خرجت بتول دون أن تستمع ردًا من أختها. صعدت السيارة وتحركت بها سريعًا إلى المشفى، وكل ثانية دقات قلبها تتزايد وشعور القلق والتوتر يجتاح كيانها. أسرعت السيارة بطريقة جنونية ووصلت المشفى في وقت قياسي. ترجلت منها وركضت سريعًا إلى الداخل، سألت على المكان المتواجد فيه ريان وصعدت عنده، لكنها تفاجأت بالجميع يقف أمام غرفته والدموع تنهمر على وجوههم. اقتربت منهم سريعا وتكلمت بصوت مرتعش: "ريان ماله، حد يرد عليا؟
نظرت منى لها والدموع على وجهها، اقتربت منها ودفعتها بقوة وتكلمت بصراخ: "إيه جابك، أبعدي عن حياتنا بقى، وشك فقر أنت وابنك، طول ما أنتوا موجودين جوزي عمره ما هيكون بخير." أمسكتها ابنتها رهف وتكلمت من بين شهقاتها: "مش وقته الكلام ده يا ماما، إحنا في إيه ولا إيه، بابا بيروح مننا والدكاترة مصممة إنها تشيل الأجهزة، بيقولوا إنه كده كده ميت." حركت بتول رأسها بالرفض وقالت بعدم تصديق:
"لا لا لا، ريان هيعيش، أنا متأكدة إنه مستحيل هو كمان يموت ويبعد عني." ضغطت منى على أسنانها بنفاذ صبر وتكلمت: "يا باردة ياللي معندكيش دم، أنت مش اتجوزتي ولا عشان جوزك مات هتحومي على جوزي من تاني، ابعدي عنه، جوزي هيرجع ليا أنا وبناته." وفي ذلك الوقت تكلم أيوب بصوت جهوري هز أركان المكان وتكلم بغضب شديد:
"مش عايز أسمع صوت واحدة فيكم، الراجل بيموت جوه وأنتم بتتخانقوا عليه هنا، صدق اللي قال نسوان ناقصة عقل ودين، قسما بالله اللي هسمع صوته لأرميه بره المستشفى، ولو رجليها خطتها هنا هكسرها ليها، فااااهمين." ثم نظر إلى بتول وتكلم بترجّي: "ادخلي عنده يا بتول، أنت الوحيدة اللي هتقدري تخلي ريان يرجع لينا، أنت الوحيدة اللي ريان هيحس بوجودها جنبه، رجعي ريان لينا يا بتول عشان خاطري."
نظرت له بدموع وأومأت رأسها بالموافقة، وذهب عدي عند الطبيب وألح عليه أنه يسمح لوالدته بالدخول عند ريان. وبعد وقت وافق الطبيب وتحركت بتول بقدم مرتعشة عندما رأت ريان ملقى على الفراش، جسد لا حول له ولا قوة، لا يشعر بما يدور حوله من صراعات. اقتربت منه وجلست على المقعد المجاور لفراشه وأمسكت يده وتكلمت من بين دموعها:
"ريان أبوس إيدك اتمسك بالدنيا، مش هقدر على فراقك أنت كمان، كفاية عليا وليد، ريان ارجعلي أنا محتاجك، ارجع ليا أنا وأولادك، ريان مش أنت بتقول مافيش غيري في قلبك ومستعد تعمل أي حاجة علشاني، أنا بقولك أهو اتمسك بالحياة وارجع عشان خاطري." ظلت تتابعه ودقات قلبها تتعالى، وجميع من بالمكان يتابع ما يحدث بالداخل من خلف الزجاج المطل على غرفة ريان.
حدث المتوقع من جميع الأطباء، أعلن الجهاز عن انتظام دقات قلبه وبدأ صدره يعلو ويهبط وكأنه عاد إلى الحياة مرة أخرى. دقات قلب بتول انتظمت، ومن هنا علمت أن الخطر زال عن ريان، لقد أخبرها إحساسها به قبل أن يعلم أحد بشئ. ارتسمت ابتسامة على شفتيها بحزن ونظرت إلى ريان بسعادة وتكلمت من بين شهقاتها:
"كنت متأكدة إنك هترجع تتمسك بالحياة عشان خاطري، كنت عارفة إنك مش هتخذلني المرة دي يا ريان، فاضل بس تفتح عيونك وتشرق نظرتهم في حياة كل اللي بيحبوك." استقامت بوقفتها ونظرت إلى ريان نظرة مطولة وتحركت إلى الخارج وتكلمت بصوت مختنق: "دقات قلبه انتظمت واشتغلت طبيعي، الحمد لله، متقلقوش وإن شاء الله يرجع ليكم قريب أوي." كانت نظرات منى لها قاتلة، لكنها حاولت السيطرة على أفعالها وألتزمت الصمت. تنهد عدي بارتياح وتحدث بسعادة:
"بجد يا ماما بابا بقى كويس؟ تنهدت بحزن وقالت: "مش بالمعنى يعني، جسمه استجاب للأجهزة وكده مش هيشيلوا من عليه الأجهزة، أما بقى الغيبوبة فأنا متأكدة إنه هيفوق منها قريب أوي إن شاء الله، أنا لازم أمشي دلوقتي، عن إذنكم." تحركت باتجاه الخارج، ركض خلفها عدي وأمسك يدها وقال بتساؤل: "ماما أنتِ زعلانة مني في حاجة؟ نظرت له بضيق وتكلمت بصوت مختنق: "هزعل منك ليه، أنت شايف إنك عملت حاجة تزعل؟
شعر بالحزن الشديد من طريقة كلام والدته معه، تكلم بحزن وقال: "لا مش عارف، بس حاسس إنك مضايقة مني وزعلانة." تكلمت بغضب شديد وقالت: "انت فكرت تسأل على أخواتك من يوم موت وليد؟ فكرت تشوفهم محتاجين حاجة ولا لأ؟ خلاص اللي كان بينكم وبيجمعكم راح مات خلاص وكل واحد فيكم راح من طريق." نظر لها نظرة مطولة وابتسم بكسرة وقال: "أنتِ شايفاني كده يا ماما؟!
طيب إزاي وأنا تربية بابا وليد، طيب أنتِ مش شايفة اللي أنا فيه ده طول النهار، طيب مش حاسة بوجع قلبي وكسرتي على موت بابا وليد، أنا كنت أتوقع الكلام ده من أي حد تاني، لكن منك دي صدمة بالنسبة لي." تكلمت بصوت غاضب وقالت: "وأنا كنت أتوقع أي حاجة غير إنك تهمل أخواتك كده في عز ما هما محتاجينك بعد موت أبوهم، طيب أنت عرفت أختك أحوالها إيه بعد موته؟ طيب سألت أخوك زين أخباره إيه بعد موت أبوه؟
سألته إذا كان حاجة ناقصاه ولا لأ، طبعًا كل ده ولا في بالك." أومأ رأسه بوجع وحزن وقال: "صح عندك حق، حاضر يا ماما هسألك على أخواتي حاضر، هطمن عليهم وأشوفهم لو محتاجين حاجة ولا لأ، وكمان هروح أوصل فرح لجامعتها وهزور زين في شغله، المهم إنك متزعليش مني." أنهى كلامه بتنهيدة حارة ونظر إلى بتول نظرة كلها وجع وعتاب. ثم تكلم بصوت مختنق: "تعالى يلا أوصلك." حركت رأسها بالرفض وقالت: "معايا عربيتي، هروح فيها." فتح لها باب المقعد
الأمامي بسيارتها وقال: "اركبى، هوصلك بيها وأنا هرجع تاني في مواصلات." أومأت رأسها بالموافقة وصعدت السيارة وأغلق عدي الباب وتحرك إلى الاتجاه الآخر وصعد أمام المقود وأدار السيارة وتحرك بها إلى الفيلا. *** مر عدة أيام…
ظل ريان على نفس الحال، ولكن كان فيه تقدم واضح من يوم زيارة بتول له، وذلك ما جعل الأطباء في حالة من الاستغراب من تحول حاله منذ هذه الزيارة. كانت الممرضة تضع له المحلول، وشعرت بحركة يد ريان تتحرك. نظرت له بعدم تصديق، ولكنه أكد عليها مرة أخرى. ابتسمت بسعادة وهتفت بصوت هامس: "أستاذ ريان حضرتك سمعني، أستاذ ريان." بدأ يحرك جفن عينه محاولة منه لفتحهم، وبالفعل بدأ يفتح ببطء شديد حتى استطاع التعود على الضوء بالمكان.
بحث بعينه حوله بالغرفة بأستغراب. بدأت الممرضة تتكلم بتوضيح: "حمد الله على السلامة يا أستاذ ريان، نورت الحياة من أول وجديد، الكل بره هيفرح بخبر رجوعك ده." حرك شفتيه بصعوبة ومع ثقل لسانه قال بتساؤل: "ه ه هو إيه اللي حصل؟ أجابته بابتسامة هادئة وقالت:
"عملت حادثة بالعربية وكانت حالتك صعبة والدكاترة حاولوا كتير أوي معاك بس كانت مؤشرات جسمك كلها شبه متوقفة وقررت الدكاترة يحطوك تحت الأجهزة ربما تستجيب وترجع كل حاجة طبيعية عندك، بس كنت كل يوم حالتك بتسوق أكتر من اليوم اللي قبله، وكانت الدكاترة فاقدة الأمل في رجوعك وقرروا يشيلوك من تحت الأجهزة، بس جت واحدة ومجرد ما دخلت عندك مؤشرات جسمك بقدرة قادر رجعت طبيعية وأحسن من الأول كمان، ودي كانت معجزة ربانية." تكلم بصوت هامس
نطق حروف محفورة داخل قلبه: "بتول، هي دي اللي بتقولي عليها." نظرت له باستغراب وأومأت رأسها بالتأكيد وقالت: "أيوه فعلاً هي، بس عرفت إزاي؟ ابتسم لها وتكلم بعينيه لمعة عاشق: "لأن هي دي الوحيدة اللي هتمسك بحياتي عشانها." تكلمت بابتسامة وقالت بتمني: "ما شاء الله ربنا يخليكم لبعض، ويرزقني بحب شبه حبكم." تكلم بصوت متعب قائلاً: "ربنا يرزقك بحبنا لبعض بس ربنا ما يكتب عليكِ حياتنا." نظرت له بعدم فهم لكنها
ردت عليه بابتسامة وقالت: "اللهم آمين، هروح أبلغ الدكتور إنك فقت." وتحركت إلى الخارج وتركتنه. وضع يده يستنشق رائحة محببة إلى قلبه قائلاً بابتسامة عاشق: "أنا متأكد إنك كنتِ جنبي من شوية يا بتول، كنت سامع صوتك وشامم ريحتك." دقائق معدودة جاء الطبيب بابتسامة هادئة وقال: "حمد الله على السلامة يا أستاذ ريان." نظر له بابتسامة مجاملة وقال: "الله يسلمك يا دكتور." بدأ الطبيب يفحصه وقال بتساؤل: "ها حاسس بإيه؟ حرك يده
على قدمه وتكلم بضيق وقال: "مش حاسس برجلي خالص يا دكتور، حاسس إن النص اللي من تحت مش موجود." نظر له بقلق وأمسك شيئًا بيده وتحرك باتجاه ساق ريان وظل يطرق عليهما وتكلم بتساؤل: "طيب كده حاسس بحاجة؟ حرك رأسه بالرفض قائلاً: "لا يا دكتور ولا أي حاجة." تنهد بضيق وقال: "تمام، إحنا هنفضل تحت الملاحظة ثمانية وأربعين ساعة نطمن إن كل حاجة كويسة وبعد كده هتخرج على أوضة عادية." أومأ رأسه بالموافقة وقال بتساؤل:
"طيب يا دكتور ورجلي اللي مش حاسس بيها دي؟ ابتسم له بمهنية وقال: "حاليًا ما فيش أي حاجة واضحة، بعد ما يمر وقت الملاحظة هنشخص حالتك ونعرف إيه المضاعفات الناتجة عن الحادث، حمد الله على سلامتك عن إذنك." أنهى كلامه وخرج عند الجميع. كانت السعادة تغمرهم عندما عرفوا خبر عودة ريان للحياة مرة أخرى. اقترب أيوب وسأل الطبيب بقلق وقال: "طمنا يا دكتور ريان عامل إيه دلوقتي؟ أجابهم الطبيب بمهنية تامة وقال:
"حاليًا التشخيص المبدئي، شلل نصفي لأنه مش حاسس بالجزء السفلي بس طبعًا لسه مش متأكدين هو هيقعد تحت الملاحظة ثمانية وأربعين ساعة وبعد كده هنشخص المريض تشخيص نهائي." نزل الخبر على الجميع بصدمة ألجمت ألسنتهم. أخيرًا تكلمت نغم وقالت بتساؤل: "يعني لو شلل نصفي هيفضل كده على طول، ولا فيه عملية تتعمل ترجعه أحسن من الأول؟ أجابها الطبيب بتوضيح وقال:
"ما هو إحنا لسه مش واضح لينا إيه السبب بس ده هيبان في التشخيص النهائي إذا كان هيحتاج عملية ولا هيكون علاج طبيعي ولا هيبقى كده على طول، حمد الله على سلامته، عن إذنكم." وتركهم الطبيب وذهب يتابع عمله. ابتسم عدي بحزن وقال: "الفرحة مش مكتوبة لينا أبدًا، يعني بعد ما فرحنا برجوعه نتصدم إنه مشلول." ربت أنس على كتفه وتكلم بنبرة هادادئة:
"احمد ربنا إنه رجع تاني وسطنا بعد ما كنا فقدنا الأمل، أي حاجة بعدين تتعالج، ما فيش حاجة ملهاش علاج يا عدي، حتى لو فضل على كرسي متحرك كفاية صوته في الدنيا وسطنا، افرح واشكر ربنا على رجوعه." أومأ رأسه بوجع وقال: "الحمد لله في السراء والضراء، هتصل أبلغ ماما وأطمنها إن بابا فاق." تكلمت منى بغضب شديد وقالت: "وتتصل بيها ليه وتطمنها بصفتها إيه؟ ريان جوزي أنا وبناتي ومحدش ليه دخل بيا، فاهم؟
قول لأمك الحرباية دي خطافة الرجالة تبعد عن جوزي وتحترم سنها وتعيش على ذكرى جوزها." اقترب عدي منها بغضب شديد ونظر بعينيها بتحذير وقال: "لو لسانك ده جاب سيرة أمي على لسانك تاني أنا هقطعهولك وهنسي إنك تبقي أم أخواتي، فاهمة." أنهى كلامه وتحرك من أمامها وخرج سريعًا من المشفى وركضت خلفه نغم. نظر لها أيوب وقال بنفاذ صبر:
"أنا الأول كنت بلوم على ريان وكنت بزعقله عشانك، إنما دلوقتي بقول كان عنده حق والله، ده كويس إنه قدر يستحملك طول السنين اللي فاتت دي." أمسكت رهف يدها وقالت بصوت مختنق: "كفاية بقى يا ماما اللي بتعمليه ده، راعي إننا في مستشفى وبابا لسه راجع لينا من غيبوبة." نظرت إلى أيوب بتوعد وقالت: "اعمل حسابك أنا من اليوم ورايح مش هقبل بحد يقرب من جوزي حتى مجرد تفكير، وجربوا تستقلوا بيا." أنهت كلامها وتحركت سريعًا من أمام أيوب.
نظر إلى أثرها بغضب وقال: "بني آدمة مستفزة." لم تستطع رهف تحمل ما يحدث أمام عينيها، نظرت لهم بدموع وركضت سريعًا إلى الخارج. تابعها أنس بأعين عاشق وقلبه تألم من دموعها، ركض خلفها إلى الخارج حتى لا يتركها بمفردها وقال: "رهف يا رهف، استني يا بنتي، هديتي حيلى." وقفت مكانها والدموع تتسابق على وجهها وقالت بصوت مختنق: "نعم يا أنس." اقترب منها ووقف أمامها وقال وهو يلهث من الركض: "رايحة فين كده؟ ردت عليه من بين دموعها وقالت:
"مخنوقة، هتمشي أشم شوية هوا." رد عليها بابتسامة وقال: "طيب يلا بينا." نظرت له باستغراب وقالت بتساؤل: "يلا فين؟ أجابها بتوضيح وقال: "هنشُم شوية هوا مع بعض، ما هو أنا مستحيل أسيبك تمشي لوحدك." نظرت له بتوتر وقالت بتساؤل: "و و وأنت هتتعب نفسك معايا ليه؟ امسك يدها ونظر لها بحب وقال: "سبق وقلت لك أنا بحبك وقولت لك إن واضح في عيونك أوي إنك معجبة بيا، وتعدي بس الظروف اللي إحنا فيها دي وهخطبك." نظرت إلى الأرض بخجل وقالت:
"ها ت ت تخطبني؟! أومأ رأسه بالتأكيد وتكلم بنبرة عاشق: "اممم، هخطبك، ويمكن كمان أخليه فرح على طول عشان تبقي معايا على طول." احمرت وجنتيها من شدة الخجل وقالت بتلعثم: "ا ا إن شاء الله، بس ربنا يطمنا على بابا الأول." ابتسم لها بحب وقال: "إن شاء الله هيرجع أحسن من الأول، امشي يلا نتمشى." أومأت رأسها بالطاعة وقالت: "ح ح حاضر يلا بينا." وتحركوا الاثنين ممسكين بيد بعض والسعادة تغمرهم. ***
خرج عدى من المشفى بغضب شديد، صعد سيارته وقبل أن يتحرك بها كانت جالسة بجواره نغم. أغلق عينيه بغضب وقال: "نغم انزلي دلوقتي، عايز أبقى مع نفسي شوية." حركت رأسها بالرفض وقالت: "لا طبعاً مش هسيبك لوحدك، وبعدين مش أنت بتقول إن أنا نفسك اللي بتتنفسه يبقى خلاص مش هفرقك ولا دقيقة وهفضل على قلبك ومش هسيبك ثانية واحدة." أنهت كلامها وعقدت ذراعيها على صدرها ونظرت له بحب.
تنهد بوجع وأدار السيارة وتحرك بها بسرعة جنونية. كانت نغم تشعر بالخوف من سرعة السيارة لكنها حاولت أن تهدأ. أغلقت عينيها وامسكت بالمقبض المتواجد بالباب بقوة وشعرت بدقات قلبها تتسارع بقوة وبدأت تفقد القدرة على التنفس. لاحظ أيوب تغير وجه نغم، وقف فجأة وتكلم بأسف: "أنا آسف يا نغم، حقك عليا، محستش بنفسي وأنا سايق العربية، نغم ردي عليا." حاولت تنظيم أنفاسها ثم تكلمت بلهث: "متقلقش عليا يا عدي أنا كويسة، المهم أنت."
امسك يدها وتكلم بأسف: "أنا آسف بجد يا نغم، أنا غبي وحمار إن عملت فيكي كده." حركت رأسها سريعًا وقالت بابتسامة هادئة: "اهدا يا حبيبي عشان خاطري، أنا كويسة والله." ترك يدها ونظر أمامه وتكلم بصوت مختنق:
"أنا مخنوق أوي يا نغم، ناااار جوايا محدش حاسس بيا، كله عايز عدي يسند ويدعم، محدش بيفكر فيا وفي حالي، محدش شايف الوجع اللي في قلبي، الهموم زادت أوي فوق كتافي، بعد موت بابا وليد مش لاقي الحضن الحنين اللي أرمي نفسي جواه، هو الوحيد اللي كان بيفهمني من نظرة عين، هو الوحيد اللي كان بيشيل عني الوجع، هو اللي كان بيقويني وقت ضعفي، أنا انكسرت أوي بعد موته يا نغم." أمسكت يده ونظرت له بعينه حتى تبث له مدى عشقها له وقالت:
"أنا عارفة إنها صعبة عليك، بس أنت أحسن من ناس كتير، على الأقل لاقيت حضن حنين يضمك وأنت صغير، لاقيت حد بيفهمك ويهمه أمرك، لاقيت حد عايز يسعدك، عرفت معنى الأمان وأنت وسط كل اللي بيحبوك، فيه غيرك معش لحظة واحدة جميلة، اتحرمت من الحضن الطيب واتحرمت من الأمان، كانت بتخاف تغمض عيونها لحظة عشان متشوفش منظر أبوها وهو بيدبح، أنت مهما كانت أيامك دلوقتي صعبة بس شوفت أيام كتير حلوة، إنما أنا لا شوفت أيام حلوة وأنا صغيرة ولا
شوفتها وأنا كبيرة، حتى لما رجعت ليكم وقلت الدنيا خلاص ضحكتلي، أدتني ضهرها وكملت مسيرة الوجع والحزن معايا كأنها حالفة ما تسيبني أعيش لحظة واحدة حلوة، بس أنا واثقة في ربنا إن هيرضينا وهيجبر بخاطرنا بعد المحن دي كلها هيبقى بعد الصبر جبر."
ابتسم لها وحاول يخفي حزنه عنها وقال: "وأنا رحت فين يا نغمي، هو أنتِ مش فرحانة إنك رجعتي لحضني من تاني ولا إيه؟ ابتسمت له على محاولة اخفاء حزنه عنها الفاشلة وقالت بتهكم: "ده على أساس إن أنا كده مش حاسة بيك ولا باللي في قلبك، يا ابني ده أنا بحس بوجعك من غير ما تتكلم، يعني متحاولش تعمل ذكي عليا وتداري حاجة عني، ماشي." اقترب منها وقال بصوت هامس:
"اممم طيب مدام بتعرفي إيه اللي جوايا من غير ما أتكلم، قوليلي بقى أنا عايز إيه دلوقتي." تراجعت إلى الخلف وتكلمت بتوتر: "ع ع عدى متستهبلش، أنا عارفة أنت بتعمل كده ليه." ابتسم على كلماتها واقترب أكثر لها ومال بجسده عليها وأخذ حزام الأمان ووضعه عليها وعاد إلى مكانه وقال بلؤم: "دماغك شمال على طول، فهمتيني صح." لكزته في ذراعه بضيق وقالت:
"والله العظيم أنت غلس وقليل الأدب، ها، واتفضل بقى أمشي بالعربية خلينا نرجع ليهم في المستشفى وملكش دعوة بأم حزومبل اللي عاملة نقرة منك دي بدل ما المرة الجاية أكسر مناخيرها اللي فرحانة بيها دي." تعالت ضحكات عدى على كلماتها وقال: "مشكلة، اقسم بالله لسه نفس شقاوتك وكلماتك وحركاتك وإنتي صغيرة، حاسس إن الزمن رجع بينا لورا وشايف أجمل بنوتة بضفيرتين قصاد عيوني." نظرت أمامها بحزن وقالت بتمني:
"يا ريت يا عدى يرجع الزمن بينا لورا، كانت حاجات كتير اتغيرت وكان زمنا بنكبر مع بعض وبنحقق أحلامنا مع بعض زي ما كنا بنحلم بيها." امسك يدها وقبلها بحب وقال: "كل اللي راح منا هنرجعه وهنعيشه زي ما كنا عايزين وأحسن كمان." وأدار السيارة وتحرك بها وهو ممسك بيد نغم كأنه خائف أن تضيع منه مرة أخرى. *** وقفت بتول أمام قبر وليد وظلت تنظر له فقط، تنهمر دموعها بصمت ثم تكلمت بوجع وقالت:
"أول مرة نبقى جنب بعض ومتخدنيش في حضنك زي ما متعود، متمسحش دموعي وتطبطب عليا، أول مرة دموعي تكون بسببك يا وليد، ليه بعدت وسيبتني محتاجك أوي جنبي دلوقتي، تعرف إن أنا كنت بهرب من حب ريان في حضنك أنت، دلوقتي مش عارفة أهرب من حبه فين، أنا أوقات كنت أفكر وأقول لو وليد يطلقني وهو يطلق مراته ونرجع لبعض ويكون هو ده مكانه الطبيعي، وكنت متخيلة إني هبقى مبسوطة كده وأنا بعيدة عنك، بس عارف موتك ده كشف الحقيقة كلها قصاد عيوني، أنا عمري ما هقدر أكون مع ريان تاني، عارف ليه؟
علشان مش هقدر أكون في حضن راجل تاني غيرك، كان نفسي تبقى عايش وتسمع الكلام ده بودانك، كنت متأكدة إنك هتفرح بي أوي، أنا اكتشفت إن عندي كلام كتير أوي ليك مقولتهوش، العمر سرقنا والموت أخدك مني من قبل ما أقوله، عارفة إن أنا اللي غبية وضيعت فرصة وجودك جنبي بس ندمت بعد فوات الأوان بعد ما ضيعت من إيدي ومبقتش موجود، يااااه يا وليد قد إيه الدنيا دي غريبة، بتغرك وتوهمك إن البني آدم ده دائم معاك وضامن وجوده، بس فاجأة تصحيك على
ألم الفراق وتخليك تموت من الندم وتأنيب الضمير، صدق اللي قال كلمة ياريت عمرها ما هترجع اللي كان، ربنا يرحمك يا حبيبي، آه نسيت أقولك أنا كنت بروح المستشفى عند ريان كل يوم من غير حد ما يحس بيا، بدخل عن طريق الممرضة والنهاردة بدأ يفوق، أنا كده مهمتي انتهت معاه، قبل ما تزعل مني هقولك أنا عملت كده ليه، مش هكذب عليك وأقولك كرهته، أنا لسه بحبه، بس الأيام اللي فاتت اكتشفت إن مستحيل أكون في حضن راجل تاني بعد منك، قررت أساعده
يرجع الحياة بس بعد كده هبعد عنه خالص، هقطع صفحته من حياتي وهعيش ليك أنت وبس زي ما عشت ليا أنا وبس في حياتك، تستاهل إن أعيش على ذكراك يا حبيبي وأرد ولو جزء بسيط من اللي عملته معايا طول السنين اللي فاتت دي، هجيلك كل أسبوع أزورك وأقولك كل حاجة حصلت معايا أنا وولادك طول الأسبوع وهخليهم يزوروك هما كمان، مش هنسيبك لوحدك، هتلاقينا حواليك على طول زي ما كنت محاوط علينا طول حياتك، هتوحشني لحد ما أجلك الأسبوع الجاي، مع
السلامة."
أنهت كلامها وخرجت، صعدت سيارتها ونظرت أمامها بدموع ثم تحركت سريعًا عادت إلى منزلها. *** مر عدة شهور…..
ورجعت الحياة طبيعية كما كانت بالسابق. عمل زين بجدية بالشركة الخاصة بوالده حتى يجعلها من أفضل الشركات بالوطن العربي، وساعده في ذلك صديقه الصدوق أنس الذي يعمل بكل همه حتى لا يجعل صديقه يشعر بالذنب تجاه وفاة والده. تغيرت حور أصبحت أكثر جدية بالعمل بعد ما بقيت بالشركة بمفردها بعد ترك أنس وزين الشركة، وكانت تساعدها رهف وأصبحوا أصدقاء مقربين. أحضر عدي أكفأ المعلمين والمعلمات حتى يساعدوا نغم على التعليم وتعويضها عن ما فقدته
بحياتها. عاد إلى عمله مرة أخرى واستئناف التحقيق في قضية محروس. التشخيص النهائي لريان شلل نصفي بسبب ضغط حديد السيارة على قدمه أثناء الحادث. واظبت بتول على زيارة وليد بقبره أسبوعيًا تقص عليه ما ورد خلال أيام الأسبوع، وأوقات يذهبوا معها أبناؤها وأوقات كل منهما يقوم بزيارته على انفراد.
في صباح يوم جديد استيقظت قمر من نومها على صوت رنين المنبه، أغلقته ونهضت من على فراشها بتثاؤب ونظرت إلى أيوب وقالت: "حبيبي اصحى يلا يا قلبي." فتح عينيه بابتسامة وأمسك يدها وقبلها بحب وقال: "صباح الورد يا عمري." ابتسمت له بحب وقالت: "صباح النور يا حبيبي، يلا اصحى واجهز على ما أطلع أصحى الباقي." أومأ رأسه بالموافقة وقال: "ماشي يا حبيبتي ربنا يخليكي لينا."
تحركت باتجاه الباب وخرجت منه وصعدت إلى الأعلى حيث أنها اتجهت إلى غرفة حور أولًا لأنها أصعبهم في الاستيقاظ. اقتربت منها وجلست بجوارها وقالت: "حور يا حبيبتي اصحى يلا عشان متتأخريش." تكلمت بنعاس وقالت: "لسه بدري يا ماما، سيبيني أنام شوية." تكلمت بنفاذ صبر وقالت: "والله العظيم لو مصحتيش يا حور لاخلي أبوكي هو اللي يصحيكِ بطريقته بقى." عندما استمعت حور إلى كلمات والدتها اعتدلت سريعًا وقالت:
"صباح الهمة والنشاط، صباحك بيضحك يا قمر، ثواني وأكون جاهزة." وركضت سريعًا إلى المرحاض. نظرت إلى أثر ابنتها وابتسمت على حركاتها الجنونية ثم تحركت واتجهت إلى غرفة زياد ودلفت إلى الداخل وجدته يرتدي بنطاله، نظر لها بصدمة وقال: "يا فضيحتي، إيه يا حاجة موردش في قاموسك حاجة اسمها اخبط على الباب خالص، افرضي مكنتش مستور خالص اتفضح قدامك عادي." تعالت ضحكاتها وتكلمت بصعوبة وقالت:
"مكسوف من إيه يا موكوس، ده أنا كنت بغيرك حفاضك بإيديا دول." نظر لها باشمئزاز وقال: "شكراً يا ست الكل على وصلت الذكريات ريحتها دي على الصبح كده، المهم أنا صحيت والحمد لله." ضربته بخفة على رأسه وقالت: "يا واد اختشي، أنا عارفة أنت طالع مسحوب من لسانك كده لمين." ابتسم لها ببلهاء وقال: "أكيد العيلة هنا أو هنا كان فيها حد أهطل زي كده." حرك رأسه بصعوبة وتكلم بضحك: "أيوه افتكرت عمك معاذ، نفس طريقتك كده."
أومأ رأسه بابتسامة وقال: "يعني طلع الهطل بالوراثة أهو، يبقى متلومنيش، لومي نفسك يا قمري إنك اخترتي عيلة زي دي، بس الكلام بيني وبينك أحسن لو بابا سمع الكلام ده هينفخني وأنا مش متحمل نفخ، كفاية التعليم نفخني لوحده." حرك رأسه بقلة حيلة وتكلمت وهي تتحرك باتجاه الباب: "لله الأمر من قبل ومن بعد، ربنا يصبرني عليك يا آخرة صبري." نظر إلى أثر والدته وتعالت ضحكاته على كلماتها، ثم أكمل ملابسه.
تحركت قمر باتجاه غرفة نغم ودلفت إلى الداخل وجدتها تمشط شعرها، نظرت نغم بابتسامة وقالت: "صباح الفل يا قمري." اقتربت منها وقبلت رأسها وقالت بحب: "صباح الورد يا قلب قمرك، صاحية بدري ليه كده." أجابتها بسعادة وقالت: "النهاردة عدي هيخدني شركة عمو وليد وهيخلي زين يفهمني شوية حاجات بسيطة كده على قد فهمي وكل يوم هروح شوية لحد ما أخلص تعليم وأقدر أستلم نصيبي وأدير الشركة مع زين ابن عمي." نظرت لها بسعادة وقالت:
"ربنا يوفقك يا حبيبتي ويرزقك بأعلى المناصب، قادر يا كريم." قبلت يدها بحب وقالت: "ربنا يخليكي ليا يا أجمل وأعظم أم في الدنيا." ربت على ظهرها بحنو وقالت: "وميحرمنيش منك إنتِ وإخواتك ويفرح قلبي بيكم." أنهت كلامها وخرجوا الاثنين وهبطوا إلى الأسفل والتفوا جميعًا حول طاولة الطعام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!