اشرف الصباح ونثر أشعته الذهبية وكأنها أسهم توقظ الغافلين. تململ يزيد في فراشه يغطي بيده عيونه محاولا حجب أشعة الشمس عن عيونه ولكن هيهات فلم يستطع حجبها لينظر تجاه النافذة فيجدها بدون ستارة تحجب أشعة الشمس. ثم نظر بجواره فيجد الفراش خالي. انتفض من مكانه متخيلا أن كل ما حدث كان من وقع أحلامه ولكنه اطمئن حين دلفت الغرفة عليه وهي تجفف شعرها بالمنشفة وتنطق بصوتها العذب: / صباح الخير.
نظر لها بإنتشاء والإبتسامة تزين ثغره ثم أمعن النظر بالمئزر الذي ترتديه معلقا بتغزل قائلا: / يا صباح الورد البمبي. ابتسمت بخجل وتوجهت أمام المرآة لتكمل تصفيف شعرها قائلة بمحاولة عدم النظر إلى انعكاسه بالمرآة: / أنا علقت على شاي علشان أنا من عاشقي الشاي باللبن وعملت حسابك معرفش بتحبه ولا لا!؟ استقام من مكانه وتوجه خلفها ثم مال يطبع قبلة رقيقة على وجنتها قائلا: / أي حاجة بتحبيها أكيد هحبها.
توردت وجنتيها ليمسك هو بمجفف الشعر ويلتقط من يدها الفرشاة ويبدأ بتصفيف شعرها الحريري باستمتاع وهي تشعر بسعادة غامرة وكأنه والدها قد عاد وبدأ يصفف شعرها فمنذ وفاة والدها لم تشعر هذا الشعور. ليباغتها سائلا: / استعجلتي ليه؟ قطبت حاجبيها تنظر له بعدم فهم ليكمل سؤاله: / أخدتي شاور من غيري ليه؟ أطبقت شفتيها خجلا لتقول بتلعثم: / قولت أسيبك تصحى براحتك. ضيق عيونه ونظر تجاه ستارة النافذة قائلا بتعجب:
/ غريبة افتكرتك فتحتي الستارة مخصوص علشان أصحى. ابتسمت لتقول بخجل: / يوه بقى يا يزيد متكسفنيش أنا قولت تصحى بقى علشان تشرب معايا الشاي باللبن الحق عليا!؟ انحنى بجوارها ونظر بداخل عيونها قائلا: / الحق عليا أنا اللي محستش وانتي بتقومي من جنبي بس ملحوقة. ثم استقام ثانية يسحب يدها لتتسع حدقتيها قائلة: / واخدني على فين. / أصلح غلطي. نطق بجملته بجرأة تامة لتشهق قائلة:
/ لا ماهو مش هينفع علشان ماما زمانها جاية ولازم اطلع أطمن على غزل الأول. ثم أدارته ودفعته أمامها تجاه المرحاض وهي تقول: / يالا زي الشاطر ادخل خد الشاور بتاعك عقبال ما أجهز الفطار. امسك بمعصمها قائلا: / طب ما تيجي تساعديني بس. دفعته أكثر وهي تقول: / ادخل بقى وبلاش دلع الشاي على النار. وتحججت بالشاي لتهرب من قبضته. بعد فترة وجيزة كان قد أنهى حمامه وتناولا الإفطار معا لتستأذنه غرام بالصعود لغزل أختها.
فلم يجد يزيد بد من الصعود معها فصعدا كليهما يطرقان جرس الباب عدة مرات ولكن دون استجابة. فهم يزيد أن هذا لسببين أما أن يكون أخيه مشغول بأمر هام فلا يستطيع استقبال أحد بالوقت الحاضر وأما أن يكونا يغفوان في نوم عميق أثر سهر مجهد لكليهما. حاول إخفاء ابتسامته الخبيثة لينقل توقعه لغرام ولكن القلق دب أوصال قلب غرام فأخذت تعيد الطرق على الباب والجرس حتى قال لها يزيد: / يالا يا غرام ممكن يكونوا نايمين. قطبت جبينها
متعجبة ورافضة وهي تقول: / معقول نايمين كل ده؟ ده الساعة عدت واحدة ونص الظهر…… أنا خايفة على غزل البنت ضعيفة ميغركش لسانها. حاول إخفاء ابتسامته مرة أخرى ليعلق قائلا: / حتى لو مش نايمين ممكن يكونوا مشغولين…… يعني أنا رأيي نسيبهم براحتهم. لم تهدأ بل ظلت تطرق الباب والجرس و هي تجيب على يزيد ليتململ يزن بالفراش بالداخل فيستيقظ ويمسح وجهه بكفه متعجبا من سيأتي إليهم بيوم كهذا. نظر إلى الغافية بجواره لم يتحرك بها ساكن واحد.
ولكن من الواضح عليها أنها أبدلت ملابسها لمنامة جميلة برغم التفافها بالغطاء حول ذاتها إلا أنها بدت ملامحها كالملائكة البريئة ليتمتم خافتًا: / عفريتة بملامح ملاك. أطلق ضحكة ساخرة حين وجد الوسادة بينهم متمتما لحاله: / هي دي اللي هتحميكي مني!؟
استقام متوجها للباب سائلا من الطارق لتجيب غرام فور سؤاله لينظر بالساعة المعلقة خلفه فيجدها قد تخطت الواحدة والنصف ظهرًا فيعتذر ويتوجه لغرفته يرتدي المئزر الخاص به ثم يفتح الباب ويرحب بهم. ولجت غرام تبحث في الشقة بعيونها سائلة بذعر: / هي غزل فين؟ غزل كويسة؟ اتأخرتوا ليه عقبال ما فتحتوا الباب؟ اتخضيت عليكوا… قطب يزن جبينه من تعاقب أسئلتها السريعة ليميل برأسه على أخيه سائلا بسخرية: / هي مراتك هبلة!؟
ضغط يزيد على شفتيه السفلية محذرًا أن تسمعه ليجيبه قائلا: / معلش اعذرها خايفة على أختها. ضحك يزن بسخرية معلقا: / خايفة على أختها!! دي أختها تجنن بلد. شعر يزيد بالضيق بنبرة أخيه فوكزه يسأله مستفسرًا عن حاله: / عملت إيه؟ قلب يزن عينيه وأطلق زفرة حارة ثم اجابه قائلا بهمس: / هبقى أقولك. ثم قال لغرام: / ادخلي لها الأوضة اطمني عليها…… اتفضلي……
ولجت غرام الغرفة على أختها لتجدها مازالت نائمة وهي ملتفة بالغطاء ثم وجدت وسادة موضوعة بطول الفراش لتعقد حاجبيها وتوقظها. فتحت غزل عيونها لتجد غرام أمامها فاعتدلت بجلستها وارتمت بأحضان أختها غالقة عيونها مجددًا قائلة بترديد: / الحمد لله طلع حلم، طلع حلم، أنا كنت خائفة أوي، الحمد لله. ربتت غرام على ظهر غزل ثم سألت قائلة: / هو إيه بالظبط اللي كان حلم؟
فتحت غزل عيونها ومازالت بأحضان أختها لتلاحظ الغرفة التي بها ثم خرجت من أحضانها تنظر حولها ثم عادت نظرها تجاه غرام وكأنها اكتشفت حقيقة ما قائلة: / ده مطلعش حلم…… مطلعش حلم…… رمشت غرام بأهدابها ثم ربتت على قدم غزل قائلة: / ممكن تهدي وتفهميني حصل إيه. نظرت غزل حولها كالتي تسترجع أحداث ما ثم أجابت أختها قائلة بهدوء: / محصلش حاجة. قطبت غرام حاجبيها متعجبة من الإجابة: / محصلش حاجة إزاي؟ رفعت غزل أكتافها بلامبالاة قائلة:
/ عادي يعني كان تعبان واستأذن ينام…… وأنا…… وأنا كنت تعبانة فوافقت ونمنا. نظرت غرام يمينًا ويسارًا وكأنها تعيد الكلام بعقلها مرة أخرى لتعلق قائلة: / كل اللي كان بيعمله ده وفي الآخر تعبان ونام…… ربنا يستر. ربتت على كتف أختها قائلة: / طب يالا ادخلي خدي شاور وغيري هدومك علشان يزيد بره وعلشان ماما متجيش تلاقيكي كدة…… عقبال ما أعملكوا الفطار.
أومأت غزل لتستقيم تجهز ملابسها بينما خرجت غرام لتجد يزيد ويزن يتهامسون فتركت لهم الحرية وولجت إلى المطبخ تعد الإفطار. / بس يا سيدي والليلة قفلت على كده. ضيق يزيد عينيه شاعرًا بخطأ بالموضوع ليربت على قدم أخيه ويستقيم قائلا: / متقلقش هجيب لك حق الموضوع. ثم توجه لغرام بالمطبخ فشعرت به يلج لتلتفت قائلة: / خلصت كلام مع أخوك. استدارت مرة أخرى تضع براد الشاي على النار ليتحدث بأسى مدعي الحزن قائلا:
/ آه ده مضايق جدا أن ميعاد الفرح مكنش مناسب لغزل كان نفسه فرحتهم تكمل في نفس اليوم. استدارت متعجبة من حديثه تسأله بغير إدراك: / مش فاهمة ميعاد إيه اللي مش مناسب مع غزل. / ميعادها يا غرام انتي مش فاهمة يعني؟ ميعاد الفرح متنافي مع ميعاد ظروفها الشهرية…… أحنت رأسها وكأنها تفكر فيما رأته وما سمعته من أختها ومن زوجها…… أيهما الأصح؟
لتتذكر منظر التفاف أختها بالغطاء ووضع الوسادة في منتصف الفراش لتدرك أن أختها قد خدعتها فربما من خوفها تحججت بمثل هذه الحجة. فتنحتحت محاولة إفشال خطة أختها دون التصريح بكذبها فقالت متحاشية النظر ليزيد خوفًا من أن يكشف كذبها: / آه….. ما النهارده آخر يوم فقولنا مش هنغير الفرح علشان يوم يعني. ولا إيه؟
نظر يزيد لغرام نظرة محاولا تحري الصدق في حديثها ولكن لم يجده كما أنها لم تستطع النظر لعينيه ففهم هروبها وفضل تغيير الحوار ليتلمس ظهرها غامزًا لها: / سيبك منهم انتي وحشتيني. أطلقت شهقة والتفتت معلقة وهي تزجره بنظراتها: / بس يا يزيد إحنا مش في بيتنا. / بسيطة يا جميل خلصي اللي في إيدك بسرعة علشان نروح بيتنا. قال آخر جملته وغمز لها مغادرًا المطبخ فاشتغلت وجنتيها خجلا لتكمل ما بدأته بشكل أسرع.
بينما يزيد اقترب من يزن ينظر له نظرات ساخرة من أعلاه لأسفله والاخير يجلس منتظر أن يطمئنه حتى سأله بنفاذ صبر: / إيه يا عم ما تطمني عرفت حاجة؟ أطلق يزيد ضحكة ساخرة وهو يقول: / وعملي بتاع بنات ومخلص ويضحك عليك في يوم زي ده…… ده طلعت الخبرة ملهاش لازمة…… ولا إيه يا خبرة!! اشتعلت عيون يزن بعد أن فهم مقصد أخيه ليهب واقفًا قائلا: / طب ورحمة أمي لتشوف الخبرة. سحب يزن أخيه تجاه الباب ونادى على غرام قائلا:
/ يا غرام جوزك مصمم يمشي دلوقتي…… إحنا متشكرين أوي والله يا جماعة…… مش عارف أقولكم إيه!؟ نظرت غرام تجاه زوجها باستفسار وتعجب ليسحبها يزيد مبتسمًا قاصدًا زيادة الكيد لأخيه: / يالا يا غرامي يالا يا قمري إحنا ملناش غير بعض…… أصل إحنا مش ناس خبرة زيكم!! عقدت غرام حاجبيها ليسحبها زوجها وهو يغمز لأخيه بينما يزن يغلق الباب فور ولوج أخيه وزوجته ويقف متوعدا لخادعته بعيون يملؤها المطالبة بالثأر ومتشوقة للوصال. ……………………………….
خرجت من المرحاض وهي تدندن ببعض الأغاني متوقعة وجود أختها بالغرفة. أزاحت المنشفة عن وجهها وقبل أن تنطق باسم أختها وجدته متمددًا على الفراش يستند بجذعه على شباك الفراش مشبكًا يده خلف رأسه. فور أن رآها بالمئزر القطني وقد أظهر أكثر مما أخفى أطلق صفيرًا عاليًا وهو يمعن النظر بها معبرًا عن إعجابه الجم بجمالها الأخاذ. لتشهق غزل وتضطرب أنفاسها من أثر الصدمة محاولة لملمة طرفي المئزر وغلقه جيدًا بينما ابتسم يزن بخبث
وهو يستقيم من مكانه قائلا: / خدي راحتك يا حبيبتي، اعتبريني جوزك بالظبط. ظلت صامتة لا تعرف بماذا تنطق حتى تذكرت بالكاد أختها فحاولت التشبث بآخر أمل لها لتحاول مناداة أختها بصوت عالٍ لولا تحشرج صوتها جعله يخرج ضعيف: / غررراااام وصل يزن أمامها واستدار حولها كالصياد الذي يدور حول فريسته بغرض إرهابها قبل التهامها. فحاول بث الذعر بها كما خدعته بالأمس. ليقترب من أذنها وهو خلفها قائلا بصوت خافت:
/ اختك وجوزها مشيوا…… أنا…… وانتي…… لوحدنا. ظل يدور حولها وعيونها تتبعه وأنفاسها تتلاحق تحاول التفكير في خلاص ولكنه أبدع في إسقاط أي فكرة خلاص لديها. التف حولها مرة وهو يقول: / أعتقد أن ظروفك انتهت. كالذي فقدت النطق أما. أومأت بالرفض ليقترب من أذنها بالخلف قائلا: / هنعرف. التف مرة أخرى وكأنه قرأ عيونها وفيما تفكر به حينما نظرت لباب الغرفة ليقول لها: / الباب مقفول…… والمفتاح شايله…… متحاوليش.
ابتلعت لعابها فقد أحكم قبضته عليها. التف مرة أخرى وهو يتلمس بإصبعه على ذراعها وبرغم وجود مئزر يحول بين إصبعه وبشرتها إلا أنها كانت ترتعش أثر لمساته قائلا لها بخفوت: / حلو البرنس…… ولونه لائق عليكي. ثم اقترب من أذنها هامسًا: / وسهل الفك…… قبل أن تنطق ببنت كلمة باغتها بحمله لها لتطلق صرخة وتتحرك بعشوائية كمحاولة لإنزال حالها بينما هو قد أطبق قبضته عليها لينظر بداخل عيونها قائلا: / ضحكتي عليا ليه امبارح.
اتسعت حدقتاها لاندهاشه بمعرفته بالأمر تحاول أن تنطق بكلمة ولكن خانتها الكلمات فلم تجد كلمة واحدة تبرر فعلتها سوى وصف حالها بصراحة تامة لتنطق قائلة: / خوفت. تنظر للاسفل بخجل من حالها ليعقد معها اتفاقا خبيثا: / طب أنا هنزلك دلوقتي…… بشرط متخافيش مني.
أومأت برأسها ليذهب تجاه الفراش ويحاول إنزالها بخفة ورقة وعيونه تسافر بملامحها بينما هي شعرت بخجل شديد لتمتنع عن النظر إليه وكل ما شعرت به وهي تهبط على الفراش ولكن لحظة لم تهبط بمفردها بل شعرت بثقله لتنظر له وقبل أن تنطق قال هو باشتياق كامل: / وعدتيني متخافيش مني.
لم تتذكر بعد هذه الجملة سوى بداية التقاطه لشفتيها لتسافر معه في عالمهم وقد بُددت كل أحاسيس الخوف والقلق لتتبدل لإحساس بالسعادة وكأنها فراشة تحلق على جنان وأنهار لا يوجد بها سواهم. …………………………………………. بعد عام ونصف مضى بحلوله ومرره. برغم تأصل الحب بين أبطالنا والتي وطدت بالزواج إلا أن الأمر لا يخلو من بعض المشاحنات التي إذا أمعنا النظر بها نجدها وكأنها هالة جاءت لتجديد طاقة الحب في اعتذار أو تودد. في تنازل أو تلطف.
في مراعاة أو تضحية. فالحياة الزوجية لم ولن تكن أبدًا مملوءة بالمرح والسعادة والحب. لابد أن يتخللها القليل من الغضب والحنق وأحيانًا الخصام وربما الاحتداد بعض الشيء. ولكن من المؤكد كل هذا يحدث في جو يسوده الاحترام. فالاحترام في الخصام من شيم الكرام. كما أنه من الضروري تواجد شعور الطمأنينة حتى ولو في خضم النزاع. طمأنينة بأن نصفك الآخر سيتجاوز ولو قليلاً عن خطأك. طمأنينة بأن حب شطرك لك سيشفع لديك بتخطي ذنبك.
طمأنينة بأن المحب سيتقبل التودد من المحبوب دون إحراجه. طمأنينة لكليهما مهما كان بينهم سيظل كلا منهم يلجأ للآخر حين يشعر باحتياجه لأحد وهو مطمئن بعدم الخذلان. فإذا شعرت بكل هذا تأكد أنك أحسنت الاختيار. أنجبت ماسة (تالا) ابنة جميلة تحمل ملامحها الجذابة وجمال روح والدها ويجتمع بها الحظ العسر التي ربما ورثته عن والدها ووالدتها فلم يكتمل لها نزهة منذ أن بدأت تدرك معنى اللعب.
فمرة تتعطل السيارة ومرة أخرى يفاجأوا بزيارة أحد الأصدقاء ومرة تمرض فيضطروا لتأجيل النزهة. أما غرام وغزل واللاتي أوشكن على وضع حملهن كانوا ومازالوا يتلذذون بالاتفاق على يزيد ويزن. برغم تراجع غرام في كثير من الأوقات والإشفاق على زوجها إلا أن غزل لم تتراجع ولو مرة واحدة. وأمامها كان يزن بالمرصاد ينتظر المقلب الجديد والذي كان بمثابة اللعبة الحماسية الذي ينتظرها بشوق والذي لم يتخيل حياته بدونه.
فمثله يعشق المغامرات لذلك جاءت من تجعله دائم التأهب. ليفكر كيف يكون الرد الحاسم والمقهر والذي بالمعتاد تنتهي المزحة باعتذاره والتودد إلى غزل عندما تخسر الأخيرة جولتها فتصطنع الغضب والخصام.
أما ميار والتي واظبت على الذهاب للطبيب بعد إجراء عملية جراحية بسيطة بالرحم للعلاج من بطانة الرحم المهاجرة والتي طمأنتها الطبيبة بأن حالتها الآن تسمح بالحمل وإذا شاء الله سيحدث في أي وقت لتبدأ مع أختها في التجهيز لفرحها من شراء أجهزة وأدوات مائدة وملابس ومستحضرات تجميل وما شابه ذلك.
بدأن في انتقاء كل ما هو رائع وقيم فذوق ماجدة لا يضاهيه ذوق ولكن قد أرهقت معها ميار كثيرًا فهي لم تقبل بإنصاف الحلول أما أن يعجبها ما تقتنيه وأما تعود سافرة اليدين بعد يوم طويل من البحث على ما تريده. عادت ميار وأختها من الخارج يلهثان من أثر ما يحملانه ليجدا نضال منتظرهم بالمنزل يشتعل غضبًا من تصرفات هذه الحمقاء التي لا تتنازل عن أن تثبت قدرتها على تحملها للأمور الصعبة حتى لو قدم لها أيسر الحلول.
جلست ماجدة بجوار نضال تتلاحق أنفاسها تنظر له قائلة من بين نهجانها: / لفينا كثير قوي، بس جبت حاجات حلوة، بس طلع عنينا عقبال ما لقينا أوبر يجي ياخدنا، لا وايه مرضيش يدخل لحد البيت، شيلت أنا وميار الحاجة كلها…. انت ساكت ليه؟ أخ شكلك عايز تتفرج على الحاجة، ثواني. بدأت بفتح الحقيبة قائلة بسعادة وفخر: / بص دول ملايات جمال جدًا، ويص دول كمان فوط روعة الصراحة خطفتني خطف كده. استني هوريك طقم كاسات تحفة بجد.
وقبل أن تمد يدها للحقيبة الأخرى كان هو امسك معصمها ساحبًا إياها للخلف وبنظرة غضب ونبرة تعجب قال لها: / وليه كل ده؟ كان هيحصل إيه بدل ما تتصلي بأوبر وتستنوا بالشارع وينزلكم بعيد عن البيت كنتوا اتصلتوا عليا. أجابته بتلعثم من قلقها من مجرد نظرة عينيه قائلة: / مانا…. خوفت…. خوفت يعني تكون مشغول. / ما أكون مشغول! مشكلتك فين؟ هدر بها بحدة وبصوت أعلى قليلاً واردف قائلا:
/ عليكي تبلغيني بمشكلتك وأنا عليا أوازن بينك وبين مشاكل شغلي بس الأكيد مش هوافق تتمرمطي بالمواصلات كده، يا ستي لو أنا مشغول أوي يعني وفي جريمة قتل ومش هسيبها كنت هبعتلك عسكري بعربيتي ياخدكم، لكن تبهدلي نفسك وتبهدلي أختك ليه؟ وكعادتها تنقلب للنقيض فور احتداد أحدًا عليها حتى لو معه كل الحق لتجادله بالمنطق حتى لا تظهر ضعفها أو خسارتها فقالت معاندة: / انت بتزعقلي ليه دلوقتي؟
أنا اتصرفت عادي على فكرة والموضوع خلص محصلش مشكلة يعني ولا هي أول مرة أخرج وأمشي بالمواصلات!! ثم قولي كده لما أشتغل وأرجع شارية حاجات من برة للغدا هتصل بيك كل يوم توصلني بعد الشغل!؟
كاد أن يلين عند سؤالها الاستعطافي الذي بدأت به حوارها عن سبب نهره لها وكأنها ترسل له رسالة مبطنة بطريقة التعامل معها والتي تبعد عن الغضب ولكن حينما أكملت حوارها العدائي اشتعل الغضب به مرة أخرى لتتوقد عيونه محاولا التحكم بغضبه فاقترب برأسه منها مضيقا عيونه سائلا بنبرة تشككية ربما ما استمع له غير صحيح: / هو اللي أنا سمعته ده صح!؟ انتي ناوية تشتغلي بعد الجواز؟
رمشت باهدابها من اقترابه المفزع هذا ومن نبرته التي تحمل تهديدًا أكثر منها استفسارًا لتبتلع لعابها بصعوبة وتحاول التماسك أمامه وعدم إظهار رعبها الذي كان واضحًا عليها من خفقان قلبها ورائحة الأدرينالين التي تفوح منها والتي طغت على عطرها لتنطق بثبات واهية: / أنا بقولك مثلا…… ثم أنا فعلا عايزة أشتغل بعد الجواز فين المشكلة؟ رفع أحد حاجبيه ولولا أن رأى الفزع يطل من عيونها ويشعر بارتجاف صوتها لكان تصرف بطريقة أخرى.
ولكن رؤيته لرهبتها تلك أعادت له هدوءه وربما نهر ذاته داخليًا فأغلق عيونه الغاضبة تلك وسحب نفسًا عميقًا يهدأ به ثورته ثم فتحهم على مهل متحدثا بهدوء مخالف شعوره: / يا ماجي يا حبيبتي أنا خايف عليكي ومحبكيش تتبهدلي، وبالنسبة للشغل الموضوع محسوم أساسًا علشان أنا بغييير موووت عليكي. ومعتقدتش أن كان من أحلامك قبل كده أنك تشتغلي مكلمتنيش قبل كده عن الموضوع ده…… إيه اللي خلاكي تفكري فيه من أساسه دلوقتي؟
هدأت قليلاً حينما غير نبرته الغاضبة ولكنها أرادت إثارة غيرته فقد أعجبها خوفه عليها وغيرته التي تعشق إثارتها من لحظة لأخرى لتستمتع منه كل كلمات الغزل والمداعبة فقالت بتعنغ: / مانا كنت هكلمك علشان تتوسطلي أشتغل، بصراحة فكرت فيها لقيتني هقعد زهقانة لوحدي فقولت أشتغل أحسن. جز على أسنانه للسيطرة على ذاته فهو في هذا الأمر تفكيره عتيق كما يقال ليحاول إعطائها كل الحلول التي تجعلها إزاحة تلك الفكرة عن مخيلتها فقال لها:
/ حبيبتي انتي ممكن تيجي تقعدي مع مامتك وأنا بالشغل. أو عقبال ما تصحي من النوم براحتك تكون أختك رجعت من شغلهـ. تقدري تزوريها وتقعدي براحتك لحد ما أرجع وأخدك بنفسي ويا ستي أول ما هتخلفي إن شاء الله مش هتلحقي تروحي يمين ولا شمال أصلًا. لتكمل هي خطتها في إشعال لهيب الغيرة غير عابئة بالنار المشتعلة بداخله من الأساس. فتقول بإصرار: / وفيها إيه لما أشتغل بس!؟
لم يرى بد من ترك هذا النقاش العقيم من وجهة نظره فلو استمر أكثر من هذا سيفقد السيطرة على ذاته فكل شيء يهون إلا غيرته العمياء. هب من مكانه منتفضًا منهيًا الحوار بجملة بعيدة كل البعد عن موضوع النقاش وكأنه لم يكن: / لما تيجي تكملي شراء الحاجات بلغيني أبعتلك العسكري بالسواق، سلام عليكم. انصرف في طرفة عين مخلفًا خلفه صوت صفقة للباب كتعبيرا عن انصرافه وغضبه. انزعجت هي من تصرفه العصبي والذي لم ترى له مبرر لكل هذا الغضب.
لتذهب لغرفة أختها وهي تدبدب بأقدامها وتدلف الغرفة بطريقة أفزعت من كانت تتسطح على الفراش لتريح جسدها قليلاً لحين حضور چواد كما أوصاها بالهاتف عند علمه برجوعهم وما حدث معهم. جلست بكل غضب بجوار أختها لتسألها الأخيرة عن حالتها فتحدثت عما حدث خاتمة حديثها بجملة: / أنا غيرت رأيي مش عايزة أتجوز. تزامن نطقها لجملتها مع دلوف والدتها للغرفة فضربت على صدرها وقالت موبخة ابنتها: / مش عايزة إيه ياختي؟
مش عايزة تتجوزي بعد خطوبة سنة ونص؟ مش عايزة تتجوزي والفرح كمان أسبوع؟ هو اللي مشي ورزع الباب كان نضال؟ انطقي يا بت هتشليني. حاولت ميار تهدئة والدتها فقالت لها: / اهدي بس يا ماما ماجي مش قصدها هي قالت كده من نرفزتها مش أكتر. لتلهب الأخيرة واقفة مؤكدة على ما نطقت به: / لا على فكرة أنا أقصد اللي قولته واه مش عايزة اتجوز ده مش عايزني أشتغل. أطلقت الأم شهقة تبعتها بسب بذيئة ثم قالت بعصبية:
/ هو من امتى يا بت وانتي نفسك تشتغلي؟ هو مش انتي اللي طول عمرك تقولي نفسي اتجوز وأقعد في البيت ومش هشتغل!؟ إيه اللي غير رأيك دلوقتي ولا هو عند والسلام؟! حقا هي تعرف أنها لا تريد العمل ولا من ضمن أولوياتها من الأساس ولكن طريقة غضبه جعلتها تتمسك برأيها حتى لو خطأ هي نفسها لا تعرف سبب هذا، كل ما تعرفه أن لديها رغبة عارمة إما في تأجيل الزفاف أو إلغاؤه. كادت أن تنقض عزة عليها لولا محاولة ميار في الحول بينهم لتقول
عزة وقد فاض بها الكيل: / لا انتي كده جبتي آخري، أنا هبلغ والدك وهو يتصرف معاكي، هو أصلًا استغرب أن نضال مشي من غير ما يسلم أترى الراجل مشي من حرقة دمه ماله حق الصراحة ربنا يكون في عونك يا شيخة. أمسكت ميار بوالدتها محاولة إثناءها عن فكرة إخبار والدهم لتقول لها كمحاولة تهدأة:
/ استهدي بالله يا ماما هي بس ماجي متوترة وخايفة ومش عارفة بتقول إيه فبتلطش ما انتي عارفاها لما تتوتر بتتنرفز والسلام. بصي قولي لبابا اختلف مع ماجي على مشكلة المواصلات ومشي وأنا ههدي ماجي. دفعته تجاه باب الغرفة بغرض إخراجها قبل أن يحتد الموقف مرة أخرى قائلة بمزاح: / يالا يا ست الكل روحي شوفي هتعملي كحك وبسكويت الفرح امتى ومتشغليش بالك كل حاجة ختم على خير.
فور خروج عزة من الغرفة أوصدت ميار الغرفة عليهما لتلتفت ماجدة معطية أختها ظهرها قائلة بعجرفة: / متحاوليش يا ميرو أنا سيبتك تهدي ماما بس لكن أنا هبعتله أساسًا أن كل شيء انتهى ويجي ياخد شبكته. وضعت ميار كفيها حول كتفي ماجدة وأداتها بلطف ناظرة لها بابتسامة مشرقة قائلة: / مكنتش متخيلة إنك بتخافي وتتوتر وتتكسفي زي البنات!! وكأنها لمست السبب الحقيقي بداخلها لتتهرب بنظراتها قائلة بخفوت: / ليه يعني مش بنت ولا إيه؟
قرصتها ميار من وجنتيها قائلة بخبث ومكر محبب: / وانتي بقى عارفة اللي هيحصل علشان كده خايفة منه ولا تحبي أعرفك!؟ اتسعت حدقتا ماجدة ناهية ميار وكأنها أجرمت لتقول لها: / بس يا ميرو عيب مبحبش أتكلم في الكلام ده أهزر آه لكن أكتر من كده لا لو سمحت ثم إن نضال محترم مش زي اللي في بالك. نظرت لها ميار باستنكار من حديثها مرددة كلمتها وهي تلوي شفتيها بسخرية: / محترم!! ومش زي اللي في بالي!!! لا دانتي اللي مش في بالك خالص!؟
قال نضال محترم قال!! ده چواد المحترم ميجيش في ربعه، دانتي هتطلعي عينه. لوحت ماجدة بيدها وكأن أختها تهذي لتستنشق الأخيرة ثم قالت: / بصي علشان الحركة دي تستاهلي تتسابي على عماكي مش هقولك أكتر من كده. ثم سحبتها لتجلسها على الفراش كمحاولة لتهدئتها قائلة:
/ خلينا في المهم انتي دلوقتي عصبية علشان توترك وهو كمان مش أقل منك توتر على فكرة فكل واحد منكم مشدود، ثم إنك بصراحة نرفزتيه أنا مش عارفة فيها إيه لما يخلي عربية تحت رجلك؟ مش أحسن من البهدلة اللي اتبهدلناها النهارده!؟ ده أنا لما بلغت چواد اضايق أوي وقالي متتحركيش وهعدي عليكي أخده. يا حبيبتي دانتي تفرحي أنه بيخاف عليكي. / مانا عارفة أنه بيخاف عليا بس أنا كمان مش حابة أعطله علشان ميزهقش مني، أنا عارفه أنه عنده شغل كتير.
نطقت ماجدة بجملتها بطريقة أكثر راحة لتسألها أختها قائلة: / طب مقولتلوش الكلمتين الحلوين دول ليه لازم تحدفي دبش!؟ / لا مانا قولته وهو قالي ملكيش دعوة أشغليني وأنا هتصرف لو مشغول هبعتلك العسكري بالعربية. اعترفت بكل سلاسة أنه كان معه كل الحق وكأنها تؤنب ذاتها لتعلق ميار قائلة: / طب ما الراجل كويس أهو إيه اللي فتح موضوع الشغل ومتقوليليش فكرت أنا عارفاكي كويس مش بتاعة شغل وبتحبي الانتخة!؟
تلعثمت أمام أختها وخفضت نظرها للاسفل خجلا من حالها ثم قالت بخفوت وتلعثم: / ماهو…… يعني بصراحة…… كنت عايزة…… كنت عايزة أزود غيرته شوية. نطقت بآخر جملتها دفعة واحدة لترفع ميار حاجبيها متعجبة من منطق أختها لتعلق ساخرة: / يعني عايزة تزودي غيرته تقومي تفرسيه!؟ عرضتي عليه الموضوع مرة وشفتيه غيران وكان أصلًا من خمس دقائق مضايق من عندك تقومي تزودي الطين بله!! أهي غيرته طفحت عليكي ومشيت زعلان مش زادت بس.
نطقت بقلة حيلة وهي تفرك بإصبعها كالطفل الذي يريد إرشاده قائلة: / طب هعمل إيه دلوقتي؟ مانا برضه مش عايزة أبين أني بصالحه أنا عايزاه يصالحني وأنا هتصالح على طول. ابتسمت ميار وحركت رأسها بمعنى لا فائدة ثم قالت لها: / بصي إحنا نازلين بكرة تاني بس على بعد العصر كده علشان أكون خلصت الشغل وأريح شوية. ثم همست قائلة: / والله أم چواد صعبانة عليا كل يوم هي اللي بتعملنا الأكل ربنا يديها الصحة.
المهم هتبعتيله رسالة دلوقتي تبلغيه إن بكرة هتخرجي تكملي حاجاتك وتحديد الميعاد وبس زي ما قالك يبقى انتي كده مبتكسريش كلامه وفي نفس الوقت من غير ما تعتذري وتشوفي بقى هيعمل إيه؟ ابتسمت ماجدة والتمعت عيونها بالشقاوة المحببة لها لتمسك هاتفها وترسل له رسالة تحتوي على موعد الانصراف فقط دون حتى إرسال أي جملة ترحيبية أو ختامية: ( بكرة هكمل حاجتي وهخرج على ٤ بعد العصر، إن شاء الله)
لتتفاجأ بالرد السريع وكأنه كان ينتظر رسالتها مرسلًا رسالة غير واضحة المعالم ولكنها أشبه برسالتها القصيرة: ( العربية هتكون عندك قبل الميعاد، إن شاء الله) قطبت حاجبيها لتريها لميار قائلة: / إيه معناه ده بقى!؟ تضحك ميار محاولة كتم ضحكتها بكفها ثم قالت: / ما بصراحة يا ماجي انتي أسلوبك ناشف ده رسالة تبعتيها مفيش حمدالله على السلامة، باي يا حبيبي، أي حاجة من ده؟؟
وعلى العموم ده معناه أنه عندي…… وزعله وحش…… وإنتي اللي حضرتي العفريت استحملي بقى. اشتعلت عيون ماجدة بتحد وأومأت رأسها قائلة: / ماشي لما نشوف مين هيجيب آخره.؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!