الفصل 34 | من 47 فصل

رواية معدن فضة الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم لولي سامي

المشاهدات
18
كلمة
10,887
وقت القراءة
55 د
التقدم في الرواية 72%
حجم الخط: 18

تأهب الجميع لحفل عقد القران وها قد جاء موعده فاليوم سيتم مراده الذي لطالما تمناه وحلم به. يخطط ويرتب لأفكار خبيثة في مخيلته، بل وتتفاقم مخيلته إلى مدى توافقها واستجابتها معه في أحلامه تلك. ظل يرتدي حلته والابتسامة تزين ثغره، وبرغم وقوفه أمام المرآة إلا أنه لا يرى نفسه، بل يتخيل كل ما يدور بعقله من أحلام وأمنيات. لم يعِ الواقفة خلفه برغم انعكاس صورتها بالمرآة أمامه، إلا أن شروده لم يجعله يراها حتى تنحنحت ثم قالت بلهجة

تهكمية قاصدة استفزازه: "متسرحش كتير ده كتب كتاب بس هااااا." وادعي أنه يعدي على خير، لأني عارفة نحسكوا. وكأنه سقط من السماء السبع ليخرج من وسط أحلامه وأمنياته على صوتها الشاذ بالنسبة لأذنه وجملتها التي كانت بمثابة الصفعة له، وكأنها ذكرته بسوء حظهم ومعاندة الزمان لهم، وكأنه يتحداه. فإذا كنت أحببتها بسهولة، فلم تحصل عليها إلا بعد شقاء وعناء.

أغمض عينيه ثم فتحهما ليقيم حاله أمام المرآة وينثر عطره المفضل، ثم استدار لأخته، راسماً ابتسامة سمجة على شفتيه قائلاً: "والله أنا شاكك أن النحس راكبنا من كتر ما انتي مركزة معانا كده." تخصرت ماجدة أمامه قائلة بعصبية: "قصدك إيه يا محمد؟ قصدك إن أنا عيني وحشة؟ طب والله…" أمسك برأسها ومال عليها مقبّلها ثم قال: "بهزر معاكي يا ماجي، متزعليش يا جميل. ثم أنا أصلاً عارف إننا منحوسين وهمتك معايا بقى يمكن ربنا يفك النحس."

اتسعت ابتسامتها بعد أن كانت عابسة لتطبع قبلة على وجنته قائلة بكل حب وتمني: "ربنا يتمملك بخير يا حبيبي، بجد فرحنالك أوي. ثم أكملت بانتشاء: وفرحانة في البت ماسة خدت حتة مقلب." بعد أن كاد يقبلها على كلماتها الجميلة ودعوتها المحببة لقلبه، حتى أنهت جملتها بضربها على رأسها من الخلف، فارتمت على صدره ليمسك بها من خلف عنقها قائلاً: "هو انتي يا بت مبتعرفيش تقولي كلمتين حلوين على بعض؟ لازم تبوظيها في الآخر!

نظرت له وهي مبتسمة قائلة: "الله مش بفكلك الاسترس، الحق عليا يعني." ربت على كتفها ثم أزاحها قليلاً للأمام قائلاً: "اتكلي على الله، كملي لبسك عشان أنا كمان أكمل لبسي بدل ما تروحي الحفلة بعاهة النهاردة. اتكلي على الله، ربنا يكون في عون اللي هياخدك." نطق بآخر جملته وهو يوجهها خارج الغرفة، ثم أغلق الباب واستدار لينهي ارتداء ملابسه، لتقتحم ماجدة الباب ثانية قائلة:

"والنبي ليجي ويتحايل عليكم وأنا اللي أقول مخدوش يا بابا، مخدوش يا بابا." فرت هاربة فور رؤيتها لاشتعال نظراته متوجهاً إليها، لتخرج وأغلقت بنفسها باب الغرفة، فيضحك ويدعو لها أن يحفظها لهم جميعاً.

تذكر عندما أخبرته ماجدة أن والدتها قد دعت جارتهم إخلاص، فاقترحت عليه أن يقوم هو الآخر بدعوة جواد لحفل عقد قرانه، ربما تعود المياه لمجراها ثانية ويكون سبب في إخراج ميار من حالتها النفسية تلك، لذلك قام بدعوته، فهو أيضاً لم ينس وعده له بأنه سيدعوه عندما ينال المراد وتتحقق الآمال ويقترن بمعشوقته.

ولكنه فوجئ بإصرار جواد بالموافقة على نقله هو وعروسه من مركز التجميل للمنزل، وبعد إلحاح كثير وافق محمد أخيراً، الذي آثر أن لا يخبر جواد أن أخته مع العروس، كما لم يخبر أخته بحضور جواد، وفضل ترك الأمر تحت مسمى المفاجأة. فتمتم داخلياً: "ربنا يستر ويعدي اليوم ده على خير." على الطرف الآخر، كان جواد يستعد بحلة جديدة تظهر مدى وسامته وبهائه، حينما ولجت له والدته قائلة بحب ظاهر:

"بسم الله ما شاء الله، الله يحرسك من العين يا ولدي." ثم ربتت على كتفه داعية له: "الله يريح بالك وينولك مرادك يااارب." ابتسم جواد وانحنى ليقبل رأسها قائلاً: "يارب يا أمي، عايزك طول اليوم بقى يا خوخة تدعي الدعوة دي، ماشي يا جميل." ثم وجد جواد هاتفه يصدح باتصال من نضال، الذي أصر على ملازمة جواد كنوع من رد الجميل بعد أن أخبره بإعجابه بماجدة.

فأجاب عليه جواد ليخبره نضال أنه بالأسفل وبانتظارهم، فطلب منه جواد أن يستضيف والدته بسيارته حتى يتسنى له استضافة محمد وخطيبته ويقلهم من مركز التجميل. هبط محمد وتوجه مع جواد الذي كان ينتظره بالأسفل، ثم توجها إلى مركز التجميل التي به العروس ليقلها إلى منزلها حيث المأذون والأهل لاتمام مراسم عقد القران، بينما توجهت عزة وتوفيق وماجدة إلى منزل العروس مباشرة، ما عدا ميار التي كانت ملازمة لماسة بمركز التجميل.

وصلوا عائلة محمد، والذين فور وصولهم انطلقت الزغاريد تعبيراً عن فرحتهم، لتستقبلهم والدة ماسة وعمها بكل سعادة وترحيب. بينما بمركز التجميل، انتهت خبيرة التجميل من تزيين ماسة وميار، التي أصرت على اصطحاب صديقة عمرها وخطيبة أخيها بيوم عمرها، كما اصطحبتها بيوم زفافها من قبل.

وصل محمد وهاتف أخته أنه بالأسفل، لتستعد ماسة باستقباله، وبالفعل توجه محمد إلى مكان ينتظر العريس فيه عروسه، ليرى من تهبط الدرج وهي بكامل زينتها وجمالها، ظل ينظر لها وهي تهبط وبجوارها ميار التي كانت لا تقل جمالاً وبهائاً عنها، بينما محمد لم يرى سوى حبيبته. هبطت ماسة وهي تشتعل خجلاً، تنظر للأسفل كالباحثة عن شيء ما. بينما محمد ظل ينظر لها دون أن يتفوه بكلمة، ولكن عيونه تشع سعادة، أخيراً جاء يومه المنتظر.

أخيراً سيقترن بحبيبته التي يشعر أنه جاهد كثيراً من أجل الظفر بها. ظل يسافر بنظراته على ملامحها التي برغم حفظه لها، إلا أنه لم يصدق حاله. لتنحنح ميار عند إطالة الفترة بينهم، قاطعة وصلة الإعجاب الصامت قائلة: "احم…. أنا معاكم للآخر بس خايفة المأذون يزهق ويمشي." هنا أدرك محمد كم التيه الذي انتابته، ليرمش قليلاً، ثم نظر تجاه ميار بعيون متسعة وكأنه يؤكد المعلومة لنفسه قائلاً:

"صحيح ده النهارده كتب الكتاب، تخيلي يا ميار كتب كتاب مرة واحدة، يااااه." وفجأة تقدم من ماسة حاملاً إياها من خصرها يدور بها، والأخيرة تشبثت برقبته وأطلقت صرخة من هول المفاجأة. ضحكت ميار وتمنت لهم الخير، حتى هدأت حركة محمد أخيراً وحاول إنزال ماسة، ولكن ببطء شديد. ونتيجة لاقترابهم المهلك لكلاهما ونظراتهم العميقة وأنفاسهم المتداخلة، لم يشعرا بحالهما وشفاههما تقترب من بعضهما.

انسحبت ميار من الساحة لتترك لهم حرية التعبير عن حبهم، وتوجهت للخارج تنتظرهم. فور ولوجها من مركز التجميل والإبتسامة والسعادة تزين ثغرها، والتي كانت قد افتقدتها بالأيام الأخيرة، وجدت أمامها من يرتكز على سيارته ويلعب بهاتفه، ومن الواضح أنه ينتظر أحداً. علت الدهشة وجهها، وأخذت تفكر هل من المعقول أن يكون جاء من أجلها؟

فكرت أن تعود للداخل، فاستدارت لتهرب من وجوده، حتى وجدته ينادي باسمها، فثبتت مكانها وارتعش جسدها من مجرد سماع اسمها منه، لتغلق عيونها وينتابها الحنين الجارف إليه مع تزايد خفقان قلبها. تقدم جواد منها وهو لم يصدق حاله، أخيراً رآها، وقف خلفها مباشرة قائلاً: "بتهربي مني يا ميار؟ التفتت ميار ببطء شديد إلى جواد، والذي فور رؤيتها جحظت عيناه انبهاراً بجمالها واشتياقاً لملامحها التي قد بهتت بالأونة الأخيرة.

فهي جميلة دون أي شيء، وازدادت جمالاً الآن، إضافة إلى راحتها النفسية التي اكتسبت القليل منها، والذي كان يبدو على وجهها الآن. رآها كما هي. رأى جمال روحها وطيبة قلبها الذي لطالما أحبهما به. رأى عيونها الجميلة التي تشع دفئاً وحناناً. رأى سعادتها لصديقة عمرها، أجل، فهذه ميار التي تحمل الخير للجميع، مهما تحاملت الدنيا عليها، فلم ولن تكن لأحد غل أو حقداً.

هذه هي الروح الذي أحبها وتوق لمرافقتها طيلة حياته، فحمد الله أنها لم يتغير بها شيء سوى بعض الندبات الذي سيحاول على علاجها. ظل ينظر لها يملي عينيه بملامحها التي لم يتخيل أنه سيراها مجدداً بيوم من الأيام. خجلت ميار من نظراته تلك، فنظرت للأسفل محاولة التهرب من نظراته، برغم شوقها وحنينها إليه، تريد أن تطيل النظر إلى وجهه المحبب لها، ولكن لم تقدر على مجابهة نظراته الملتاعة بها، حتى سمعت…

بالداخل، لم يدرك محمد حاله إلا وهو متلذذاً بفاكهته التي لطالما تمناها وحلم بها، فالتهم أخيراً شفاه ماسة التي غيبت عن الوعي، ولم تدرك حالها إلا باحتياجها للأكسجين، فربتت على صدره ليبتعدا أخيراً، ساندين جبهتهما على بعضهما يتبادلون الأنفاس. فحاولت ماسة الهروب بعيونها من نظراته، فهي لم تتوقع حالها بالاندماج معه هكذا، بينما محمد تائه بجمالها، ليهمس لها من بين أنفاسه المتلاحقة قائلاً: "بحبك…. بحبك أوي يا ماستي."

ثم ينحني ليلتقط شفتاها مرة أخرى، ولكن ماسة تذكرت شيئاً لتشهق قائلة: "ميار…" استعاد محمد وعيه وتذكر أن أخته كانت بصحبتهم الآن، ليلتفت سريعاً للخلف، ولكنه لم يجدها، فأطلق زفرة ارتياح ثم قال: "خضتيني يا شيخة…. ما صحيح أكيد يعني مش هتفضل واقفة واحنا مع بعض كده…. هو احنا وقفنا لحد فين؟ لترمش ماسة بأهدابها لتخفي خجلها، بينما هو كاد يكمل ما كان ينوي فعله، حتى تذكر وجود جواد بالخارج، لتتسع حدقتاه وينطق بدوره: "مياااار!

فسحب ماسة منطلقاً للخارج، التي لم تعِ سبب تفاجؤه هذه المرة إلا عندما خرجت ورأت ما رأته. فقد رأوا ميار وجواد أمام بعضهما، ليتجه محمد مباشرة يربت على كتف جواد قائلاً: "مش يالا بينا عشان الناس اللي مستنيانا دي." انتبهت ميار على حديث أخيها، ليشير جواد لها ولأخيها وماسة بالتقدم للسيارة. بعد أن فهمت ميار أن جواد الذي سيقلهم إلى مكان الحفل، شعرت أنها بموقف صعب، كيف ستستقل السيارة بجواره مرة أخرى؟

إنه لأمر شاق ومجهد لأعصابها. فتح جواد باب السيارة الخلفي للعروسين حتى استقلا، ليفتح باب السيارة الأمامي هامساً لها بنبرة تمني: "عقبال فرحنا." ارتفع صوت خفقان قلبها حتى طغى على صوت السيارات المحيطة بها، فلم تسمع سوى صوت دقاته، والتي شعرت أنه هو الآخر يسمعها جيداً. تسمرت مكانها وقد شعرت أنها فقدت القدرة على الحركة، حتى نطق جواد مجدداً: "اتفضلي يا ميرو."

رمشت بأهدابها ثم استقلت السيارة بهدوء، ليهرول جواد للجهة المقابلة ويستقل مقعد السائق، وهو يشعر بالسعادة الطاغية، فقد شعر بأنه على بعد خطوات من تحقيق مراده. ليدير محرك السيارة وينطلق متوجهاً بالعروسين لمكان الحفل، بينما كان ينتابه شعور جميل غريب، وكأن هذا العرس هو عرسه هو. كانت إخلاص تنتظر بسيارة نضال أمام مركز التجميل، ثم رأت مشهد جواد وميار، كانت ستهبط من السيارة لتسلم عليها، لولا أن أمسك بها نضال قائلاً:

"سيبيهم براحتهم يا طنط…. هما محتاجين يبقوا لوحدهم شوية." أغلقت باب السيارة ورجعت لمكانها ثانية، وظلت تراقبهم والسعادة تكاد تقفز من عيونها، وهي ترى ابنها المحبب قد نال مراده أخيراً. بينما نضال جلس يشاهد منظرهم ويتخيل نفسه مع ماجدة، ولكنه رجع لعقله ناهراً نفسه متمتماً لحاله: "بـتتخيل إيه جتك نيلة!؟ ده أنا لو وقفت قدام ماجدة الوقفة دي مش بعيد تديني بالبوكس…. دبش بنت الايه." ثم ابتسم متذكراً ملامحها أثناء عصبيتها:

"بس قمر عليا النعمة." بعد أن انتهى المشهد وركب العروسان وجواد وميار، انطلق نضال بسيارته خلفهم، مطلقا أبواق سيارته بطريقة صاخبة، محاولاً التلاعب بالسيارة قليلاً مع سيارة جواد، التي كان يبادله الحركات مع انطلاق بعض الصرخات من قبل ماسة وفرحة محمد لتلذذه باقتراب ماسة منه، واغتنامه الفرصة ليعلق لـ جواد قائلاً: "والنبي يا زين ما اخترت من أصحابك يا جواد." ليجيب عليه جواد وهو يوزع نظراته بين الطريق والمرآة:

"أي خدمة يا حمادة…. إن شاء الله هعرفك عليه وهتحبه أوي…. ومش هتكون آخر مرة تتقابلوا." ربما أراد الإشارة لمراد نضال، ولكن برسالة تحفيزية تاركاً لنضال كيفية الاقتراب. بينما ميار حاولت التشبث بالمقعد الخاص بها وكتم فمها منعا من إطلاق صراخاتها. وصل العروسان للمنزل الذي قد تزين وتهيأ لاستقبالهم. صعدا محمد ممسكاً بيدي ماسة، وخلفهم ميار التي هرولت قبل أن ينتهي جواد من اصطفاف سيارته.

اصطف نضال سيارته هو الآخر، ليقترب من جواد الذي أمسك بذراع والدته وأومأ له وغمز، ثم همس له: "أي خدمة يابو نسب…. يارب تكون عرفت تعمل حاجة؟ ليبتسم جواد وينظر له بطرف عينيه ثم قال: "خليك في حالك…. ووريني شطارتك مع ماجدة." ثم ضحك مستهزئاً وانطلق صاعداً الدرج حيث منزل العروس.

انطلقت الزغاريد فور وصول ماسة ومحمد، وانهالت المباركات عليهم، ثم انفصلا، فتوجه محمد للصالون حيث يجلس المأذون في انتظارهم، وجلس بجواره استعداداً لعقد القران، ليدلف فؤاد خلفه مربتاً على كتفه قائلاً: "معلش يا عريس هنأخر كتب كتابك انت شوية ونخليه بعدي عشان أضمن إنك تشهد على العقد." ابتسم محمد واستقام ليجلس فؤاد مكانه قائلاً بفرحة حقيقية: "يا نهار أبيض، ده شرف ليا يا عمي، اتفضل طبعاً."

طلب فؤاد من والدة محمد استدعاء فاطمة، لتتقدم فاطمة وهي تشعر بالخجل الشديد من موقف كهذا، بينما جاهدت ماسة نفسها بالخارج أن لا تحزن، فقد اختارت والدتها الحل الأفضل لهم، فدعت لها بدوام الصحة والسعادة. انتهى عقد قران فاطمة وفؤاد، ليتقدم محمد واضعاً يده بيدي فؤاد، ويبدأ المأذون بمراسم عقد القران، حتى استمعا جميعاً للدعاء المشهور: "اللهم بارك لكما وبارك عليكما وجمع بينكم في خير." لتنطلق الزغاريد والمباركات والتهاني.

بينما جواد انتهز الفرصة ليقترب من ميار ويسحبها خلفه حيث البلكون. اضطربت ميار ولكنها لم تستطع أن ترفض محاولته، ليقول جواد: "ميار أنا لسه بحبك ومش قادر أتخيل حياتي من غيرك، أرجوكي اديني فرصة أعوض اللي فاتني وصدقيني مش هتندمي." ندم أيذكر الندم!!! فكل محاولات البعد هذه حتى لا تندم بالقرب المهلك. ظلت تنظر له لا تعرف بماذا تجيبه؟ كيف تخبره أن افتراقهم بسبب حبها له؟ هي تريد أن يظل حبه بقلبها حتى لا ترى منه ما يجعلها تكرهه.

كيف تخبره أنها أصبحت معقدة نفسياً وخاصة من العلاقة الزوجية؟ كيف ستخبره أنها ستكون عقاباً له لا جزاء لصبره وحبه؟ بعد فترة من الصمت قالت: "أنا منفعكش يا جواد، أنا بقيت محطمة من جوة…. صدقني البعد لينا احنا الاتنين أفضل." بعد وصلة التهنئات والمباركات، تقدم محمد من ماسة طابعاً قبلة دافئة أعلى جبهتها ثم قال: "مبروك عليا يا قلبي، بجد مش مصدق إننا اتجوزنا، والأهم اليوم عدى على خير."

ثم أمسك يدها مقبلاً كفها بنعومة طاغية أهلكت مشاعرها، وكأنه دعا النحس ذاته، لتسمع هي صوت تعرفه جيداً من خلفها، صوت غاضب يندد ويهدد بأفعال تخلج قلبها. وبدأت الصيحات تتشابك، صيحة والدتها التي تترجاه أن يمرر اليوم بخير، وصيحة عمها الذي يقف متحدياً بإفشال كل ما هدد به. انعقد حاجبا محمد وتمتم قائلاً: "أنا برضه استغربت إزاي اليوم ده يعدي كده." ثم اقترب من ماسة التي امتلأت محجريها بالدموع سائلاً إياها: "مين دول يا ماسة؟

نظرت له ماسة نظرة استجداء وكأنها تتوسله لإنقاذها، لتزدرق ريقها ثم قالت وشفتيها ترتعش من الرعب: "ده خالي وأولاده، مكنش موافق على الجوازة وكان عايزني لحد من أولاده." استوحشت نظرات محمد حينما نطقت بهذا الحديث الأخرق، واشتعلت عيونه غضباً حين رأى دموعها ونظرة الرعب التي انتابتها، ليحاول بث الطمأنينة بقلبها. فاحتضن وجهها بين يداه قائلاً بنبرة لا تحتمل النقاش: "انتي مراتي ومحدش يقدر أو يستجري يعملك حاجة، فاهمة ده؟ …. فاهمة؟

أومأت برأسها وكأنها وجدت أمانها، ليربت على وجهها بحنان طاغٍ مطمئناً إياها: "خليكي هنا ومتخافيش." نظر يمينه فوجد ماجدة ووالدته اللاتي لم يفهما شيئاً، فقال لماجدة موصياً إياها: "خلي بالك من ماسة يا ماجي، ده في أمانتك." ابتسمت ماجدة لتحيط ماسة بذراعها مربتة عليها ومطمئنة لها ولأخيها بابتسامة مريحة وكأن لا يوجد من الأساس: "متخافش، مش في أمانتي يبقى الموضوع خلص."

أومأ محمد برأسه وحاول الابتسام، ثم انطلق لينضم لذلك الدرع الحامي الذي شكله كلا من فؤاد وفاطمة أمام خالها وأولاده الاثنان. بداخل البلكون، استمع جواد وميار للجلبة التي بالخارج، فتوجه فوراً ليري الأمر، محتد لا يعي شيئاً، ولكنه توجه مباشرة لينضم بجوار محمد، وانضمت ميار بديهياً إلى ماجدة، والتي رأتها تضم ماسة كمحاولة لتهدئتها، لتسأل ميار عن السبب، فتخبرها ماجدة بما عرفته، لتحاول مع ماجدة تهدئة ماسة.

بالخارج، بعد أن دخل نضال وسلم على العروسان، خرج قليلاً ليدخن سيجارة ويفكر في طريقة لفتح حديث مع ماجدة، وربما يحاول بطريقة أو بأخرى لمفاتحتها في طلب التقدم لها. ظل يضيق بعينيه يضع أكثر من سيناريو للحوار، حتى فاق من شروده قائلاً: "أنا نضال عمال أخطط وأفكر إزاي هقولها بحبك، مانا أروح أقولها بحبك وعايز أتوزجك وخلاص، هي شغلانة!!

ثم استمع للجلبة التي تحدث بداخل المنزل والتي لا تدل على مظاهر الاحتفال، فانطلق إلى داخل المنزل يرى ما الأمر، ليجد ثلاث من الرجال يهددون ويتوعدون بإفشال كل ما يحدث، لينضم بجوار جواد ويميل عليه سائلاً: "هو في إيه؟ جواد بحيرة: "مش عارف، بس اللي فهمته إن دول قرايب العروسة ومش موافقين على الجوازة." احتدم الموقف بين أحد من الرجال الثلاث ليمد يده على والدة العروس، ليمسك بيده فؤاد محذراً إياه بلهجة صارمة وصوت عالٍ:

"إياك تمد إيدك على فاطمة، وإلا ورحمة أخويا لواديك في داهية."

لم يصمت أبناؤه ليمسك أحدهم في تلابيب فؤاد، ويحاول الآخر بتسديد لكمة له، ليباغته محمد مسدداً له لكمة، بينما يسدد جواد لكمة للآخر، والذي كان ينوي الإمساك بمحمد، وبدأ النزال وتعالت الصرخات، وحاولت فاطمة الإمساك بفؤاد والحول بينه وبين أخيها، ليجد نضال أن لا بد من تدخله برغم عدم تعلق الأمر به وعدم إدراكه للأمور، فقرر التدخل بصفته الرسمية، ليخرج مسدسه الذي تعود أن يحمله دائماً حتى وهو خارج عمله، مطلقا منه عياراً بالهواء، ليصمت الجميع وينتبه لوجود أحداً حاملاً سلاحاً، فتتوجه جميع الأنظار له مليئة بالرعب، بينما نظرة واحدة هي من نظرت له بالسعادة والفخر، وكأنه دائماً منقذ كل المواقف، والذي لطالما يتدخل بالوقت المناسب وبالطريقة المناسبة.

اقترب نضال ووقف بين الفريقين ونظر لكلاهما، ثم وجه نظره تجاه فاروق يسأله باقتضاب: "حضرتك مين وجاي تعمل مشاكل ليه؟ قضب فاروق جبينه ونظر لنضال نظرة استخفاف قائلاً: "حضرتك اللي مين؟ وإيه دخلك بين عيلة بتصفي خلافاتها؟ رفع نضال حاجبيه دليلاً على دهشته قائلاً باستهزاء: "بتصفي خلافاتها وعيلة؟ مشفتش ده في أسلوبك يعني!؟ "شئ ميخصكش." هدر بها فاروق في وجه نضال، الذي تحولت تعابيره للغضب لينطق بصوت جهوري:

"لا يخصني، ولو ممشيتش حالاً هقبض عليك بتهمة ترويع مواطنين، وفي القسم بقى ابقى أعرفك على نفسي كويس." انطلقت فاطمة تهدأ من عصبية نضال التي لا تعرف هويته حتى الآن، ولكنه يبدو أنه من أصدقاء العريس، فربتت على كتفه محاولة تهدئته قائلة: "مفيش حاجة يا ابني، ده أخويا وهيمشي دلوقتي." ثم التفتت لفاروق الذي كان ينظر بعينين مشتعلة وتحدي ضد نضال، فقالت له: "امشي دلوقتي يا فاروق وأنا هبقى أكلمك، ورحمة الغاليين ما تبوظ ليلة بنتي."

نظر لها فاروق قائلاً بعصبية مفرطة ونظرات مخيفة: "عاجبك اللي عملتيه ده يا هانم، بس ملحوقة، أنا همشي فعلاً بس انتي وبنتك معايا…. وهناك هنتكلم." تدخل محمد قائلاً باستخفاف: "هي وبنتها إزاي لمؤاخذة؟؟ جيت متأخر يا فاروق بيه، بنتها بقت مراتي على سنة الله ورسوله." شعر فاروق بصفعة قوية، فتوقدت نظراته تجاه فاطمة التي ارتعبت من مجرد النظر له، ليقبض على ذراعها ويسحبها بشدة قائلاً لها من بين أسنانه:

"عملتيها يا فاطمة، طب ورحمة أبوكي مانتي شايفة بنتك تاني." ليتدخل فؤاد وينزع ذراع فاطمة ويخفيها خلفه، واقفاً أمام فاروق بكل ثقة وتحدي قائلاً باستهزاء: "يعز عليا إنزل حلفانك الأرض…. بس اللي بتهددها ده تبقى مراتي…. ومفيش حد له كلمة عليها غيري." شعر فاروق بالجنون فور استماعه لحديث فؤاد، ليرفع يده غير متمالك أعصابه ويحاول تسديد لكمة له، فتدخل نضال سريعاً قابضاً على ذراعه بقوة قائلاً:

"أعتقد دلوقتي واضح أن وجودك غير محبب وتهنئتك وصلت يا باشا. وأنا شايف يا تتفضل وتسحب جوز التي*ران دول وراك، يا اتفضل أنا وأسحبكم كلكم للقسم…. وهناك بقى محدش يزعل." شعر فاروق بالخسارة الفادحة، وخاصة عند تواجد هذا الفؤاد الذي كان يهابه بمجرد وجوده بجوار أخيه مراد، فما بالك لو كان هو الخصم الآن. لينظر للجميع ودون أن ينطق ببنت كلمة انطلق خارجاً، وخلفه أبناؤه يسحبون آثار الهزيمة خلفهم.

ليستدير نضال ليطمئن من بالمنزل، ولكنه فوجئ بعيون تنظر له بفخر واعتزاز، لينظر تجاهها بابتسامة ثم قال: "ما تشغلوا أغاني يا جماعة، ولا الفرح ده هيفضل صامت كده كتير." لم ينكر سعادته بنظراتها تلك. نعم هو يدرك حاله جيداً ويعرف قيمة ذاته، ولطالما وجد نظرات الإعجاب إليه، ولكن هذا ليس مجرد إعجاب، بل هو فخر واعتزاز، فلكم شعر بقيمة ما فعله من مجرد نظراتها، برغم اعتقاده أنه لم يفعل شيئاً، ولكن بنظرتها تلك أشعرته أنه فعل كل شيء.

ظل مراراً وتكراراً يلح على أخيه طوال اليوم ويحاول إقناعه بفكرة التعجل بالزواج. وبرغم موافقة يزيد لاقتراح أخيه، إلا أنه قلق جداً من ناحيته، مما أثار الشكوك بعقله، فلما التعجل هكذا؟ ليضيق عينيه ويسأله بريبة: "هو انت مستعجل ليه يا يزن؟ مش طبيعتك يعني! حرك يزن كتفيه للأعلى مدعياً اللامبالاة ومحاولاً التهرب من نظراته الكاشفة له، فتحدث وهو يدعي النظر ببعض السجلات أمامه قائلاً:

"يعني لاقيتك هتتجوز وجواد هيتجوز، فبصراحة قولت يعني أنا الوحيد اللي هفضل لوحدي، فغيرت وقولت اتجوز بقى، والبنت بصراحة مش وحشة يعني؟ انزوى ما بين حاجبي يزيد ليسأل مندهشاً: "يعني انت عايز تتجوز غزل عشان غيران مننا وقولت تجرب وماله!؟ وبعد شهر ولا اتنين تزهق وتسيبها!؟ طب والبنت ذنبها إيه؟ يعني أنا شوفتك بالرحلة غيران عليها فافتكرتك…." قطع يزن استرساله ناظراً له برعب وكأنه لا يريد أن يكشفه أحد، فقال بتوتر ظاهر:

"افتكرتني…. افتكرتني إيه؟ الموضوع كله أن كرامتي متسمحش تبقى خطيبتي وتتكلم مع رجالة…. الناس يقولوا إيه؟ مش مالي عينها ولا أنا لمؤاخذة يعني…" استشعر يزيد أن أخيه يحاول الهروب من الاعتراف بحبها، فحاول أن يضغط عليه لربما اعترف واستسلم، ليهب واقفاً مدعياً الضيق قائلاً بنبرة حادة:

"لا وأنا ما يرضيني يتقال عليك كلمة واحدة. زي برضه ده تبقى اخت خطيبتي واللي من حقها عليا أحميها حتى من أخويا. وعشان كده أنا هلغي الخطوبة وانت دورلك على واحدة من معارفك تقبل تاخد الجواز تجربة." والتفت لينسحب، لولا يدي يزن الذي أمسكت بمعصمه قائلاً: "رايح فين بس يا يزيد، احنا لسه بنتكلم!؟ "آسف، أنا خلاص عرفت نيتك ومقبلش لغزل تتجوز بالشكل ده حتى لو أخويا."

نطق بها يزيد ليخطو بخطوة واحدة، لولا يدي يزن التي أمسكت به مرة أخرى وهو مغمض العينين، وكأنه يجاهد ذاته من أجل الاعتراف ووجد أنه لا يوجد بد من الاعتراف، الاعتراف الذي لطالما أنكره أمام ذاته ليقر به الآن أمام الجميع. فتح يزن عينيه مقراً أخيراً بنبرة صادقة حانية نابعة من القلب: "أنا بحبها يا يزيد، بحبها وعايز اتجوزها عشان بحبها…. والله بحبها." ابتسم يزيد ليوكز كتف أخيه قائلاً: "مانا عارف يا جحشبس، انت اللي كنت متعرفش."

ابتسم يزن ثم أردف مكملاً: "طب إيه هنتجوز امتى؟ بنت الايه بتعمل فيا اللي محدش قدر يعمله، ومش هعرف آخد بتاري وأعمل اللي عايزاه إلا لما نتجوز، بدل وربي أعملكم فضيحة، أنا بقولكم أهو." ضحك يزيد بملء حنجرته ثم قال ليزن: "وعلى إيه، احنا نجوزكم لبعض وانتوا حرين مع بعض بقى، ثم غمز له بتحدي عينيه واستطرد قائلاً: بس خف اللعب مع البنت شوية، ده صغيرة ومش قدك." تذكره يزن فابتسم لمجرد ذكراها قائلاً بحالمية: "صغيرة إيه؟؟

ده مجنناني ومخليني على ناااااار." ثم أدرك أنه يتحدث أمام أخيه، ليتنحنح قائلاً: "ما تلفلك لفة كده بالمحل بدل ما انت واقف عاملي تنويم مغناطيسي وسايبني أبعبع قدامك." خرج يزيد من مكتب جواد الذي كانوا يجتمعون به وهو يضحك بصوت عالٍ، مقرراً التحدث مع غرام لمحاولة إمالة تفكير غزل، فهو يعلم أنها عنيدة ويجب لها التمهيد أولاً. أما بالداخل، جلس يزن على المقعد متذكراً جواد قائلاً:

"زمانك متهني بالحفلة دلوقتي يا جواد وناسينا خالص، يالا اهي حظوظ." ثم بدأ يفكر كيف له أن يقنع مجنونته بالاستعجال بالزفاف، ثم لمعت عيونه بفكرة لينفض رأسه محاولاً الهروب منها قائلاً: "لا لا لا، ده أخليها في الآخر لو مقتنعتش، آه أنا أعمل اللي عليا وأكلمها بالذوق الأول، بالرغم إني عارف إنها مبتجيش بالذوق ومش هتقتنع." ثم ابتسم وهو متخيل منظرها قائلاً: "بس ابقى عملت اللي عليا وهي وحرة بقى ساعتها." ثم ضحك بملء حنجرته معلقاً

على فكرته: "طب والنبي أنا طيب."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...