اللا محدود. تعالت دقات قلبه كالطبول وتكلم بصوت مختنق: -وآخرت اللي إحنا فيه ده إيه يا بتول؟ لا أنا قادر أعيش حياة طبيعية زي أي حد، ولا انتي قادرة تنسيني وتحبي جوزك قد ما بتحبيني. مشاعرنا مشتتة وقلوبنا موجوعة، بنعافر في الدنيا حتى لما وصلنا لسن ده.
ثم نظر أمامه بتوعد وقال: -لا يا بتول، كفاية علينا فراق لحد كده. لازم نوضع حد ونرجع لبعض بقى، تعبنا خلاص. أنهى كلامه وأدار السيارة وتحرك بها إلى المستشفى. وبعد وقت وقف بالسيارة وترجل منها ودلف إلى الداخل. بحث بعينه على بتول. وقف أمامه “أيوب” باستغراب وقال بتساؤل: -ريان! بتعمل إيه هنا ومال شكلك عامل كده؟ نظر له بتوتر وقال بتساؤل: -فين بتول يا أيوب؟ عقد بين حاجبيه باستغراب وشعر بشيء ما سيحدث قائلاً:
-وبتسأل على بتول ليه يا ريان؟ ثم تنهد بضيق وقال بنبرة هادئة: -ريان، انسي بتول بقى. بقالكم كام سنة بعاد عن بعض. هي ليها بيتها وجوزها وعيالها، وانت ليك بيتك ومراتك وبناتك. عيش حياتك وشيلها من تفكيرك، كفاية ظلم في مراتك منى، متستاهلش منك كده. تجمعت الدموع في عينه وتحدث بوجع:
-مش قادر يا أيوب، تعبت والله. حاولت كتير بس مقدرتش. كل دقة في قلبي بدق باسمها. حاولت أبعدها عن تفكيري بس كل ذكرى عشناها سوا بتعدي شريط قصاد عيوني وأرجع أفكر فيها تاني. حب بتول عامل شبه الإدمان المزمن اللي مستحيل صاحبه يقدر يتعالج منه، بيفضل مدمن لحد آخر نفس فيه. ربت على ظهره بحنو وقال:
-عارف وحاسس بيك، بس صدقني يا أبن خالتي، عمرك اللي فات راح هدر. الثمرة الوحيدة اللي طرحت فيها هما بناتك، غير كده كل حاجة ضاعت منك، حتى حياتك. حاول تحافظ بقى على اللي جاي وميروحش هو كمان على الفاضي. طأطأ رأسه إلى الأرض وتكلم بصوت منكسر: -أنا طلقت منى يا أيوب. اتسعت عين أيوب بصدمة وتكلم بعدم تصديق: -طلقتها!! انت اتجننت يا ريان؟ انتوا مش صغيرين على كده، دول بناتكم عرايس ماشاء الله. تكلم بصراخ وقال بدموع:
-أعمل إيه يا أيوب، بحب بتول، بحبها. وفي هذه الأثناء استمعت بتول لما قاله. أغلقت عينيها حتى تهدأ قليلاً وتكلمت بغضب: -إيه اللي انت بتقوله ده يا ريان؟ انت اتجننت؟ إزاي تسمح لنفسك تقول حاجة زي كده؟ أنا على ذمة راجل تاني وفي ظروف ما يعلم بيها إلا ربنا. لو سمحت أمشي من هنا ومش عايزة أشوف وشك تاني، ويا ريت تنسى إن كان فيه حد في حياتك اسمه بتول، لا سننا ولا حياتنا تنفع في اللي بتفكر فيه ده.
قالت كلامها تاركاً إياه الندم ينهش في قلبه حتى فقد لذة الحياة. نظر ريان إلى أيوب وخرج ويركض. صعد سيارته وتحرك بها مسرعًا، وظل يسرع بها حتى انفلت منه زمام الأمور وانقلبت السيارة غارقا في دمائه، مستسلماً لعالم آخر. *** تحرك زين بسيارته بغضب شديد. ظل يتجول بالشوارع غير مبالي بوجود حور جانبه. كسرت حور الصمت بتساؤل: -زين هو إيه اللي حصل وصلك للحالة دي؟ وقف بالسيارة مرة واحدة وعلق أنظاره أمامه وظل صامتًا. أمسكت
حور يده متحدثة بترجى: -زين بترجاك بلاش تقلقني عليك أكتر من كده، قول لي إيه اللي حصل جوه عصبك بالشكل ده. أخيراً تكلم زين بغضب شديد وقال: -عدى يضربني أنا بالقلم علشان اتعصبت على أختي وبحاسبها على الغلط. أنا هتجنن لو حد غيره عمل كده، أقسم بالله كنت دفنته مكانه. إنما هو مقدرتش أعمل حاجة، وفي نفس الوقت نار جوايا ولو خرجتها هتدمر بلد بحالها. نظرت له باشفاق وتكلمت بنبرة هادية:
-اهدا يا حبيبي، إحنا كلنا عارفين عدى متعلق بفرح أخته إزاي، وتلاقيك انت قلت كلام يوجعها علشان كده هو اتعصب عليك وعمل اللي عمله معاك ده. مع إنه هو بيحبك انت كمان والله. معلش يا زين، اعذره، كلكم مضغوطين بسبب عمو وليد والحالة اللي هو فيها دي. انتوا دلوقتي المفروض تكونوا سند لبعض، مش تعملوا اللي بتعملوه ده. اهدا كده وأنا متأكدة إن انت مش هتهون على عدى وهيجي يراضيك أول ما يشوفك. نزلت دمعة من عينه مسحها سريعًا وتكلم بوجع:
-مكنتش متخيل إن هيجي يوم وعدى يمد ايده عليا. طول عمره كان هو الدرع الحامي ليا وبيمنع أي حد يقرب لي، يجي دلوقتي وهو اللي يضربني. وأمته في أكتر وقت محتاجه فيه. حركت رأسها بدموع: -علشان خاطري متعملش في نفسك كده، قلبي مش قادر يستحمل يشوفك في الحالة دي يا زين. دموع حور زادت من آلامه. احتضن وجهها بيده ونظر لها بعينيها وتكلم بنبرة هادية:
-اهدي يا حور علشان خاطري. أنا مش حمل وجع تاني، مش قادر أشوف دموعك دي. طيب بصي، أنا علشان خاطرك ههدا وانتي علشان خاطري تبطلي عياط، ماشي؟ أومأت رأسها بالموافقة ومسحت دموعها بظهر يدها وقالت: -ماشي، موافقة. بس اثبت لي إنك خلاص مش مضايق. ابتسم على كلماتها واقترب منها ووضع قبلة على وجنتيها وقال: -بيتهيألي مافيش إثبات أكتر من كده. احمرت وجنتيها بخجل وقالت: -ز ز زين إيه اللي انت عملته ده؟ انت اتجننت؟
ابتسم لها بحب وقال بدعابة: -لا خالص، أنا عاقل جداً دلوقتي، علشان لو فعلاً اتجننت هنتمسك أنا وانتي بتهمة فعل فاضح في الطريق العام. جحظت عيناها بصدمة ووضعت يدها على وجهها بخجل وقالت بتلعثم: -والله العظيم انت واحد قليل الأدب وأنا غلطانة إني ركبت معاك أصلاً. اتفضل بقى أمشي علشان نرجع المستشفى، زمان بابا وماما قالبين عليا الدنيا. أومأ رأسه بالموافقة وابتسم لها ونظر أمامه وأدار السيارة وتابع الطريق بقلب مفتوح من شدة الوجع.
*** كانت تجلس هدي والدة عامر على الأريكة باستمتاع بعد ترك أسيل المنزل لها. وفي ذلك الوقت سمعت صوت دنيا تقول لها: -سيدي يا سيدي على الروقان. أوعدنا يارب. لم تصدق هدي ما سمعته بأذنيها، نهضت سريعًا ونظرت اتجاه الصوت. ما أن رأت ابنتها دنيا، ركضت إليها بدموع واحتضنتها باشتياق مقبلة كل انش في وجهها قائلة بدموع: -بنتي يا حبيبتي، واحشتيني أوي. أنا مش مصدقة نفسي، رجعتي مصر امتى يا حبيبتي؟ قبلت يدها بحب واحتضنتها
بقوة وقالت باشتياق: -انتي أكتر يا حبيبتي، واحشتيني أوي والله. نزلت من الطيارة عليكي على طول، قلت أعملها مفاجأة ليكي. فين عامر وأسيل والأولاد؟ تكلمت بضيق وقالت: -أخوكي في الشغل لسه مجاش، وآسيل طلقها. داهية لا ترجعها، والأولاد معاها. نظرت لها بصدمة وقالت بعدم تصديق: -عامر طلق أسيل!! ليه بس كده؟ زعلتيني أوي والله يا ماما. نظرت لها بعدم اهتمام وقالت: -وانتِ إيه يزعلك بس؟
دي هم وانزاح من على قلبي وقلب أخوكي. سيبك من السيرة الغم دي وخليني أسلم على أولادك. ماشاء الله بقوا رجالة أهم. نظرت دنيا لابنائها وحركت رأسها لهم حتى يقبلوا يد والدتها، وبالفعل مال كل واحد منهم مقبلاً يدها. نظرت هدى لهم باستغراب وقالت: -يا أختي مال ابنك الصغير ده؟ أخد نظام بره ومربي شعره ورابطه زي البنات كده. ابتسموا على كلمات هدى وتكلم بتوضيح:
-يا تيته ده استايل ملوش دعوة ببره مصر ولا جوه، بس أنا حابب الشكل ده فيا علشان كده رابط شعري بالطريقة دي. وبعدين ما مهاب مش مربي شعره ولا رابطه وعادي جداً لأنه لايق عليه الاستايل ده. نظرت هدى له بعدم اقتناع وقالت بتهكم: -واضح إن عيشت بره نسيتكم يعني إيه رجولة، حتى شكلكم شبه بتوع بلاد بره اللي يشوفكم يقول عليكم أجانب. نظرت دنيا لأولادها حتى يخرجوا ويتركوهم بمفردهم، وبالفعل نفذوا ما تريد والدتهم. تكلمت دنيا بضيق وقالت:
-ماما يا حبيبتي بلاش طريقتك دي مع الأولاد. الزمن اتغير وزمانا غير زمانهم، أنا مربياهم جداً وبنظرة واحدة مني بيفهموا عليا أنا عايزة إيه. رغم طولهم ده محدش فيهم يقدر يكسر كلمة ليا ولأبوهم، بس هما حرين في طريقة لبسهم وشكلهم مدام ده مش هيضر الغير بحاجة. إحنا ما بينا حرية رأي، ولو حد معترض على حاجة بنقعد مع بعض وكل واحد يقول وجهة نظره، وفي الآخر الرأي الصح هو اللي هيمشي وبإقناع. حركت فمها بعدم رضا بما قالته دنيا وقالت:
-ماشي يا بنتي، انتوا حرين. تعالي ادخلي زمان أخوكي عامر جاي. ردت عليها سريعاً وقالت: -لا مش هينفع، هاخد الأولاد وهنروح نسلم على معاذ وعلى أيوب أخواتي، وبعد كده هكلم أسيل وأروح أزورها هي والأولاد. وبكرة إن شاء الله أبقى أجي متأخر يكون عامر وصل. قبلت وجنتيها وخرجت، صعدت بالسيارة وصعدوا أبناؤها بالسيارة وأدار مهاب السيارة واتجهوا إلى منزل معاذ. ***
عند عامر كان يجلس في إحدى الشقق المشبوهة وداخل أحضانه فتاة ترتدي ملابس فاضحة، وفي يده يمسك بكأس الخمر. ارتشفه على مرة واحدة بشراهة وتعالت ضحكاته وتكلم بسكر: -الواحد مش عارف يعمل إيه ولا إيه؟ كلكم هنا عايز أكلكم أكل. تيجي أسيل تشوف النسوان بجد مش صندل عايش معايا في البيت.
ومال على هذه الفتاة بطريقة مقززة مما جعلها تتعالى ضحكاتها بمرقعة. استقام في وقفته بصعوبة وهو ممسك بيد هذه الفتاة وتحرك بتأرجح باتجاه إحدى الغرف، لكنه تفاجأ بأنس ابنه يقف أمامه وينظر له بتقزز. تكلم بصوت مختنق وقال: -عجبك منظرك كده وانت مدهول ومش قادر تصلب طولك؟ انت إيه يا شيخ؟ مش همك سمعة أخوك أيوب وهو في منصبه ده؟ ولا منظرى قصاد صحابي وهم شايفين صورتك وانت في أحضان بنت شمال شبه دي؟
طيب بنتك أميرة لما ييجي عريس ليها ويعرف إن أبوها سكري وبتاع نسوان هيعمل إيه ونقوله إيه؟ كفاااايه فضايح بقى، ارحمنا يا شيخ. ثم أمسك ذراعه وارغمه على التحرك معه وقال بصوت غاضب: -امشي معايا أروحك الفيلا، مش هينفع تسوق العربية وانت سكران بالشكل ده. تحرك عامر بتأرجح وهو يضحك ببلهاء قائلاً: -انت جاي ورايا ليه؟
أكيد أمك اللي بعتتك ورايا، هتموت من الغيظ علشان طلقتها. طيب انت عارف أمك أنا شقطها من عمك ريان وهي معاه، عملت معاها علاقة ولو محملتش فيك وقتها مكانش فيه حاجة هتتكشف، وخلعت منها. أنا أصلاً مكنتش هتجوزها أصلها كانت واحدة رخيصة وخاېنه ولا عمري آمنت ليها.
كان أنس يستمع كلامه وقلبه ينفطر من الوجع، كانت كل كلمة كخنجر يرشق بقلبه حقائق كان لا يريد سماعها أبداً. كان يريد الاحتفاظ بصورة والدته كما رسمها في مخيلته. فرت دمعة من عين أنس، أزالها سريعاً قبل أن يراها أحد. ساعد والده يصعد السيارة، ثم أغلق الباب وصعد هو الآخر أمام المقود. نظر إلى والده وجده ذهب في النوم. تنهد بوجع وأدار السيارة واتجه به إلى المنزل. ***
في صباح اليوم التالي، دخل وليد العمليات وبدأت ساعات الحسم، فهو على المحك للمخاطرة بحياته. ظل الجميع ينتظرون بالغرفة بفارغ الصبر، يدعون الله أن يعدي المحنة دي على خير ويؤازروا بتول المنهارة من شدة القلق عليه.
وفي الجانب الآخر، وصل ريان وهو فاقد الحياة، لا يشعر بشيء غير الهروب من هذه المشاعر المتضخمة داخل قلبه. رافض الاستجابة لجميع المحاولات المستمدة لقلبه. أمر الطبيب بسرعة أدخله غرفة العمليات لخطورة الحالة وإجراء عملية خطيرة، فأصبح على المحك لفقد الحياة.
عند بتول، شعرت بدقات قلبها تتزايد بشكل غير طبيعي. هي خائفة بالفعل على وليد، لكنها تعلم هذه الدقة تخص ريان. هي تشعر أنه بخطر، ولكن عقلها يرفض ذلك. وفي ذلك الوقت أعلن الهاتف الخاص بعدى عن وجود اتصال ما. أن أجاب عليه حتى تغيرت ملامح وجه بحزن شديد. نظرت بتول له بترقب وفجأة نطقت اسمه كأنها تحاول حفره داخل قلبها للاحتفاظ به: -رياااان. نظر لها عدى والدموع تتسابق على وجه قائلاً بقلب مكسور...
متزامناً مع خروج الطبيب من عند وليد بوجه حزين وقال بأسف...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!