الفصل 37 | من 47 فصل

رواية معدن فضة الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم لولي سامي

المشاهدات
17
كلمة
4,406
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

دوام الحال من المحال، وقد ينقلب الحال من ظالم لمظلوم في يوم وليلة. ولكن الأدهى والأمر هو هل سيتقبل الظالم هذا التغيير؟ هل سيدرك أن لظلمه نهاية؟ هل سيعي أن الجزاء من جنس العمل وكل ما يرد له هو من أعماله وردت إليه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لم تستحِ فافعل ما شئت، فكما تدين تدان". وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عما بلغ عن رب العزة.

بعد محاولات من أنوار في إقناع حسن بها وأنها الأنسب وهي من ستعوض كل خسائر الزيجة الأولى، ولم يخفَ على نورا نية طمعهم، فكانت تعي ذلك. ادعت عدم إدراكها لنواياهم حتى اطمأنوا لها تمام الاطمئنان، فبدت لهم كالبلهاء التي وافقت على الزيجة بدون أي طلبات جديدة، بل وأرضت إتمام الزيجة بمنقولاتها، مما زاد طمعهم بها.

ولكن كان لها مطلب واحد فقط مقابل كل هذا التنازل، والذي وافقوا عليه فور عرضها لهم، مع إحساسهم أنهم حققوا مكسباً عالياً. وكان مطلبها هو أن تكتب الشقة باسمها، وقد كان. برغم اعتراض حسن قائلاً: "إزاي يا أمي وافقتي على شرطها ده إزاي؟ أنوار بابتسامة خبث كان لها رأي آخر قائلة:

"يا واد البت شكلها هبلة. وبكلمتين حلوين تبلفها. ده من قبل الجواز ووافقت على كل شروطنا. ووافقت إنها تتجوز بعفشها القديم ومنجبش أبيض ولا أسود. يبقى بعد الجواز لو قولتلها كلمتين حلوين... وطلبت الشقة تاني مش هقولك بم. ثم إن طول ما البت مقدمة السبت والأحد... يبقى لازم نطمنها ونحسسها إننا منبخلش عنها بحاجة، ولا إيه؟ حسن وقد بدأ على مشارف الإقناع: "طب ولو مرتحتش معاها؟ ربتت أنوار على قدم ابنها لتطمئنه قائلة:

"لو مرتحتش نزهقها لحد ما تتنازل عن الشقة... وعفشها في بيتنا. وده هبلة مفيش وراها حد يعمل زي اللي قبلها. متخافش." وبالفعل تم زواج حسن من نورا بعد إلحاح من أنوار في الإسراع في هذه الزيجة ما دام كل شيء جاهز ومتواجد، ليتم الزواج بعد أسبوع واحد. ليدلف حسن وبصحبتة نورا شقتهما، والزغاريد خلفهم معلنة عن زيجة جديدة ببدايات جديدة.

بعد انصراف أهل الطرفين، أغلق حسن باب الشقة والتفت ليجد نورا توجهت مباشرة إلى غرفة النوم. تعجب قليلاً، فقد تذكر ميار عندما ثبتت مكانها، بل وانتفضت فور إغلاقه للباب. رفع حاجبيه مندهشاً من جرأتها، ولكنه أرجعها لأنها لم تكن زيجتها الأولى. ليدلف الغرفة فيجد نورا تعطيه ظهرها، قائلة فور دخوله بنبرة ناعمة وهي تتمايل بدلال: "افتح لي سوستة الفستان يا أبو علي."

عقد حسن حاجبيه وازداد اندهاشاً. كان يأمل أن يجدها خجولة وخائفة نوعاً ما، فهو يحبذ هذه البدايات. ولكنه توجه لفعل ما طلب منه. فور فتحه للسحاب، كاد أن يساعدها في خلع الفستان، ولكنه وجدها قد أنزلته سريعاً والتفتت تحيط عنقه بدلال، قائلة: "إيه يا أبو علي مالك هادي كده يا خويا؟ إيه ده دانا قولت هتشلني."

ابتلع حسن لعابه بصعوبة وشعر باضطراب من أفعالها، ولكنه ليس أمامه بد من إخفاء هذا التوتر. فانحنى سريعاً وحملها ثم توجه للفراش وألقاها عليه بغرض إرهابها، ولكنها أصدرت ضحكة لعوب فازداد توتره. فسحب نفساً عميقاً، خلع ملابسه تحت أنظارها، ليقترب منها وسط ضحكات صاخبة منها. بعد فترة وجيزة جداً، اعتدل حسن ليجفف عرقه وابتلع ريقه، بينما ضحكت نورا ضحكة ساخرة وبدأت بارتداء ملابسها، قائلة باستهزاء: "مش كنت تقول من الأول إنك تعبان."

اعتدل حسن غاضباً وقال بغضب: "قصدك إيه يا بت؟ أطلقت ضحكة هازئة ثم قالت: "هيكون قصدي إيه يا أبو علي! قصدي تعبان من الفرح أكيد! أنا عارفة بخطي المايل." ابتلع حسن لعابه وقال بتوتر ظاهر: "مضاعتش ولا حاجة يا بت. أنا بس فعلاً تعبان من الفرح وأنتي مصبرتيش عليا. إحنا ننام دلوقتي والصبح هدلعك." أطلقت ضحكة ساخرة ثم قالت: "الصبح. نام نام يا خويا قال هدلعك قال. لما نشوف." سحبت الغطاء عليها وهي تمتم بصوت عالٍ:

"هي خيبة وحلت عليا أنا عارفة. قال الصبح قال." ادعى حسن عدم استماعه لكلماتها ليندس تحت الغطاء ويصطنع غفوته سريعاً. *** وأخيراً انقضت الفترة التي طلبتها ماجدة لصلاة الاستخارة لتحسم أمرها المحسوم منذ الوهلة الأولى. ما أجمل أن تجد من يفهمك من الداخل، ولكن يترك لك قرار النهاية برغم علمه به. إلا أنه يتركك لتتخذه بنفسك.

جلست ماجدة على الفراش ممسكة بهاتفها تتصفحه وهي مبتسمة، تستعيد كل المحادثات السابقة بينها وبين نضال قبل أن تبلغه بقرارها النهائي. تذكرت بداية اتفاقهم حين ألح نضال في اتصاله بعد اليوم الذي تقدم لها به، لترسل له رسالتها الأولى بهذا الحوار، دونت بها: "متحاولش تتصل كتير علشان مش هرد." "مش هتردي ليه؟ "علشان مفيش حاجة تأثر على قراري. أنا واخدة وقت أفكر فيه وعايزة أفكر بدون تأثير عوامل خارجية."

ليرسل لها وجه تعبيري عن التعجب عن حالتها. وضعت يدها على فمها تكتم ضحكاتها وهي ترى أنه يكتب الآن، ولكنه أطال في الوقت قليلاً لتتعجب، لتصل رسالة منه فحواها: "أولاً يا ستي أنا مش بتصل علشان أثر على قرارك، بالعكس أنا عايزك تاخدي القرار اللي يعجبك وبراحتك خالص، أنا مش مستعجل. ثانياً بقى أنا لو بتصل فإنا أصلاً بتصل علشان أقولك اسمحيلي نكون أصحاب وأطمن عليكي من وقت للتاني بعيداً عن قرارك."

كادت أن تجيب على رسالته، إلا أنه ألحق رسالته برسالة أخرى، وكأنه يعلم جيداً أي وتر يتلاعب عليه، دون بها: "ثالثاً بقى أنا متأكد إنك كبيرة كفاية بقدر يخليكي تفصلي بين حوارنا وقرارك، ولا إيه؟ ابتسمت لدهائه، فكلا منهم يعلم الآخر. فهو أراد أن يتلاعب على وتر الثقة بالنفس التي تتمتع هي به، وبالمقابل أرادت أن تجاريه في خدعته لتوهمه أنه خدعها، أو ربما أحبت وأرادت هذه الخدعة. لذلك أجابته بكل بساطة بكلمة واحدة: "موافقة."

ومنذ إرسال هذه الكلمة، وكأنها أطلقت إشارة البدء لمحادثات كثيرة ليلاً ونهاراً. يسردون أحداث يومهم ويتناقشون في ممارساتهم، بل ويتبادلون الآراء في قرارات يومهم، لتكتشف ماجدة شخصية جديدة لها لم تكن في مخيلتها. والحق يقال، نضال لم يسأل عن قرارها حيال موضوع زواجهم، ولكن كان يتحايل على الأمر وهي تعي ذلك، بل ومستمتعة به.

ظلت تعيد قراءة محادثاتهم من البداية والإبتسامة تملأ وجهها، لتتخذ قرارها وتخبره به، لتدون بنهاية المحادثات رسالة من كلمة واحدة مبهمة التفاصيل، لتراهن على ذكائه: "موافقة." لتجده يبدأ الكتابة الآن، ولكن لم يرسل شيئاً. طال انتظارها لرسالته، لتجده قد أغلق التطبيق، لينتابها الاندهاش، وتسرب لقلبها الضيق، وشعرت بالاختناق قليلاً. لتحاول تهدئة روحها وإيجاد بعض المبررات له، فأخذت تزرع أرض الغرفة ذهاباً وإياباً،

وحدثت نفسها قائلة: "يمكن جاله تليفون مهم! بس يرد ليه على التليفون في الوقت ده؟ خلاص حبكت! لتقف أمام المرآة وكأنها تحدث شخصاً ما، لتنظر لانعكاس صورتها تقول: "يمكن تليفون مهم، ولا يمكن حد جاله، ولا يمكن... ثم نظرت لهاتفها قائلة ودموعها على وشك الانفلات منها: "يمكن أنا اللي اتسرعت؟ يوووه أنا شاغلة نفسي بيه ليه؟ أنا غلطانة إني قولته، كان المفروض...

صمتت حين استمعت لطرق على باب غرفتها، لتزيل دموعها سريعاً وتتوجه تفتح الباب، لتجد والدها يقدم لها هاتفه. لتعقد جبينها سائلة: "نعم يا بابا؟ والدها بابتسامة عريضة ماداً يده بهاتفه لها: "تليفون ليكي وصاحبه محلفني هو اللي يبلغك." أمسكت ماجدة الهاتف والاندهاش يرتسم على ملامحها، ودون أن تنظر لشاشته، وضعته على أذنها قائلة بصوت خافت وريبة: "الو."

"أنا قولت بدل ما أقولك بلغي والدك إني جاي بكرة نقرأ الفاتحة، واستنى تكلميه وترجعي تبلغيني ليه اللفة دي كلها؟ قولت أكلمه أنا وأبلغك أنا برضه، إيه رأيك؟ فور صمته للحظات، أزالت الهاتف من على أذنها غير مصدقة لما تستمع له، لتنظر لشاشته وتتأكد أن نضال من يتحدث. لتنظر لوالدها والسعادة تكاد تقفز من مقلتيها، ثم وضعت الهاتف على أذنها وحركت رأسها إيجاباً وهي تبتسم، وكأنها فقدت النطق.

فليلاحظ والدها حالتها السعيدة التي أفقدتها النطق، فيأخذ الهاتف منها ويجيب على نضال قائلاً: "هي موافقة يا ابني، بتحرك رأسها موافقة بس مكسوفة شوية. ماشي واحنا مستنينك." يغلق توفيق الهاتف ويفرد ذراعيه لها، لتزرع نفسها بداخل أحضانه، ودموع الفرحة تنساب منها. ليربت توفيق على ظهرها هامساً لها: "مبروك يا حبيبتي، مبروك."

سعدت ماجدة كثيراً بمفاجأة نضال لها، ثم توجهت لغرفة أختها تبلغها بكل ما تم، ويبدأوا في الاستعداد لهذه المناسبة. *** جلسا كلاهما يتهامسان وكأنهم يراجعون ما أعدوه من حديث لهذا الموقف، ينتظرون المقابلة المرتقبة التي سيحدد عليها كل شيء. حتى تقدمت والدة غرام، ويتبعها رجل عريض طويل القامة يبدو عليه الهيبة. تقدم منهم ماداً ذراعه للسلام، لتقدم أم غرام كلاهما للآخر قائلة: "أخويا إبراهيم اللي قولتك عليه." ثم أدارت دفة الحوار

لتكمل وصلة التعارف قائلة: "ده يزيد يا إبراهيم، خطيب غرام." ابتسم إبراهيم وشدد بالسلام قائلاً: "تشرفت يا يزيد، غرام حكتلي عنك كتير وعن أخلاقك. أنا فخور إنك هتكون جوز بنتي." شعر يزيد بارتياح مع إبراهيم ليجيب على حواره قائلاً: "الشرف ليا يا عمي، وأنا اللي سعيد بانضمامي ليكم، وأتمنى أكون عند حسن ظنكم."

أومأ إبراهيم برأسه لاستحسانه للحوار، ثم اتجه خطوة ناحية الشمال، وقبل أن تقدم أم غرام يزن له، تكلم إبراهيم قائلاً وهو ماداً كفه ومبتسماً: "أكيد أنت يزن، شرفتنا يا يزن." ثم نظر بداخل عينيه قائلاً بلهجة حادة نوعاً ما: "غرام حكتلي عنك برضه، وأتمنى تخيب ظني فيك."

ابتلع يزن لعابه بصعوبة بعد أن فهم أن كل ما تعلمه غرام قد وصل بالفعل لخالها، فحاول التبرير لذاته ولكنه لم يجد ما يقوله. فبشبه ابتسامة أومأ برأسه، ليشير إبراهيم لهم بالجلوس، وبدأت الجلسة التي كانت يسيرة جداً على يزيد، بعكس يزن الذي جاهد كثيراً من أجل محاولة إقناع إبراهيم بالتعجل بالزواج، وتقديم كافة الاعتذارات عما تم، كما قدم كافة الضمانات للخال لتحسين صورته أمامه.

وأخيراً بعد عناء، وافق إبراهيم على زواجهم معاً، وتم تحديد موعد الزفاف بعد شهر، أي قبل موعد سفره بأسبوع. ولكن أراد إبراهيم معاقبة يزن، أو بالأحرى أراد قياس رد فعله حيال العقاب، ليقرر جلوس يزيد مع غرام قبل الرحيل، وعدم جلوس يزن مع غزل. ليتقبل يزن العقاب على مضض ويخرج ليجلس بصحبة إبراهيم ووالدة غرام، يحاول رسم الابتسامة، بينما بالداخل يستشيط غضباً، بل وحاقداً على أخيه الذي تركوه ينعم مع خطيبته ولو قليلاً.

ظل يجلس أمامهم يتبادلون مزيداً من السلامات، ثم أمسك هاتفه وفتح تطبيق الرسائل، يدون بها رسالة لغزل دون بها: "عاجبك اللي إحنا فيه ده، عايزة أشوفك." ثم ضغط على زر الإرسال، ليستمع لصوت الرسالة يدوي بالقرب منه، ليلاحظ أن إبراهيم يدخل كفه في جيبانه ويخرج هاتفه، ينظر لشاشته، ثم ابتسم ليزن الذي أدرك الموقف، وقد احتقن وجهه خجلاً وغضباً. بينما إبراهيم ابتسم قائلاً:

"أنا نسيت أقولك إن موبايل غزل معايا، أصلها تعبانة شوية ومريحة، فقولت علشان محدش يزعجها أخده الموبايل." ثم رفع إحدى حاجبيه ونظر له بتشفٍ كأنه يرسل له رسالة تحدي، وأردف قائلاً: "كنت عايزها في حاجة مهمة؟ أغلق يزن جفونه محاولاً تهدئة حاله، هامساً لذاته: "يابن المحظوظة يا يزيد." ثم فتح عينيه قائلاً بابتسامة صفراء لا تتعدى شفاهه: "لا أبداً يا عمي، كنت بطمن عليها بس." ابتسم إبراهيم ثم سأله: "تشرب شاي." "أشرب."

أجاب يزن وكأنه أدرك معنى سؤاله، ليجيبه بإجابة مبطنة تعبر عن حاله. بينما يزيد بغرفة الصالون يعيش حالة هيام، ممسكاً بيدي غرام ويقبلها من باطنها، لتغلق غرام عيونها وتطلق تنهيدة حارة، ليقول لها يزيد بصوته الرخيم الذي يأثرها: "أنا مبسوط جداً يا غرامي، مكنتش متخيل إن خالك هيكون كويس كدة. يااااه يا غرام بجد كان نفسي أقوم أبوسه من كتر فرحتي، بس قولت الحاجات دي خاصة بيكي إنتي." اشتعل وجه غرام خجلاً قائلة بخفوت:

"بس بقى يا يزيد بتكسف الله." "كلها شهر ومش هيكون في كسوف ما بينا خالص يا قلبي." ثم تذكر حال أخيه فسألها قائلاً: "قوليلي يا غرام، هو إنتي قولتي لخالك على يزن ليه؟ حركت غرام كتفيها قائلة: "عادة مبنخبيش حاجة عن ماما أو خالي، وعلشان كمان أخوكي لازم يعرف إن ورانا رجالة، ولا إيه! امسك يزيد بكفها بين يديه واقترب منها ناظراً بعينيها قائلاً:

"طبعاً وراكم رجالة يا قلبي، ولو خالك مش موجود أنا موجود، عمري ما أقبل حد يمسكوا بسوء حتى لو أخويا. اتأكدي إن هجيب لك حقكم طول ما ليكم حق، حتى لو هتشتكي مني، اشتكي مني ليا، واتأكدي إن عمري ما هخذلك." انخفضت نظرها لأسفل وازداد خفقان قلبها، لتقول هامسة بصوت عذب: "متأكدة من كده يا حبيبي."

فور استماعه لآخر كلماتها، وكالمغيب، اقترب منها حتى كاد أن يقطف أولى قبلاتها، لولا صوت يزن الذي كان كبوق التحذير، فانتفض كلا من يزيد وغرام تزامناً مع دخول يزن، والذي كان يقصد الدخول مباشرة بعد المناداة، وكأنها يريد أن يثبت عليهم الجرم المشهود، ليقف ببداية غرفة الصالون واضعاً يده خلف ظهره قائلاً بسخرية ونبرة حاقدة: "مش كفاية كده ولا إيه؟ عايز أنااااام." تبعته أم غرام تحاول مداراة ابتسامتها لتقول: "ما لسه بدري يا ولاد."

ليدعي يزن التثاؤب قائلاً وهو يجز والكلام يخرج من تحت أسنانه: "لا أنا عايز أنام، مش قااااااادر." حاول كل المتواجدين التحكم في انفعالاتهم الضاحكة الواضحة وضوح الشمس، ليربت يزيد على كفوف غرام ليرى يزن ذلك فيزداد اشتعالاً، ليلتقط مفاتيحه وهاتفه ويقول حانقاً: "لا كده كتير، أنا نازل تحت يا عندليب، مستنيك متتأخرش."

وانطلق، ولجأ من المنزل، ليتنطلق الضحكات المدفونة من أفواههم، وتخرج غزل التي كانت تراقب كل شيء من خلف باب غرفتها، لتقترب من خالها، فيحتضنها تحت إبطه ويربت على كتفها قائلاً: "هربهولك من أول وجديد، هو فاكر بالساهل كده ياخدك منا؟ لازم يطلع عينه." ابتسمت غزل وقبلت خالها من وجنته قائلة: "ربنا يخليك ليا يا أحلى خال في الدنيا." تقدم يزيد ليسلم على إبراهيم، ليربت الأخير على يده قائلاً: "أوعى تزعل علشان أخوك."

ابتسم يزيد وربت بدوره على يدي إبراهيم قائلاً بصدر رحب: "بالعكس، أنا معاكم جداً، أخويا وعارفه، لو الموضوع مكانش فيه تشويق وتحدي وصعوبة مش هيحافظ عليه." ربت إبراهيم على كتف يزيد ليعيد على مسامعه نفس الكلام قائلاً: "بقولهالك تاني وبجد، أنا فخور إنك هتكون جوز بنتي." انصرف يزيد ليهبط ليزن الذي كان يجلس بسيارته يتأكله الغضب، وفور رؤيته لأخيه صاح به قائلاً: "كل ده فوق، بتعمل إيييه؟ سايبني وقاعد تحب سيادتك؟ عجبك اللي حصل ده؟

عجبك! ضحك يزيد ليشتعل يزن أكثر، وأشغل محرك السيارة لينطلقا إلى منزلهم، وكلا منهم يفكر بتفكير مختلف. فيزيد يهيم في محبوبته، بينما يزن يتوعد لغريمته. *** منذ طلبها مجدداً، وقد شعر وكأن روحه ردت إليه، وانتش الامل مرة أخرى بداخله، وبدأت الأحلام بالتنامي وتغير حاله للنقيض. فأصبح أكثر مرحاً وتسامحاً وشعر بالثقة بذاته، وكأن ذاته كانت غائبة عنه وعادت إليه.

ظل يرسل لها يومياً رسائل في كل الأوقات وبتفاصيل يومه، وكأنه يريد أن يشاركها حياته كلها. وبرغم عدم تجاوبها معه، إلا أنه لم يفقد الأمل، بل واصل على إرسال الرسائل واطلاعها على أدق تفاصيل يومه، بل وشعر بمعيتها معه. ليجد أخيراً رسالة، رغم قسوتها، إلا أنه وجدها بداية شعاع أمل للتجاوب معه. رسالة من كلمة واحدة ولكن تحمل لغزاً عميقاً لم يستطع إدراك سببها. الرسالة كانت: "خايفة."

برغم أنها كلمة واحدة، ولكن اختزلت بداخلها حديثاً كثيراً وألغازاً أكثر. لأول مرة يشعر أنه لم يفهمها. حاول كتابة أكثر من رسالة رداً على كلمتها، ولكن كان يزيل كل ما يدونه قبل الإرسال، يريد أن يعي معنى كلمتها، يريد أن يدرك سبب خوفها. والأهم، مهما كان المقصد، يريد أن يطمئن قلبها وروحها. هل تعني أنها خائفة أن يبتعدا ثانياً؟ ولكن والدها وأخوها وافقا على الزواج، إذا فلما الخوف؟

هل تقصد أنها خائفة أن يكون إحساسه تجاهها تغير أو حبه قل؟ وهنا ابتسم محدثاً نفسه: "هو فعلاً اتغير عن الأول علشان زاد عن حده يا ميار." بدأ بتدوين رسالته لها، فكتب: "أول مرة أطلب منك توضحيلي اللي عايزة تقوليه، بس اعذريني أنا مش لاقي لمبرر لخوفك، فارجوكي ارحمي جهلي اللي ممكن يكون بسبب بعدنا لفترة، وقوليلي خايفة من إيه؟

تلقت رسالته، كما كانت تتلقى جميع رسائله السابقة. تقرأ الرسالة أكثر من مرة، تريد أن تتجاوب معه، تريد أن تعيد روحها القديمة، ولكن هيهات، فلم يبقَ من روحها إلا القليل المشوه. أغمضت عيونها تحدث نفسها، واجدة له المبرر قبل نفسها: "جهلك مش عشان البعد، جهلك عشان أنا اتغيرت." ثم بدأت تدون ما اختلج روحه أكثر: "خايفة تكرهني، خايفة مطلعش زي ما كنت متخيلني في أحلامك، خايفة." قرأ رسالتها فازدادت حيرته! يكرهها؟

كيف يكرهها وهي من يخفق القلب من أجلها؟ كيف يكرهها وسر وجوده بالحياة وجودها؟ كيف يكرهها ونبضات قلبه منها ولها؟ هو لم يتخيلها بأحلامه، بل أحلامه صممت خصيصاً عليها. لم يعِ ما ترنو إليه، ولكن كل ما توصل إليه أنه عليه طمأنتها مهما كانت الأسباب. فدون رسالة مقتصرة يختزل بها كل معاني الأمان: "متخافيش، ارمي عليا همومك ومتخافيش. مهما كان واللي هيكون، أنا لا يمكن أكرهك عشان بكل بساطة إنتي مني.

بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ [ الروم: 21]. صدق الله العظيم. وأنا واثق إن ربنا خلقنا لبعض ومن بعض، بحبك يا ميار مهما كانت الظروف." قرأت رسالته مراراً وتكراراً، والدموع تنساب فرحاً من وجنتيها، فقد طمأنها حقاً. وبرغم خوفها المسيطر عليها، إلا أنها بدأت تشعر بقليل من السعادة والأمان.

مسحت دموعها بكفها، ثم خطت رسالتها التي تمنتها دائماً: "ربنا يخليك ليا."

بدأت الرسائل باتجاه آخر وهو تحديد موعد انتهاء العدة والزفاف، فلم يعد للخطبة داعٍ. لتجيبه أنها بعد أسبوعين، فيحسم قراره أنه سيأتي غداً من أجل الاتفاق على الموعد وإعداد كل ما يحتاجون إليه. لينتبه على اتصال من نضال، والذي حاول أكثر من مرة إنهاء اتصاله لاستكمال الحوار مع ميار، ولكن نضال لم يكل أو يمل، فيعيد الاتصال مرة أخرى، وهكذا حتى اضطر چواد من الإجابة عليه، تأخره فور فتحه للمحادثة قائلاً:

"تصدق أنا ملاقيتش أتلم منك بتتصل كتير ليه؟ نظر نضال بهاتفه ثم أعاده لأذنه قائلاً بحاجب مرفوع: "وانت بتكنسل كتير ليه؟ ما ترد على طول." "علشان كنت بكلم ميار يا زكي." قالها چواد بنبرة غيظ، ليبتسم نضال قائلاً: "طب ما أنا برضه بتصل علشان بدل ما تقضوه مكالمات نختصر الموضوع." أكمل چواد بغضب: "طب ما أنا كنت باتفق على إني أروح بكرة نحدد ميعاد الفرح، ملحقتش أسمع ردها من زنك يا زنان." "فرح على طول يا ابن المحظوظة."

نطق بها نضال ليجيبه چواد: "وأنا أقول الليلة واقفة ليه؟ أتاري أمثالك بصصلي فيها." ابتسم نضال وقال: "خلاص، انت برضه تعبت كتير، بص خلاص من غير رد منها، بكرة هنروح أنا علشان قراية الفاتحة، وانت علشان تحدد ميعاد الفرح. خلصانة!؟ "خلصانة يا جن." أنهى المكالمة ليرسل لها رسالة بالاتفاق، لتحتضن ميار الهاتف وتهب من جلستها لتخبر ماجدة وعائلتها. لتجد ماجدة تقتحم الغرفة وتحتضنها وتدور بها، ثم أمسكت بوجهها قائلة:

"أنا وافقت، ونضال كلم بابا واتفقوا ييجي بكرة علشان يقروا الفاتحة." احتضنت ميار أختها ثانية مهنئاً إياها، ثم وقفت أمامها والخجل يغلفها، تفرك بيديها وتنظر لأسفل. فرفعت ماجدة رأسها واعتقدت أنها حزينة من أجل عدم انتهاء العدة بعد، فقالت ماجدة باستفسار: "مالك يا ميرو؟ أنا ممكن أجل أي شيء لحد ما چواد... وضعت ميار يدها على فم ماجدة وقالت بخجل وصوت هامس: "چواد جاي بكرة برضه علشان يحدد ميعاد الفرح." اتسعت عيون ماجدة فرحاً

وتسائلت بحيرة: "وإنتي مكسوفة عشان كده؟ أومأت ميار برأسها لتحتضنها ماجدة وتطلق زغرودة تجمع عليها كل من بالبيت، لتخبرهم بهذا الخبر، ليتلل الجميع ملتفين حول ميار ويهنئونها ويستعدون من أجل هذا اليوم المنتظر منذ زمن.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...