عندما يبدأ الأمر بين شخصين عنيدين ويصل الأمر إلى نقطة الصفر، هنا لم يتبقَّ لكلا الطرفين سوى من يمتلك عنصر المفاجأة لتكن هي الكفة الرابحة التي ربما يفوز بها من يغتنم الفرصة. وصل يزيد إلى منزل غرام واستقبلته والدتها بحفاوة شديدة. وبعد وصلة الترحيب من جميع أفراد الأسرة، سألت الأم عن عدم حضور يزن، ليعتذر يزيد نيابة عنه قائلاً: "والله كان جاي معايا يا ماما بس تعب فجأة وقالي اعتذر لحضرتك."
تقبلت الأم اعتذاره، ليتوجهوا جميعهم إلى غرفة الطعام. جلست الأم بمقدمة الطاولة، وجلس يزيد بجوارها من الجهة اليمنى، لتتقدم غرام بالجلوس بجواره، بينما جلست غزل بالجهة المقابلة. ولكن قبل أن يبدأوا في تناول الطعام، صدح رنين جرس المنزل، لتستقيم غزل قائلة: "خليكم انتوا، أنا هفتح."
توجهت إلى الباب لتفتحه، لتنصدم من رؤية "المتبجح" كما لقبته. اتسعت حدقتاها وهي تراه متمثلاً أمامها، يعلو ثغره ابتسامة سمجة واسعة وكأنه يعلن عن معجون أسنان. ظلت متصلبة أمامه حتى سمعت سؤال والدتها من الداخل عن الطارق، ليلهمها عقلها بغلق الباب بوجهه وإنكار حضوره من الأساس، وبهذا تكون بمثابة العقاب له.
ولكن قبل أن تغلق الباب، لحق بها يزن واضعاً قدمه، ثم مد يده يفتح الباب بقليل من القوة. وقبل أن تتحدث، كان هو من أجاب فاطمة قائلاً بنبرة سعيدة لرؤية غيظها: "أنا يا ماما، أنا جيت." سمع يزيد صوت أخيه، لتقف أولى معالق الأرز بحنجرته، فظل يسعل من هول المفاجأة. وغرام تربت على ظهره وتناوله كوب ماء، بينما فاطمة رحبت بيزن قائلة: "يا أهلاً وسهلاً، اتفضل يا ابني واقف عندك ليه؟ حماتك بتحبك."
أما يزن، الذي كان ما زال على عتبة المنزل، حيث سدت غزل بذراعها عليه طريق العبور، ليبتسم ابتسامة شامت وأخذ يراوغ بحواجبه. واقترب من غزل هامساً لها: "وأنا هجنن بنتها." سمعت غزل ما قالته والدتها، فلم يكن أمامها خيار سوى رفع ذراعها عن الباب لتفسح له المجال. ويدلف يزن إلى داخل غرفة الطعام، واضعاً باقة الزهور وعلبة الشيكولاتة على المنضدة. واقترب ليسلم على فاطمة معتذراً بكل لباقة: "أنا آسف لو اتأخرت عليكم."
قبضت فاطمة حاجبيها قائلة: "يزن قالي إنك معتذر وتعبت، لو أعرف إنك جاي كنا استناك." ابتسم يزن ونظر تجاه أخيه قائلاً بغموض: "هو بصراحة أنا اللي طلبت من يزيد ميقولكوش إني جاي عشان كنت عايزها مفاجأة." تعجب يزيد من حديث أخيه، لتقترب غرام سائلة إياه بفضول: "مفاجأة إيه اللي أنت عملتها؟ ظل يزن ناظراً تجاه أخيه وهو يجيب على غرام، وهو يجز على أسنانه وبصوت لم يسمعه سواها: "علمي علمك، أنا زيك بالظبط مش فاهم حاجة."
دعت فاطمة يزن ليشاركهم الطعام، فهم ما زالوا بالبداية. لتجلس غزل بجوار والدتها، ويضطر يزن بالجلوس بجوارها، فلم يكن هناك مكان آخر. ليبدأوا الطعام بين النظرات المتراشقة بين كلا من يزن وغزل، ويزن ويزيد. بينما غرام تجلس تائهة تحاول فهم هذه النظرات وعلى ماذا تدل. حتى قطع يزن هذا الصمت المفعم بالنظرات، موجهاً ناظريه لفاطمة قائلاً: "أنا بصراحة مش قادر أصبر لحد بعد الأكل عشان أقول اللي عايزه."
ابتسمت فاطمة مرحبة بحديثه وأومأت له، بينما كلا من يزيد وغرام وغزل بدأ يكمل في الطعام وهم يوجهون كل أنظارهم واهتمامهم لما سيفجره يزن، فأصبحوا كالذي يشاهدون مشهداً من فيلم مثير، حدقتاهم متسعة ويأكلون بشراهة. استطرد يزن حديثه وعلى ثغره بسمة عريضة قائلاً: "أنا بصراحة جاي النهارده عشان أطلب إيد الآنسة غزل." انتفضت فاطمة للخلف وهي ترى الجميع يسعل فجأة وبنفس الوقت، بل وتتناثر بقايا الطعام منهم من أثر السعال المفاجئ.
ود يزن لو يضحك بعلو صوته، ولكنه حاول أن يتمسك لأقصى درجة، فادعى التعجب من أفعالهم. استقام ممسكاً بأكواب نظيفة كانت في مؤخرة الطاولة، ليملأها بالمياه ويوزع الأكواب على الجميع، والإبتسامة تكاد تنفجر من محياه، ناطقاً بكلمة واحدة لكل منهم: "اشرب."
بعد أن هدأت موجة السعال المفاجئ، نظر يزيد ليزن بحدة، بينما غرام وغزل ظلوا ينظرون له بعدم تصديق. استقامت فاطمة تزيل الطعام، فلم يعد له فائدة بعد ما حدث، ولم يكمل أحد طعامه بعد هذا، متعجبة مما حدث، ولكنها أرجعته لمفاجأة الخبر وأنه غير متوقع، قائلة: "فداكم يا أولاد، هشيل الأكل ونكمل بالحلويات اللي عملاها غزل، هتعجبكم جدا." نظر يزن تجاه غزل متغزلاً: "أكيد هتعجبنا."
فور ولوج فاطمة من غرفة الطعام، استقام كلا من يزيد وغرام وغزل تجاه يزن، ناطقين في صوت واحد: يزيد: "انت هتستعبط يالا؟ غرام: "إيه اللي هببته ده؟ غزل: "انت نهارك أسود مخطط! وقبل الاقتراب منه لمرحلة الخطر، وقبل أن يتحدثوا مرة أخرى، وجدوا فاطمة تدلف عليهم، ليجلسوا مرة أخرى بمقاعدهم. فاقترحت على يزيد ويزن الذهاب لغرفة الصالون لحين إلمام المائدة، بينما طلبت من غزل وغرام المساعدة.
ليتوجه يزن لغرفة الصالون، ولحق به أخيه. وفور دلوفه، أمسكه يزيد من لياقة قميصه، هادراً به بصوت هامس: "انت عبيط يالا ولا بتستعبط؟ أنا قولتلك ابعد عنها مش تتنيل تخطيها." حافظ يزن على هدوئه وقام بهندمة ملابسه قائلاً: "إيدك بس يا يزيد، أخوك عريس والمفروض متبهدلش اللبس. وكمان هو أنا عملت إيه؟ أنا فكرت في كلامك، لقيتني مش هقدر أستغنى عنها، فقولت خير البر عاجله." والله...
كاد أن يكمل يزيد لولا دلوف فاطمة وغرام بالحلويات. فسأل يزن عن غزل، لترد والدتها قائلة: "هي اتكسفت فدخلت جوة." ثم ابتسمت وأردفت مكملة: "أصل بصراحة يا يزن، أنت فجأتنا كلنا بطلبك ده." ابتسم يزن مجيباً عنها: "أتمنى يكون مفاجأة حلوة مش وحشة!؟ "إن شاء الله يا حبيبي، أنتوا تشرفوا أي حد طبعاً." نطقت بها فاطمة، ليردف يزن قائلاً: "طب لو تسمحي، كنت عايز أقعد مع غزل عشر دقايق بس أوضح سبب طلبي المفاجأة ده."
بالفعل مرت ربع ساعة، لتجلس غزل بصحبة يزن. وقدمها تهتز بوتيرة سريعة تنم عن كم الغضب القابع بها، وهي تشعر أن كل أشباح العالم تتلاعب أمام ناظريها. فنظرت له بنظرات مستوحشة وعيون ضيقة، سائلة إياه بكلمة واحدة: "ليه؟ ابتسم يزن واستند بمرفقيه على فخذيه، مقرباً وجهه: "بصراحة عجبتني لعبتك، وقولت أعلي الليفل شوية." ثم غمز بإحدى عينيه هامساً: "وقولت أكسب فيكي ثواب وأصلح غلطتي اللي مقولتهاش لأختك."
تصارعت الشياطين بعقل غزل، وتصاعدت وتيرة أنفاسها حتى كادت أن تخرج دخاناً من أنفها، محاولة ضبط النفس، وهي تقول له: "انت بني آدم مستفز، وأنا مش هوافق وهبلغ والدتي حالا برفضى." كادت أن تهب من مقعدها، حتى أمسك يزن بمعصمها قائلاً:
"اهدي بس وفكري شوية. لو أنا قولت لهم إننا متفقين مع بعض من زمان، وإنك ادتيني برفانك هدية عشان يفكرني بريحتك، وطلبتي برفاني عندك عشان يفكرك بريحتي، بإمارة الإزازة اللي جوة، واللي لو قلت إنها جوة هيكون بسهولة جداً يطلعوها، وساعتها أبقى وريني هتنكري إزاي!؟ ثم حرك كتفيه لأعلى دليلاً على اللامبالاة، قائلاً: "وإنتي عارفة مجنون وأعملها."
اتسعت حدقتا غزل واضطربت أنفاسها مما خطط له، وكأنه يحيك لهذه الخدعة منذ البداية. ليفهم يزن اضطرابها، فيضغط على عينيه كأنه يؤكد ما توصل له عقلها. ثم دلفت فاطمة تنظر لهما بعدم فهم، حيث أنهم ينظرون لبعض بتمعن. فتحمحمت لتقطع نظراتهم سائلة: "ها يا ولاد، اتفقتوا على إيه؟ تداركت غزل تحديقها به ودلوف والدتها، فزاغت أنظارها تحاول التفكير بسرعة للخروج من هذا المأزق. ولكن انتهز يزن تشوش أفكارها لينطق قائلاً:
"موافقة إن شاء الله يا ماما، هي بس مكسوفة شوية، ولا إيه يا عروسة؟ لم تستطع غزل أن تفكر وهو بجوارها، فقد شعرت وكأنه يسيطر على تفكيرها وكل حواسها، فأطلقت لقدمها العنان لتذهب من أمامه نحو غرفتها. فابتسم يزن مؤكداً على حديثه: "مش قولتلك يا ماما."
لتطلق فاطمة زغرودة احتفالاً بموافقة ابنتها الضمنية. بينما الأخرى تزرع الأرض بغرفتها ذهاباً وإياباً، لا تعلم كيف تفسر ما تشعر به، أهو فرحة أم تفاجؤ أم غيظ. ولكنها لم تجد سوى حل واحد في حالتها تلك، لتقف فجأة متوعدة لهذا اليزن. لتدلف غرام عليها غرفتها لتتأكد من موافقتها، لتعطيها غزل موافقتها، ثم تمتمت لنفسها: "ماشي يا سي يزن، أنا وأنت والزمن طويل... ***
بعد مرور فترة أسبوع، ظل طيلته جواد يفكر هل يحين وقت التقدم مرة ثانية أم لا. يعلم أنها بفترة عدة ولا يجب الحديث عن أي شيء حالياً، ولكن اشتياقه الذي جاوز الحدود وفرحته بعودة الأمل جعلهم حافزاً يقوى يطغى على أي تفكير في الأصول.
ظل طيلة الأسبوع يغدو للعمل ويخرج منه، لا يفعل شيئاً مفيداً. كان دائم الشرود، وكأنه كل ما يفعله مجرد تغيير مكان التفكير من المنزل للعمل. حتى لاحظوه أصدقاؤه يزن ويزيد، ليخبروا بدورهم نضال، الذي اتفق معهم على سهرة للتحدث مع جواد ويخرجوه عن صمته، لعله ينطق بما يختلج صدره.
وبالفعل، تجمعوا ثلاثتهم ليدلفوا إلى مكتب جواد، الذي فوجئ بهم. ولكنه قرأ وجوههم، وكأنه لا يريد أن يخرجه أحد من شروده المحبب وأحلام اليقظة الذي تجعله ينزوي بمفرده، خصيصاً حتى ينعم بها. فحاول الاعتذار، ولكنهم لم يسمحوا له بالانفلات، ليجلس معهم، مطلقاً تنهيدة قوية، جعل يزن يقول متهكماً: "هتحرقنا وإحنا قاعدين يا عم." ابتسم جواد ونضال، ليعلق نضال قائلاً: "معلش، أصلنا قطعنا عنه وصلة الأحلام."
ينظر جواد بطرف عينه لنضال قائلاً: "شكلكم فايقين ورايقين وهتاخدوني تسليتكم النهارده." "إحنا نقدر يا باشا، الحكاية إننا حابين نفكر معاك وتساعدك." نطق بها يزيد، لينظر له جواد باهتمام، ليتساءل يزن: "فكرت يا جواد إذا كانت والدتك هتوافق ولا لا؟ وكأنه علم ما يرمي له يزن، لينظر له جواد متعجباً من سؤاله، سائلاً باستنكار: "وإيه اللي يخليها متوافقش؟ ماما بتحب ميار جداً، وكانت تتمناها ليا من بدري." ليعقب يزن موضحاً:
"اديك قولت كانت، الوضع اتغير دلوقتي، وأكيد والدتك هتبقى عايزالك بكر زي أي أم ما بتتمنى لابنها." وكأنه يود أن يذكره بالنقطة التي لطالما حاول إغفال عقله عنها، أنها بيوم من الأيام كانت ملكاً لغيره. فاستوحشت نظراته، وبدأ عليه الانفعال والضيق، ليقول بحسم: "لو سمحت يا يزن، محبش أتكلم في الموضوع ده، وإن شاء الله ميار ليا مهما كانت الظروف." يربت نضال على كتفه محاولاً تهدئة انفعاله، ثم قال:
"اهدأ يا جواد، إحنا بنحاول نفكر معاك بصوت عالي مش أكتر، ونوضحلك المشاكل اللي ممكن تقابلك عشان تكون مستعد لها وتحلها، مش أكتر. يزن ميقصدش أكتر من كده." ضيق جواد عينيه يفكر، هل إخلاص من الممكن أن تعترض لهذا السبب؟
لم يخطر بباله مطلقاً نسبة ولو ضئيلة لرفض إخلاص، بل لم يفكر بها مطلقاً. ولكن وجد أنهم لديهم الحق، يجب أن يفكر في جميع الاحتمالات هذه المرة، حتى لا يدع للظروف مهما كانت أن تكن سبباً في فشل مسعاه. لذلك قرر أنه سيفاتح إخلاص الليلة ويرى رأيها بالأمر. لينتبه على تربيت نضال، سائلاً إياه: "قولي بقى، هتعرف ميار إزاي إنك فسخت الخطوبة؟ ده غير إنها لازم تكون مستعدة ولا إيه؟ متنساش إنها عدت بتجربة صعبة أوي."
نقطة أخرى أضيفت لتفكيره، كان كل ما يخطط له ويحسب حسبته، ميعاد اليوم الذي سيذهب للتقدم لها. لم يخطر بباله أنها لم تعرف بعد بخبر إنهاء خطبته، كما أنها تستحق التنويه، وخاصة أنها شخصية بريئة. من المؤكد أنها خرجت من هذه التجربة ببعض التشوهات النفسية التي ربما تجعلها تنفر من مجرد التفكير بالأمر. لينظر لنضال بحيرة، لا يعرف بماذا يجيبه، ليغمز الأخير بعينه قائلاً: "عندي ليك الحل."
لتتغير نظرة جواد من الحيرة للأمل، وكأنه يطالبه بهذا الحل سريعاً. ليقترب نضال من جواد مخفضاً نبرة صوته قائلاً: "ابعتلي نمرة ماجدة أختها، أخليها تظبطلك الليلة." التفت جواد بوجهه تجاه نضال سريعاً، لوهلة شعر وكأنه الحل السحري، حتى اتسعت حدقتاه عندما فهم ما يرمي إليه صديقه. وكأن نضال استشعر فهم جواد له، ليضغط على عينيه مؤكداً ما وصل لعقل جواد، ليردف مؤكداً: "ظبطني، أظبطك." ليسأل جواد وكأنه يريد التأكد من
الخبر الذي لم يصدقه عقله: "ماجي؟ ابتسم نضال لهذا الاسم، مردداً بتلذذ: "ماااااجي." ثم انتبه لما قاله جواد، فقضب حاجبيه كأنه يريد إرسال إشارة تنم عن الغيرة والتملك: "ماجدة يا جواد ها، ماجدة." ابتسم جواد محركاً رأسه يميناً ويساراً دليلاً عن عدم التصديق، وأخرج هاتفه ليخرج رقم ماجدة. فالواضح أنه ليس أمامه سبيل إلا هذا النضال، وليكن له ما يكون، فماجدة كافية بتلقينه العقاب الكافي له.
أعطى جواد رقمها لنضال، مؤكداً عليه بتوخي الحذر وأنه غير مسؤول عما سيتم له. انتهت سهرتهم، ليعود كل منهم إلى مقره. وفور دلوف جواد إلى المنزل ووجد والدته بانتظاره كعادتها، فجلس بجوارها. وقبل أن تستقيم للتوجه لغرفتها، قال لها: "بعد إذنك يا ماما، أنا كنت عايز آخد رأيك في موضوع، ويا ريت لو دلوقتي." نظرت له إخلاص وهي تتوقع فيم يريد فلذة كبدها أن يحدثها. لتبتسم إخلاص وتجلس مرة أخرى، منتظرة أن يبدأ بالحديث. ازدرق جواد لعابه،
ثم قال: "إنتي طبعاً عارفة إن ميار اتطلقت، ويعني قصدي بعد ما تخلص عدتها... قطعت إخلاص استرساله قائلة: "وليه يكون أول حظك خرج بيت يا ابني!؟ قبض جواد حاجبيه ناظراً لوالدته بتعجب قائلاً: "معقولة يا ماما تكوني بتفكري كده؟ سحبت إخلاص نفساً عميقاً، ثم أخرجته على مهل قائلة: "إنت عارف يا ابني أنا بحب ميار قد إيه؟ وياما اتمنتها تكون من نصيبك! بس الوضع اتغير." "إيه اللي اتغير يا ماما؟ أنا لسه بحبها وإنتي عارفة كده كويس."
نطق بها جواد بعصبية مفرطة، ثم أغمض عينيه للحظات محاولاً تهدأة أعصابه. ثم اقترب من والدته وكأنه يستعطفها قائلاً: "يا أمي يا حبيبتي، مش معقول لما تضيع مني فرصة وربنا يديني فرصة تانية أضيعها أنا المرة دي بإيدي." "بس ده مطلقة يا ابني." نطقت بها إخلاص وكأنها توضح معلومة كان غافلاً عنها. لينظر لها جواد باندهاش قائلاً: "معقولة بتشككي في أخلاق ميار؟ ده هو... وضعت إخلاص يدها على فمه قبل أن يكمل، موضحة مقصدها:
"أبداً، مقصدتش كده أبداً. أنا قصدي إنك كده مش أول بختها، وأنا كنت أتمنى تاخد واحدة ملهاش تجارب وتكون انت أول بختها، زي ما هي هتكون أول بختك." ابتسم جواد وربت على قدمي والدته قائلاً: "ولما الرسول عليه الصلاة والسلام اتجوز السيدة خديجة، مكنش أول بختها، بس كان لها الحياة اللي معشتهاش قبله. ولما الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام اتجوز أكتر من واحدة ثيب، برضه مقالش أنا مش هتجوز مطلقة أو أرملة."
"بس كان أكتر واحدة بيحبها السيدة عائشة رضي الله عنها." نطقت بجملتها إخلاص، ليعقب جواد مبتسماً وبهدوء: "ولما تكون ميار هي اللي بحبها واتمنى أكمل عمري معاها، تفتكري هعرف ساعتها أتجوز غيرها؟ ولا لازم أتجوز وأظلم بنات الناس معايا وأطلقها عشان ساعتها تنفعلي ميار وأبقى أنا وهي مطلقين؟ "بعد الشر يا ابني، أنا أتمنالك كل خير." "وأنا شايف إن الخير كله فيها يا أمي. وبرضه مش عايز أقدم على حاجة إنتي مضايقة منها." ربتت إخلاص
على كتفيه وابتسمت قائلة: "سيبني أفكر وأرد عليك، وإن شاء الله اللي فيه الخير هيقدمه ربنا. قوم يالا ارتاح شوية وسيبها على الله." "ونعم بالله." توجه جواد لغرفته داعياً ربه أن تكون ميار هي الخير الذي يقربه له الله. بينما ذهبت إخلاص لغرفتها تفكر في حديث ابنها. ***
وصل نضال لمنزله، ليخرج هاتفه وينظر مطولاً لرقم ماجدة، وأخذ يفكر في كيفية التواصل معها وكيف ستوافق على تواصله معها. فلم يجد سوى فكرة أختها هي المدخل الوحيد لها الآن. ثم فتح تطبيق الواتساب، ليكتب لها رسالة نصية مختصرة ومثيرة للفضول: "ماجدة، أنا نضال. بستأذنك، هبقى أتصل بيكي عشان عايزك في موضوع مهم جداً بخصوص ميار أختك."
وأغلق التطبيق، ولكنه لم يغلق عقله عن التفكير بها. لا يعرف ماذا حدث له، ولماذا يشعر بالانجذاب تجاه هذه الفتاة، برغم أن صفاتها مغايرة تماماً لما كان يحلم به في فتاة أحلامه. فل طالما كان يريدها هادئة، لا تثير المشاكل، مطاوعة لأقصى حد، حتى أنه لم يأمل في فتاة جميلة جداً. ولكن هذه الفتاة غيرت كل مبادئه، فعيونها الزرقاء تجذبه بشكل خطير، ومثله قد قابل المئات من أصحاب العيون الزرقاء، فلماذا هي خاصة؟
يشعر تجاهها بهذا الانجذاب. كما أن جمالها الحاد يستفزه بحق، مع حدية طباعها التي تبعد كل البعد عن الشخصية المطيعة التي كان يأمل بها. وكأنه يدخل في منافسة لمعرفة من سيفوز على الآخر وينفذ رأيه ويخضع الطرف الآخر له. ظل منتظراً لعلها تجيب على رسالته، والتي قرأتها ماجدة التي كادت أن تغلق هاتفها وتستسلم للنوم، لولا ظهور هذه الرسالة بدون أن تفتح التطبيق. فقد ظهرت أمامها وتعجبت، لما يراسلها نضال؟ ومن أين حصل على هاتفها؟
ولماذا يريد التحدث معها بخصوص ميار؟ وكيف رفع التكليف بينهم بهذه الاريحية؟ ثم رفعت حاجبيها تعبيراً عن التعجب، والتفتت بنظرها تجاه أختها النائمة في حيرة، هل تخبرها بشأن هذه الرسالة بالغد أم تنتظر لتعرف مقصده؟ ربما كان مقصده بخصوص زوج أختها السابق. وهنا استوحشت نظراتها، متخذة الاستعداد للهجوم لو كان ما يقصده هو محاولة من زوجها السابق بالعودة مجدداً.
وضعت الهاتف على الكومود المجاور، لتربت على رأس أختها التي تنعم بالأحلام، لتتوعد لها بالتصدي لأي أحد يحاول مجرد المحاولة من النيل منها مجدداً. يكفيها هذا العذاب، ويكفي ماجدة الصمت. ***
بعد مرور أسبوع على أبطالنا، يزيد وغرام، وحتى الآن كلاهما متعجبين من موقف يزن، الذي لطالما حاول يزيد أن يستشف السبب الرئيسي وراء فعلته تلك، ولكن لم يتوصل لشيء، مستبعداً تماماً إجابة يزن بإحساسه بالحب ناحيتها، الذي يرددها دائماً عند سؤاله عن السبب.
بينما كان يزن ينتظر الضربة القادمة من غزل، والتي تأخرت عن ما كان يتوقعه. فقد كان يتوقع أنها سترد له المقلب باليوم التالي مباشرة، ولكن من الواضح أنها لم تفق بعد من صدمة الموقف، ليستعد لضربته القادمة، فقد ينمو لديه إحساس المشاكسة لها. وجد أخيه يقتحم غرفته قائلاً:
"يزن، غزل طبعاً طالعة رحلة تبع الجامعة بكرة، واخيراً وافقوا أنها تاخد غرام معاها. فأنا هحصلهم بقى. ابقي خلي بالك انت من المحل بكرة، وطبعاً مش محتاج أقولك إني هاخد العربية. تصبح على خير." انتفض يزن فور استماعه لحديث أخيه، ليستوقفه قائلاً: "استنى يا يزيد، عرفت منين بالرحلة دي؟ تعجب يزيد، فقد كان يعتقد أن أخاه على علم بهذه الرحلة، ليجيبه قائلاً:
"عرفت من غرام أول ما وافقوا أنها تروح مع أختها. وموضوع الرحلة ده بقاله أسبوع قايلالي عليه، افتكرتك عارف." جز يزن على أسنانه، فقد عرف سبب هذا الصمت، فهي تتجاهل وجوده في حياتها من الأساس، وتتعامل وكأنه لم يكن. إذا ليعلمها من هو يزن. لطلق تنهيدة، ثم قال: "تمام يا يزيد، ابقي صحيني معاك بدري عشان هاجي معاكم." انزوى ما بين حاجبي يزيد اندهاشاً، ليتساءل متحيراً: "أما مين اللي هيقف في المحل بكرة؟
"هكلم جواد يقف بكرة لوحده، المحل مش هيطير يا يزيد." تعجب يزيد من رد فعل يزن، ولكنه وافقه، فمن حقه هو الآخر أن يكون مع خطيبته. قطع شروده يزن الذي يبتسم بخبث، مؤكداً على يزيد قائلاً: "أوعى تقول لغرام أو غزل إني جاي معاكم، عايز أعملهالها مفاجأة." تصبح على خير. ***
تجلس على فراشها البارد بمفردها، فكم تعودت برودته منذ رحيل ونيسها. شعرت بليلة خواء كلياليها جميعها، تمسك بألبوم الذكريات، فتذكرت وقارنت. تذكرت حبيبها وزوجها وأبو ماسة الغالية، عاشت معه أجمل أيام حياتها، حتى في عز أزمتها، بل كانت حلاوتها بالأزمات وكيف تجاوزوها معاً.
قارنت بينه وبين أخيه، تعلم أن المقارنة غير مجدية، فكفتهم متساوية من حيث الأخلاق والشهامة، ففؤاد لا يقل عن مراد شيئاً في تحمل المسؤولية وشهامته ورجولته، بل يزيد عن مراد في سرعة حسم الأمور. فكثيراً مراد كان يشيد به في سرعة البديهة، وحقاً فقد أفادها كثيراً بعد مراد.
ولكن برغم تساوي كفتي المقارنة بين مراد وفؤاد في الأخلاق والرجولة، ولكن للقلب أحكام، فدائماً قلبها يرجح كفة مراد، فهو أول حبيب عرفت معه معنى الحب والاستقرار والاطمئنان. وبرغم وجود فؤاد بجوارها بعد وفاة زوجها، إلا أن شعور الأمان لم ينتابها بعد فراقه.
ولكن الآن، لابد أن تحسم أمرها، ويا له من أمر جلل. فلم تتوقع لحظة أن يحل رجل مكان مراد، تعيش معه ما كانت تعيشه مع مراد، رجل آخر تسرد له هواجسها وهمومها، رجل آخر تضع رأسها على كتفيه وتطلق الأمان لقلبها أن هناك من سيتحمل عنها. كما أنها كانت تحمل كثيراً من الود والاحترام لزوجته، والتي لم تشعر قط بالضيق من ناحيتها جراء ما يفعله معها فؤاد منذ وفاة أخيه.
والآن أصبح هو الآخر أرملاً بعد وفاة زوجته، ولعل القدر أراد أن يجمعهم معاً ليساعدا بعضهم. تذكرت أمر الرسالة التي أرسلتها إليه بشأن موافقتها على الزواج، والتي استشعرت سعادته من اتصاله الذي تلى رسالتها، وقد أبلغها بموعد عقد القران، والذي سيتم يوم عقد قران ابنتها، لتكون الفرحة للجميع. ***
في الصباح، تلقى محمد اتصالاً وهو بالعمل من عم ماسة، الذي أخبره أخيراً بتحديد موعد عقد قرانهم. بعد أن أخبره عمها بالموعد المناسب لهم، واتفقا كل من عائلة محمد وماسة أنه سيكون بعد أسبوع، وسيكون موعد الزفاف بعد شهر، حتى يتمكن كلاهما من إتمام ما ينقصهما. ليخبر بدوره والدته التي كانت بالمنزل مع بناتها، لتسعد كثيراً وتخبر ميار وماجدة، ثم تمتمت بصوت مسموع: "يااااه، أخيراً الفرح هيدخل بيتنا." ثم ربتت عزة على كتف ميار قائلة:
"عقبالك يا بنتي لما تتهني في بيتك." ابتسمت ميار ابتسامة حزينة، ولم تنطق ببنت كلمة، فقد جربت حظها مرة، ولم تحتاج إلى تجربة أخرى. بينما حاولت ماجدة خلق روح مرحة نوعاً ما، فقالت: "هو محدش بيدعيلي ليه؟ عايزني أخلل جنبكم." وكزتها أمها قائلة: "مش لما تخلصي تعليمك وتشتغلي، ابقي استعجلي على الجواز." شهقت ماجدة قائلة باعتراض: "ليه إن شاء الله؟
أصلاً أنا مش عايزة أشتغل، أنا عايزة أستت وأقعد في البيت، ومعنديش مشكلة أخطب قبل ما أتخرج، بس هو ييجي اللي يستنى وأنا أوافق." لوحت الأم بيدها قائلة: "اتنيلي، إنتي حد بيعجبك خالص، ده غير طولة لسانك وعصبيتك، ابقي قابليني لو حد جالك." نهضت ماجدة واقفة باعتراض، قائلة مشيرة بيدها بفخر لنفسها: "هييجي يا ست ماما، وبكرة أفكّرك."
ثم توجهت إلى غرفتها، حتى تذكرت أمر رسالة نضال، لتلتفت إلى والدتها وميار، مضيفة عينيها، ثم أكملت طريقها إلى غرفتها، عاقدة النية بالرد عليه والموافقة على مقابلته، حتى تعلم ماذا يريد أن يخبرها عن أختها، لعلها تستطيع أن تساعدها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!