الفصل 16 | من 47 فصل

رواية معدن فضة الفصل السادس عشر 16 - بقلم لولي سامي

المشاهدات
19
كلمة
4,843
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 34%
حجم الخط: 18

خرج نضال ويزن ويزيد من منزل جواد، قرروا التوجه لمكان لاستكمال سهرتهم. وبرغم اقتراح يزن عدة أماكن، إلا أن يزيد، أخاه، كان دائمًا معارضًا لهذه الأماكن لما بها من تجاوزات لم تعجب يزيد. حتى وصل الحال إلى الجلوس على مقهى بالحسين. فتوجهوا ثلاثتهم إليه، مع تذمر يزن قائلاً: "كل لما نتجمع مع بعض نيجي هنا، يا عم غير ولو لمرة واحدة." جلس يزيد بكل أريحية قائلاً: "أنا برتاح هنا، مليش في العك بتاعك." نطق نضال محاولًا إسكاتهم:

"ما تبس انت وهو، أنا قاعد وسط عيال ولا إيه؟ والله آخدكم تكملوا سهرتكم في البورش." زم يزن شفتيه معارضًا فقال: "خده هو يجرب البورش، هيرتاح فيه. أنا عن نفسي بجرب حاجات تانية……" ثم قطع حديثه وهو يلتفت بنظره على شيء، مطلقًا صفيرًا عاليًا، ثم عاد بوجهه إليهم ثانيًا قائلاً: "لا خلاص، حبيت المكان، ده اتغير خالص." هز يزيد رأسه رافضًا أفعال أخيه، بينما ابتسم نضال معلقًا:

"مفيش فايدة فيك، مش هتتغير أبدا. يا عم اتقل شوية، مش كدة." لوح يزن بكفه قائلاً: "اه، مانت قاعد في الجامعة شايف أشكال وألوان، لكن إحنا منفوخين في المحل، كل فين وفين نشوف وجه حسن." تذكر يزيد من حديث أخيه صاحبة الوجه الحسن، فشرد قليلًا. بينما يزن أشار لنضال ليقترب منه هامسًا له: "صحيح، بمناسبة الجامعة، كنت عايزك في مصلحة كدة." نظر له نضال مستفسرًا، فأجاب يزن قائلاً باختصار وبصوت هامس: "مش قدام يزيد."

ثم غمز بعينه ليفهمه نضال، وبدأوا في طلب المشروبات. ليلاحظ يزن شرود أخيه، فنكز نضال قائلاً: "واخد بالك انت؟ اهو كدة من امبارح." نظر نضال تجاه يزيد، لينكزك قائلاً: "لو في واحدة مدوخاك، قولي بس وملكش دعوة." ليعلق يزن ساخرًا: "لا يا عم، يزيد محترم وملوش في الحاجات دي." ضحك كلا من نضال ويزن، ليستقيم يزيد قائلاً بضيق: "انتوا هتبدأوا الحفلة عليا؟ أنا مش فايقلكوا." أمسك يزن يده قائلاً: "امال فايق لمين بس، قولي؟

قول قول، متتكسفش، دانا أخوك وهفيدك من تجاربي." أزاح يزيد يد يزن ونظر له بامتعاض، وانطلق ذاهبًا للمرحاض. ضحك يزن ونضال بملء فمهم، ليسأله نضال مستفسرًا: "مال يزيد يالا؟ تعرف إيه أنا معرفوش؟ حرك يزن كتفيه لأعلى قائلاً: "علمي علمك، والله اهو كدة من امبارح. المهم، سيبك من يزيد، خليك معايا أنا." سأله نضال بنفاد صبر: "خاااااير، عايز إيه؟ مبطمنش ليك ولا لاحتياجاتك." رد يزن ببراءة مشيرًا على نفسه قائلاً: "أنا!!

دانا طيب والله، بس انتوا بتفهموني غلط. المهم، قبل ما يزيد يرجع، كنت عايز منك خدمة، بما إنك بالجامعة وكدة، تجبلي بيانات بنت كدة من عندكم." اعترض نضال هادرًا بوجهه قائلاً: "انت اتجننت يالا ولا إيه؟ لا طبعًا، اللي بتقوله ده مينفعش." يزن محاولًا استعطافه: "ليه بس يا نضال؟ دانا عايز أعرف اسمها بس، وفي كلية إيه، وانت عارفها وهتعرف تجبلي المعلومات دي، بس مش معلومات تانية يعني." تعجب نضال من طلبه، من هذه التي يعلمها، فقال:

"لا، فهمني الموضوع من الأول، ومين ده اللي أعرفها واسمها إيه؟ "انت غبي ولا إيه؟ " نطق بها يزن، ليجلبه نضال من مقدمة قميصه قائلاً: "ا ا ا ييييييه؟؟ ليوضح يزن سريعًا ما يقصده وهو يحاول فك قميصه من أيدي نضال: "مش قصدي يا أخي، أهدى بس، أنا لسه بقولك عايز أعرف اسمها، وانت بتسألني اسمها إيه، بس مش أكتر! عقد نضال جبينه مندهشًا قائلاً: "أنا افتكرتك عايز تعرف اسمها بالكامل!! لوح يزن بيده قائلاً: "وهعمل باسمها بالكامل إيه؟

هتجوزها يعني!! حرك نضال رأسه مستفسرًا: "امال انت عايز إيه بالظبط؟ أنا مش فاهمك يالا." أخذ يزن يذكر نضال بالفتاة التي تجاهلته عن عمد في المحل، ويطلب منه معرفة اسمها وكليتها حتى يرد لها الصاع صاعين. ليرفض نضال قائلاً: "انت عبيط يالا؟ حد قالك عني مركب…. ؟؟ وكمان مش فاهمك الصراحة. بنت محبتش ترد عليك، استثقلت دمك يا عم ومشيت، إيه المشكلة يعني؟ حرك يزن رأسه وظفر أنفاسه قائلاً:

"يا عم، أنا كنت فاهمك أسهل من كدة و ق…. وإيه بس اللي مركبها؟ هو أنا لا سمح الله هعمل فيها حاجة؟ ابدا والله، فهمتني غلط. أنا بس لو عندها عربية، آخرملها الكاوتش، أجرحلها العربية وأمضيلها عليها، بس كدة يعني، مش اللي بالك فيه. وكمان عيب عليك تشك فيا كدة، علشان أنا مش كدة وأنت عارف." ضيق نضال عينيه قائلاً: "ما المشكلة إني عارف، بس طلبك غريب ويشككني فيك الصراحة." حرك يزن كتفيه باعتراض قائلاً:

"ولا غريب ولا حاجة. مبحبش بس حد يعلم عليا، وخاصة لو بنت، مش أكتر." تذكر نضال شيئًا آخر، فشرد للحظات، فنكزه يزن قائلاً: "هاااا؟ قولت إيه يا عم، هتساعدني؟ أومأ نضال برأسه قائلاً: "هساعدك، بس بشرط؛ المقلب يكون قدامي، والليلة كلها تبدأ وتخلص وأنا واقف سامع، يا يزن، علشان بعد كدة البنت ده هتبقى في حمايتي، وانت عارف." فرح يزن لشعوره أنه قارب على الوصول لهدفه، فاقترب فجأة وقبل نضال من وجنته قائلاً: "عارف يا أحسن باشا."

امتعضت ملامح نضال ومسح قبلة يزن، هادرًا به قائلاً: "يخرب بيت شيطانك! هتجبلي شبهه؟ اقعد يالا واتعدل كدة، بدل ما أعدلك أنا." أقدم عليهم يزيد هازئًا مما رآه فقال: "إيه اللي شفته من شوية ده؟ نظر يزن لنضال مبتسمًا، بينما نظر نضال ليزن ممتعضًا. ليعلق يزيد عليهم ساخرًا: "لا باين من نظراتكم، واخدين بعض على حب."

لينطلق الثلاثة ضاحكين، وتبدأ سهرتهم التي تختلف عن كل سهرة ماضية، فكل فرد منهم حاضر بجسده وذهنه غائب، يحاولون إظهار ما يخفيه باطنهم. *** التفتت العيون إلى جواد فور وضعه لكأس العصير واعتذاره لوالدته. وهوت القلوب من نبرة حديثه الجادة، حتى شعرت العروس أنها لم تلق استحسانه فور رؤيته لها، فابتلعت ريقها. بينما جواد أكمل حديثه دون أن يلتفت لأحد، ليكمل لوالدها قائلاً:

"إحنا جايين النهارده علشان نتعرف عليكم، ونطلب منكم إيد الآنسة……" لم يتذكر اسمها، فهو لم يكن بكامل تركيزه في بادئ الحديث، ولكنه أراد أن ينهي الأمر، فعزم على استمرار كلامه قائلاً: "ليا، ده لو مفيش مانع عندكم." اندهش الجميع من طلبه، وأخذوا ينظرون لبعضهم، حتى والدته. فالمتفق أنها جلسة تعارف ليس إلا. كما أنه لم يعلم اسمها بعد، فماذا حدث؟ هل معقول أعجب بها من مجرد نظرة؟

ولكن، لم يستغرق لحظات في رؤيتها. نفضت الأم عن رأسها كل هذه الأفكار حين استمعت لحديث والد العروس وهو يقول: "أو ا ا ا م كدة يا ابني، دانا حتى ملاحظ إنك متعرفش اسم العروسة لسه؟ حاولت إخلاص إنقاذ ابنها فقالت: "هو جاي على السمعة الطيبة يا حج هاني، وهايدي بسم الله ما شاء الله جمال وأدب وأخلاق وبنت ناس طيبين." ابتلع جواد ريقه، ثم أكمل قائلاً:

"لو مفيش عندكم مانع والآنسة هايدي موافقة، أتمنى كل حاجة تتم بأسرع وقت. أنا الحمد لله مقتدر وأقدر أفتح بيت من بكرة، واللي تؤمروا بيه أنا جاهز."

أغلقت إخلاص عيونها واستشعرت هروب ابنها من مأزقه بهذه الطريقة. نعم، كانت تتمنى أن تفرح به، ولكن الآن شعرت أنه يلقي بنفسه في مهب الريح دون أن يحسب خطواته القادمة. فتحت عيونها تستشف ردود فعل أهل العروس، لتجد أنهم في أوج فرحتهم. فالعروس كادت أن تقفز مقبلة جواد من نظراتها المسلطة عليه. ووالد العروس ووالدتها، الفرحة تكاد أن تخرج من عيونهم. لينطق والد العروس بالموافقة، فتطلق والدة العروس زغاريد عدة معبرة عن فرحتها، وأخذت تحتضن ابنتها مقبلة إياها ومباركة لها.

ثم توجه والد العروس محتضنًا جواد قائلاً وهو يربت على كتفيه: "مبروك يا ابني، ألف مبروك." انتبهت فوزية للوضع، فهي لم تبارك لجواد بعد ولا لوالدته، فنكزت ابنتها هامسة بأذنها: "تعالي نسلم على الست، شكلنا وحش."

انتهت المقابلة بعد أن اتفقا على كل شيء دون الاعتراض من جواد على أي مطلب من طلباتهم، وكأنها عروس العمر التي تمناها طيلة حياته. ليصلوا إلى منزلهم والصمت يخيم عليهم. لا أحد يعلم هل ما حدث صحيح أم لا، ولكن كانت إجابة جواد لنفسه الأهم، وهي: يكفي أن يريح ميار ويبعد عنها كل الشكوك. *** عاد محمد إلى منزله ليجد والده بانتظاره فقال له: "كويس، أنا كنت عايزك يا بابا علشان……" قطع توفيق حديثه قائلاً:

"أنا اللي كنت عايزك علشان أبلغك إن حسن اتصل بيا وبيقول إنه عند خاله علشان تعبان، وبيحاول يتصل بميار كتير بس فونها مقفول. وأنا قولته إننا هنطمن على أختك الأول، وبعدين يبقى يجي ياخدها تكون ارتاحت شوية." صعق محمد من قرارات أبيه فقال معارضًا: "ليه كدة يا بابا؟ ليييييه؟ يعني إيه يجي ياخدها؟ حسن ميستاهلش ميار، وقولنا كدة قبل الجواز وطلعتنا مش فاهمين. دلوقتي بعد ما بهدلها، لسه مصر ترجعهاله ليه؟

"علشان ده نصيبها. وشوية شوية هياخدوا على بعض، مش من تلات شهور مرتاحتش، نطلقها؟ خراب البيوت مش بالساهل، وسمعة بنتنا هي اللي هتتأثر لما تتطلق بعد تلات شهور. وقولت إني هتكلم معاه، مش هعدي الموضوع كدة." نطق بها توفيق سريعًا، وكأنه يريد أن يفرغ كل ما بجعبته حتى يقنع ابنه، أو بالاحرى أن يقنع نفسه أولاً. ولكن محمد لم يوافق، بل اعترض أكثر وثار قائلاً:

"أنا آسف يا بابا. المرة اللي فاتت خلتنا منتكلمش ونمشي وراك وميار اتبهدلت. المرة دي أنا مش هسكت، ولو وصلت أضربه زي ما ضرب أختي هعملها، وبعدها تبقوا تقرروا ترجعله ولا لا، بس الموضوع مش هيعدي بالكلام. عن إذنك."

وانطلق محمد متوجهًا لغرفته، مغلقًا بابها خلفه، وكأنه يريد أن يحبس نفسه حتى لا ينساق خلف أفكاره، وهو يشعر أن شياطين العالم تتلاعب بعقله. وود أن يذهب إلى من يدعى بالحسن، وهو بعيد كل البعد عن خصال اسمه، ويلقنه درسًا ليعلمه كيف تكون الرجولة. بغرفة ميار وماجدة، ظلوا صامتين. لا تعرف ماذا تقول ماجدة لأختها، حتى استمعوا إلى حديث محمد وأبيه. لتقول ماجدة وهي تصفق بيدها:

"جدع يا محمد، يارب يا حسن يا ابن أنوار تدوق قلمين من محمد يعدلوك إن شاء الله." ابتسمت ميار ابتسامة لم تصل لعيونها قائلة: "ليه بس كدة؟ واخوكي يروح في داهية ليه؟ نكزهتا ماجدة قائلة: "اقعدي ساكتة انتي، طيبة. اللي زي حسن ده جبان، ميعملش الهوا. لو أخد قلمين هيتكن مكانه." ثم ربتت على كتفها قائلة: "متقلقيش، خلاص بقينا أنا ومحمد، وتقريبًا ماما معاكي. قال حسن قال، ده أسوأ منه ما لاقيت!

ابتسمت كلا من ميار وماجدة، لينتبهوا على صدوح رنين هاتف ماجدة. فرأوا من ينير الشاشة باسمه، فخفق قلب ميار ونظرت بتعجب متسائلة. ماجدة فرفعت ماجدة حاجبيها وهي تمد يدها آخذة إياه قائلة بابتسامة: "لما نشوف عايز إيه؟ شكل قلبه حاسس إن الفرج قريب."

وتوجهت إلى الشرفة لتبتعد عن أختها، وفتحت الخط لتبدأ المكالمة التي غيرت ملامح وجهها للنقيض. وشعرت وكأن الزمن قد تكاتف على أختها وأنها عديمة الحظ، حتى الظروف لم تمهلها أن تسعد ولو قليلاً. دلتفت ماجدة للغرفة مجددًا ورأت الفضول في أعين أختها لمعرفة محتوى المكالمة. فزنت ماجدة شفتيها، واخفضت نظراتها للأسفل، وحمحمت بصوتها، ثم قالت بنبرة حزينة: "جواد بيسلم عليكي."

لم ترد ميار، بل انتظرت باقي الحديث، ونظرت لأختها بفضول أكثر. لتنظر لها ماجدة عندما وجدت منها الصمت، ثم اخفضت عيونها مجددًا لتكمل باقي حديثها قائلة بنبرة مهتزة: "خطب النهارده…… وبيقولك ربنا يسعدك." استمعت ميار لحديث أختها، وشعرت وكأن نياط قلبها يتمزق. لا تعرف لماذا؟

برغم علمها منذ زواجها أنهم لم يجتمعا ثانية، ولكن ربما كان لديها أمل في تغيير شيء ما. ربما الغيرة التي تشعر بها أن غيرها سينعم بكل هذا الدفء والحنان. ربما شعرت أنها عارية وليس هناك من يحميها مجددًا، فكانت تشعر هي بالحماية لمجرد وجوده حولها. ربما لشعورها دائمًا بالنحس لتكالب الزمن عليها وليس معها.

لم تشعر بعيونها وهي تزرف دموعًا، لم تشعر بأختها وهي تحتضنها وتربت على ظهرها. وكل ما شعرت به أنها تتوق للنوم، فسحبت نفسها من أحضان أختها دون التفوه بكلمة واحدة، ساحبة الغطاء عليها، وكورت جسدها على الفراش متخذة وضع الجنين، وكأنها تحتمي بداخل نفسها من شيء ما. *** بالجانب الآخر، بعد أن أغلق جواد هاتفه، شعر باختناق شديد وكأن روحه تفارق جسده. كان يظن أنه سيرتاح لمجرد شعوره براحتها، ولكن، هل بالفعل ارتاحت؟

هل شعرت الآن بالأمان؟ هل اطمئن قلبها لابتعاده؟ وأن حياتها ستخلو من المشاكل وظن الناس بها؟! تمنى أن يكون ما فعله صحيحًا، كما تمنى لها السعادة من كل قلبه. ولكن، غصة بقلبه تخبره أن هناك أمرًا غير صحيح. أرجعه لحالتها الصحية، فربما يشعر بانقباض روحه واختناق صدره لأنها ليست بخير. فتنهاد مقررًا الاطمئنان بنفسه على حالتها ليكمل ما كان ينوي عليه لولا ما حدث. ***

مضى يومان لم يختلف فيهما الحال كثيرًا، فكل على حاله. وحان اليوم وقت استلام نتائج التحاليل، ليتوجه محمد وأبيه لاستلام التحاليل، وقلوبهم ترتعد من توقعاتهم لما سيسمعوه. ونفس الحال كان بباقي من بالمنزل. إلا ميار، لم تهتم لما ستعلمه عن نفسها، فهي رأت أنها حياة لا تجد فرقًا إذا كانت بدون صحة أو بصحة، ما دامت تشعر دومًا بالتعاسة. ذهب كل من محمد وتوفيق للطبيب، وانتظروا دورهم، ثم دلفا إليه، وبعد سؤال الطبيب عن ميار،

قال له توفيق: "معلش، اضطرت تسافر مع جوزها، فقولنا نعرض عليك التحاليل لحد ما ترجع بالسلامة." أومأ الطبيب برأسه وأخذ يتطلع إلى كل التحاليل الذي طلبها، ومن ضمنهم تحاليل العائلة. لينحي كافة التحاليل جانبًا ما عدا تحليلين فقط قائلاً: "ده تحليل الأستاذ توفيق." ثم نظر له.

فاذرع لعاب توفيق توترًا، وأومأ برأسه، ليسأله الطبيب إذا ما اشتكى من قبل بأي عرض، واستفسر منه في عدة أسئلة، ليجيب توفيق على كل حديثه. ثم مسك الطبيب بالتحليل الآخر قائلاً: "وده تحليل مدام ميار." ثم وضع الطبيب التحليلين بجوار بعضهما على المكتب، لينظر لهم بوجه باسم قائلاً: "الواضح قدامي إن مدام ميار بتحب والدها جدًا، لدرجة إنها ورثت منه عدد كرات الدم البيضاء والحمراء كمان."

اندهش كلا من توفيق ومحمد، لينظروا لبعضهم، ثم للطبيب بنظرة قلقة مستفسرة. فلم يصمت توفيق وسأله بوضوح قائلاً: "حضرتك تقصد المرض اللي عند بنتي عندي أنا كمان؟ ابتسم الطبيب قائلاً بعملية تامة: "نص إجابتك صحيحة. فعلًا اللي عند بنتك عندك، أو بالأصح اللي عندك هو نفسه عند بنتك، لكن موصلش لمرحلة المرض." لم يدرك كلاهما مقصد الطبيب، ليستفسر محمد قائلاً: "معلش يا دكتور، ممكن توضح؟ إحنا بصراحة مش فاهمين حاجة."

أومأ الطبيب وخلع نظارته الطبية، ثم قال:

"أفهمك. عمومًا، في الطب بيكون فيه معدل لأي إنسان طبيعي في كل حاجة، في الطول والوزن والنمو. حتى عدد الكرات البيضاء والحمراء بتكون بتتراوح بين عدد معين. لو حصل زيادة أو نقصان، ده بيكون بمثابة جرس إنذار لينا كأطباء وللمريض، بنعرف من خلاله إذا كان فيه مشكلة بالجسم. وأحيانًا الأمراض دي بتكون وراثة، الأبناء بيتورثوها عن أهاليهم، وطبعًا بيكون فيه تاريخ مرضي في العيلة، أو على الأقل بتكون فيه شكوى حصلت، حتى لو صاحب الشكوى مهتمش."

أومأ محمد وتوفيق برأسهم، ليردف الطبيب مكملاً:

"في حالة ميار، كانت في نهاية المعدل الطبيعي اللي بينبهنا إن فيه مشكلة. وعشان كدة طلبت الأول أشوف الموضوع وراثي ولا لأ. ولو وراثي، حصل أي شكوى منه ولا الوضع تمام. وفعلاً، لما شفت تحاليلكم كلكم، لاقيتها سليمة مفيهاش حاجة. وتحاليل الوالد قريبة جدًا من تحاليل مدام ميار. وبما إنه مشتكيش من حاجة، وبما إنه مازال في المعدل الطبيعي بس في نهايته، وانتوا لما جيتوا كشفتوا كان بناءً على شك طبيب لمجرد اضطراب في عدد الكرات بناءً على اكتشاف المعمل ليس إلا، مش بناءً على شكوى لا قدر الله، فنقدر نقول الوضع تمام، مفيش أي مشكلة لا عند الوالد ولا بنته."

اتسعت أعين كلا من محمد وتوفيق، وبدأت الابتسامة تشق ثغرهم وهم غير مصدقين لما سمعوا. ليرفع توفيق كفه لفمه ويقبل وجه كفه وظهره، حامدًا ربه. بينما محمد استقام ودار خلف المكتب يعانق الطبيب ويشكره على الأخبار السعيدة تلك. لينتهي الكشف وينتهي معه كافة الشكوك المقلقة. ويتصل توفيق بزوجته عزة يزف لها هذه الأخبار السارة، لتنهمر دموعها من شدة الفرحة. حتى كادت ماجدة تشك بالأمر وتعتقد أن هناك خبرًا سيئًا، حتى انتهت عزة من المكالمة، ونظرت تجاه ميار ابنتها، ثم استقامت محتضنة إياها ومقبلة كل إنش برأسها. وكادت أن تنخفض لمستوى يدها لولا إمساك ميار بها،

مرددة جملة واحدة: "ألف حمد وشكر لك يا رب." تعجبت كلا من ماجدة وميار مما يرونه، فكيف لوالدتهم أن تحزن حتى البكاء، ثم تقبل ابنتها حامدة ربها. حتى انتبهت ميار على والدتها وهي ترفع يدي ابنتها وتقبلها، حتى كادت أن تنخفض لتقبل قدماها، فأمسكت ميار بوالدتها من كتفها قائلة: "في إيه يا ماما بس؟ فهمينا حبيبتي؟ الدكتور قال لبابا إيه؟ وليه كل اللي بتعمليه ده؟

تهدجت أنفاس عزة من فرط سعادتها، وكأنها تهرول بماراثون وقد وصلت لمنتهاه. فقالت وسط دموعها المتساقطة وبصوت متقطع من أثر البكاء: "الدكتور طمن بابا وقاله مفيش حاجة خالص، وإنك زي الفل، وكل ده وراثة من أبوكي مش مرض، كفالله الشر." أطلقت ماجدة صرخة فرحة وعانقت أختها، التي ابتسمت ابتسامة لم تصل لعيونها. فالأمر لديها سيان، فهي لم تحزن لخبر مرضها إلا على حزن عائلتها، ولم تفرح لخبر شفائها إلا لفرحة عائلتها. ثم استدارت ماجدة

معاتبة والدتها قائلة: "حرام عليكي يا ماما، وقعتي قلبنا، داحنا افتكرنا في حاجة وحشة، بعد الشر لما عيطتي." كفت عزة دموعها قائلة: "حقكم عليا، من الفرحة مقدرتش أتكلم خالص." ثم التفتت لماجدة قائلة: "إحنا لازم نحتفل بسلامة أختك. قدامي على المطبخ نعمل أحلى أكل وأحلى حلويات." "ربنا يخليكي يا ماما، متتعبيش نفسك يا ست الكل، أنا وماجدة هنعمل كل اللي عايزاه." نطقت بها ميار، فرفضت عزة رفضًا قاطعًا قائلة:

"أبدًا والله، دانتي عروستنا النهارده، والفترة اللي فاتت كانت أعصابك تعبانة ولازم ترتاحي." ثم تابطت ذراع ماجدة، التي كانت تتابع الحديث بينهم، وقالت: "ماجدة هتيجي تساعدني، يالا يا ماجدة." سحبت ماجدة ذراعها من يدي والدتها قائلة: "ثواني بس يا ماما، بعد إذنك." ثم تراجعت خطوة للخلف حتى تراهم كليهما، ثم قالت وهي تنظر لكلاهما:

"ما شاء الله عليكم، قاعدين تعزموا وتتعازموا على مين هيعمل الأكل والحلويات، والطريف في الموضوع إن ماجدة عنصر مشترك في حديثكم، وماجدة نفسها منطقتش أصلًا." نطقت بآخر جملة بلهجة عالية معارضة، لتهتف بها والدتها بطريقة حازمة قائلة: "يالا يا بت، قدامي على المطبخ." تحمحمت ماجدة ثم قالت: "هو أنا اعترضت؟ اتفضلي يا ماما، وأنا هحصلك." ذهبت عزة للمطبخ، فاقتربت ماجدة من ميار هامسة لها: "يعني انتي تتعبي أشيل أنا؟ تخفي أشيل أنا؟

والنعمة لاكل من منابك النهارده." لتبتسم كلا منهم للآخر، ثم تعانقا، لتكرر ماجدة جملتها قبل الذهاب للمطبخ: "برضه هاكل من منابك النهارده." ***

بمحل يزيد ويزن، حاول يزن كعادته التملص من مهامه ليذهب قليلاً ليتنزه كعادته. وبعد فترة وجيزة، يئس يزيد من أخيه أن يقنعه بالمكوث معه بالمحل، تركه يذهب كما يشاء. وجلس يزيد شريدًا يفكر في حال أخيه وكيف ومتى سينصلح حاله. يعرف أنه السبب في أسلوبه الاتكالي، فدائمًا هو من كان يشعره أنه غير قادر على إتمام المهام بدونه، ولكنه ظن أنها فترة وستنقضي. ولكنها للأسف أصبحت سمة عدم تحمل المسؤولية ثابتة بأخيه. حتى انتبه يزن على صوت رقيق يعرفه جيدًا

يقول له: "لو سمحت، عايزة كيلو كنافة نابلسية." ابتسم يزيد قبل أن يرفع رأسه، ثم رفع رأسه لصاحبة الصوت قائلاً كلمته لها بوجه مشرق لرؤيتها: "ريتك ما تبلي." ضيقت غرام عيونها وابتسمت ابتسامة طفيفة، ثم قالت: "قولتلي كدة المرة اللي فاتت." استقام يزيد ليقف بطوله الفارع أمامها قائلاً: "بجد فرحان إنك لسه فاكرة، وده معناه حاجة واحدة بس." قضبت غرام جبينها وسألت مستفسرة: "إيه هي بقى؟

ابتسم يزيد واخفض رأسه قليلاً مقتربًا منها وقال بصوت دافئ وعيون لامعة وهو ينظر بداخل عيونها: "إننا على البال." رمشت غرام بأهدابها وزمت شفتيها، واحتقن وجهها بحمرة الخجل، حتى أصبحت بعيون يزيد حلوى شهية تستحق الالتهام. ثم استدارت محاولة مداراة خجلها، وتصنعت النظر تجاه أصناف الحلوى، مكررة طلبها: "عايزة كيلو كنافة بالقشطة." ابتسم يزيد ثم قال: "نابلسية ولا بالقشطة؟ أدركت غرام خطأها، فصححت طلبها قائلة:

"لا، قصدي نابلسية، معلش اتلخبطت." استدار لها يزيد ووقف أمامها، باغتتها بسؤاله: "غرام مش كدة!؟ ضيقت غرام عيونها بتعجب سائلة: "وعرفت منين؟ ابتسم لها بجانب فمه واقترب برأسه مرة أخرى، وكأنه يريد ملاعبتها وصبغها بحمرة الخجل، فنظر داخل عيونها قائلاً بصوت حاني: "ما قولنا على البال." نظرت غرام للأسفل وازدادت حمرة خجلها، وكأنه ظفر بجائزته عند رؤيتها هكذا. ليكمل معرف حاله: "أنا يزيد."

أومأت غرام برأسها دون النظر له، فأردف مكملاً: "إنتي بتدرسي؟ أومأت برأسها رافضة وهي تلزم على شفتيها، وكأنهم سيتحدثون بلغة الإشارة، ليكمل هو: "طب بتشتغلي؟ أومأت بالرفض أيضًا، ليكمل باقي أسئلته: "إنتوا ساكنين قريب من هنا؟ أومأت حينها بالإيجاب، ليرحمها من خجلها قائلاً: "كفاية عليكي كدة النهارده، علشان ممكن تنسي الكلام من كتر الإشارات، ووشك شوية كمان وهيغرقنا فراولة كلنا."

رفعت غرام نظرها له مستفسرة، ليسقط نظره على كريزتها، فقال بدون وعي: "يا نهار كريز." "نعم!؟ " نطقت بها غرام محاولة استيعاب ما يقصده. ليتحمحم يزيد وشعر أنه تجاوز حدوده، ليحاول تمالك روحه قائلاً: "لا، مفيش، بقول عايزة الكنافة بالكريز؟ أومأت بالرفض، ثم قالت: "لا، انت اللي نسيت، المرة دي عايزاها نابلسية." أشار لها يزيد أن تتقدم قائلاً: "تئبرني عيونك."

بعد أن جهز لها طلبها وقدمه لها بيده، ولكن قبل أن تمسكه بيدها، أرجع يده للخلف قليلاً قائلاً: "من هلأ ورايح هحجزلك الكنافة بتاعتك كل يوم وهستنى تيجي تاخديها." فهمت غرام بالميعاد المبطن، لتبتسم وتومأ برأسها، ومدت يدها ساحبة طلبها، ثم توجهت للكاشير، ثم غادرت وهي لا تسمع سوى نبضات قلبها الذي يعزف لحنًا جديدًا عليها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...