بنور الصباح، استيقظت ماجدة وميار، كل منهما تستعد لليوم المعهود. فقد تم الاتفاق على موعد زفاف ميار وجواد، والذي سيتم خلاله الاحتفال بخطبة نضال وماجدة. سيوافق هذا اليوم نفس يوم زفاف محمد وماسة، ليصبح يومًا تاريخيًا في العائلة، ولكنه أيضًا يوم مجهد للغاية للجميع.
اتجهت ماجدة للمصممة لمتابعة الفساتين التي اختارتها مع أختها وماسة. أثناء إعطائها بعض الملاحظات، دخلت فتاة لتلقي السلام على المصممة. فهمت ماجدة أنها صديقة مقربة للمصممة، فتنحت جانبًا. ولكن، علت أصواتهن، فاستمعت إلى حوار أثار فضولها. "عرفتي أن حسن اتجوز نورا؟ "يا نهار أبيض، ده لبس مقلب مش هيعرف يطلع منه بالساهل. البنت دي مبتخسرش أبدًا؟ "وأم حسن وقعت الواقعة دي إزاي؟ دي مش سهلة برضه!
"دي أمه هي اللي جوزتهاله، أصلها طمعت في العفش اللي معاها." اقتربت ماجدة منهن، معتذرة عن مقاطعة حديثهن، وسألت: "لو سمحتوا، عايزة أسأل على حاجة." اعتذرت المصممة لماجدة، معتقدة أنها تأخرت عليها. أجابتها ماجدة: "لا مش قصدي كده، أنا سمعت كلامكم بالصدفة، وعايزة أسأل عن حسن اللي بتتكلموا عنه، هو ده حسن ابن أنوار؟ نظرت الفتاتان لبعضهما، وأومأتا. سألتها المصممة متعجبة: "إنتي تعرفيه؟ أجابتها
ماجدة بملامح مشمئزة: "أعرفه، ده كان جوز أختي، وبهدلها آخر بهدلة." ضحكت الفتاتان. قالت زميلة المصممة: "لا، لو بهدل أختك، ابقي طمنيها وقولي لها ربنا جايب لك حقك وبزيادة." عقدت ماجدة حاجبيها وتساءلت: "إزاي؟ قربت المصممة لها مقعدًا وأشارت لها بالجلوس: "ده موضوع يطول شرحه، اقعدي بقى عشان نحكي لك." جلست ماجدة، ونظرت لهن بفضول جم، منتظرة حديثهن بفارغ الصبر.
تحدثت المصممة: "قبل ما نبدأ، أحب أعرفك بينا. أنا أخت مروان اللي كان جوز نورا، ودي صاحبتي مرام، خطيبة مروان حاليًا وجارة نورا من المنطقة. بصي يا ستي بقى... ظلت ماجدة تستمع لما يروينه، وتوزع نظراتها بين المصممة وصديقتها بأعين متسعة، ولسان يردد: "يمهل ولا يهمل". حتى انتهوا، واعترف كل منهم للآخر أن الحقوق قد ردت لأصحابها، وأن الله جمعهم بدون ميعاد ليطمئن كل منهم الآخر ويؤكد له أنه كان على حق.
عادت ماجدة للمنزل، وفي طريقها أجرت اتصالًا بماسة لتؤكد لها ضرورة الحضور لأمر هام. وصلت ماجدة للمنزل لتجد ميار، التي تولت لها مهمة تجميع الملابس في الحقائب لحين عودتها. وجدتها جالسة في غرفتها أمام الحقائب بعد أن أعدتهم، شاردة الذهن. ربتت على كتفها، فالتفتت لها ميار، لتجد مقلتيها مليئتين بالدموع. اندهشت ماجدة من منظرها وسألتها بتعجب: "مالك يا ميرو؟ ضغطت ميار على شفتيها، وكأنها تريد أن تخرس نفسها،
ثم نطقت بكلمة واحدة: "خايفة." بدأت تجهش بالبكاء. احتضنتها ماجدة، مربتة على ظهرها، تحاول طمأنتها، وهي تتعجب من حالها: "خايفة من إيه بس؟ ده أنا جايبالك خبر يفرحك ويفش غليلك. لو تفسريلي خايفة من إيه؟ ظلت ميار تنتحب، عاجزة عن توضيح سبب رهبتها. حاولت تهدئة حالها، فكفكفت دموعها. أردفت ماجدة، محاولة تغيير الحوار: "خلاص بقى، عايز أشوف عملتي إيه. قوليلي لميتي كل الهدوم؟ هزت ميار رأسها إيجابًا.
استطردت ماجدة: "كويس، عشان ماسة جاية وعندي ليكوا حكاية عجب." تممت ماجدة على حقائب اختها، وجمعت بعض مستحضرات التجميل التي جلبتها لها في حقيبة أحضرتها خصيصًا من أجلها. لتصل ماسة، وبعد التحيات، جلسن ثلاثتهن على الفراش، ميار وماسة بجوار بعضهما، وجلست ماجدة أمامهن. بدأت ماجدة بسرد ما استمعت إليه عند المصممة، مثيرة لفضولهن: "تخيلوا ندي المصممة تبقى مين؟ تعجبت ميار وماسة ونظرتا لبعضهما.
أجابتها ماسة: "أنا أصلًا معرفش أن المصممة اسمها ندي عشان أعرف تبقى مين! انطقي يا ماجي وخلصي." أومأت ماجدة وقالت: "حاضر حاضر... ندي طلعت أخت مروان، طليق نورا، مرات حسن." حاولت ميار كتم ضحكتها، بينما سخرت ماسة من جملة ماجدة: "والله بصراحة، وضحتِ وبزيادة." ثم صاحت بها: "ما تتكلمي يا بت وبطلي ألغاز، عرفنا أن دي ندي، هنعرف كل دول؟ ضحكت ماجدة وحاولت تهدأة ماسة، بينما ميار ظلت تضحك على مشاداتهن.
بدأت ماجدة بتوضيح حديثها: "اهدوا بس، هفهمكم، بس متقاطعونيش." نظرت تجاه ميار بابتسامة: "ربنا حب يطبطب على قلبك ويقولك أن حقك رجع. ومش بس كده، ده رتب الأمور عشان ميعجبناش أي فساتين ونروح للمصممة دي بالذات." حركت ميار رأسها بعدم استيعاب ونظرت لها بتساؤل. أردفت ماجدة: "رحت للمصممة ندي اللي بتظبط لنا الفساتين، عرفناها دي!
وأنا بقولها على بعض الملاحظات، لقيت بنت دخلت سلمت عليها جامد، عرفت إنها صاحبتها. المهم، لاقيتهم بيتكلموا عن واحد اسمه حسن، وحسيت من كلامهم أنه حسن طليقك يا ميار." ازداد انتباه ميار، وبدأ قلبها يخفق رعبًا من مجرد ذكر اسمه. أكملت ماجدة: "وعرفت أنه اتجوز... زاد فضول ماسة، فحثت ماجدة على الاستمرار: "عرفتي إيه؟ كملي! ماجدة، وهي تتابع
ملامح أختها المضطربة: "عرفت أن مرات حسن من النوع الطماع والقادرة. يعني لما عرفت أنها مبتخلفش، هددت جوزها أنه لو طلقها، يتنازل عن العفش وكل حاجة، وإلا هتطلع عليه سمعة أنه عاجز." صدرت شهقة من كل من ماسة وميار. عقدت ماجدة حاجبيها وتساءلت: "يعني إيه يا ميرو؟ نظرت ميار للأسفل خجلًا، بينما ماسة حاولت السيطرة على ضحكتها، وقالت لها محاولة تغيير الحوار: "هبقى أفهمك بعدين، المهم كملي." استطردت ماجدة،
معلقة ومكملة: "المهم، وافق بالرغم أنها مجابتش حاجة في الجواز خالص، وكان واخدها بشنطة هدومها. بس جوزها عشان يخلص منها، لأنها كمان كانت قادرة ومتتعاشرش، فرضي وتنازل عن كل حاجة، وهي أخدت العفش كله. وهو يا عيني هيبدأ من أول وجديد. طبعًا، لما ظهرت قدام أم حسن عروسة وشابة وجميلة ومعاها العفش، يعني فرصة متتعوضش، قامت أم حسن خطبتها لابنها وهي متعرفش أنها مبتخلفش. الكارثة بقى أن نورا، عشان توافق تتجوز حسن من غير عفش، اشترطت
يكتبوا الشقة باسمها. وبالفعل كتبوا الشقة باسمها، وبقالهم شهر ونص بس. وبتقولك مطلعة عينهم ومخلية أم حسن هي اللي تعمل كل حاجة، وهي حاطة رجل على رجل وتعمل مونيكير وباديكير قدامها، لما الست هتتنقط وهتتشل قريب. وحسن مبينطقش، أصلهم لو نطقوا هتطردهم."
نطقت ماسة، وعيناها جاحظتان، سائلة بتعجب: "يا سبحان الله، طب ده زي ما بتقولي مبتخلفش، هيعملوا إيه؟ ابتسمت ماجدة بسخرية وقالت: "مانا سألتهم السؤال ده، قالتلي مش هيقدروا يعملوا حاجة، لأن من طمعهم مسألوش وراها وتعرفوا متأخر. وطبعًا، بسيطة جدًا، هي معاها الشقة، ده غير أنها بتهدد حسن أنها هتطلع عليه سمعة أنه ماشي بالوسائل المساعدة عشان كان متجوز قبلها." ثم وجهت نظرها لميار، مكررة سؤالها بتعجب: "يعني إيه؟
وإيه الوسائل المساعدة دي يا ميرو؟ حاولت كل من ماسة وميار كتم ضحكاتهما. تعقبت ماسة: "وطبعًا، محدش هيرضى يجوز بنته لواحد كده." ثم وجهت ماسة سؤالها لميار: "هو كان كده فعلًا يا ميرو؟ نظرت ميار للأسفل، واحمر وجهها خجلًا، ثم أومأت برأسها إيجابًا، وهي تغلق عينيها، تحاول ألا تتذكر هذه اللحظات. انتابها بعض الذكريات المؤلمة. انتبهت على تربيت ماجدة لها قائلة: "لا، ما أنا كده مش فاهمة. ومحدش عايز يفهمني، ما تفهموني يا بنات."
لخرطت كل من ميار وماسة بالضحك. اشتعلت ماجدة غضبًا، قائلة: "كده؟ هو ده جزاتي؟ طب مش عايزة أفهم منكم حاجة، أنا هسأل نضال، هو مبيخبيش عليا حاجة." هنا انطلقت ضحكات صاخبة من ميار وماسة، ولم تستطع أي منهن إيقاف ذاتها. غضبت ماجدة وحاولت تركهم، إلا أن ميار حاولت اللحاق بها وأمسكت بيدها، حتى هدأت من نوبة الضحك الهستيرية التي تملكتهم. ثم قالت بوسط ضحكاتها: "أوعي تسألي نضال، ده عيب، هتفهميها بعدين." ضحكت قليلًا.
تعقبت ماسة من وسط ضحكاتها: "داهية، لو كان نضال كده." وانخرطتا مرة أخرى بالضحك. هبت ماجدة غاضبة: "أنا هسأل ماما." قفزت كلاهما عليها لتمسك بها، ليقعن ثلاثتهن على الفراش منخرطات بالضحك الهستيري. ***
جاء اليوم المنتظر، ليهنأ جواد بحفل حناء مميز أعده له أصدقاؤه على الطراز السوري. أعدت إخلاص بعض الأطعمة السورية المميزة لهذا اليوم، وبدأت تغني أغاني سورية. جواد ويزيد ويزن ونضال يرقصون الدبكة احتفالًا بالحناء، ومعهم غزل وغرام اللتين استمتعتا كثيرًا باليوم.
ثم توجهوا جميعًا لمنزل العروس حاملين الحناء، ويتقدمهم جواد. إخلاص تغني وتنثر الحلوى والزهور أمامه، لتفرش الطريق أمامه بالزهور والحلويات. تلتقط الأطفال الحلوى من الهواء وسط التصفيق والفرحة العارمة التي تعم على الجميع.
حتى وصلوا لمنزل العروس، لتتقدمهم إخلاص وتحتضن ميار وتزغرط، وتعيد شدو الأغنية التي لطالما تمنت أن تغنيها بفرح ابنها. ولكن مع اختلاف مشاعرها، فالمرة الأولى غنتها لميار كان نياط قلبها يتمزق حزنًا، ولكن اليوم تشعر وكأنها تطير فرحًا. ظلت تغني وتزغرط وهي محتضنة ميار، التي نسيت نفسها بأحضان إخلاص، لتشدو بنبرتها السورية الجميلة قائلة: "بسك تجي حارتنا .. يا عيوني .. وتتلفت حوالينا .. الله الله
عينك على جارتنا .. يا عيوني .. ولا عينك علينا .. دخيل الله وش جابك ع حارتنا .. يا عيوني .. وتتخبا بالقراني .. الله الله وعرايس ماكو عنٌا .. يا عيوني .. ويا عويد الخيزراني .. الله الله بين بيروت وبين الشام .. يا عيوني .. مرقت سيارة حمرا .. الله الله وهاي سيارة حبيبي .. يا عيوني .. وأنا عرفتا من النمرا .. الله الله"
وقف جواد ودمعت عيناه فرحًا. وقف الجميع أمام هذا المشهد الذي لم ولن يتكرر. حتى قطع هذا المشهد محمد، الذي صاح قائلًا: "يا جدعان، يلا، في عروسة تانية مستنياني. انتوا مش حاسبني في الليلة دي ولا إيه؟
ضحك الجمع، وبدأ يستعد للذهاب لماسة. بالفعل، توجّه الجميع بالسيارات إلى منزل العروس ماسة. أخذ جواد ميار بسيارته، واستأذن والدته بالركوب مع نضال. فخضعت إخلاص لرغبة جواد. اتجهت إلى نضال، الذي كان للتو يقنع ماجدة بالركوب معه. أخيرًا وافقت. ليرى إخلاص تخبره بمطلب جواد. لينظر نضال إلى جواد، الذي نظر له مستعطفًا. فتمتم نضال هامسًا: "يعني مش قادر تصبر لبكرة؟
فقولت تقطع عليا النهاردة." ثم التفت لإخلاص مبتسمًا ابتسامة صفراء، قائلاً لها من بين أسنانه: "لحظة يا طنط، راجع حالًا." واتجه مباشرة إلى يزن، الذي كان يقدم غزل للجلوس بجواره بالسيارة. وقبل أن يفتح باب السيارة الأمامي لها، وقف أمامه نضال يستحلفه بأن يستضيف إخلاص معهم بالسيارة، بما أن يزيد وغرام معهم، إذا فهم، لن يظلوا بمفردهم. وقبل أن ينطق يزن، تسرعت غزل كعادتها،
لتقول مرحبة: "طبعًا، طنط إخلاص تشرف، وهتركب مكاني قدام كمان. وأنا بنفسي اللي هعزمها." وبالفعل، تركت يزن يكاد يخرج دخانًا. فينظر لنضال قائلاً: "شايف." ليكتم نضال ضحكته ويربت على كتفه قائلاً: "بالشفاء." وصل نضال إلى إخلاص وماجدة، ليجد غزل تعرض على إخلاص استضافتها بالسيارة معهم. فوافقت إخلاص، فهي أدركت الموقف تمامًا، والتمست لهم العذر، داعية لهم بالسعادة هناء البال.
بداخل سيارة جواد، استقرت ميار بالمقعد المجاور له، وقد ارتفع لديها مستوى الأدرينالين من كثرة التوتر التي شعرت به بقربه. ظلت تفرك في يدها، حتى وضع جواد كفه على يدها قائلاً: "أخيرًا نورتي عربيتي تاني. أخيرًا ربنا جمعنا تاني مع بعض." ثم رفع يدها لفمه وقبلها قبلة طويلة. بينما ميار كانت مغمضة العينين، تستعيد كافة المشاعر والذكريات. لينظر لها جواد ويبتسم، ثم يتجه بنظراته للطريق قائلاً: "أنا مش مصدق نفسي. أخيرًا أطيب وأجمل واحدة في العالم بقت من نصيبي. يارب قرب البعيد بقى."
ظلت ميار مغمضة العينين، تهمس لذاتها: "يارب يا جواد، متكرهنيش يااارب." في سيارة نضال، كاد أن ينطلق بسيارته وهو يقول: "يااااه، أخيرًا بقينا مع بعض لوحدنا شوية، دانا... قطعت ماجدة حديثه عندما رأت اثنتين من صديقاتها قد حضرتا، لتنادي عليهن. ثم التفتت لنضال قائلة: "استني استني يا نضال، زمايلي هيجوا معانا." اتسعت نظرات نضال. بينما نادت ماجدة على زميلاتها ليستقلوا السيارة بالخلف، فيقترب نضال من ماجدة هامسًا
لها: "مش هعدي الموضوع، خلي بالك." لوحت ماجدة له بيدها، ثم بدأ ينطلقا بالسيارة وسط الأغاني وصيحات الفتيات والتصفيق. وكلما يحاول إمساك يدها، تتملص منه بحجة التصفيق. أما يزن، الذي باءت خطته بالفشل، لتستقل إخلاص بجواره. واستقل كل من يزيد وغرام وغزل المقعد الخلفي. لا ينكر يزيد سعادته باقتراب غرام منه، ليمسك كفها ويقبلها تحت أعين يزن الذي يستشيط في الأمام. فيطلق بوق السيارة بغيظ. لتتفهمه غزل وتضحك على حاله.
وصلوا بالفعل إلى منزل ماسة، والتي كانت الأضواء والأصوات تدل على الحال. ليتقدم محمد ووالدته وأخواته يزفونه بالزغاريد، ويتبعونه الشباب حتى وصل محمد أمام عروسه ليضمها فجأة أمام الجميع. فتشهق ماسة وتختبئ خجلًا في صدره. ليربت على ظهرها هامسًا لها بأذنها: "أنتي مراتي على فكرة."
لتومأ ماسة برأسها في صدره. فيخرج رأسها ويقبل جبينها، ويبدأ معها الرقص والاحتفال. لينتهز نضال الفرصة ليسحب ماجدة جانبًا ويستقر بها بمكان ناءٍ عن الجمع. لتجد نفسها بغرفة من الغرف، لتنظر حولها وتشهق قائلة بعدم استيعاب: "يخرب بيت شيطانك! إيه اللي عملته ده؟ انت عارف إحنا فين؟ لم تدرك حالها أنها حرفيًا في أحضانه، فقد احتجزها بين يديه خلف باب الغرفة. لينطق بصوت رخيم وبنبرة هامسة هزت وجدانها، ونظراته
تجول على ملامحها من قرب: "مش عارف أتلائم عليكي من الصبح... نفسي أقولك وحشتيني... تهربتي مني بالعربية، لكن هنا مش هتعرفي تهربي." وكأن صوته تعويذة أطلقت عليها، لتدرك حينها مدى قربه. ولتنظر حولها، فتجد نفسها تقريبًا بأحضانه، فقط يبعد عنها سنتيمترات. ليخفق قلبها بشدة رهبة ورغبة، لا تعرف ماذا تفعل في هذه المواقف. كل ما أدركته أن أسوارها التي تشيدها حول شخصيتها قد انهارت من قربه، قد تحطمت من أنفاسه.
حاولت أن تصمد حتى تخرج من هذه الشرنقة، فحاولت التحدث، ولكن ذهب صوتها هباءً. فتحركت شفتاها بدون أن تصدر صوتًا، وكأنها كانت دعوة منها له لتقبيلها. لتغمض هي عيونها، تتخذ نفسًا عميقًا حتى تستطيع التحدث. بينما هو انتهز الفرصة ليقترب منها ببطء محبب، لتشعر هي بأنفاسه الساخنة تلهب بشرتها، فتزيد من إغماض عيونها.
ليلتهما هو شفتاها بتلذذ وبطء، بينما هي شعرت بنفسها أنها كالثلج تذوب ذوبًا من قربه المهلك هذا، فلم تستطع الثبات على أقدامها، ل تكاد تسقط لولا يده التي لحقت بها وأمسكها من خصرها. ليبتعد عنها قليلًا بقلق عليها قائلاً: "ماجي، مالك؟ أنا آسف، مقصديش أتركك كده." تحاول ماجدة الوقوف على أقدامها، وهي تشعر بأنها تلهث، وكأنها كانت بعدو مرهق. ولم تستطع النظر له، لتقول بهمس والخجل يزين وجهها: "لو سمحت... عايزة أخرج."
يمرر نضال إصبعي السبابة والوسطى على وجنتيها ويبتسم قائلاً: "مكنتش أعرف أنك بيور أوي كده... أنا بجد محظوظ بيكي يا ماجي." ثم اقترب من أذنها قائلاً بهمس: "أنا بحبك على فكرة." لتغمض عيونها تلذذًا بهذه الكلمة، وتطلق تنهيدة عالية. ليفتح بعدها باب الغرفة ويشير لها بيده قائلاً: "اتفضلي." انتهى الحفل، وذهب كل فرد لمنزله المؤقت لحين الالتقاء للغد، ينعم كل منهم بأحلام يتمنى تحقيقها بالواقع.
إلا ميار، فقد شعرت أنها تتقلب على فراشها كالتي تتقلب على جمر من نار. فمنذ انتهاء حفل الحناء وانفرادها بذاتها، وهي تفكر وتحاول جاهدة إبعاد هذه الأفكار والذكريات السيئة عن عقلها. تحاول طمأنة حالها أن جواد غير حسن، ولكن هيهات، فهذا يزيد الطينة بلة. إذا كان جواد غير حسن، فهي من ستظلمه معها.
حاولت جاهدة النوم للهروب من هذه الأفكار السوداء، تحاول إقناع ذاتها أنها أخيرًا ستنعم بقرب حبيب القلب، حتى غلبها النعاس أخيرًا، ربما من كثرة التفكير، وربما من كثرة المجهود. استيقظت ميار على صدوح صوت هاتفها، فتحسست الكوميد بجوارها والتقطت الهاتف، لتجيب بنعاس واضح بنبرة صوتها دون النظر لشاشته: "آلو." ولتسمع إلى المتحدث، والذي قال: "يا صباح الهنا والسعادة... يا صباح القلوب الطيبة... يا صباح الجمال كله."
اعتدلت ميار بجلستها، ونظرت لهاتفها، لتجد أنه جواد من يحدثها. إذا أذنها لم تخطئ، لتبتسم تلقائيًا وتجيب عليه بصوت متحشرج من أثر النوم: "صباح الخير، صحيت إمتى؟ "لسه حالًا، أول ما فتحت عيني قولت لازم أصحى على صوتك. هانت، كلها ساعات النهار وبكرة إن شاء الله أصحى على وشك القمر. ياااه يا ميرو، أنا مش مصدق، ده كان حلم حياتي، بجد مش مصدق أنه هيتحقق." لاحظ جواد صمتها وأنفاسها العالية، ليعقد
حاجبيه ويستائل بريبة: "إنتي ساكتة ليه يا ميرو؟ إنتي نمتي؟ تنحنت ميار قائلة بخجل وتوتر: "جواد..... توعدني مهما يحصل مني تعذرني ومتكرهنيش." "مقدرش أكرهك. في حد بيكره نفسه يا ميرو؟ إنتي نفسي وحياتي وقلبي اللي بيدق ده بيدق بسببك."
لا يعرف سبب رهبتها وسؤالها هذا، ولكن كل ما أراده أن يطمئن قلبها، ليكمل مردفًا: "وبالنسبة للعذر اللي عايزاني أديهولك، أحب أقولك إنتي اعملي ما بدالك ومتشليش همي خالص. أنا في حياتك عشان أشيل عنك الهم. سامعة يا ميرو؟ ارمي همومك عليا ومتشغليش بالك غير بميرو وبس."
شعرت وكأن الابتسامة تخط ثغرها، والأمان يدق بابها، فقد وجدت الحنان التي تمنته. وجدت من يطمئن قلبها دون حتى أن يسألها عن السبب. حقًا شعرت أنها وجدت السند، لتهتف بصوتها الرقيق دون وعي منها قائلة بهيام تام: "أنا بحبك أوي يا جواد....... بحبك أوي." هب واقفًا، تتعالى أنفاسه من الفرحة، يخبرها أنه سمعها جيدًا، سمعها ويريد أن تكررها: "قوليها كمان..... وحياتي عندك، قوليها كمان." رمشت بأهدابها عدة مرات حين أدركت أنه سمعها،
لتحاول الفرار منه: "ماما بتنده عليا...... هروح أشوفها، باي."
أغلقت الهاتف، ثم وضعت يدها على صدرها الذي يعلو ويهبط من كم المشاعر الفياضة التي شعرت بها، تحاول تهدأة حاله. ظلت تجلس على فراشها تنظر للاشيء، والابتسامة تزين وجهها، ابتسامة عيونها قبل ابتسامة ثغرها. ظلت تداعب شعرها شاردة بأحلامها، تعود بذكرياتها لعام سابق، تتذكر أحداثهم المحببة لقلبها، حتى هداها عقلها لذكرى السلسلة. فاتسعت ابتسامتها، واستقامت من فراشها، توجهت إلى مرآتها لتنظر لنفسها بالمرآة، تصفف شعرها بهيام. ثم استخرجت السلسلة وارتدتها، لتحسسها على جيدها، وكأنها تجدد العهد.
لم أعرف هل عدت إلى دلال حبك أم عدت أنا إليها! كل ما أعرفه أن بعودتك قد عادت إلي نفسي. ولم يعد سببًا لإخفائه، بل حان وقت بزوغها للجميع. لم تشعر بحالها إلا حين ربتت والدتها على كتفها، لتلتفت إليها، لا تعرف متى دخلت أو كيف دخلت غرفتها. لتبتسم الأم قائلة لميار: "بسم الله ما شاء الله، وشك بدر منور، والفرحة هتنط من عيونك. ربنا يهني قلبك يا بنتي ويبعد عنك الهم والحزن، قادر يا كريم."
ثم فتحت ذراعها، لتستقر ميار داخل أحضانها. فتحسست عزة على ظهرها قائلة بأسف: "سامحينا يا ميار..... سامحينا يا بنتي." تخرج ميار من أحضان والدتها، لتزيل دموع والدتها قائلة بابتسامة، وكأنها تصالحت مع نفسها: "متعيطيش يا ماما، أنا مش زعلانة من حد فيكم. أنا عارفة أن ده نصيب وكان لازم أخده. وراضية بيه كمان، عشان العوض بعده كان جميل، جميل أوي يا ماما."
لم يسع الأم سوى إطلاق زغرودة تعبر بها عن فرحتها وسعادة ابنتها. ثم احتضنتها ثانية، لينتبها كلاهما على ماجدة، التي تقف على باب الغرفة تفرك بعيونها قائلة بصوت ناعس: "إيه الزغاريد دي كلها؟ مش هنعرف ننام في البيت ده ولا إيه؟ ضحك كل من ميار وعزة. لتتجه عزة لماجدة تصفعها على رأسها من الخلف قائلة باستهزاء: "اصحى يا أختي...... كفاية نوم النهارده، ورانا مليون حاجة." عبست ماجدة قائلة: "طب بتضربيني ليه طيب؟ هو أنا عملت حاجة؟
لم تهتم عزة لحديث ماجدة، بل التفتت لميار قائلة: "يلا يا ميرو، ادخلي خدي دش بتاعك يا حبيبتي، عقبال ما أختك ما تجهز لك الفطار، والحق أشوف اللي ورايا قبل ما حد يجي." وزعت ماجدة نظراتها بين ميار ووالدتها، لتدبدب بقدمها متوجهة للفراش، متمتمة لنفسها: "هو كل مرة هي تستحمى وأنا أعمل الفطار؟ إمتى بقى أستحمى أنا وهي تعمل الفطار؟ "قريب جدًا إن شاء الله." التفتت ماجدة لترى وجه أختها قريبًا منها وتبتسم. ثم ربتت ميار
على كتفها لتكمل جملتها: "وساعتها هعملك أحلى فطار كمان." ابتسمت ماجدة، ثم هبت واحتضنت أختها بكل سعادة وحب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!