الفصل 41 | من 47 فصل

رواية معدن فضة الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم لولي سامي

المشاهدات
20
كلمة
4,067
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 87%
حجم الخط: 18

أحقا البعد جفاء أم هو نار تلهب الفؤاد؟ وحقا القرب اعتياد؟ أم يسمح للظمآن أن ينهل من خمر الغرام؟ هذا كان حال چواد بعد حديثه مع والدته، ومحاولاته المستميتة في تهدئة ثورتها، التي يراها أنها لها كل الحق بها، ويرأف بحالها كأم تريد أن تسعد بذرية ابنها الوحيد. ولكن من يرأف بحاله هو؟

لم يكن البعد يوما علاج ليطفئ لهيب قلبه، كما لم يرتوي في قربها من عشقها بعد، ولم يعتادها كما أشارت له والدته. بل يجزم بأن قربها هو الترياق الوحيد لعلة روحه وقلبه، فقد وجد سكينته واكتملت روحه بعد ضلالها في ظلمة الحياة.

بعد وصلة من الغرام اجتاحت مشاعرهم، غفت ميار على أثرها وهي ترتكز برأسها على ذراع چواد، بينما الأخير ظلت جميع جوارحه متيقظة، يتذكر حديث والدته الذي دار بينهم قبل صعوده لمعشوقته. أجل، أنها ليست زوجته فقط، بل معشوقته ومتممة روحه. فلكل روح متممها، كما ذكر المولى عز وجل بكتابه العزيز:

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) أغلق عيونه وهو يتذكر كيف حاول إقناع والدته بمكنون صدره. Flash back "قولي حالا اللي أنا سمعته ده صحيح؟ هي بتحمل ولا مبتحملش؟ وأنت ضحكت عليا ولا حادثة جوزها خلاها متحملش؟ ثم يعني إيه انت مستغني بيها عن الأولاد؟

طمنيني يا چواد، طمنيني يا ابني!! نطقت بكل ما هو دفين بصدرها، فهي انتظرت طوال مدة الحفل حتى تستطيع الانفراد به. ظهر الحزن جليًا على ملامح چواد، ناظرًا بداخل عيون والدته يريد أن يطمئنها قبل أن يطمئن روحه، فانتزع الابتسامة انتزاعًا، ثم سحبها ليجلسها على أقرب أريكة كمحاولة لتهدئتها، قائلًا: "طب تعالي اقعدي يا ست الكل، علشان زمانك تعبانة من الفرح وأنا هقولك على كل حاجة."

جلست بجواره تنظر له بفضول جم، منتظرة معرفة كل شيء. ليبدأ حديثه بأول نقطة مثيرة للقلق، بعد أن أطلق تنهيدة حارة، قائلًا بابتسامة حاول تصنعها: "أولًا يا خوخة، أنا مضحكتش عليكي... هي فعلًا اتطلقت علشان طليقها، ها... طليقها مش جوزها... ضربها وسقطها." أراد تصحيح عبارتها أولًا ليكمل بغرض إضفاء السكينة على قلبها، قائلًا: "ثانيًا بقى والأهم، عايزك تطمني، لأن السقوط معملهاش أي مشاكل."

قطبت حاجبيها مضيفة عيونها ناظرة له بشك مريب، لتسأله: "امال إيه المشكلة اللي عندها خلاك تقولها اللي أنا سمعته؟

سحب نفسًا عميقًا حين شعر بأن السكينة تتسرب لقلب والدته رويدًا رويدًا، ليكمل موضحًا: "المشكلة يا ست الكل، إنها عندها حاجة اسمها بطانة الرحم المهاجرة، بس الحمد لله بنسبة ضعيفة جدًا، وده اللي خلاها تحمل المرة اللي فاتت، لكن برضه هو من أسباب عدم ثبوت الحمل نوعًا ما أو تأخيره. ولما سمعتينا كنا بنتفق أننا لازم نبدأ مع دكتور، وكنت بطمنها إني جنبها طول الوقت."

ظلت إخلاص تنظر له بعين الشك، لا تعلم هل ما يقوله حق أم مجرد خدعة لإبعاد فكرها عن هذا الموضوع! لتحضر بذهنها سؤال آخر طرحته عليه: "لو كده حقيقي وأنت مش بتضحك عليا، مقولتليش ليه؟ أغمض عينه كأنه يجاهد ذاته، ثم أفرج عن مقلتيه، ممسكًا يدها وقبل كفها، قائلًا بابتسامة: "علشان أولًا يا ست الكل، مفيش مشكلة أصلًا علشان أقولها. ثانيًا بقى، حتى لو في مشكلة، فكده أفضل علشان الموضوع حساس...

يعني انتي ممكن تقولي كلمة بدون قصد وهي تفهمها غلط، ممكن النفوس تشيل من بعض، وأكيد أنا مش حابب تكونوا كده." قبل كفها مرة أخرى، قائلًا: "أنا مقولكيش مدى سعادتي وأنا شايف أكتر اتنين بحبهم في الدنيا بيحبوا بعض... ومش بس كده، ده كمان بيجتهدوا علشان يسعدوني... في أكتر من كده سعادة الواحد ممكن يلاقيها!؟ نظرت بداخل عيونه وعيونها تتغلغلها الدموع، متلمسة وجنته بحنان أم فاض عن الحد، قائلة: "أنا بتمنالك السعادة من كل قلبي...

ويوم المنى لما بشوفك نازل من شقتك سعيد وفرحان... بس اعذرني، أنا عايزة أفرح بأحفادي... عايزة أشوف أولادك قبل ما أموت." قبل يدها التي تتلمس وجهه، ثم مال ليقبل رأسها، قائلًا: "ألف بعد الشر عليكي يا ست الكل.... إن شاء الله هتشوفي أولادي وهتربيهم كمان." ثم غمز بعيونه لإضفاء روح الدعابة: "علشان ساعتها يا خوخة، هسيبلك الأولاد وأعيد أمجادي مع أمهم، ولا إيه؟ وأخيرًا شقت الابتسامة ثغرها لتقول له: "اوعى تضحك عليا يا چواد!!

"مقدرش يا خوخه." نطق بكل عفوية. لتكمل هي: "طب اوعدني لو المشكلة متحلتش، هتسمع كلامي وتتجوز حتى لو علشان تخلف بس." كست الصاعقة ملامحه من مجرد تفوه والدته بهذا الحديث، ليغضب وينتفض واقفًا، معطيًا إياها ظهره معارضًا لما تفوهت به، قائلًا بلهجة غاضبة غير مصدقة: "إيه اللي بتقوليه ده يا خوخه؟ أنا مقدرش أستغنى عن ميار." "ومين قال استغنى يا ابني؟ أنت ممكن... قطع استرسالها معارضًا: "ولا ده كمان مقدرش أعمله كده أبدًا فيها...

ثم إني لا يمكن أتخيل نفسي مجرد تخيل مع غيرها... وأنا مش من النوع اللي ممكن أظلم بنات الناس معايا... آخد واحدة عشان بحبها وآخد التانية عشان أخلف." ثم استدار لها فجأة مواجهًا لها، وكأن فكرة ما قفزت بعقله، ليقول لها بغرض معرفة رأيها: "ثم مين عرفك إن ممكن يكون العيب من عندي؟ على الأقل هي حملت قبل كده، لكن أنا معرفش فيا مشكلة ولا لا."

صمت قليلًا بغرض إتاحة الفرصة لها من إدراك ما يقوله، ثم ضيق عيونه وأردف سائلًا: "قوليلي بقى يا خوخة، لو طلع عندي أنا مشكلة، يا ترى هتنصحيها تسيبني وتروح تدور على أولاد؟ نظرت له إخلاص بعين زائغة، لا تعلم بماذا تجيبه، فقد ضيق عليها الخناق، لتتجرد من مجرد التفكير بهذا المنطق، قائلة: "بعد الشر عليك... إن شاء الله هتكون زي الفل." استنشق نفس المنتصرين، فابتسم وهدأ قليلًا، ثم قبل رأسها ثانية، قائلًا: "إن شاء الله يا خوخه...

كله هيكون تمام، وأوعدك مش هسكت إلا وأنا جايبلك دستة عيال مرتاحة كده." حاولت الابتسامة طاردة هواجسها الشيطانية من رأسها، داعية له بصلاح الحال والذرية الصالحة. ليؤكد هو عليها أن لا تغير طريقة تعاملها مع ميار، وكأنها لم تعلم شيئًا حتى الآن. Comeback عاد من تذكره لهذا الحوار، زافرًا أنفاسه، متمتمًا لنفسه: "يارب يا خوخه تسمعي كلامي."

ثم قبل رأس زوجته، داعيًا لهما بالذرية الصالحة، ولكن بقرار ذاته، يعلم أنه لم ولن يفكر مجرد التفكير في التخلي عنها أو إيذائها بأي شكل من الأشكال. نعم، يؤمن ويدرك ذلك جيدًا، لذلك حاول بشتى الطرق إقناع والدته بذلك، والتي لم تنكر تغير ابنها من حال لأفضل حال، كما لم تنكر حبها لميار. ولكن حبها لها لم يصل لحد حبها لابنها، ولذلك فقط التمس چواد العذر لها واضطر أن يعدها بما ليس بمقدوره، ولكن بغرض إرضائها ليس إلا. لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا...

... آه من التقاء الأحبة، إنه لأمر جلل، يهتز له الفؤاد معلنًا تمرده عن الصبر. فقد لاح القرب وولى البعد، فلم تعد للألباب مقام. فهنا يحرم التفكير ويقف الزمن، معلنًا القلب سلطان.

بعد أن أنزل يزن غرام بكل رفق على الفراش، وكأنها تحفة فنية يخشى عليها من الخدش. ظل مقتربًا بوجهه منها لحظات، أنفاسه تلفح بشرتها الغضة. تسافر عينيه على ملامحها التي تسكره بدون خمرة. بنظراته الوقحة الحاملة لكل حلم تمنى تحقيقه. فقد حصد نتاج الصبر، واليوم هو يوم تحقيق الأحلام.

بينما هي اضطربت أسآورها، محاولة إرجاع خصلة شعر غير موجودة خلف أذنها. زاغت أبصارها كمحاولة للتهرب من نظراته الجريئة الملاحقة لها. ارتفع مستوى الأدرينالين وتشعب بجسدها، والتي تجزم أن عبيره طغى على عطرها الفواح، والذي بدوره عمل على ارتفاع خفقات القلب، والذي دوى صوته، فلم تعد تستمع سوى لدقاته التي امتزجت بصوت أنفاسه الثائرة. بدأ يقترب رويدًا رويدًا، وهي ترتجف أمام ناظريه، حتى كاد يلتقط شفتيها،

لولا صوتها المرتجف القائل: "أنا خايفة أوي." فور استماعه لجملتها ونبرة صوتها الأقرب للبكاء، عاقدًا حاجبيه، وتوقف عن تقدمه فيما انتوى فعله، ليتراجع قليلًا. فيجدها حقًا ترتجف، جلس أمامها أرضًا حتى أصبح طوله يوازي جلستها، فحاول احتضان وجهها بكفيه، قائلًا لها بتقدير كامل لحالتها: "مالك يا غرامي بس؟ معقولة خايفة مني؟!

بدأت دموع الرهبة تتساقط على وجنتيها، فأغلقت عيونها وهي تومئ برأسها نافية، لتكون إجابتها على سؤاله. فيبتسم قليلًا، ثم يزيل بابهامه دموعها، معلقًا: "مانا عارف إنك مش خايفة مني." ثم اقترب ليكمل هامسًا بجوار أذنها، يخبرها بكل وقاحة: "وعلى فكرة، أنا عارف خايفة من إيه."

لتفتح حدقتيها على وسعها وتزدرأ لعابها، فيضغط هو على عيونه مؤكدًا صحة ما أدركته، لتنظر له وهي ترمش بأهدابها، لا تعرف ماذا تقول له. ليزيح عنها عناء التفكير والتوتر، فيردف قائلًا: "طب بصي، أنا عندي فكرة حلوة." استرعى انتباهها ليكمل قائلًا: "إحنا نقعد كده وكل واحد يقول اللي حاسس بيه من غير كسوف، موافقة؟ أومأت بالموافقة، ليجلس بجوارها معطيًا لها الفرصة: "يالا قولي كل اللي حاسة بيه من غير خوف ولا كسوف."

حاولت تهدئة روحها وتنظيم أنفاسها، لتنطق بصعوبة: "أنا... أنا فرحانة أوي... بس خايفة شوية... بس نفسي نقرب من بعض... بس ممكن نستنى النهارده عادي يعني... يعني العمر قدامنا كله." ظلت تتأرجح بين الجملة ونقيضها، لتباغته بسؤال إجابته تعرفه جيدًا: "طب بص... قصدي يعني ممكن... ممكن يعني... ااااه قصدي نصبر... قطع جملتها التي يعلم جيدًا أنها لم تستطع إكمالها من شدة خجلها. أتطلب منه أن يتحلى بالصبر؟ بحجة أن العمر بينهم طويل؟

وهل وصل لهذه النقطة بعد عناء قلبه ليصبر لباقي العمر؟ وهل للصبر وجود في ليلتهم هذا؟ حاول التعبير عن إجابته بالطريقة التي يتقنها جيدًا. فأقترب ليغزو عطرها الرقيق أنفاسه، فيزيده رغبة واشتياق، ماسكًا بكفيها، دافنًا وجهه بهما، مقبلًا باطن كفيها بكل رقة ووله. متحسسًا بشرة كفوفها بشفتيه، مستمتعًا بنعومة بشرتها الناعمة.

حتى التهبت أنفاسه، فشعرت غرام بسخونة أنفاسه تتسرب لجسدها، لتذيب ثباتها الهش، فتتعالى أنفاسها. بينما هو يتنقل بشفتيه من كفوفها إلى ذراعها، حتى ارتقى إلى عنقها، لتتلاحق أنفاسها وتتصارع دقات قلبها، ولكنها يعجبها هذا الشعور، بل وتستجيب معه بكل مشاعرها، لولا خجلها لكانت تجاوبت معه.

شعر بخفقان قلبها ورعشة جسدها، ليبعد وجهه قليلًا عنها ويمسد بظهر أصابعه وجنتها، راغبًا بزرع الطمأنينة بقلبها البتول، بينما هي تحاول التشبث بثباتها الوهن، لتهمس باسمه بنبرة خافتة يغلفها الشوق في أوله، والتوسل بأن يرحم ضعفها في آخره: "يـ ز يد." وبهمسها باسمه قد فتت كل ذرات الصبر، لينظر يزيد لها، فيجدها ما زالت مغمضة العينين، ليسألها بصوته المبحوح المتوق لكل ذرة بها: "انتي واثقة فيا ولا لأ؟

أومأت بالموافقة لتعطيه إشارة البدء في تنفيذ كل ما حلم به. ليغلغل يده بداخل شعرها الحريري، فيثبت رأسها، ليميل برأسه ملتقطًا أولى قبلاته من شفتيها العذراء. ... كنت أظن خبرتي بعالم النساء ستؤهلني لاجتياز أغوار قلبكِ ولكن وجدت نفسي جاهلًا بفنون العشق لأصبح متوقًا لاجتياز أسوارك الحصينة فارحمي عزيز قوم ذل فقد أصبحت مهووس بك يا صغيرة بعد أن أوقعها يزن على الفراش متصنعًا ألم ظهره من أثر حملها،

لتصرخ هي بتأوه وتقول بضجر: "آه يا ظهري، كده وقعتني." ارتمى يزن بجوارها متسطحًا، يطلق تأوه هو الآخر، قائلًا بسخرية: "علشان نبقى خالصين يا حبيبتي... وجعتيلي ظهري ووجعتلك ظهرك... تعالي بقى نعمل مساج لبعض." ثم استدار بجذعه محاولًا احتضانها بذراعه، لولا تدحرجها من على الفراش بسرعة لتهبط من بالجهة المقابلة، قائلة باستهزاء: "يا قليل الأدب... عايز حاجة أعملها لنفسك."

سمعته يتمتم بصوت خافت ساخرًا وهو يجز على أسنانه، قائلًا: "قليل الأدب؟! وأعملها لنفسي؟! شكل الليلة هتضرب... توجهت هي إلى منضدة الزينة ببرود متناهٍ، لتجلس على المقعد المقابل للمرآة. تراهه يرفع حاجب ويجز على أسنانه بالخلف، فقد أفشلت خدعته وحان وقت خدعتها. لتنادي له بدلال زائد وصوت رقيق، وكأنها تستنجد به لإنقاذها: "يزن... زو زو." ردد اسمه ببلاهة: "زو... زو." ثم اعتدل بجلسته خلفها،

لتكمل هي طلبها: "ممكن تيجي تفكلي الطرحة." تعجب من طلبها، فمنذ ثوانٍ قليلة كانت تتهرب من قربه، فلماذا تدعوه للاقتراب منها؟ لينهض متوجهًا لها، محاولًا استغلال الفرصة. وقف خلفها مباشرة، واضعًا يده على كتفها، ثم انحنى مقبلًا وجنتيها التي شعر بانتفاضتها فور اقترابه، لتراوغ هي قائلة: "يالا فكلي الطرحة بس خلي بالك من الشعر العيرة علشان متوجعنيش." استقام مبهوتًا ينظر لها بالمرآة، مرددًا باستفسار: "شعر عيرة؟

أنا شكلي أضحك عليا ولا إيه." "يالا بقى يا زو زو وبراحة وأنت بتشيل البنس." بدأ بنزع مشابك الشعر تحت تصنعها بالصراخ مرة، والإبتسامة مرة أخرى. بينما هو كان شديد الحرص عند فك أي مشبك وجذب خصلة شعر، لربما كانت هي المستعارة، ليجدها ليست بمستعارة، فيبدأ في نزع مشبك آخر، وهكذا.

ظل بهذا الشكل ربما بمقدور ساعة إلا ربع، لينتهي أخيرًا بعد أن أنهى فك ما يقترب من مائة مشبك ولم يجد أي شعر مستعار، ليقطب جبينه وقد أدرك خدعتها الآن، لينظر لها شزرًا بالمرآة، بينما هي تحاول كتم ضحكتها التي لم تستطع إيقافها، لتنطق ضحكة عالية من فمها، جعلته يزداد اشتعالًا. حاول التغاضي عن الخدعة، ليمد يده لسحاب الفستان، لتشعر هي به، فتتسع حدقتاها وتهب واقفة مضطربة، لتسأله بتوتر واضح عليها: "أنت مش جعان؟

أدرك سؤالها بمنظوره، ليمرر بصره عليها من رأسها حتى أخمص قدميها، ثم أجابها بصوت مبحوح: "أوي... هموت من الجوع." فور إجابته، توجهت ناحية باب الغرفة وهي تقول: "طب تعالى ناكل، أنا كمان جعانة." أمسكها من ذراعها ليوقف تقدمها ويصحح مفهومها، قائلًا: "أنا مش جعان أكل، أنا جعان غررراااام." ازدرأ ريقها ورمشت باهدابها، ليردف هو يردف بصراحته: "أنا عايز أكلك أنتِ."

استعد عقلها لخطة الدفاع، لتتراجع بخطواتها للخلف، بينما هو يتقدم ببطء رهيب، وعلى ثغره ابتسامة ماكرة، وكأنه يعلم نهاية تقهقرها. وفجأة. انطلقت خارج الغرفة، مطلقة صرخات، وكادت أن تخرج من الشقة بأكملها، لولا إمساكه لها من الخلف، صائحًا بها: "هتعملي إيه يا بنت المجانين؟ حاولت الفرار من بين سواعده الصلبة، ولكن كانت حركتها تزيده جنونًا، ليصرخ بها قائلًا: "بطلي حركة وأنا أسيبك." هدأت حركاتها لتأخذ عليه العهد: "لو سكت هتسيبني؟

"أيوة." نطق بها يزن، لتهدأ هي، فيفك ذراعه من حولها، وفور أن فك ذراعه، انطلقت هي إلى الغرفة، وكادت أن تغلق بابها من الداخل، لولا لحق بها يزن، واضعًا قدمه بين الباب والحائط، ليعيق فكرة إغلاقها للباب. تراجعت هي للخلف، بينما هو دلف للغرفة وأغلق عليهم الباب بالمفتاح، مضيقًا عينيه، مكشرًا عن أنيابه، فقد شعر بالإنهاك منها. ثم وضع مفتاح الباب بإحدى جزلان البنطال، لينظر لها متهكمًا: "وريني بقى هتخرجي إزاي؟

ترقرق الدموع بمقلتيها، تتصنع خدعة الاستعطاف، لتنطق باستجداء بخدعة جديدة: "افتح الباب يا يزن علشان خاطري، عندي فوبيا أماكن مغلقة." حاول كتم ضحكته، قائلًا بسخرية: "مظبطتش معاكي المرة دي، وراكي بلكونة يا حبيبتي، الأوضة مش مغلقة." التفتت للخلف، ثم له، تبتسم بخجل، وكأنه كشف أمرها. ليبدأ هو بالتقرب، لترفع فستانها وتتراجع للخلف، قائلة: "لو قربت مني هصوت... والله هصوت...

وبالفعل أطلقت صرخة مدوية، اهتز هو لها، ثم صعدت على الفراش تقف عليه بقدميها، ليتوقف يزن محاولًا تهدأتها: "طب خلاص خلاص، اهدي... خلاص مفيش حاجة... مكنتش متوقع إنك تخافي كده أبدًا!؟ ثم أشار لها بالهبوط، قائلًا: "ممكن تنزلي ومتخافيش... خلاص أنا وعدتك... هبطت بحذر، تجلس بتأهب لأي حركة غدر منه، ليسحب مقعد منضدة الزينة ويجلس أمامها، يحدثها بنبرة هادئة وحنونة: "مالك يا غزل؟ خايفة مني ليه؟

اخفضت بصرها للاسفل، لا تعرف بماذا تجيبه، حتى اقترب، لتنتفض هي فجأة، ليحاول تهدأتها: "بس اهدي، أنا بقرب علشان نتكلم... قولتلك متخافيش... هدأ روعها قليلًا، ليسألها بتعجب: "مالك بقى مش عايزة اقربلك ليه؟ انتي خايفة مني؟ أومأت بالنفي، ليبتسم ويكمل استفساره: "امال خايفة من إيه؟ ازدرأ لعابها، ثم أشارت له بأن يقترب بإذنه، ليتعجب قائلًا: "اتكلمي، متخافيش أو تتكسفي، إحنا لوحدنا أصلًا."

أومأت بالنفي، ثم أشارت له مرة أخرى بالاقتراب، لتهمس بداخل أذنه ما جعل عيونه تتوقد لهبًا، لينظر بداخل عيونها ليتأكد... لتومئ برأسها مؤكدة ما استمع إليه. ثم قال معلقًا: "و سايباني أشيل... و ظهري يتقطم... و أفك مائة مشبك... و أجري وراكي الشقة شرق وغرب... و في الآخر يطلع كده." اخفضت بصرها وكادت أن تبكي. ليبتسم من برائتها وخجلها، فيرفع رأسها بسبابته، قائلًا: "ولا يهمك يا قمر... اينعم أنا هموت من الفرسة... بس ولا يهمك."

بدأت الابتسامة تشق ثغرها، ليستقيم هو باكتاف متهدلة، وكأنه خرج للتو من معركة كانت الهزيمة الساحقة من نصيبه، فقد تحطمت كل أحلام يومه... ولكن حاول أن لا يحزنها، فقبل رأسها، قائلًا بابتسامة صفراء يحاول إخفاء وكتم غيظه: "يالا يا جميل علشان ترتاحي." ثم أكمل وهو يجز على أسنانه، حتى كاد أن يحملها، قائلًا: "وسيبيني أنا بالنار اللي فيا."

تركها متوجهًا لخزينة الملابس، ثم قفزت فكرة ما برأسه، جعلته يلتفتت فجأة، ينظر لها بعيون ضيقة، ويباغتها بسؤاله: "انتي متأكدة إن ده مش مقلب من مقابلك يا غزل؟ اتسعت حدقتاها وكادت أن تختنق، حين شعرت بانتهاء الأكسجين من محيطها، لتحرك رأسها سريعًا بالنفي. ليكمل توجهه، فتطلق هي زفرة قوية سمعها هو، ليتراجع خطوة للخلف، ملتفتًا مرة أخرى، فيتوقف التنفس لديها، فيسألها وقد أحس أن هناك شيئًا

خطأ: "هو انتي كنتي عارفه لما حددنا ميعاد الفرح؟ رمشت باهدابها زعراً، لتجده يقترب من الحقيقة، فلم تجد بدًا من أن تومأ برأسها عدة مرات إيجابًا، لتتسع حدقته ويقترب كالفهد الذي سينقض على فريسته، مكملاً سيل أسئلته: "و معترضتيش ليه على الميعاد، ولا كان قصدك كده؟ أسرعت بالإجابة التي كانت تعدها بعقلها بالفعل: "علشان ميعاد سفر خالي، وكمان لو أنا غيرت وسفر خالي اتأخر أسبوع، هيكون مش مناسب لأختي، فلاقيت أن لازم حد يضحي."

إجابتها مقنعة، ولا تحتاج للجدال سوى بشق واحد فقط. فحرّك شفتيه للأعلى مشمئزًا من حوارها، متهكمًا على قول: "يضحي!! وملقيتيش غيري اللي يضحي... طب يزيد وعاقل... أضحي أنا ليييييه وأسيب العاقل... اهو العاقل زمانه هاااايص وأنا اللي متكدر... لم تعر لثورته اهتمامًا، بل استقامت سائلة ببرود تام: "أنا جعانة، أجيبلك تاكل."

لم يجبها، بل ضغط على شفتيه حتى كاد أن يدميها، ثم توجه لخزانة الملابس بخطوات غاضبة بغرض تغيير ملابسه، بينما هي توجهت مباشرة للصالة لترى ماذا جلبت والدتها لتتذذ بالطعام، وكان شيئًا لم يكن. حتى رآها يزن حين خرج من غرفته ذاهبًا للمرحاض، فقطب جبينه لمنظرها وهي غير مبالية لأي شيء، فدب الشك بقلبه، خاصة عندما رآها تأكل وكأنها لم تأكل منذ زمن. ظل ناظرًا لها، لتتعجب هي من نظرته لها، فتسأله قائلة: "بتبصلي كده ليه!!

مانا قولتلك كل وانت مرضتش!! لم يجيب على حديثها، ولكنه توجه إلى فراشه وتسطح عليه، يغلق عينيه، وبدأ يستكين ويغلبه النعاس من كثرة إرهاق هذا اليوم. بعد برهة، ذهبت تستطلع حاله، لتجده يغط في نوم عميق، فهَدأت أنفاسها، وتوجهت لتغيير ملابسها، ثم تسطحت بجواره، واضعة بينهم وسادة طويلة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...