الفصل 35 | من 47 فصل

رواية معدن فضة الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم لولي سامي

المشاهدات
15
كلمة
5,482
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18

انطلقت زغرودة من فم ماجدة لتعلن عن انتهاء فترة الغضب وبداية فترة الاحتفال. التفت الجميع إليها مبتسمين وكأنها أطلقت عليهم تعويذة السعادة. لِيهُمُّوا بالتصفيق والزغاريد وتصدح الأغاني مرة أخرى ليعود جو الفرح والسعادة. تجه محمد مباشرة إلى ماسة وبدأ بالإمساك بيدها وحثها على الرقص معه، فتبدل حالها. هي بالكاد حاولت تغيير حالاتها المزاجية للسعادة حتى لا تضيع إحساسهم بالسعادة.

وبالفعل انقلب الحال من الهرج والزعزعة إلى الفرحة والسعادة التي وصل صداها لنهاية الشارع. تقدم جواد وبعض من أصدقاء محمد ليجتذبوه ليتراقصوا معه، أو بالأحرى ليبعدوه قليلاً عن زوجته بغرض المرح معه. وتقدمت ماجدة وميار وبعض الصديقات بدورهم ليحثوا ماسة على الرقص معها. وبالفعل تم عمل دائرة حول كلا من العريس من خلال أقرانه والعروس من قبل صديقاتها.

تحت نظر نضال الذي يستند بظهره على الجدار بالخلف، رافعاً قدماً على الجدار والأخرى أمامه. كان يتابع ماجدة بالاخص حتى وجدها تدخل بمنتصف الدائرة مع العروس وتتراقص معها بعفوية. ابتسم ابتسامة بسيطة، فلم يتخيل أن هذه العصبية سليطة اللسان من الممكن أن تتفاعل بالأفراح مثل الفتيات. وعند بداية صدوح أغنية خاصة بالرقص الشرقي، بل وتحتاج إلى تمايل بحرفية (شيك شاك شوك) وجد جميع الفتيات يتراجعون للخلف وكأنهم يعرفون جيدًا من ستتقدم.

ليتفاجأ بماجدة تتوسط الدائرة. اعتدل بوقفته ليتابع الموقف عن كثب، فهذه بالاخص بعيدة عن تفكيره، وخاصة بهذا اللون من الرقص. وجدها بالفعل تتمايل مع الموسيقى، بل وتتراقص بشكل مغري للغاية. التفت لينظر حوله حتى يرى من حوله متابعًا للموقف. ليجد كل من بالحفل يقف مشدوهاً ويتابع الرقصة. اتسعت الدائرة حول ماجدة، والأخرى بدأت بالاندماج التام بالموسيقى. ليتوجه مباشرة ودون أي مقدمات يفرق هذا الجمع، متوجهاً إلى منتصف الدائرة.

ثم أمسك بيدي ماجدة التي فوجئت بمن يمسكها بهذا العنف بل ويسحبها خلفه. حاولت جاهدة سحب يدها وإيقافه عن الذي يفعله، وهي تسمع الشهقات والتمتمات من حوله. وهو لا يعيره هذا اهتماماً، بل شدد من قبضته عليها وكأنها أصداف من حديد. حتى أوقفه محمد، أخاها، سائلاً بحدة: "حضرتك ماسكها كدة ليه؟ ورايح بيها فين؟ وقف نضال أمام محمد بعيون تعلن عن تحدي واضح. ليتجمع حولهم كل من له صلة بكلا الطرفين.

فيلتفت نضال موجهاً نظره إلى والد ماجدة، وما زال ممسكاً بيدها غير عابئ بسؤال محمد. قائلاً بثقة لتوفيق: "أنا بطلب من حضرتك إيد الآنسة ماجدة يا عمي." عم الصمت والصاعقة على الجميع، فاتسعت الأحداق وعلت الشهقات. التزم الجميع الصمت لمتابعة الموقف، التي قطعتها ماجدة بسحب يدها بعنف وهي تقول بصوت عالٍ وبقوة هادرة: "وأنا مش موافقة." التفت لها نضال بعيون غاضبة، يجز على أسنانه وهم بالاقتراب منها.

فوقف أمامه محمد، أخاها، وجعل أخته خلفه ليرد عليه بكل برود ورزانة: "أعتقد محدش يطلب حد بالطريقة دي! وبالرغم من كدة سمعت رأيها." ثم رفع رأسه بتَرفُّع ليقول له: "وعلى العموم شاكرين لحضرتك جهودك ووقفتك معانا......... شرفت." ابتلع نضال غصة بحلقه، وقبل أن يغادر نظر لها بعيون مشتعلة وكأنه يرسل لها رسالة تهديد واضحة. ليجد جواد يربت على كتفه قائلاً: "يالا يا نضال، إحنا."

ثم التفت إلى محمد ليهدئ الموقف قائلاً: "بعتذر يا محمد، نضال أكيد ميقصدش. وألف مبروك يا صاحبي." أومأ محمد قائلاً لجواد: "الله يبارك فيك يا جواد، عقبالك." نظر جواد لميار التي كانت تقف بجوار ماجدة وعيونها مليئة بالدموع، برغم أن الموقف لا يمت لها بصلة. عكس الأخيرة التي كانت تقف بجمود. ليردد جواد الدعاء خلف محمد وهو ما زال ينظر لها قائلاً: "يارب يا محمد، ادعيلي ربنا ييسر الحال."

ثم أشار لوالدته حتى يغادروا بهدوء بعد أن قدم التهنئة والسلامات. وتبعه نضال الذي ظل صامتاً ينظر باتجاه ماجدة التي حاولت جاهدة التهرب من نظراته، لا تعرف لماذا. بعد انصراف كلا من نضال وجواد، التفت محمد لماجدة قائلاً لها بغضب ولكن بنبرة منخفضة حتى لا يسمعه أحد: "لما نروح عايز أعرف إيه اللي بينك وبين نضال ده علشان يطلبك بالشكل ده؟ أومأت برأسها دون التفوه بكلمة.

ليتجه إلى ماسة قائلاً: "بيتهيألي كفاية كدة النهارده بدل ما الليلة تقلب أكتر من كدة!! عقدت ماسة حاجبيها بتعجب، غير مدركة لمعنى جملته. لتسأله مستفسرة: "مش فاهمة قصدك يا محمد." نظر محمد لشفتاها ثم نظر لكم برائتها قائلاً: "والله يا بنتي أنا مش عارف مين اللي نحس." "بس ما علينا، كنت عايز أسألك عن عمك، هتعملوا إيه النهارده؟ نظرت ماسة تجاه عمها الواقف بجوار والدتها، ثم نظرت له ثانية وقالت ببراءة تامة: "هعمل إيه في إيه؟

سحب محمد نفساً عميقاً وعرف أنها لم تعِ سؤاله. فامسك بيدها وسحبها خلفه حتى وصل لوالدتها قائلاً بمزحة: "إيه يا حماتي، يصح كده يعني بنتك تجوع؟ عمالة تقولي أنا جعانة أنا جعانة، هو مفيش عشا عندكم ولا إيه؟ اتسعت نظرات ماسة ولا تعلم لماذا فعل هذا. وقبل أن تنطق معارضة وجدت والدتها تجيبه قائلة: "يا حبيبتي عيوني لماسة وجوز ماسة، حالاً أجهز العشا. اتفضلوا بالأوضة لحد ما أجيبه لكم." وانطلقت فاطمة متجهة إلى المطبخ.

لتجد ماسة عمها يوكز محمد قائلاً: "طب ما تيجي دغري وتقول عايز تقعد مع البنت لوحدكم!! ابتسم محمد ونظر له بخبث قائلاً: "والله أنت عسل يا عمي، وشكلنا فاهمين بعض وهنريح بعض أوي. ثم أنا بحاول أظبطلك الدنيا مش أكتر." ابتسم فؤاد وربت على كتفه قائلاً: "متشيلش همي يا خفيف، ده أنا أظبط لعشرة زيك، بس مطولش في فترة كتب الكتاب، يعني أسبوعين والاقيك جهزت للفرح." "بس كده، عيوني. دنت لو عايزني آخدها من النهارده معنديش مانع خالص."

نطق بها محمد وهو يوكز فؤاد. ليرد الأخير قائلاً: "لا يا خفيف، بنتنا لازم تمشي بزفة. واتفضل، حماتك الطيبة جهزت الأكل في الأوضة." ثم مال على أذنه هامساً له: "بس ابقى خف على البنت بدل ما تلاقيني فوق راسك جوه." وغمز له بإحدى عينيه. ليبتسم محمد وسحب ماسة التي تقف مشدوهة لا تعرف على ماذا يتحدثون أو بماذا يقصدون من حديثهم هذا. دخلت خلفه الغرفة، فأغلق الباب لتسأله وهي تقف خلفه وتتخصر قائلة: "عايزة أعرف انت قلت لماما ليه كده؟

وكنت بتتكلم مع أنكل فؤاد في إيه؟ علشان أنا بقيت مش فاهمة حاجة." ابتسم قليلا وما زال معطياً لها ظهره. ليلفت لها مقترباً منها بتروي شديد حتى وصل للحد الذي جعلها تضطرب أنفاسها ويزيد خفقان قلبها. فتقريبا أصبحا ملتصقين. لتحاول ماسة الرجوع خطوة للخلف، ولكنها وجدت محمد يحاوط خصرها ويقربها أكثر منه لتلتصق بصدره. وينظر بداخل عيونها هامساً بكلمة واحدة: "هفهمك." ثم وجه نظره لشفتاها التي لطالما حلم بها.

حاولت هي ابتلاع لعابها من أثر قربه المهلك لها. وقبل أن تتفوه بكلمة كان ابتلع حروف كلمتها بداخل فمه عندما التهم شفتاها. ليتذوق أخيراً حلمه الذي أعد له أكثر من سيناريو، ولكن لم يتوقع أنه سيكون بهذه المتعة. تعمق محمد بقبلته التي بدأت بهدوء ثم ازدادت بنهم جارف حتى نسي حاله. لتتوغل يده على مفاتنها التي أفقدته صوابه. لتغوص معه ماسة في عالمه وأحاسيس لم تجربها من قبل. حتى انتبهت ماسة على طرق الباب.

فحاولت تنبيه محمد الذي بالكاد استعاد وعيه وانتبه على صوت فؤاد يقول: "يالا يا أولاد، الناس عايزة تمشي وتسلم عليكم." ليبتعد عنها بصعوبة وأنفاسهم تتلاحق. ثم بدأ يجز على أسنانه وهو يجيب فؤاد بجملة مبطنة: "حاضر يا عمي، لسه بنااااااكل ومشبعنااااش." فهم فؤاد جملته وابتسم ليعود إدراجه، فهو لم يريد سوى تنبيه محمد بأنه ليس بمفردهم حتى لا يتوغل بالأمر، فهو يعرف طيش الشباب.

هدأ محمد قليلا لينظر لماسة التي اشتعل وجهها خجلاً ولم تستطع رفع نظرها به. ليرفع بسبابته وجهها وينظر لها قائلاً: "إحنا معملناش حاجة غلط، انتي مراتي، وهانت كلها أسبوعين وتبقي في بيتي. المهم هو عم فؤاد هيبات عندكم النهارده؟ بكل عفوية أجابت ماسة قائلة: "لا، هو قال لما أتجوز وأروح بيتك." تمتم محمد قائلاً: "لعيب وعرف يظبطها صح." "بتقول إيه يا محمد؟ ابتسم محمد وأمسك بذقنها قائلاً

بغمزة: "مفيش يا سكر، لما نتجوز هفهمك كل حاجة. المهم كلي يالا أي حاجة بدل ما يلاقوا الأكل زي ما هو ويعرفوا أنا كنت عايزك لوحدك ليه؟ نطق بآخر جملته لتبتسم ماسة خجلاً وتبدأ بالطعام. لتجده يقدم لها إصبع الكفتة ويحاول إطعامها. فتأكل من يده التي بدأت في التحسس على شفاهها. ثم قال بخبث: "مش أنا أكلتك، أكليني بقى من إيدك." لتمسك هي بقطعة لحم وتحاول إطعامه. ليمـسك بيدها ويقبل كل إصبع بها.

حتى انتبه كلاهما على طرق الباب مرة أخرى. فيكز محمد على أسنانه ويهب واقفاً ويفتح الباب بعنف. ليجد أمامه فاطمة بابتسامة هادئة تقول باستحياء: "معلش يا ابني، اعذرني. عمك فؤاد صمم أخبط عليكم وأقولك أنه محتاجك في موضوع ضروري." فور أن رأى فاطمة تراخت أعصابه قليلاً ليبتسم ويجيب عليها قائلاً: "عمي فؤاد ده حبيبي وأنا رايحه له حالاً." ثم التفت لماسة معتذراً والكلام

يخرج من بين أسنانه: "معلش يا حبيبتي، هسيبك مع طنط وأروح أشوف عم فؤاااااد." لتضحك ماسة وهي تؤمئ له برأسها. بعد انتهاء الحفل، ظل محمد قليلاً مع ماسة. وعاد كلا من ماجدة وميار مع والدتهم ووالدهم. وفور دخولهم المنزل، أوقف توفيق ماجدة قائلاً: "استني يا ماجدة، عايزك." ثبتت ماجدة مكانها وزمت شفتاها. ثم استدارت لتواجه والدها الذي سألها: "إنتي تعرفي نضال ده منين؟ وليه عمل معاكي كده بالفرح؟ اقتربت ماجدة من والدها

وبكل ثقة وثبات قالت: "ماهو ده اللي جواد جابه ساعة مشكلة ميار يا بابا." "عارف، بس طريقته متقولش إنك شوفتيه أو كلمتيه مرة واحدة." توترت قليلا لتنظر تجاه ميار ثم تجاه والدها. لترمـش بأهدابها ولأول مرة تقف بموقف لا تستطيع التحدث أو الدفاع عن نفسها. ظلت توزع نظراتها بينهم لا تعرف ماذا تقول. هل تفشي سر أنه طلب منها تقريب المسافات بينها وبين جواد؟ أم تقر أنها من أعطت له فكرة قدومه لهذا الحفل؟

حتى حاولت الأم إنقاذها أو ربما أمهلتها فرصة للتفكير. فربتت على كتفه توفيق قائلة: "سيبهم يستريحوا ويغيروا هدومهم وابقى اقعد أتكلم معاهم براحتك بدل ما انتوا واقفين كده." لولا التعب والإجهاد الذي كان يشعر به توفيق ما وافق على هذا الاقتراح. ليؤكد قائلاً: "ماشي، اتفضلوا غيروا وهنكمل كلامنا." لتتوجه ماجدة إلى غرفتها وتتبعها ميار التي باغتتها بسؤالها: "هو انتي بجد تعرفي نضال ده؟ التفتت ماجدة إليها رافعة

كتفها متصنعة اللامبالاة: "آه، شوفته كده مرتين أو ثلاثة." "طب وإنتي رفضتي طلبه ليه؟ سألت ميار بعيون ضيقة وابتسامة خبيثة. لتتهرب ماجدة من نظراتها ثم قالت: "علشان غبي. حد بيطلب حد كده؟ قربت ميار نظراتها من ماجدة لتسألها: "يعني رفضك للطريقة مش للطلب؟ وكمان مش يمكن رقصك استفزه؟ حركت كتفها لأعلى: "ولو... يقوم يعمل كده؟ ده مجنون." استمعت كلاهما لصوت محمد الذي فور حضوره توجه مباشرة لغرفة أخته قائلاً: "ماجدة، عايزك."

ربتت ميار على كتفها قائلة: "ربنا معاكي." استجمعت شجاعتها وقالت وهي تتوجه للباب: "متقلقيش، أنا معملتش حاجة غلط." ثم فتحت الباب لتجد محمد أمامها. فقالت له بكل ثبات: "ممكن نتكلم لوحدنا؟ عقد محمد حاجبيه فقد تعجب من طلبها. ولكنه أدرك أنها لا تريد التحدث أمام ميار ربما لسبب ما. فأشار لها بيده أن تتقدمه. وبالفعل توجهت مباشرة إلى غرفته ودلف خلفها مغلقاً باب الغرفة. ثم قال لها: "سامعاك وعايز أعرف كل حاجة."

بالفعل أخبرته ماجدة بكل شيء حتى اتصاله بها من أجل محاولة التقريب بين جواد وميار دون التطرق لمقابلتهم. استمع محمد لها جيداً حتى سألها: "جاب رقمك منين؟ وإيه اللي خلاه يعمل كده النهارده؟ اضطربت قليلا قبل أن تفكر في إجابة على سؤاله. حتى أهداها عقلها فقالت: "أنا أديته رقمي لما كان ماسك موضوع ميار علشان أتابع معاه الموضوع، لكن عمل كده ليه النهارده معرفش، يمكن علشان كنت برقص."

اتسعت حدقتا محمد وتذكر أمر الأغنية والتي بعدها مباشرة بدأت المشكلة. ليقترب منها سائلاً: "هو انتي اللي كنتي بترقصي على أغنية شيك شاك؟ ابتلعت لعابها بصعوبة وهربت من نظرته التي شعرت بأنها ستقسمها نصفين. لتومئ برأسها بالإيجاب. وحاولت الدفاع عن حالها فقالت مسرعة: "بس والله البنات كانوا حواليا ومحدش كان شايف حاجة. وأنا كنت فرحانة بيك وبماسة." امسك معصمها وسحبها بشدة مقرباً إياها قائلاً

بغضب يحاول التحكم به: "محدش شاف حااااااااجه.......... أمّال هو شافك ازاااااي؟ أغمضت عيونها ليترك هو يدها ويدور بغرفته ذهاباً وإياباً يراجع حاله. وهو يدافع عنها قائلاً باستهزاء على نفسه: "لا وأنا اللي وقفت قدامه وأقوله بتعمل كده ليه!؟ وكنت هضربه." ضرب كفاً على الآخر واستطرد قائلاً: "طب والله كتر خيره مرضيش يرد عليا ويقولي قبل ما تعمل راجل عليا روح لأختك." كان يحدث حاله كأنه سيجن. ليضرب كفاً على الآخر ويكمل قائلاً

بسخرية على حاله: "لا وأنا اللي نافخ صدري وطردته لما أختي البجحة ردت عليه كأنها معملتش حاجة. وهو كتر خيره مرضيش يتكلم. معرفش إن أختي كانت شغالة رقص من ورايا." "والله يا محمد... قطع استرسالها عندما وقف أمامها هادراً بها: "انتي تخرسي خاااالص، انتي عارفة خليتي شكلي إيه قدامه؟ طب قدام نفسي؟ ده أنا حاسس إني ركبت قرون! ضرب كفاً على الآخر ويكمل قائلاً

بسخرية على حاله: "لا وأنا اللي نافخ صدري وطردته لما أختي البجحة ردت عليه كأنها معملتش حاجة. وهو كتر خيره مرضيش يتكلم. معرفش إن أختي كانت شغالة رقص من ورايا." "والله يا محمد... قطع استرسالها عندما وقف أمامها هادراً بها: "انتي تخرسي خاااالص، انتي عارفة خليتي شكلي إيه قدامه؟ طب قدام نفسي؟ ده أنا حاسس إني ركبت قرون! دلف توفيق عليهم الغرفة ليتعجب من وقفتهم وصوتهم العالي. فدلف يسأل: "صوتكم عالي ليه؟

وبعدين أنا مش قولتلك عايزك؟ "ماهو يا بابا... أسكتها محمد قائلاً: "أنا هفهمك يا بابا." ثم استدار لأخته قائلاً: "اتفضلي على أوضتك لحد ما نشوف حل للي حطتينا فيه." توجهت ماجدة لغرفتها وهي تمتم بجملة بكلام لم يسمعه غيرها: "الرجالة ترقص مفيش مشكلة، لكن الستات ترقص يبقى عار، صحيح مجتمع ذكوري عفن." فور خروجها من الغرفة جلس محمد واجلس والده ليطلعه على الموقف.

بالجهة الأخرى فور وصول نضال إلى منزله والذي حاول جاهداً التحكم بأعصابه طوال الطريق. ركل بقدمه طاولة صغيرة لتسقط متهشمة. ثم توعد قائلاً: "ماشي يا ماجدة....... إن ما وريتك." ثم دخل لغرفته وأخرج هاتفه ليرسل لها رسالة كتب بها: " (أنا مابسبش حقي، انتظريني بكرة) ثم أغلق تطبيق الرسائل ليهاتف جواد الذي وصل منزله ودلف لغرفته قائلاً له بالهاتف: "خدلي ميعاد من محمد يا جواد بكرة، لازم أخلص الموضوع ده بكرة."

ثم أغلق الهاتف بعد محاولات من جواد لإثنائه عن الميعاد وترك فترة لتهدئة النفوس. ولكن نضال كان مصر على التوقيت، فهو قد اعتاد أن لا ينام وله حق مهدور. بالطرف الآخر أمسكت ماجدة هاتفها تتفقد الرسائل به قبل الخلود للنوم. لتجد رسالة من نضال، فتحتها لتقرأ فحواها. فضحكت بسخرية متمتمة لحالها: "ابقى وريني هتعمل إيه؟ لما يجي بكرة بتاعك ده بقى." ثم ضحكت وأغلقت هاتفها لتغوص في نوم عميق بسبب الإرهاق طوال اليوم.

أشرق الصباح لتنتشر أشعة الشمس بداخل غرفته لتعلن له عن بداية يوم جديد، أو كما شعر بها بداية حلم جديد. ليتمتّع على فراشه يشعر وكأنه أخيراً استنشق الهواء. ظل ينظر للسقف وهو يتخيل عودة حبه مرة أخرى. فهو رأى بعيونها اشتياقها وحنينها له، ولكنها ما زالت تحمل نظرة انكسار. ولكن لم يتركها تعاني الانكسار بمفردها. فكما كان يشعر دائماً أنه سندها، سيحاول جاهداً أن يجبر قلبها ويزيح همها ليرمم روحها من جديد.

أسند جواد ظهره على حافة الفراش ليتذكر طلب نضال. فأمسك بهاتفه ليهاتف محمد الذي أجابه بصوت ناعس. فقال جواد معتذراً: "أنا آسف يا عريس، صحيتك بس حبيت ألحقك قبل ما أنشغل في يومي." مسح محمد وجهه بيده ثم اعتدل بجلسته قائلاً: "أهلاً جواد، ولا يهمك، أمر." اضطرب جواد قليلاً برغم إقدامه على الاتصال. ولكن لم يرتب حديثه، فماذا سيقول له؟ ليحاول لملمة أفكاره قائلاً: "ااااه.......

أنا طبعاً بعتذر نيابة عن زميلي نضال على الموقف البايخ اللي حصل منه امبارح، وهو بلغني إنه عايز ياخد ميعاد علشان يعتذر ليكم بنفسه وبيفضل يعني لو الميعاد النهارده." فور استماع محمد لحديث جواد تنبهت كل حواسه. فهو ظل ساهراً يفكر كيف يعتذر لهذا النضال عن موقفهم؟ بل كيف سيقابله من الأساس؟ ليجده هو من يبادر بالاعتذار والاستئذان للمقابلة.

ليجيبه محمد قائلاً: "لا خالص، مفيش موقف بايخ ولا حاجة، وحصل خير طبعاً، وأكيد يتفضل في أي وقت، البيت بيته." سحب جواد نفساً عميقاً وأخرجه على مهل. فلم يتوقع أن يتقبل محمد حواره هكذا، بل توقع أن يثور عليه ويرفض محاولة تقربه. ليبتسم قائلاً: "الف شكر يا محمد." "هبلغ نضال حالاً وإن شاء الله نكون عندكم على المغرب." أنهى الاتصال ليخبر محمد والده ووالدته بحضور نضال لديهم الليلة. توجهت عزة لغرفة الفتيات لتخبرهم بأمر حضور نضال.

وفور استماع ماجدة للخبر هبت من رقدتها لتقول: "اييييه! جاي النهارده؟ هو كان قصده بكرة يعني بكرة؟ لم تفهم عزة جملة ابنتها، ولكنها أكدت عليها حسن التصرف وعدم التهور ثانية حتى لا تضع أباها وأخاها بموقف سيء. أخبر جواد نضال بموافقة أخيها على حضوره. ليبتسم نضال قائلاً: "طب استعد بقى علشان احتمال كبير نقرأ فاتحة النهارده." "ايييييييييه؟ هو انت رايح تتقدم تاني ولا رايح تعتذر؟ نطق بها جواد الذي اندهش من حديث نضال.

ليجيبه الأخير قائلاً: "أتقدم طبعاً، مش أخوها في الفرح قال حد بيتقدم لحد كده؟ أنا بصراحة حسيت عنده حق، فلازم أتقدم بالطريقة الصح." "بس أنا قولتلهم إنك هتعتذر وتقريباً وافقوا علشان كده، ومقولتش على حوار إنك هتتقدم ده." حاول جواد إيصال مقصده لنضال حتى لا يتم المشاحنة مرة أخرى، وخاصة أن نضال من طرفه وهو يريد أن تعود المياه مرة أخرى. "خلاص يا عم، نعتذر مفيهاش حاجة، وبعدها نتقدم برضه، إيه رأيك كده؟

شعر نضال بسبب قلق جواد ليحاول طمأنته والتأكيد عليه بأن يستعد في تمام الخامسة. حاولت غرام التحدث مع أختها بعد أن تحدثها يزيد وأخبرها بطلب أخيه في الإسراع بالزواج. ولكن هيهات، وكأنها وضعت بنزين على نار مشتعلة. لتهب غزل من موضعها صارخة باعتراض: "جواز إيه اللي جاية تقولي ده يا غزل!؟ ده أنا بفكر إزاي أخلص من شبكته السودة دي، تقوليلي جوااااز." ضيقت

غرام عيونها سائلة إياها: "يعني أبلغ يزيد إنك مش عايزة تتجوزي دلوقتي وعايزة تفسخي الخطوبة؟ اضطربت غزل قليلاً ورمشت بأهدابها. ثم ابتلعت لعابها قائلة: "لا، مش نفسخ الخطوبة دلوقتي. بقول يعني علشان مظلموش، أديله فرصة." ثم حاولت توضيح ما قالته حتى تنفي ما تبين لأختها قائلة: "قصدي فرصة ها... لكن مش جواز طبعاً."

حاولت غرام إقناعها فقالت: "يا غزل يا حبيبتي، خالك جاي كمان أسبوعين تقريباً وهيقعد هنا أسبوعين، يعني الفرصة اللي قدامنا شهر نجهز ونتجوز فيهم. فإنتي تاخدي قرارك دلوقتي، يا عايزاه ونجهز للجواز يا نقوله منعطلكش، لكن جو أحبك اه، اخاصمك لا، ده مينفعش، علشان برضه يلحق يستعد ويتكلم مع ماما وكده." شعرت غزل بالتوتر كلما تخيلت أن أمر الزواج أصبح قريباً.

أحبت أمر لعبة القط والفأر معه، ولكن لم تتوقع أن اللعبة ستصبح حقيقة وتكون بيوم من الأيام ملك يديه. فيا ترى ماذا سيفعل بها حينها؟ برغم أن اليوم فرح، ولكن أحوال هذه الأسرة والأجواء بمنزل العروس لا تدل على ذلك. فمن إحساس القهر الذي شعر به حسن ووالدته جراء ما تم بهما وإنهاء مخططهم بخسارة فادحة. فخسارتهم بالذهب والمنقولات جميعها كانت بمثابة الكارثة التي لم يخططان لها.

وبسبب كل هذا لم يستطيعوا أن يسعدوا بفرح ابنتهم غادة التي كانت لا تهتم بما تم وكان كل ما يشغلها فرحها وكيفية الاستعداد له. انقضت الليلة وكلا من أنوار وحسن عادوا إلى منزلهم بنفس الوجه العابس وكأنهم لم يكونا في فرح ابنتهم. أخذوا يفكرون في طريقة لتعويض خسارتهم الفادحة. حتى أنارت في عقل أنوار فكرة، فشهقت قائلة: "واد يا حسن، إيه رأيك في البنت نورة بنت فتحية؟ شفتها النهارده في الفرح زي لهطة القشطة؟

تعجب حسن من حديث والدته حتى نظر لها وكأنها تهذي فقال لها ساخراً: "ف إيه يا أما سلامة عقلك!؟ رأيي فيها من أي ناحية؟؟ ده متجوزة قبل اختي بسنة." وكزت أنوار حسن وقالت له وكأنها تصحح معلوماته: "ماهي اتطلقت يا واد، لا وايه أخدت كل حاجة جابتها، واللي المحروس طليقها كمان جابها." ثم كتمت ضحكة صادرة من فمها واقتربت من أذن حسن الذي اقترب بدوره عليها لتهمس له قائلة: "اسكت......

ما أصله طلع مبيعرفش والبنت علشان يسكتوها ادوها كل حاجة." جحظت أعين حسن ثم ضحك بملء فمه. ثم قطب جبينه سائلاً: "مبيعرفش إزاي يا أما وبقالها سنة؟ ثم تلمعت عيونه قائلاً: "معقولة تكون لسه......... ده يبقى حظي من السما." وكزته والدته مرة أخرى وكأنها تريد أن توقظه من أحلامه قائلة: "لا يا موكوس، أنا فهمتك. متحلمش، مش بنت بنوت، أصلها بتقول إنه ماشي بالبرشام والحبوب يعني يا دوب بالزق."

استمع حسن لما قالته فبهت وجهه وابتلع لعابه. فعلق قائلاً: "ما بلاش البنت دي يا أما......... ونشوف حد تاني." "مالها دي؟ عروسة كاملة من مجاميعه. ولا هتقولك هات أبيض ولا أسود. يبقى ليه لأ؟ واهي تعوض خسارتنا اللي عملتها اللي ما تتسمى." على ذكر ميار ابتسم حسن بهيام أثر استرجاع ذكرياته معها. يسترجع وجهها الملائكي وطباعها الهادئة حتى بعض الذكريات التي كانت لها مؤلمة ولكن كانت له لحظات في غاية السعادة.

انتبه على حديث والدته وهي تخبره أنهم غداً سيتحدثون مع أهل نورة عقب عودتهم من عند غادة حتى يستعد لذلك. بالجهة الأخرى بمنزل العريس بعد أن وصلت غادة وزوجها أمام شقتهم في منزل عائلته. فتح لها باب الشقة قائلاً: "مبروووك يا عروسة. يالا ادخلي غيري عقبال ما أقول حاجة لأمي وجاي." عقدت غادة حاجبيها وتخصرت قائلة: "تسيبني قدام الشقة وتنزل لامك؟ ما كانت لسه في الفرح! هتكون عايزة إيه يعني؟

مش كفاية خليتوا أمي توصلني لأول الشارع ومرضتوش تدخل معايا. كمان عايز تنزل وتسيبني أدخل لوحدي ده...... لم يدعها تكمل حديثها فأمسك بمعصمها وجذبها بشدة حتى كادت أن تتعثر وتسقط. ثم قال لها بصوت خافت وبنبرة مرعبة: "اتعودي إن الكلمة اللي أقولها مكررهاش تاني ومفهاش جدال....................... سامعة ولا أقول كمان؟ برغم خفوت صوته ولكن نظراته كانت مرعبة ونبرته أقرب لفحيح الأفعى. ابتلعت غادة لعابها بصعوبة وأومأت برأسها إيجاباً.

ليكمل أوامره وكأن شيئاً لم يكن: "عايز أرجع ألاقيكي غيرتي وجاهزة، مش هكرر تاني." ثم تركها وتوجه لشقة والدته بالأسفل. لترتجف غادة وتولج إلى شقتها تنفذ كل ما طلبه وهي تنتفض رعباً سائلة نفسها: "هو في إيه؟ مكنش كده في الخطوبة! ده أنا كنت فاكراه آخرس من كتر ما كان ساكت، وقولت همشيه على هوايا. ربنا يستر." بعد فترة لم تتجاوز الربع ساعة انتفضت غادة جراء سماعها لصوت صفق باب شقتها.

لترى زوجها بعد لحظات يلج إلى غرفتهم ناظراً لها نظرة شمولية بعد أن بدلت ملابسها. فابتسم قائلاً: "شاطرة........... بتتعلمي بسرعة. وده هيسهلك حاجات كتير بعد كده." ثم جلس على الفراش بجوارها ومد ذراعه ليفتح درج الكومودينو وأخرج منه أصفاد ذات لون ذهبي وقدمها لها قائلاً: "يالا زي الشاطرة كده مدي إيدك علشان ألبسك دول." عقدت غادة حاجبيها باندهاش ونظراتها تتأرجح بين هذه الأصفاد وبينه سائلة إياه: "إيه ده يا عدي؟

ألبس إيه مش فاهمة؟ وألبسهم ليه؟ ابتسم عدي ثم أمسك بيدها وبدأ في لبسها إياهم وهو يقول: "دول يا ستي حاجات جديدة وجميلة هتتعودي عليها وهتطلبيها بعدين." ثم اقترب منها هامساً لها: "أصل أنا ليا مزاج مختلف. هتحبيه أوي متقلقيش." وبآخر كلمة بجملته كأنه أعطى لها أمر القلق. فدب القلق في أوسارها ولكن كان بعد فوات الأوان. فقد انتهز عدي تشتت تفكيرها واندهاشها من الموقف وشبك أصفادها بأعمدة بالفراش وكأنه أعده خصيصاً لهذا الغرض.

حاولت فك أصفادها متوسلة له بينـما صوت دقات قلبها يعلو ويعلو قائلة باستجداء: "عدي، فهمني علشان خاطري بتعمل كده ليه؟ ربطتني كده ليه؟ ده النهاردة دخلتنا! توجه عدي إلى خزانة الملابس وفتحها وأخرج منها سياط. ثم التفت لها مبتسماً قائلاً: "عارف يا حبيبتي إن النهارده دخلتنا، وعشان كده حبيت أخليها مميزة ومتنسيهاش أبداً." فور رؤية غادة للسياط بيده بدأت تدرك ما ينوي عليه. لتتوسل إليه قائلة: "عدي، انت هتضربني ولا إيه؟

اوعى يا عدي، ابوس إيدك فكني." اقترب عدي والإبتسامة المريضة تزين ثغره قائلاً: "صدقيني يا حبيبتي، هتحبيه أوي." ورفع يده بالسياط لتهوي عليها بأول ضربة مع تعالي صوت صراخها. ولكنه لم يبالي لصرخاتها التي وصلت لوالدته بالأسفل والتي أوصاها بعدم التدخل مهما استمعت من صرخات. كادت أن يغشى عليها لولا شعوره بالإنهاك. فقذف السياط أرضاً واقترب منها قائلاً

بين نهجاته: "معلش بقى، تعبان طول اليوم في استعدادات الفرح، عشان كده تعبت بسرعة، لكن أوعدك بعد كده هنطول عن كده وتكوني اتعودتي كمان." ثم اقترب منها ليتمم زواجه منها فعلاً. بعد فترة وجيزة اعتدل وأخذ سيجارته من الكومودينو بجواره واشعلها غير عابئ بالباكية بجواره وكأن صوت بكائها ونحيبها عزف عذب تستمتع به أذنه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...