خرج ريان من غرفته بالدور الأرضي بعد أن جهزت له بعد عودته من المشفى لتسهيل حركته بالمقعد المتحرك. وجد منى تجلس على الأريكة وتبتسم له. نظر لها بضيق واتجه إلى البهو الملحق بالفيلا. نهضت من مكانها واتجهت خلفه وأحاطته بذراعيها وقالت: -أخيرًا يا حبيبي خرجت من أوضتك. من يوم ما خرجت من المستشفى وأنت قافل باب أوضتك عليك ومش عايز تكلم حد. أغلق عينيه بضيق وتكلم بصوت مختنق:
-ابعدي عني يا منى. متنسيش إني أنا مطلقك اليوم اللي حصل فيه الحادثة. استقامت في وقفتها ونظرت له بابتسامة وقالت: -أنا آسفة يا ريان. معرفش أنا عملت كده إزاي. أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك. وبعد الحادثة ودخولك الغيبوبة عرفت إن بعدك عني يعني موتي. سامحني أرجوك. نظر الاتجاه الآخر وقال بصوت غاضب:
-أنا مش هقبل الشفقة من حد مهما كان مين. وبما إنك طلبتي مني الطلاق وكنتي مصممة عليه ونفذتلك رغبتك وبعد ما قعدت على كرسي متحرك جايه تقوليلي بحبك ومش قادرة أعيش من غيرك. كده يبقى شفقة يا منى وأنا عندي الموت أهون مليون مرة من أشوف نظرات الشفقة على حالي. أمسكت يده بدموع وحركت رأسها بالرفض قائلة:
-والله العظيم ما شفقة. أنت عارف ومتأكد إني أنا بحبك يا ريان. بس اللي حصل يوم الحادثة ده من غيرتي عليك. كنت هموت من حبك ليها ونظراتك اللي مبتنزلش من عليها طول ما هي قصادك. واللي عملته ده طبيعي أي ست مكاني هتعمله. أبوس إيدك سامحني يا أبو بناتي. أبعد يدها عنه وتكلم بنفاذ صبر:
-من الآخر يا منى علشان معنديش حيل للمناهدة. أنا بحب بتول وعمر ما حد هيقدر يشغل قلبي غيرها. عيوني مبتشوفش إلا هي. وهتفضل المشاكل بينا بسبب الموضوع ده. فالأحسن ليا ولكي الطلاق وكل واحد يشوف حياته. نظرت له بغضب شديد وقالت:
-اااه قول كده بقى. أنت راسم ومخطط إنك ترجعها تاني ليك بعد موت جوزها. اتجدد الأمل جواك من تاني واللي حصل فتح الطريق ليك. وأنا وسنين عمري اللي راحوا عليك أنت وبناتك مش مشكلة. حبي ليك ووجعي اللي كنت بحس بيه كل ما أشوف حبها في عينك ولا حاجة. بس لا يا ريان مش بعد العمر اللي راح مني ده كله في حبك هسمح لحد ياخدك مني. وأنت اللي لعبت بالنار استحمل بقى. وتحركت من أمامه بغضب شديد. نظر إلى أثرها باشمئزاز وتكلم بصوت غاضب:
-بني آدمة مستفزة. وجودها في حياتي كان أكبر غلطة. وتذكر عندما علم بموت وليد وكيف تجدد الأمل داخله لتحقيق هدفه في العودة إلى قلب لطالما حلم بمسامحته منذ زمن طويل. *** وصلت حور إلى الشركة وتحركت بكل جدية ودلفت إلى داخل قاعة الاجتماعات. كان يوجد أصحاب أكبر شركة بالوطن العربي يلتفون حول الطاولة. جلست على المقعد وتكلمت بأسف: -سوري يا جماعة. كان عندي شغل مهم بخلصه. كان يجلس شاب في أواخر الثلاثينات وينظر لها بإعجاب شديد.
تكلم بنبرة رجولية وقال: -ولا يهمك يا أستاذة…. (ونظر لها حتى تقول اسمه) تكلمت بابتسامة مجاملة: -الأستاذة حور. رد عليها بإعجاب وقال: -عاشت الأسماء يا أستاذة حور. شعرت بضيق من نظرات هذا الفظ لها. اكتفت بابتسامة مجاملة ولم ترد عليه. تكلم أيوب بنبرة أكثر جدية وقال: -إحنا النهاردة هنمضي عقد مع شركة من أعظم وأكبر شركة في الوطن العربي. وتشرف لنا قبول عرضنا والانضمام لشركاتنا. تكلم هذا الشاب وهو ينظر إلى حور وقال بابتسامة:
-الشرف لينا يا أستاذ أيوب. شركتكم في الفترة الأخيرة استحوذت على نص السوق تقريبًا وده إنجاز عظيم ليكم. وجودنا مع بعض ده هيضيف لينا إحنا الاتنين. وإن شاء الله تكون بداية خير ونوصل للعالمية. نظرت حور الاتجاه الآخر وقالت بصوت هامس: -اللهي ما تلحق توصل يا بعيد. عيل غتت. كان يتابع حركاتها بإعجاب وابتسم على حركة شفاها فهو يفهم جيد جدًا في حركة الشفاه. ثم نظر إلى أيوب وقال: -ممكن أطلب طلب وده هيفيدنا إحنا الاتنين. أومأ
أيوب رأسه بالتأكيد وقال: -طبعًا اتفضل. تكلم بنبرة جدية وقال: -أنا بقول نضم العمال مع بعض وأنا يكون ليا مكتب هنا علشان أقدر أتابع الشغل كويس. وفي نفس الوقت ننقل موظف في شركتنا علشان يتابع العمل هناك. بحيث إننا نسهل عملية المتابعة لشركتين في وقت واحد والمصلحة تكون واحدة. انتفضت حور من مكانها وقالت بضيق: -لا طبعًا مش موافقة. يعني إيه يكون ليك مكتب في شركتنا وإحنا يكون لينا مكتب في شركتكم؟ أنتوا مش واثقين فينا ولا إيه؟
ابتسم لها بهدوء وتكلم بتوضيح وقال: -لا طبعًا الموضوع مش كده. إحنا لو مش واثقين فيكم ما كناش قبلنا العرض بتاعكم عن باقي الشركات التانية. وبعدين ما أنا قولت حد من عندكم يكون ليه مكتب عندنا. أنا مقصد كلامي بما إن فيه شغل كتير هيكون محتاج إمضتي وفي نفس الوقت هيكون فيه شغل في شركتنا محتاج إمضتكم. بدل ما يفضل حد رايح جاي ما بين الشركتين يبقى كل واحد منا يكون ليه مكتب في شركة التاني.
نظرت له بضيق ثم نظرت إلى والدها وجدتها ينظر لها بغضب. تنحتت بإحراج وجلست على مقعدها مرة أخرى وقالت بضيق: -أوك. ابتسم على تذمرها وأومأ رأسه بالموافقة وقال: -يبقى كده اتفقنا على كل حاجة. شوفوا بقى مين هيستلم الشغل في شركتنا. أجابه أيوب بجدية وقال: -أستاذ عامر أخويا. رد عليه بترحاب وقال: -هينور شركتنا. ثم استقام بوقفته ناظرًا إلى حور بابتسامة وقال: -مبارك علينا وعليكم. وإن شاء الله يكون انضمام موفق للكل. زفرت
حور بضيق وهبت واقفة وقالت: -بما إن الاجتماع انتهى عن إذنكم أنا أروح أشوف شغلي. أومأ أيوب رأسه بالموافقة وأشار لها بالخروج. ظل يتابعها هذا الشاب حتى خرجت من الباب. ثم نظر إلى أيوب وقال: -همشي أنا بقى. وإن شاء الله هبلغك بميعاد الحفلة اللي هنعلن فيها انضمام الشركات لبعض. ثم تحرك باتجاه الباب وخرج منه. ثم هتف سريعًا على حور قائلاً: -أستاذة حور ثانية واحدة بعد إذنك. وقفت مكانها وضغطت على أسنانها وقالت بنفاذ صبر:
-اللهم طولك يا روح. ثم استدارت له وتكلمت بابتسامة متضايقة: -أفندم. اقترب منها وتكلم بصوت هادئ: -أنا محظوظ جدًا بوجودكم معايا. زفرت بضيق وتكلمت بمجاملة: -نورت شركتنا. عن إذنك. واستدارت حتى تذهب إلى مكتبها. لكنها وقفت على صوت هذا الشاب وهو يقول لها: -طيب مش عايزة تعرفي اسمي إيه؟ التفت له مرة أخرى وقالت بنفاذ صبر: -حضرتك يعني أكيد عارفه اسمك من العقود. مش محتاجة ذكاء. عقد ذراعيه على صدره ونظر لها بابتسامة
هادئة وتحدث بتساؤل: -اممم طيب أنا اسمي إيه؟ تكلمت بصوت مختنق: -شريف السيوفي. تعالت ضحكاته الرجولية وتكلم بصعوبة: -لا واضح إنك ذكية فعلًا. عقدت بين حاجبيها باستغراب وقالت بعدم فهم: -مش فاهمة حضرتك بتضحك على إيه؟ اقترب منها ونظر بعينيها وقال بتوضيح: -بضحك علشان ده مش اسمي أنا، ده اسم بابا. لكن أنا اسمي سيف السيوفي. ثم اقترب إليها أكثر وتكلم بهمس بجوار أذنيها:
-احفظي بقى الاسم ده كويس أوي واحفري في ذاكرتك علشان هيبقى ليه دور كبير أوي في حياتك الفترة الجاية. أنهى كلامه وابتعد عنها بابتسامة هادئة لكنها تحمل خلفها الكثير. تاركًا إياها في ذهول تام مما حدث. ظلت حور واقفة مكانها بصدمة كبيرة مما حدث منذ قليل. شعرت قلبها بالخوف والرهبة من هذا الرجل. لكنها انتبهت على صوت رهف وهي تهتف عليها باستغراب قائلة: -حور يا حور. أنتِ يا بنتي فيه إيه مالك؟! نظرت لها نظرات
تائهة وتكلمت بصعوبة وقالت: -م م مفيش. يلا بينا نشوف شغلنا. وتحركوا سويًا إلى غرفة مكتب حور تحت استغراب رهف على حالها الغير مفهوم. *** وصل عدي ومعه نغم وصعدوا عند المكتب الخاص بزين. دلفوا إلى الداخل وابتسم لهم بترحاب وقال: -نورتوا مكتبي المتواضع والله. اتفضلوا اقعدوا. جلس كل من عدي ونغم على المقاعد المقابلة أمام مكتب زين وتكلم عدي قائلاً:
-أنا هسيب ليك نغم زي ما اتفقنا. اديها خلفية على الشغل في الشركة بس متضغطش عليها وإياك تتعبها فاهم. رفع أحد حاجبيه إلى الأعلى وتكلم بتهكم: -ما تهدى شوية يا عم النحنوح. متخافش عليها أوي كده. دي بنت خالتي زي ما هي بنت خالتك وهخاف عليها زيك بالظبط. ضغط على أسنانه بغضب وقال: -نعم يا روح أمك! تخاف على مين؟ دي حبيبتي أنا وأنا بس اللي أخاف عليها وأحميها. فاهم؟ تعالت ضحكات زين الرجولية وقال:
-خلاص يا عم متبقاش قفوش أوي كده. بهزر يا رمضان. إيه مبتهزرش؟ نظر له بضيق زائف وقال: -لا بهزر يا حليتها. وخف بقى تعوم علشان معملش معاك الجلاشة. تعالت ضحكات نغم على مناغشتهم سوا وقالت: -لا لا لا مش قادرة بجد. انتوا الاتنين فظاع. المهم. أنت عارف يا زين إن لسه بتعلم ومعنديش فكرة خالص عن شغل الشركات. بس متقلقش أنا دماغي نضيفة وبستوعب بسرعة يعني مش هتعبك. أومأ زين رأسه بتفهم وقال بنبرة جدية:
-تمام يا نغم. وأنا برضه هبدأ معاكي بحاجات سهلة وبسيطة علشان ما يبقاش صعب عليكي في البداية. وإن شاء الله واحدة واحدة هتقدري تفهمي كل حاجة وهتساعديني نكبر الشركة سوا وتبقى من أكبر الشركات المنافسة في السوق. ابتسمت له بسعادة وقالت بتمني: -يارب يا زين. استقام عدي واقفًا وقال بسعادة: -هروح أنا أشوف شغلي بقى. وأنت يا زين لو اتأخرت عليكم وصلها لحد البيت. زفر بضيق وتكلم بنفاذ صبر:
-ما خلاص بقى يا عم النحنوح أنت. متندمنيش إن وافقت بنزول نغم الشركة. ألقى عدي عليه القلم الموضوع على المكتب وقال بابتسامة: -بني آدم غتت. وخرج من المكتب وتركهم. حتى يتابعوا العمل الخاص بهم. هبط إلى الأسفل وصعد سيارته. نظر أمامه متذكرًا ما حدث بينه هو وزين في أول لقاء ما بينهما بعد وفاة وليد. *** فلاش باك. وصل عدي أسفل الشركة بقلب مهموم من شدة الوجع.
نظر إلى المكان بالخارج وتنهد بوجع وتذكر عندما كان وليد يأتي به إلى هذا المكان وهو صغير. فرت دمعة من عينه أزالها سريعًا بأنامله وصعد إلى الأعلى وطرق على الباب وسمع صوت زين يسمح له بالدخول. فتح الباب ودلف إلى الداخل وما أن رآه حتى نهض بغضب من على مقعده واقترب منه ونظر له قائلاً بصوت جهوري: -أنت إيه جابك هنا؟ اطلع بره مش عايز أشوف وشك هنا تاني فاهم. ظل ينظر له بصمت ثم تكلم بصوت مختنق وقال: -أنا آسف.
ابتسم له بتهكم وتكلم زين بغضب قائلاً: -اممم أسف. طيب أسف على إيه ولا إيه؟ على القلم اللي ضربته ليا قصاد الكل؟ ولا على بعدك عننا في أكتر وقت محتاجينك فيه؟ تنهد بوجع وتكلم بصوت مختنق:
-على الاتنين يا زين. آسف على إن مديت إيدي عليك، بس أنت كنت عارف السبب وليه عملت كده وعلشان مين. واسف على بعدي عنكم، بس كان غصب عني. بابا ريان مرمي في المستشفى ما بين الحياة والموت ولحد دلوقتي مفاقش. وكمان موت بابا وليد كسرني ووجعني. مش قادر أقرب من أي مكان ليه ذكرى فيه علشان قلبي بينزف من جوه. حاسس متكتف وأنا مش قادر أشوفه تاني ولا أرجعه لو للحظة واحدة أحضنه وأشبع منه. أنا ضعيف أوي يا زين. أنا اللي محتاجكم توقفوا جنبى في أزماتي. تشيلوا معايا الحمل شوية. حاسس إن ضهري انحنى من كتر الهموم يا أخويا.
أنهى كلامه وأرتمى داخل أحضان زين وظل يبكي وتمسك به بقوة. شعر زين بالحزن تجاه أخوه وأحاطه بذراعيه وتمسك هو الآخر به وسمح لدموعه العنان وتكلم بصعوبة: -حاسس بيك وبوجعك يا عدي. بابا كسر ضهرنا كلنا. بقينا ضعاف أوي من غيره لأنه كان الجبل اللي ساند الكل. ربنا يرحمه ويصبر قلوبنا على فراقه. ابتعد عن حضنه ونظر له بحزن وقال:
-إحنا دلوقتي مكانه. لازم نقوى علشان نقوي ماما وفرح. هما دلوقتي محتاجين حضن يعوضهم غياب بابا. إحنا السند ليهم. لازم نخلي بابا وليد فخور بينا ويفرح إنه ربى رجالة. ومن هنا ورايح مش هنزعل من بعض أبدًا وكل واحد منا يكمل التاني. ابتسم له بحب وأومأ رأسه بالموافقة وقال: -عندك حق يا عدي. مافيش وقت للانهيار. لازم نرجع أقوى من الأول علشان خاطر ماما وفرح. ربنا ميحرمناش من بعض أبدًا. تكلم بسعادة وقال:
-يارب يا حبيبي. أنا لازم أمشي دلوقتي علشان هرجع المستشفى تاني علشان لو احتاجوا حاجة. ولو فيه حاجة كلمني على التليفون. أنهى كلامه وربت على كتفه وخرج تاركًا إياه متجهًا إلى المشفى. *** بااااك. ابتسم عدي بسعادة وتذكر والدته. أمسك هاتفه وقام بالاتصال بها وانتظر الرد دقائق معدودة وسمع صوتها الهادئ الحنون وقال: -صباح الورد على عيونك يا بتولي. تكلمت بتثاؤب وقالت: -صباح النور يا حبيبي. أنت نزلت الشغل بدري ولا إيه؟
تنهد بضيق وتكلم بتوضيح: -اممم وصلت نغم الشركة وعندي النهارده محاكمة محروس. ادعي ربنا إنه ياخد حكم النهارده ونخلص من أم القضية دي بقى. تكلمت بغضب شديد وقالت: -اللهي ياخد حكم إعدام ونخلص منه ومن قرفه يارب. رد عليها بتمني وقال: -يارب يا ماما يسمع منك ربنا. المهم اصحي يلا افطري وخدي علاجك. أوعي تنامي ولا تنسي العلاج بتاعك. هزعل منك بجد. تكلمت بابتسامة هادئة ونبرة حنونة:
-ماشي يا حبيبي. ربنا يباركلي فيك أنت وإخواتك يارب. ابقى طمني الحكم هيكون إيه. -حاضر يا ماما. مع السلامة. أنهى كلامه وأدار السيارة وتحرك بها متجهًا إلى المحكمة. *** وصلت فرح إلى الجامعة. بحثت بعينيها على زياد حتى وجدته يقف مع صديقتها رحمه. شعرت بالضيق وتحركت باتجاههم وتكلمت بصوت مختنق: -صباح الخير. نظر لها بابتسامة عادية وقال: -صباح النور يا فرح. لسه كانت رحمه بتسألني عليكِ. نظرت بضيق إلى رحمه وقالت:
-طيب ما أنتي لسه مكلماني وأنا قولتلك قدامي شوية وأوصل. بتسألي زياد عليا تاني ليه بقى؟ ابتسمت رحمه لها بتوتر وقالت: -ها ا ا اه. ما أنا لما لقيتك اتأخرتي قلقت عليكي. ولما شوفت زيزو جيت أطمن منه عليكي. قولت ليكون كان معاكي ولا حاجة. رفعت أحد حاجبيها إلى الأعلى وتكلمت بضيق: -زيزو!! هو مش قالك قبل كده اسمه زياد مش زيزو. تكلم زياد سريعًا بابتسامة هادئة:
-عادي يا فرح مفيهاش حاجة. يعني لما تقولي يا زيزو. إحنا هنا كلنا أصدقاء وهي طلعت إنسانة لطيفة وأنا اللي كنت فاهمها غلط. نظرت رحمه لها بانتصار وابتسمت لها. نظرت لهم بضيق وقالت: -والله طيب كويس. أصلك كنت لسه من فترة صغيرة بتقولي مش بترتاح ليها وبتطلب مني أبعد عنها. ردت عليها رحمه سريعًا وقالت: -عادي يا فروحة. ما هو لسه بيقولك كان فاهمك غلط. ضغطت على أسنانها بغضب شديد وقالت بضيق: -عن إذنكم.
وتحركت سريعًا من أمامهم وتركتهم. وضعت يدها على فمها وظلت تبكي بوجع وألم. نظر زياد على أثرها بحزن وتنهد بوجع ثم نظر إلى رحمه وابتسم لها بضيق وقال: -طيب عن إذنك أنا هروح بقى علشان المحاضرة هتبدأ. أومأت رأسها بابتسامة وقالت بسعادة: -اه طبعًا روح. وأنا هستناك لما تخلص تروحني معاك على سكك. زفر بضيق وابتسم لها بمجاملة وقال: -أوك. عن إذنك. تحرك سريعًا من أمامها وتكلم بصوت هامس: -بني آدمة رخمة ودمك يلطش. ***
انتهت حور من العمل الخاص بها وأرجعت ظهرها إلى الخلف وتذكرت هذا الرجل وما فعله معها. شعرت بالقلق. أمسكت هاتفها وأجرت اتصالًا وانتظرت الرد. ثواني معدودة سمعت صوت زين يقول لها بنبرة عاشقة: -واحشتيني. لسه كنت هكلمك. تنهدت بضيق وقالت بصوت مختنق: -وأنت واحشتني أوي يا زين. ياريتك ما كنت سبت الشركة ومشيت وسيبتني لوحدي هنا. شعر زين بقلق بالغ تكلم بتساؤل: -مالك يا حور؟ عمو أيوب زعقلك تاني ولا إيه؟ ردت عليه بصوت مختنق وقالت:
-لا طبعًا. بابا بقاله فترة مش بيزعلني. تكلم بعدم فهم متسائلًا مرة أخرى: -اومال فيه إيه؟ صوتك ماله؟ توترت من سؤاله وشعرت أنها تسرعت بالكلام خائفة ليعلم زين بأمر هذا الشاب الفظ. تكلمت سريعًا بتوضيح: -م م مفيش يا حبيبي. أصلك واحشتني أوي وبدل ما كنا بنشوف بعض على طول في الشركة بقينا بنشوف بعض كل فين وفين. تنهد بارتياح وقال بنبرة هادئة:
-يا حبيبتي غصب عني والله. ما أنتي عارفة الظروف. وأهو هانت خلاص الأمور بقت أحسن دلوقتي وهكلم ماما في موضوع خطوبتنا دلوقتي علشان نبقى مع بعض على طول. ابتسمت بتمني وقالت: -ربنا يقرب البعيد يا زين يارب. يلا هسيبك تشوف شغلك وأنا خلصت وهروح. رد عليها بحب قائلاً: -ماشي يا حبيبتي. خلي بالك من نفسك. وحسبي عينك تتكلمي مع أي راجل مفهوم. ابتلعت ريقها بصعوبة وتكلمت بصوت مرتعش: -م م مفهوم. باي. أغلقت الخط سريعًا مع زين ونظرت
أمامها بخوف شديد وقالت: -قلبي مش مرتاح للي جاي مع الراجل ده. ولو زين شم خبر باللي حصل ده مش بعيد يقتله. ربنا يستر بقى. ثم نهضت أمسكت حقيبة يدها وخرجت من مكتبها. هبطت إلى الأسفل وصعدت سيارتها وتحركت بها سريعًا إلى المنزل. *** انتهت المحاكمة عند محروس وعدي. نظروا إلى بعض بتحدي وتكلم محروس وقال بتهكم:
-اوعى تفرح بحكم الإعدام اللي أخده يا ابن اختي. اللي زي بسبع أرواح ومش محروس اللي تخلصوا منه ويموت بسهولة كده. اللعبة لسه منتهتش والجولة لسه في أولها. تعالت ضحكات عدي الشامتة وقال: -مفيش جولات تاني يا محروس. جيم أوفر. اللعبة خلصت خلاص وأنا الفائز واتخلصت من الوحش. بس متقلقش هعملك عزاء يليق بواحد قواد شبهك. ابتسم له ابتسامة تخفي أشياء كثيرة خلفها وقال: -الله أعلم العزاء الجاي هيكون لمين. مش يمكن يكون لنغم حبيبت القلب.
إلى هنا ولم يستطع عدي التحكم في غضبه. انقض عليه وأنهال عليه بالضرب وتكلم بغضب شديد: -فكر تقرب ليها ولا تخلي حد يمس شعرة منها وأنا هولع فيك حتى لو في قبرك. والدماء تسيل على وجه محروس تكلم بضحكة منهكة قائلاً: -أنا وأنت والأيام بينا. وهوريك يا ابن اختي. أخذه العسكري سريعًا من أمام عدي وأمسكه تميم وقال بنبرة هادئة: -اهدا يا عدي. متوصلهوش للي هو عايزه. كل اللي بيقوله ده وبيعمله حلاوة روح مش أكتر علشان اتحكم عليه بالإعدام.
نظر له بقلق وقال بصوت مختنق: -أنت عارف وأنا عارف يا تميم إن فيه يد خفية بيحركها محروس من مكانه وبإشارة منه هيدمر العالم. أنا بحمي الكل على قد ما أقدر وزودت الحرس على الفيلا عندنا وعند خالتو. وأنا مش بسيب نغم تتحرك لوحدها أبدًا. بس برضه خايف تحصل غلطة ويستغلها محروس. أنا مش بنام الليل من القلق يا تميم. حتى لو مات هفضل قلقان من ذراعه المجهول اللي بره. ربت على كتفه وقال بابتسامة هادئة:
-اهدا بس وإن شاء الله الأمور هتعدي على خير وهنوصل ليه في أقرب وقت. تنهد بقلق وقال: -ربنا يستر بقى. أنا همشي علشان خلاص تعبان ومش قادر. أومأ تميم رأسه بتفهم وقال: -ماشي يا صاحبي. ربنا معاك. خرج عدي صعد سيارته واتجه بها إلى المنزل. *** اجتمعت عائلة أيوب ليلاً حول طاولة الطعام. وبدأوا يتناولون في صمت. لكن حور كسرت الصمت عندما قالت: -بابا ممكن أقولك حاجة؟ انتبه لها الجميع وحرك أيوب رأسه بالموافقة. ابتلع
ريقها بصعوبة وتكلمت بتوتر: -ب ب بابا ا ا أنا مش مطمنة لموضوع شركة السيوفي دي. حاسة إنهم مش مظبوطين ووراهم حاجة مريبة. نظر لها باستغراب وقال بتساؤل: -وإيه خلاكي تقولي كده؟ أجابته بتوضيح: -يعني يا بابا شركة كبيرة زي دي عايزة من شركتنا إيه؟
الاسم والشهرة معتقدش لأنهم أشهر مننا في السوق. واعتقد برضه مش محتاجين سيولة دول ماشاء الله معاهم مليارات. وده المريب أصلًا. المستوى اللي هما وصلوا ليه في وقت قياسي مع إننا قبل منهم بس شركتهم سبقتنا بشكل غريب ومريب. أنا حاسة إنهم شغالين في حاجة مشبوهة. واخدين الشركة ستارة ليهم. وانضمام شركتنا ليهم هيوقعنا في مشكلة كبيرة. وعلى ما أعتقد إنهم هيستخدموا اسمنا غلط.
ظل يتابعها أيوب باهتمام شديد وشعر بالفخر من طريقة تفكير ابنته. الآن أحس أن ابنته نضجت كما يريد. ولكن سيهدأ الآن حتى تزداد خبرة وتبقى أقوى أكثر من ذلك. أخيرًا تكلم بنبرة هادئة وقال: -وأنتي مفكرة إن أنا طفل صغير وهيضحك عليا بسهولة كده؟ ما أنا أكيد عندي كل المعلومات اللي تخصهم. وأنا شايف إنهم شركة محترمة ووجودها معانا هيفرق كتير مع شركتنا. تكلمت حور مرة أخرى محاولة إثبات رأيها قائلة بتوضيح:
-يا بابا أنا مقلتش إن حضرتك طفل ولا إن بيضحك عليك بسهولة. بس هما فعلًا شاطرين أوي في الخداع وقادرين يخلوا الشخص اللي قصادهم يقتنع بيهم بأقل مجهود. بس برضه طريقة وصولهم لسوق السريعة تخلي الواحد يشك فيهم. وأنا إحساسي بيقولي إن وراهم قصة وكبيرة أوي كمان. ازدادت نظرة الفخر في عيني أيوب لحور. لكنه أخفاها سريعًا وتكلم وهو يضع الطعام في فمه: -أنا عارف بعمل إيه كويس أوي. ومش بنت امبارح اللي هتيجي تعدل عليا.
شعرت بإهانة كبيرة من طريقة كلام والدها لها. هبت واقفة وقالت بصوت مختنق: -الحمد لله شبعت. تصبحوا على خير. نظرت قمر بضيق إلى أيوب ثم نظرت إلى ابنتها حور وقالت بنبرة حنونة: -اقعدي يا حبيبتي كملي أكلك. أنتِ مأكلتيش حاجة من ساعة ما قعدنا. وأنتي بتتكلمي في الشغل مع أبوكي. ابتسمت لها بوجع وقالت: -صدقيني يا ماما أنا شبعت. عن إذنكم. وصعدت سريعًا إلى غرفتها. ارتمت على فراشها وظلت تبكي بوجع وألم من طريقة والدها الجافة معها.
دقائق معدودة وسمعت صوت طرقات على الباب. اعتدلت على التخت ومسحت عبراتها وأذنت لـ طارق بالدخول. انفتح الباب ودخلت نغم بابتسامة هادئة وقالت بتساؤل: -الجميل يسمح لي أدخل أقعد معاه شوية؟ ابتسمت لها بحزن وقالت: -طبعًا يا حبيبتي. تعالي. دلف نغم وأغلقت الباب خلفها واتجهت إلى التخت وتمددت بجوار حور ووضعت رأسها على صدرها وقالت: -بتفكري فين يا ترى؟ أكيد في الولا الحليوة أبو غمزات صح. تنهدت بوجع وقالت بصوت مختنق:
-لا خالص. بفكر في كره بابا ليا. جحظت عين نغم بصدمة واعتدلت في جلستها ونظرت لها قائلة: -كره بابا ليكي!! أنتِ اتجننتي يا حور؟ إزاي تقولي كده على بابا أيوب؟ ابتسمت بوجع وقالت بتهكم:
-مش أنا اللي بقول يا نغم. أفعال بابا معايا هي اللي بتقول. تحسي إنه ندم لما جابني. طريقته جافة معايا باستمرار. حتى لما بقول رأي يقلل مني ويستهزئ بيا زي ما عمل قصادكم تحت. بحاول كتير أوي أخلق ليه مليون عذر علشان موصلش لتفكير ده. بس كل حاجة بيعملها بتوصلني لنفس التفكير. بابا بيكرهني يا نغم. حركت رأسها بالرفض وقالت بتوضيح:
-لا طبعًا كلامك مش صح. أنتِ مشوفتيش نظرة الفخر اللي في عيونه ليكي دي. السعادة كانت هتنط منهم. بس البعيد عامية وهبلة. هنقول إيه. ردت عليها بعدم اقتناع وقالت:
-متحاوليش تكدبي وتلطفي الجو يا نغم. لينا مواقف كتير أوي مع بعض من قبل ظهورك بزمان. كلها كسرت قلبي. ليا نفس الطريقة نفس الاستهزاء نفس الجفاء. أنا بحبه والله العظيم وبخاف عليه من الهوا الطاير. ولو يوم تعب بفضل طول النهار أعيط عليه. بس مش عارفة سبب كرهه ليا إيه. يمكن علشان أنا جيت في الوقت اللي أنتِ كنتي ضايعة فيه. ولا علشان كان نفسه في ولد مثلاً وأنا جيت فكرهني. ولا فيه أسباب تانية مش عارفة ولا قادرة أفهم حاجة غير إنه بيكرهني.
شعرت نغم بوجع حور في الكلام. أخذتها داخل أحضانها وربتت على ظهرها وقالت:
-أوقات كتير عقلنا الباطن بيصور لينا حاجات كتير غلط. فيرسم عليها مواقف مؤلمة مش صحيحة. فيكمل الصورة بشكل تاني خالص غير الحقيقة. يعني أنتِ أخذتي كام موقف ورسمتيهم زي ما أنتِ عايزة وكونتي فكرة غلط. طيب تعالي نبص للمواقف دي من زاوية تانية خالص غير اللي أنتِ رسمها. يعني مثلًا موقف زي النهارده. ممكن بابا راسم انضمام الشركة دي لشركة بتاعته علشان غرض في دماغه. ولما حس إنك اكتشفتي ده حاول يداري الموضوع بطريقته دي معاكي. أنا
واحدة شوفت الموضوع من بره لاقيته أب خايف على بنته. شوفت نظرة فخر. شوفت نظرة إصرار وعزيمة. شوفت موضوعكم من منظور تاني خالص. علشان كده مش عايزيكي تتسرعي وتحكمي على حاجة من زاوية واحدة. لا بصي عليها من كل الزوايا. كملي الصورة وبعد كده خدي قرارك. فاهمه قصدي يا حور؟
أومأت رأسها بتفهم وتمسكت بها بقوة وقالت: -أنا بحبك أوي يا نغم وفرحانة إن ربنا رجعك لينا بالسلامة علشان تكوني سند لينا وقوتنا وقت ضعفنا. ربتت على ظهرها بحنو وقالت: -وأنا بموت فيكي يا قلب نغم. ومحظوظة جدًا بأخواتي القمرات. عزوتي وكل ما أملك في الحياة. ظلت تملس على شعر حور حتى استسلمت لنوم. ومن ثم اعتدلت على الفراش بجوارها واغمضت عينيها حتى ذهبت في سبات عميق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!