غيرتي كالبركان الخامل وقد ساعدتي على صهر حممه يا صغيرة، إذاً فلتتحملي أبخرته وغازاته المنبثقة التي قد تحرق الأخضر واليابس إذا لم تتجنبيها.
ظل جالساً أمام شاشة الحاسوب بمكتبه بالجامعة شارد الذهن مشتت الفكر. ينظر ويدقق في كل امرأة عاملة تغدو وتعود ليرى المحترمة ويتخيلها مثلها، وبالرغم من هذا لم تسلم من أنظار مرضى الأخلاق والقلوب. ويرى المتساهلة التي أخذت من العمل والزمالة حجة لتقبلها وتجاوبها مع بعض الأفعال المشينة من قبل الآخرين.
لا ينكر خوفه من ارتداد بعض أفعاله إليه، فهو يؤمن جيداً أن كل شيء سلف ودين، ولكنّه يبرر لحاله أنه لم يتجاوز حدوده إلا مع من قبلت بل ودعته لذلك. هو ليس ضد عمل المرأة ولم يكن يوماً بهذا التعصب، ولكن معها الأمر تغير تماماً، ولا يعرف سبب كل هذا التشدد لمجرد طرحها للفكرة. حتى أنه لم يناقشها ولا يعرض أسباب رفضه غير كلمة واحدة عبرت عن كل مكنونات قلبه: الغيرة.
نعم، هو يغير عليها حد الجنون، كلما تخيل شخصاً آخر ينظر لها نظرات حيوانية، يشيط غضباً. فأقسم مرات عديدة لذاته أن لولا أن تعليمها ضرورة قصوى من أجلها وأجل أبنائه منها لكان له رأي آخر. بل أنه حاول مرات عديدة النقل لكليتها، ولكن محاولاته باءت بالفشل، ليسلم للأمر الواقع ويكتفي بإيصالها صباحاً وبعد إنهاء يومها ومتابعة يومها تليفونياً. ظل يستمع للأغنية ويتجاوب مع كلماتها: (يا حبيبي أنا كلي حيرة... ونار...
وغيرة وشوق إليك. نفسي أهرب من عذابي نفسي أرتاح بين إيديك) قطع شروده طرق على باب مكتبه متماشياً مع نغمات الأغنية التي يستمع إليها، لينتبه ويرفع رأسه فيرى جواد يدلف لداخل المكتب متأثراً بحاله: "يا عيني تصدق اتأثرت." "جواد!! نطق بها نضال متعجباً من زيارة جواد لمقر عمله، فقلما ما يفعل الأخير ذلك. ليضيق نضال عيونه وهو يدعوه ويشير له بالجلوس قائلاً: "تعالى اقعد... بالرغم أن مش بالعادة يعني، شكل زيارتك مش بريئة."
ثم سخر من حاله متسائلاً: "تكونش اتخانقت مع ميار وجايلي أتوسطلك عند ماجي علشان تسامحك!! ضحك متستهزئاً بحاله وأكمل متهكماً: "أحب أقولك جيت للشخص الغلط في الوقت الغلط." ابتسم جواد محركاً رأسه يميناً ويساراً ثم قال: "لا وانت الصادق، أنا جاي بواسطة من ميار علشان تصالح ماجي. قولي بقى مالكم؟ ميار بتقولي أن ماجي بتبعتلك وتحاول تكلمك وأنت تقلان عليها والحنة بكرة." قلب نضال عينيه وعلق قائلاً:
"اسمها ماجدة يا جواد. وبعد الجواز اسمها المدام." أجابه جواد مبتسماً: "ماجدة يا سيدي، مش موضوعنا." طرق نضال على المكتب أمامه بغضب، محاولاً كبت الوحش الثائر بداخله، قائلاً وهو ينتفض واقفاً: "لا موضوعنا يا جواد... موضوعنا... ظل يدور بالمكتب ذهاباً وإياباً كالثور الهائج يتحدث بعصبية مفرطة:
"لما يبقى بغير عليها لو حد قال اسمها قدامي يبقى موضوعنا. تخيل الهانم جاية قبل الفرح بأسبوع بتفاجئني بقرار أنها هتشتغل، قال إيه علشان تشغل وقتها؟ بالرغم أنه مكنش في بالها أساساً موضوع الشغل ولا عمرها اتكلمت عنه." أخرج كل ما يجول بصدره بشكل عصبي، وكأنه كان ينتظر من يسمح له بذلك. ظل صدره يعلو ويهبط دليلاً على لهثه من أثر حدة الحديث. تركه جواد يخرج ما يشعر به ليحاول تهدئته قائلاً: "طب ممكن تهدى وتفكر معايا بالعقل."
أمسك نضال رأسه وكأنه يمنع عقله من الذهاب، معلقاً بتيهان: "أنا مبقاش فيا عقل يا جواد... أنا مش عارف؟ أنا عمري ما كنت كده!! عمري ما فكرت أساساً إذا كانت مراتي هتشتغل ولا لا!! ولا كان من شروطي موضوع عدم عملها ده!! أنا عمري ما كنت فاكر نفسي غيور للدرجة دي يا جواد!! معرفش في إيه... معرفش." "علشان بتحب بجد... بتحب وعمرك ما تخيلت نفسك تحب... علشان كده عمرك ما كنت تتخيل إنك غيور كده...
ولا عمرك فكرت في مواصفات الست اللي هتحبها أو تتجوزها إذا كانت طموحة وعايزة تشتغل ولا لا." علل جواد سبب حالة نضال ليكمل قائلاً: "ده غير اللي كنت بتعمله مع البنات قبل ما تعرفها وخايف يتردلك... بالرغم إنك عارف إن ماج... ماجدة محترمة جداً ومبتسمحش بأي تجاوز، ويمكن ده اللي شادك ليها. معلش يا صاحبي، أنا لازم أكون صريح معاك." حاول نضال التبرير لذاته مرة أخرى قائلاً: "أنا عمري ما فرضت نفسي على بنت...
أنت نفسك عارف إنهم هما اللي كانوا بيجروا ورايا... وأكيد مفيش واحدة محترمة هتعمل كده." "آه بس ده مش مبرر للغلط... أنت عارف إنك غلطت فمتحاولش تنكر ده... ومتحاولش كمان تطلع غضبك وخوفك عليها." واجهه جواد بحقيقة خوفه ليستطرد حواره مكملاً: "ثم تعالى هنا، من امتى وأنت ضد عمل المرأة؟ ... وكمان مانا قدامك أهو، ميار بتشتغل... وأنا واثق فيها جداً، هل كده مش بغير عليها؟
جلس نضال بالمقعد المواجه لجواد معلقاً على حديثه وهو يلوح بيده قائلاً: "أنا مش ضد عمل المرأة يا سيدي... متودنيش في داهية... أنا بس مش متخيلها تبقى في شغل وتكلم فلان وعلان لو على سبيل حوار عمل... أو حد يحاول مجرد المحاولة إنه يستظرف عليها... حاسس ساعتها إني هرتكب جريمة... ثم إن ده مش قلة ثقة فيها بس انعدام ثقة بالمحيطين... أنت محترم يا جواد ومتعرفش الأشكال **** بتفكر إزاي. وهي حلوة... حلوة أوي بصراحة...
"اسكت يا جواد، اسكت الله لا يسيئك." ابتسم جواد على حال صديقه ليحاول الوصول لحل لهذه المعضلة: "طب إيه؟ هتفضل زعلان منها وأنا شايفها بصراحة مغلطتش ده... ده غير إنها بتحاول تصالحك كل شوية." احتدمت ملامح نضال مرة أخرى ليقول: "مغلطتش!! يعني لما أقعد أتحايل عليها أوصلها وأجيبها وأرحمها من المواصلات وقرفها وهي تصمم تبهدل نفسها وتروح وتيجي مواصلات يبقى مغلطتش." أغلق جواد عينيه ثم فتحهما معلقاً:
"ميار قالتلي فعلاً على الموضوع وبصراحة أنا كمان يوميها اتضايقت... بس كمان متنكرش إنها عرفت غلطها وبتبلغك كل يوم... وأنت يا جبار بتبعتلها العربية بالعسكري ومش بترد على رسايلها. طب يا عم الغيور مبتغيرش وانت بتبعت العسكري؟ انتفض نضال صارخاً: "يقدر يبصلها دانا كنت خزقت عينه. أنا ببعت العسكري وعارف إنها مش لوحدها وميار وماسة معاها." نظر نضال لجواد مضيقاً عيونه بتشكك: "قولي الحقيقة يا جواد، هي اشتكت منه في حاجة؟ ...
قولي لو بصّلها بس، والله لاطلع عينه." ربت جواد على كتفه مهدئاً إياه: "اهدأ يا عم، هتشيلني ذنب راجل ليه؟ ولا اشتكت ولا الراجل عمل حاجة. أنا بس بقولك خف على البنت شوية وراعي إنها في أسبوع الفرح وأعصابها مشدودة ومتوترة." لوح نضال بيده بعدم تصديق قائلاً: "مشدودة ومتوترة إيه؟ ده ماجدة يا عم مش ميار." ابتسم جواد مؤكداً حديثه: "لا متوترة واوي كمان...
ميار بتقولي إنها بتمثل دور القوية بس الدموع مالية عينيها. خف عليها يا نضال، البنت مش قدك." رق قلب نضال واختلجت روحه، فلم يتصور أنها ستتأثر بخصامه لهذا الحد. تخيل أنها صلبة كما عهدها دائماً لدرجة عدم تأثرها، ولكن اتضح أنه كان مخطئ، وعلق ساخراً: "مادام مش قد العفريت بتحضره ليه." استقام جواد عندما استشعر ليونة حديث صديقه معلقاً وهو بجوار باب المكتب: "معلش يا عم العفريت، خليها عليك المرة دي."
ابتسم نضال لجواد وفهم الآخر نظراته، ليخرج من المكتب ويعتدل ممسكاً بهاتفه مرسلاً رسالة محتفظاً فيها بعزة نفسه: "ميعاد الكوافير إمتى علشان أجي أوديكي؟ لتجيبه بعد لحظات وكأنها تنتظر رسالة واحدة منه: "كتر خيرك، تقدر تبعت العسكري على الساعة 11 قبل الظهر." حاول تبرير اختفاءه الفترة السابقة دون التطرق للموضوع مرة أخرى، فقد أجل المناقشة فيه، ربما أصبح أهدأ فيما بعد، فدون رسالة يعتذر على استحياء دون اعتذار:
"على فكرة الأسبوع ده كان دمار... الشغل كان كتير جداً ومكنتش فاضي أهرش... وقولت أخلص كل اللي ورايا علشان آخد إجازة الفرح وأنا مخلص شغلي ومطمن إنهم مش هيستدعوني لأي سبب." إجابته إجابة مختصرة لم ينتظرها: "ربنا يعينك." قطب جبينه فقد خذلته إجابتها، ليحاول تغيير مجرى الحديث وفتح أحاديث أخرى، ودون معلقاً: "بتعملي إيه دلوقتي؟ جاء الرد قولا وفعلاً، فأرسلت رسالتها التي دونت بها: "بنام، تصبح على خير."
وأغلقت التطبيق وربما الهاتف كله، ليصعق من رد فعلها، فتمتم ساخراً: "هي دي اللي متوترة ومشدودة يا جواد!! دي مشدودة عليا أنا." ثم تمتم متوعداً: "ماشي يا ماجي ورحمة أمي لأطلع عليكي كل ده بعد بكرة." وعلى ذكر ليلة زفافهم، أراح ظهره للخلف ورفع قدميه أعلى مكتبه، وأرجع رأسه للخلف مغلقاً عينيه ومطلقاً لخياله العنان لما سيتم بليلة الزفاف، ليبتسم تلقائياً كلما تخيلها أخيراً بين ذراعيه وملك يمينه. ***
بالجهة المقابلة، التفتت ميار بجسدها ناحية ماجدة، فقد اتفقت مع جواد أنها ستبيت ليلتها مع أختها لتعد معها آخر الأشياء بليلة الحنة، وسألتها: "مين كان بيبعت رسائل وإنتي بتردي عليه؟ نظرت ماجدة لميار وأغلقت الأغنية التي كانت تستمع لها بعد رسائل نضال (لا ده فاته -لأصالة) وقالت بملامح واجمة: "ده نضال... البيه بيبررلي عدم وجوده أو اتصاله الفترة اللي فاتت... وعايز يقولي إنه مكنش زعلان، قال إيه لا كان مشغول البيه."
عرفت ميار أن جواد تحدث مع نضال كما اتفقت هي مع زوجها من أجل تهدئة الحال بينهم. حاولت ميار الوقوف بصف نضال ربما هدأت ثورة أختها فقالت: "طب ما يمكن حقيقي يا ماجي... والراجل مسحول... وخاصة علشان هياخد إجازة جواز." رفعت رأسها رافضة تحليل ميار ومصدقة حدسها: "لا... قلبي بيقولي غير كده... وخاصة اللي حصل ده بعد خناقنا." التفتت ماجدة لأختها مكملة: "ثم تعالي هنا... ما كان بيرد على رسايلي لما بقوله أنا نازلة... أطلقت صوت معبراً
عن تهكمها ثم أكملت: "ويكتبلي جملة من كتر تكرارها حسيت إنه بيحطها كـ (العسكري هيجيلك بالعربية) . ده كان زعلان البيه... بالرغم المفروض إن أنا اللي أزعل... وبالرغم من كده سمعت كلامك وبعتله بس هو اللي عندي." ربتت ميار على أختها بحنان معلقة: "وخلاص بعت واتكلم واعتذر كمان." رفعت ماجدة رأسها بشموخ ورفض: "لسه معتذرش اعتذار صريح... مش أنا اللي يزعلها ويرجع يتكلم عادي وكأن مفيش حاجة حصلت."
"وبعدين يا ماجي، ده الفرح بعد بكرة ومش عايزين نكد." تسطحت ماجدة متوعدة: "ومين قال إني هنكد؟ أنا هعمل زي ما قولتي، هستمتع وأهيس كمان... لكن هو مفيش كلام إلا لما يعتذرلي صريحة ويبوس راسي كمان." تسطحت ميار بدورها وهي تكتم ضحكتها وتمتم قائلة بصوت مسموع لماجدة: "من ناحية هيبوس، فهو هيبوس بس ابقى لاحقي بقى." ضربت ماجدة أختها على كتفها مزمجرة بها: "بس يا قليلة الأدب، مش قصدي بوس قليل الأدب، قصدي بوس على راسي." ضحكت
ميار ساخرة وربتت قائلة: "نامي يا ماجي، نامي." *** عاد نضال إلى منزله بوقت متأخر من العمل، فمنذ بداية التجديد بالشقة تعود أن يعود متأخراً حتى يتسنى للعمال إنهاء التجديدات ليتابعهم بنهاية اليوم ويملي طلباته قبل انصرافهم. ومؤخراً بعد أن تم فرش الأثاث الجديد وتهيئة غرفة النوم لاستقبال العروس منذ يومين، تم إغلاق غرفة النوم والاحتفاظ بمفتاحها لدى أهل العروس وكأنها سر حربي لا يجوز له أن يطلع عليه.
أخذ يسخر فور دخوله الشقة وجلوسه على المقعد الجديد هامساً لذاته: "والله كتر خيرهم إنهم سابولي مفتاح الشقة، وإلا كان زماني بايت في الشارع." أمسك ظهره وهو يتذكر أنه حان ميعاد نومه وينظر للأريكة شزراً، موجههاً حديثه إليها كأنها إنسان ينتبه إليه: "طب بذمتك مش خايفين على مستقبل بنتهم؟ ... أنا بقالي أسبوع كامل بايت عليكي... أنا ظهري اتقطم وربنا... يعني كنت هاكل من السرير حتة...
ربنا يستر ومتطلبش أشيلها يوم الدخلة زي مرات يزن." وعند تذكره لواقعة يزن، اتسعت حدقتاه وابتلع لعابه قائلاً: "يا وقعة سودة، يعني أبقى نضال باشا وأيجي قدام العالم ده كله وأمسك ظهري في موقف زي ده!! حرك رأسه رافضاً، ثم استقام وسحب الأغطية التي تركت له، وأزاح المنضدة قليلاً تجاه الأريكة، ثم افترش الأغطية أرضاً مقنعاً ذاته: "أنام النهارده على الأرض علشان تعدل ظهري شوية، وبكرة كدة كدة هنام عند جواد أحسن ما أتفضح."
تسطح أرضاً ووضع ذراعه خلف رأسه يفكر فيمن سلبت فؤاده وفعل من أجلها الأفاعيل وتحمل ما لا يتوقع أن يتحمله من قبل. لينظر تجاه باب غرفة النوم وابتسامة حالمة، يهنئ ذاته على اقتراب موعد الوصال ولسان حاله يقول: ياه من خطفتي لب فؤادي وأصبح قلبي متيما فقدت في عشقك التدبير ليصبح عقلي خاويا صبراً فقد لاح الوصال لأروي عشقا قد ظمأ حسبي بعد الوصل أسدى ويعود رشدي وانعمَ ***
منذ دراسته بكلية الشرطة وهو يستيقظ منذ بزوغ الشمس مع زقزقة العصافير، وكأن صوتها ناقور يصدح في أذنه. تململ على الفراش الذي أعده على الأرض عند تهيئته لاستماع صوت رنين جرس الباب. لم يعط اهتماماً بالبداية، فأعتقد أنه وهماً أو شخصاً ما عند الجيران، فتقلب للجهة الأخرى يكمل نومه، ولكن إعادة صدوح الرنين مرة أخرى لوقت أطول مصاحباً لبعض الطرق على الباب جعله يقطب جبينه ويفتح عينه، ثم مد يده يمسك بهاتفه الذي على المنضدة بجواره ليرى أن الساعة الرابعة قبل الفجر.
لم يأخذ وقتاً للتفكير، فقد اعتبر من يطرق على الباب مخطئاً وسيتركه لحين الانتباه لذلك وعاد للنوم مجدداً، فهو ليس لديه وقت لمعرفة الطارق، فجسده يحتاج لكل الوقت للراحة. ولكن حين استمع لمن ينادي باسمه وبنبرة يعرفها جيداً، اعتدل سريعاً وهندم من نفسه واتجه سريعاً للباب يفتحه باندهاش تام ليرى جواد أمامه. إذا ما استمع إليه لم يكن وهماً، ففرك عينيه وأفسح له المجال قائلاً بتعجب: "جواد... ادخل... إيه اللي جابك دلوقتي؟
لم يخطُ جواد خطوة واحدة، بل أشار له قائلاً: "لا أنا مش هدخل، أنت اللي هتغير هدومك وهتيجي معايا علشان أم محمد وميار وماسة تحت بالعربية. قولتلهم هصحيك وهاخدك وبعدين يطلعوا هما." انزوى ما بين حاجبيه متسائلاً بعينيه ولسانه سائلاً بلهجة حزينة أقرب للبكاء: "ليه؟ أنا ملحقتش أنام... ابتسم جواد محاولاً إخفاء ضحكته قائلاً:
"معلش بقى يا عريس، هتيجي عندي تنام وتاخد راحتك علشان هما كمان هيظبطوا آخر حاجة بالشقة ويقفلوها علشان وراهم حاجات كتير لسه." "يالا ادخل غير وهات كل حاجتك ومتنساش البدلة علشان مش هترجع تاني الشقة غير بكرة بعروستك إن شاء الله." "هنزل استناك معاهم تحت علشان الدنيا لسه ضلمة ومينفعش أسيبهم لوحدهم. يالا متتأخرش."
أطلق فاجعته وانصرف ليترك خلفه شخصاً مذهولاً متسع العينين لا يدرك ما طُلب منه. أحقاً سينصرف الآن ويجمع كل متعلقاته؟ ألم يكمل نومه وأحلامه التي كان ينعم بها؟ أغلق الباب وتوجه لتجميع متعلقاته، ثم تذكر آخر حوار مع ماجدة، لم تذكر به شيئاً من هذا القبيل... لماذا لم تخبره بحضورهم قبل الفجر ليستعد؟ أكانت تقصد مفاجأته أم تكديره؟
لم يريد أن يظلمها بظنه السيئ، ربما حاولت الاتصال به وهو نائم، أو أرسلت رسالة تخبره فيها عن خططهم. ليتوجه حيث هاتفه يفتحه ويبحث عن أي اتصال أو رسالة ولكنه لم يجد شيئاً، ليكاد أن يخرج دخاناً من أنفه ويزيد من رصيدها لديه فيكمل سلسلة توعده لها، ثم يخرج ويغلق الباب خلفه ويهبط ليسلم على حماته ثم ميار وماسة، مسلماً المفتاح لحماته، ثم أوقف ميار قبل صعودها خلف والدتها وماسة سائلاً إياها:
"ثواني يا ماسة لو سمحت، هي ماجي ليه مبلغتنيش علشان أستعد يعني وأكون مجهز حالي بدل ما إنتوا تستنوا بالشارع كتير؟ رمشت ميار لأهدابها تنظر لجواد طالبة إنقاذها من الموقف، ليتدخل جواد قائلاً: "أكيد ميار متعرفش إذا كانت ماجدة بلغتك ولا لا، ده حاجة بينكم يا نضال." ثم وجه حديثه لزوجته: "يالا يا ميار اطلعي خلصوا اللي وراكم، وقبل ما تخلصوا اتصلوا عليا آجي آخدكم."
كالذي انتظرت خلاصها لتنطلق على الدرج محاولة الاختفاء من أمام ذلك المشتعل داخلياً. فور انصرافها استدار نضال يضيق عيونه لجواد قائلاً: "إيه؟ حبيت تنفذها يا رميو." قلب جواد عينيه محاولاً إخفاء ابتسامته، ثم نظر لنضال وهو يربت على كتفه: "كبر دماغك يا عريس ويالا علشان تلحق تريح قبل سحلة الحنة والفرح." ثم وكزه بكوعه يكمل حديثه الخبيث وبغمزة عين قال: "عايزينك ترفع راسنا ورأس الداخلية كلها، ولا إيه؟
نظر له نضال باستياء وتقدم من السيارة واستقل المقعد الأمامي، ليحرك جواد رأسه ويستقل بمقعد السائق منطلقاً إلى شقته، التي فور وصول نضال بها توجه مسرعاً إلى الغرفة التي أشار له جواد بها، مستلماً الفراش بكل بهجة واشتياق. بمنزل العريس، أنهوا كل شيء في غضون ساعات قليلة، فلم يتطلب منهم الأمر سوى خمس ساعات ليتصلوا بجواد الذي حضر لهم ليقلهم ثانية إلى منزل العروس، ثم يعود لصديقه لتجهيزه والوقوف على استعدادات الحنة.
دخلوا بكل سرور وابتهاج مطلقين الزغاريد، لتستيقظ ماجدة على صوتهم ووجهها يملؤه السعادة. اعتدلت بجلستها على الفراش تستقبل تهنئتهم وقبولاتهم، لتسحبها ميار قائلة: "يالا يا عروسة علشان تلحقي تاخدي شاور وتروحي الكوافير." تمطت ماجدة بكسل ظاهر، محاولة إخفاء حماسها: "هي الساعة كام دلوقتي؟ أجابتها ماسة التي كانت تعد ملابسها التي سترتديها:
"الساعة عشرة ونص يا جميل، يعني يا دوب تاخدي شاور وتفطري عقبال ما أصحّي محمد علشان يوصلنا للكوافير." ثم وجهت نظرها لميار تكمل حديثها قائلة: "عارفة يا ميرو، لولا جواد أنقذ محمد من مشوار الصبح، كان هيفضل مكشر طول اليوم ومزاجه مش تمام علشان ما أخدش نومته." أجابتها ميار بابتسامة:
"آه عارفة أخويا، وكمان بصراحة ده كان اقتراح جواد علشان نضال صاحبه، وهو اللي هيصحيه، لكن محمد كان هيتكسف أو هيكون موقفه حساس شوية، ده غير إن جواد شاف يعمل معايا المشوار ده ومحمد باقي مشاوير اليوم." أخذت ماجدة تدير رأسها بينهم تحاول أن تفهم ما يتحدثون عنه، حتى أدركت عن ماذا يتحدثون، فشهقت لتنجذب إليها كل الأنظار سائلة بشغف: "هو إنتوا رحتوا شقة نضال؟ التفتت لها ميار معاتبة تقول:
"آه، اسكتي يا ماجي، حطيتينا في موقف وحش أوي، مش أنا قولتلك بلّغيه إننا هنكون عنده من الفجر!؟ حركت ماجدة رأسها بالنفي، وعليها ملامح الذعر وهي تقول: "لا، إنتوا قولتوا هتروحوا من أربعة علشان تلحقوا تخلصوا بدري وتقدروا تيجوا معايا... وقفت كلامها حين فهمت مغزى الجملة، لتكملها ميار سائلة ومجيبة ومفسرة بنفس الوقت: "ها نيجي معاكي فين؟ الكوافير... يعني أكيد أربعة الفجر مش أربعة العصر." وضعت ماجدة يدها على شفتيها من
أثر الصدمة قائلة بتيهان: "أنا... أنا مفهمتش كده... أنا.. قولت هبلغه وهو بيوصلني للكوافير على اعتبار إنكم هتروحوا بعد ما هو يروح يستعد عند جواد." نطقت ماسة موضحة الموقف: "اسكتي يا ماجي، ده نازل مبهدل خالص وعينه كلها نوم... وبرضه كان باين عليه متنرفز جدا... ربنا يكون في عونك بقى النهارده ميطلعوش عليكي." فور تصورها لهيئته المبعثرة وهو يحمل متعلقاته كالمهاجرين وعيونه تتقد غضباً، ضحكت بملء فمها بشماتة صريحة قائلة
من بين شهقاتها الضاحكة: "مش متخيلة منظره... وهو نازل زي المهاجرين." لتعلق ميار وهي تبتسم: "طب يا أختي ابقي ورّينا هتعملي إيه لما يسألك مقولتلوش ليه؟ دانا وقفت أنحت لما سألني، لولا جواد أنقذني مكنتش عارفة أقوله إيه!! بدأت تستعد ليلتها وهم يتسامرون حول ما تم بهذا الموقف وما فعلوه بالشقة وما وجدوا له من آثار، حتى جاء موعد ذهابها لمركز التجميل. ***
كان يغط في نوم عميق ينعم بحلم رائع بين أحضانها يغرقها بقبلاته العذبة وهي تتجاوب معه بكل اشتياق. حتى انتفض على صدوح رنين منبه هاتفه يذكره بموعد إيصالها لمركز التجميل، فيمسح على وجهه متمتماً: "هو ليه كل حاجاتك بتيجي في الوقت الغلط؟ وقعة سودة، ليكون هو ده الجواز مفيش حاجة حلوة فيه بتكمل." جز على أسنانه ممسكاً بهاتفه يجري اتصالاً بها لتجيب عنه بكل برود وعنجهية: "نعم." استاء من طريقة إجابتها عليه وعلم أنها مازالت غاضبة،
ليجيب بكبرياء اعتاده: "اجهزي نص ساعة وأعدي عليكي." "حاضر." إجابته بخنوع لم يعتده منها، توجس خيفة من خنوعها وأنهى المكالمة ليستعد. بالجهة الأخرى، أغلقت الهاتف وانطلقت ضحكتها وضحكات من يجاورها، لتتوعد له بالبرودة التامة قائلة: "ولسه... علشان يبقى يسيبني البيه أسبوع بحاله ويعمل نفسه زعلان." لم تكتمل النصف ساعة وقد هبط من البناية المواجهة لهم والتي بها شقة جواد، وقد استعار سيارته، ثم هاتفها ليخبرها أنه بانتظارها بالأسفل.
استقلت بجواره السيارة، كلا منهم يحمل سيل من الكلمات والمعاتبة، كلا منهم يدور بذهنه حوار كامل بين اتهامات واعتذارات دون أن يتفوه لسانهما بكلمة، فقد آثر كل طرف على الصمت وكأنهم اتفقا على ذلك. حتى وصلا إلى المركز، وقبل أن تهبط، أمسك بمعصمها سائلاً: "مبلغتنيش ليه إن مامتك واختك جايين من الفجر؟ حركت كتفها بلا مبالاة تخبره بكل بساطة أنها أدركت خطأ، فقالت:
"هما قالوا الساعة أربعة، محددوش امتى بالظبط، كنت فاكرة العصر فكنت هقولك وانت بتوصلني... وكمان أنا كنت مخنوقة فمركزتش." هكذا بكل بساطة سردت له أسبابها وشعورها معاً، وهو متأكد أنها لم ولن تكذب عليه. ليظل ينظر لها يملي عينيه من ملامحها، فقد اشتاق إليها كثيراً منذ خاصمها ولم يراها. أخذ يتشرب من جمالها، بينما هي بدأ الخجل يتسرب إليها واحمرار وجنتيها من تحديقه بها، فابتلعت لعابها بصعوبة سائلة باستحياء: "إنت...
إنت بتبصلي كده ليه؟ لم يجيبها سوى بكلمة واحدة بصوت عذب وخافت يحمل من الأشواق جبال: "وحشتيني... رمشت بأهدابها تنظر للأسفل لتنطق بما لا تريد أن تنطق به: "مش إنت... اللي كنت زعلان." نطقت بالمعاتبة التي واعدت نفسها كثيراً بعدم التحدث فيها ومعاملته بكل برود، ليمسك هو كفها ويقربه من فمه يلثمه بكل رقة ويردد من بين قبلاته: "بحبك... بحبك أوي يا ماجي... بحبك وبغير عليكي جداً."
بين كل جملة والأخرى سيل من القبلات التي أذابتها، فلم تستطع سحب كفها أو الرد عليه، لتغلق عيونها تغوص في عالم من المشاعر والأحاسيس لم تجربها من قبل. كاد أن يلتقط شفتيها لولا الطرق على نافذة السيارة التي أعادته لأرض الواقع، فانتبه لحاله كما انتبهت هي وسحبت كفها بسرعة. يجز هو على أسنانه ينظر لمحمد ويزجره له الذي طرق على نافذته، بينما الآخر يشبك يده قائلاً: "لسه بكرة يا خفيف، متستعجلش."
كتمت ضحكتها لتهبط بخجل، لم تستطع رفع عيونها بوجه أخيها، لتنقذها ميار وتسحبها لداخل المركز، بينما نضال هبط يحدث محمد من بين أسنانه: "شكراً للمعلومة، وغلي العموم مفرقتش النهارده من بكرة." ابتسم محمد بخبث وشماتة كأنه عدوه اللدود قائلاً بهدوء وكيد: "عندي تفرق كتير." ثم اقترب من أذنه يحذره: "عيني هتبقى عليك طول الحنة.. عدي ليلتك علشان النهارده وبكرة أنا مش طايقك أصلاً."
رفع نضال حاجبيه لهذا العداء غير المبرر، ولكنه ابتلع حديثه وأجابه موضحاً أنها بالنهاية له: "هانت... كلها بكرة إن شاء الله وتبقى في بيتي." جز محمد على أسنانه فقد شعر بالغيرة الشديدة منه، خاصة عند رؤيته قريباً لهذه الدرجة من أخته. نظر له شزراً، ثم توجه لسيارته وانطلق عائداً لحين العودة لجلب العروس وأخته وزوجته. ***
حل المساء وتجهز بزينته الشبابية التي أضافت إلى وسامته قدراً آخر فأصبح يخطف الأنفاس. صمم على ارتداء قميص أبيض به شريط رفيع باللون الرمادي وبنطال رمادي أقرب للفضي حتى يتناسب مع لون فستانها الفضي، وأصر على ارتداء نظارة لإكمال عنوان الوسامة والشياكة.
انتهى من إعداد حاله ليستمع إلى صفير عالٍ يأتي من خلفه، ليلتفت فيرى يزن من أطلق الصفير تعبيراً عن إعجابه بذوقه الرفيع. احتضنه مباركاً له، كما احتضنه يزيد الذي ربت على ظهره. قدم لهم جواد بعض المشروبات التي أعدتها والدته قبل الذهاب لمنزل العروس لتظل بجوار عزة تساعدها في يوم حنة ابنتها. ثم بدأت الشباب يشعلون الشقة ببعض الأغاني والرقص، ولا يسلم الأمر من بعض التراشق بالإيحاءات المبطنة لحين وصول العروس.
انتبهوا جميعهم على صوت ارتفاع مكبر الصوت معلناً عن قدوم العروس، وبدأت الموسيقى تعزف لحناً مناسباً لحضورها. هندم نضال حاله واستعد للهبوط، لولا تجمع الشباب عليه ومنعه قليلاً حتى نجح في الإفلات من أيديهم.
فور ظهورها على الساحة، توجهت إليه الأنظار والأضواء مطلقين تصفيراً وتصفيقاً عالياً، فانتبهت ماجدة التي كانت تجلس على مقعدها لا تعلم ما كل هذا الخجل التي تشعر به، كانت تظن أنها ستشعل الفرح رقصاً، ولكنها الآن تريد أن تختبئ من أنظار هؤلاء. لا تعرف عن نفسها هذا الكم من الحياء والكسوف، لطالما تعودت أنها لم تخجل مادامت لم تفعل شيئاً خاطئاً، ولكنها لم تجرب أن ينصب عليها هذا الكم من الأنظار ويحسبون عليها كل هفوة وحركة، لتقرر عدم التحرك حتى التفتت لترى إلى أي شيء توجهت الأنظار عنها. فرأته وتغزلت به في نفسها، شعرت بالشموخ والفخر بمجرد ارتباطها بهذا الوسيم الذي خطف أنفاسها قبل أنظارها.
نظرت له تتأمل كل جزء به... ألهذا الحد وسيم وجذاب!؟ ألهذا الحد له هيبة وطلة تخطف الألباب!؟ ألهذا الحد سحره طاغٍ يلغي حتى وجود الأحباب!؟ بادلها النظرات وهو يقترب منها، يشرأب بين الجموع ليراها دائماً ويسافر على ملامحها، يحمد ربه على هذه النعمة ويتمنى عدم زوالها.
كاد أن يصل إليها بعد خطوتين ليجد صفاً من الشباب التف حوله مانعين إياه من التقدم خطوة واحدة، وبالتالي التفتت الفتيات حول ماجدة بعد أن سحبها لساحة الرقص، وبدأ الحفل بين شد وجذب ومحاولة الوصول إليها، وحتى إن وصل لم يستقر معها عشر دقائق على الأكثر وتأتي الشباب الذي لعنهم ألف مرة حتى الآن باجتذابه للرقص وسطهم.
وفجأة بدأت تتجمع الأنظار والعيون تجاه التي اقتحمت دائرة الشباب، ليقف البعض مصعوقاً مما يراه، والبعض الآخر يعلو تصفيقه وصفيره حيال هذه التي جذبت انتباه الجميع بملابسها الفاضحة وتمايلها الزائد على نضال. لتصعق ماجدة ويحمى وجهها غضباً وتخبر غزل بشيء، لتستجيب لها غزل وتنفذ مطلبها، التي كانت هي الأخرى تستشيط غيظاً من زوجها الذي كان في أوج فرحه وهو يصفق ويصفر لهذه الشمطاء ويشجعها لتزيد من رقصها ودلالها.
حتى انتبه نضال ويزن لما بدأت ماجدة وغزل على فعله، ف...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!