أجاب على الهاتف مسرعًا عاقدًا ما بين حاجبيه بدهشة، فجاء الصوت من الطرف الثاني: -إنت فين يا أستاذ رحيم، أبوك جِه من شويه وأم أنس نزلت ومفيش حد في البيت غير الست عبير بس قلت اتصل بيك اعرفك. فتح عينيه على اتساعهما وظهرت حبات العرق على جبينه وتسارعت نبضات قلبه وانتابه خوف شديد على أمه، وأحس أن عقله توقف تمامًا، لماذا يأتي في هذا التوقيت. هو لم ينقصه توترا وخوفا، استجمع ثباته ثم قال:
-طيب يا محمد إنت تتصل بنادر و تقوله بسرعة لو هو في البيت وخلص شغل يروح لأمي. عشان انا هتصل بأمي. فوافق على كلامه ثم أغلق معه الخط و اتصل بـ نادر الذي كان في طريقه للعودة من العمل، عندما قال له ما حدث بدل وجهته إلى بيت خاله.
أما فركب السيارة بسرعة و أسرع في قيادته. وظل يتصل بأمه مِرارًا و تكرارًا و لم تجب عن الهاتف، فاتصل بـ جميلة التي قالت له أنها في عيادة الطبيبة النفسية ومعها روان، فلم يريد أن يقلقها فقال لها إنه كان يطمئن عليها. بعد أن أغلق مع اخته، أتصل بـ نادر فأجاب عليه قائلا بهدوء: -ايوه يا رحيم أنا خلاص أهو قربت أوصل عندها البيت، أهدى و متوترش وبلاش عصبية و طيش بالله عليك هنتصرف براحه و بالعقل ماشي. اطلق تنهيدة قوية
و قال بصوت أقرب للبكاء: -أنا تعبت يا نادر هو بيرجع ليه أنا لسه ملحقتش أتعافى من اللي حصل امبارح، المشكلة انا خايف يكون سكران و يعمل حاجة، أو هي تتخانق معاه عشان البيت اللي اتحرق و إللي حصل امبارح، ويحصل مشكلة بينهم. -معلش حقك عليا أنا قربت أوصل أهو و متقلقش من حاجه تعالى على مهلك يا رحيم.
وصل تحت البناية التي تمكث فيها وفاء صعد سلالم المنزل بسرعة فائقة، ولم يستخدم المصعد الذي كان مشغول، طُرق على باب البيت، وبعد لحظات فُتح الباب بواسطة أدهم. فقال له بانفعال وهو يُزيحه من أمام الباب ويدخل الشقة: -لأ إنت أكيد بتهزر، إنت ليك عين تيجي هنا إنت عبيط، إنت بجد مفيش دم خالص، امشي غور من هنا قبل ما رحيم و جميلة يجوا. فرد عليه بنبرة باردة وهو يجلس على الكرسي:
-لأ مفيش دم خالص، وأنا اصلا جاي هنا عشان عايز اشوف رحيم و جميلة. قبل أن يُجيب عليه، ردت بانفعال قائلة: -إنت ليه مصمم تقهروا بقى ما قلتلك خلاص امشي و سيبه في حاله إيه اللي رجعك كفاية بهدلة في العيال بالله عليك. -هو إنت لسه هتتحايلي يا طنط. قالها و أمسكه من تلابيبه بقوة ثم أردف بصراخ:
-إنت يا عم الحج روح شوف إنت رايح فين و غور من هنا و مفيش كلام مع رحيم و ده نهاية الكلام، امشي بقى بالأدب بدل ما و رب الكعبة امشيك بقلة الادب و انا بحبها الصراحة. فرد عليه بغضب: -هو إنت كده جدع يعني و إنت ماسك راجل أد ابوك كده، عيب سيب القميص. في تلك اللحظة غلت الدماء في عروقه و أمسكه بقوة أكبر و سحبه معه حتى باب الشقة و فتحه و اخرجه بقوة: -امشي من هنا بأدب بدل ما امشيك انا بزفه.
ثم صفق الباب بقوة. فأمثاله السُكارى يستحقون تلك المعاملة، معاملة الحيوانات، احيانًا نُشفق على الحيوانات أننا نشبه البشر بهم فهم لا يستحقون حتى معاملة الحيوانات. و من وراء الباب كان يصرخ به و يطرق على الباب بقوة و يقول له انه ليس من حقه أن يقرر عن أبنائه. و لم يهتم إليه و لم يهمه ما يقول، فجلس على الكنبة و أجلس بجانبه. فقال بجمود لها:
-ليه يا طنط تفتحي له الباب، أهو عمال يجعر بره و أنا خايف رحيم يجيي دلوقتي و يلاقيه بره، و في نفس الوقت أنا لو مشيته هقل أدبي عليه جامد، هو يستاهل اصلا بس تقدير لرحيم و ليكي مش اكتر. ردت عليه هي تسحب منديل لتُزيل دموعها: -والله يا بني أنا مش عارفة هو عايز إيه من الأساس، هو قالي إنه جاي لموضوع مهم عشان كده فتحت ليه الباب. مازال يطرق على الباب بقوة وهو يصرخ، و لا أحد من الجيران سأل ماذا يحدث.
هدرت فيه بصراخ بسبب صوته المزعج العالي و سِبابه في: -إنت معندكش ذرة رجوله ولا ذرة أدب حتى، أمشي بقى قبل ما حد من العيال يجي. فقال و هو يخلع ساعته و يستعد للخروج إليه: -معلش بقى يا طنط أصل ده عايز اعادة تربيه من اول وجديد. فتح الباب وهجم عليه و قبل أن يفعل أي شئ جاء و قال موجهًا حديثه لـ بسرعة: -بس يا نادر سيبه. عندما تركه قال موجهًا حديثه له بنبرة غلبها الحزن: -إيه اللي جابك هنا. فاعتدل وهندم ملابسه،
ثم قال رد عليه بجمود: -ندخل الأول وبعدين نتكلم، والشيء ده ميدخلش معانا و مشوفهوش مقرب تاني منك. فقال له بسخريه: -وإنت مالك؟ و بعدين ده نادر، مش شيء. صمت لبرهة يراقب ملامح والده الباهتة الشاحبة وعينيه التي كانت تُظهر عليه علامات السُكر، وتتحرك بحركات غير منتظمة، ثم أخذ تنهيدة وقال بهدوء: -هنتكلم هنا مش جوه قول إللي عندك بقى انا لسه راجع من شغلي. رد عليه بانفعال:
-طب حلو إنت إللي اخترت و إنت إللي قليت ادبك إنت و صاحبك و امك. ثم أردف بالطريقة نفسها: -إنت رحت اتهجمت على مظهر وضربته في بيته، وأول ما وقعتوا في مشكلة اتصلتوا بيه، أنا مش مصدق البجاحة، وتتصل بمظهر الكلب ده اصلا ليه، وتروح تتهجم عليه ليه؟ شُلت حركة وأحس أنه سُكب عليه دلو من الماء البارد في احدى ليالي الشتاء الباردة، وكانت واقفة تنظر لـ و هي تريد منه أي رد فعل وكذلك. أول من تكلم في هذه اللحظه كانت قائلة بإنكار:
-رحيم مش بيتهجم على حد و لا حتى يفكر إنه يعمل كده دي أفعالك إنت و اللي شبهك إنما ابني انا غيركوا، وجاي تعاتب وتقول اتصلتوا بمظهر ليه ما هو لو عنده أب مسئول مكُناش اتحوجنا لحد. رد عليها بسخرية متهكمة: -مش هو ده مظهر إللي بتكرهي سيرته، مظهر إللي ضحك عليا و خسرني فلوسي دلوقتي بقى مظهر حلو انا وحش يا عبير؟ ، بعدين مش مصدقه أن تربيتك ضناكِ يعمل كده طب اسأليه راح اتهجم عليه ولا لأ. فأهدر بعصبيه و صراخ:
-ايوه رحت اتهجمت على مظهر و نفسي أقتله كمان، عشان هو سبب كل حاجة. صمت لبرهة ثم اكمل قائلًا بكسره و ضعف و الدموع ظاهرة في مقلتيه: -وإنت عارف إنه سبب كل حاجة، و إنت كمان السبب، عشان بعدت عننا و رحت تسهر و تشرب. اقترب منه بهدوء وقال: -رحيم انا خايف عليك، مش عايزك تدخل نفسك في حاجة، خليك في حالك و ركز في حياتك، ولو حصل إيه متتصلش بمظهر، مظهر شيطان يا رحيم. رد بتعب ظهر في صوته:
-لو إنت تبطل حركات المراهقين يا أدهم مش هحتاج اتصل بحد، انت سبب دخولي السجن أصلا، متاخدتش مني فلوس تاني. رد بغلظة هذه المرة: -أنا غلطان إني لما عرفت إللي حصل جيت اشوفك و اسأل عليك. تركهم وغادر. و دخل الشقة و هو في أشد حالات التعب، هو يحتاج إلى راحة كامله، يحتاج إلى هدوء في حياته، فذهب إلى غرفة أنس.
هو بطبعهِ إنسان هادئ و لكن الظروف والحياة تريد منه وحش حقير كـ مظهر الضبع. كيف لشخص كان أب حنون في يوم ما يؤذي أبناءه اليوم بهذه الطريقة؟ ظل يفكر حتى غلبه النعاس و نام، فهذه عادة عنده كلما ضاقت به الحياة ينام، فهكذا هو يعبر عن حزنه.
جلس بجانب بعد ما دخلا الشقة و حاول تهدئتها و يشرح لها الأمور ببساطة، وأن لم يفعل شيء، و أن حتى لو فعل فـ يستاهل، و أخذ يشرح لها أن مضغوطًا و يشعر بالتعب، حتى طُرق باب الشقة وكانت جميلة، التي ما إن دخلت أحست أن هناك شيء غريب. جلست بجانب أمها بهدوء و سألت و توتر ينعش قلبها: -مالك يا ماما أنتِ معيطه؟ ، في حاجه حصلت، و رحيم فين؟ رد على أسئلتها بهدوء:
-بصي يا جميله براحه كده، أدهم جِه هنا و اتخانق هو و رحيم، عشان رحيم راح البيت لمظهر يضربوا وإنت اتصلتي بيه لما رحيم كان في السجن، و بس كده و مفيش حاجه تاني. عقدت حاجبيها باستغراب ثم قالت القلق ينهش بقلبها: -يعني إيه؟ رحيم يروح يضرب مظهر ليه، هو رحيم راح امتى؟ رد عليها بنفس الهدوء: -مش عارف بس هو قالي قبل ما الحكومة تيجي تاخده، عشان كده ملحقتش اقول لحد. تنهد ثم أكمل وهو ينهض بتكاسل:
-طب أنا همشي معلش، لو محتاجين حاجة عرفوني و لما رحيم يصحى خليه يكلمني، سلام عليكم، وانا هتصل أكلم أنس عشان اقوله يرجع كفاية كدة. فأستوقفته بقولها: -نادر، أنس لسه هيرجع بكرة بلاش تكلمه عشان ميقلقش. -أنا عارف إنه هيرجع بكرة، بس انا لازم أعرفه إللي حصل، هو كل يوم يسألني عليكم وأنا مش هينفع أكدب. فقالت مقترحة على حديثهما: -خلاص أتصل بأنس خليه يجي، ونتصل بطنط ليلى وروان ونقولها تيجي ونقعد مع بعض النهاردة كلنا.
صمتوا قليلا يفكرون في اقتراحِها ثم قطع الصمت حيث قال: -هي فكره جميله و تُحترم و كل حاجه بس يعني حاسس أن رحيم محتاج راحه. فقالت مؤيدة اقتراح ابنتها: -لأ انا حاسه أن كلنا هنكون محتاجين اللمة و نقعد مع بعض اكتر من الراحة و انا هتصل بيهم و نتجمع بالليل. فاومئ له، ثم غادر الشقة في نفس وقت دخول وفاء. تجمعوا جميعًا تمام الساعة التاسعة مساءًا. -ازيكو والله وحشتوني اوي اوي. كانت القائلة و هي ترحب بهم بحماس و حب.
فردت عليها قائلة: -والله و إنتِ و كمان و كلهم وحشوني بردو. و في تلك اللحظه طُرق الباب بواسطة كلا من و. فتحت لهما و هي تعرف أنهما بسبب طرق المتناغم المعروف. -حبيبي، حمدلله على السلامة يا بطل. فسلم عليها و رحب بالجميع، و تبادل الأحضان و القبلات مع أمه، ثم استأذن منهم أن يدخل إلى، فدخل هو و أغلق الأخير الباب لأنه يعرف ماذا سيحدث الآن. عندما دخلا كان في ثُبات عميق، مُلتحفًا بالكامل. فقال بصوت غليظ و هو يُزيل
من عليه اللحاف: -رحيم، يا رحيم اصحى. فتح نصف عينيه وهو يرمقه بانزعاج من ضوء الغرفة، ثم استدار إلى الناحية الأخرى و هو مازال نائما ولم يستيقظ بعد. فأخذ زجاجة المياه الذي بجانبه على الكومود و فتحها، و قبل ان يوقفه، و بحركه سريعه منه، سُكب المياه عليه، فقام سريعًا ينتفض من مكانه. وقف في حالة دهشة ولم يستوعب الأمر إلا بعد لحظات. وظل واقفًا يحدق فيه بجمود. و يتنحى جانبًا يترقب ما سيحدث. استعوب اخيرا و نطق قائلًا بغضب:
-ليه يا أنس تصحيني بالطريقه دي، إنت جيت أمتى؟ رد عليه بنبرة غليظة جامدة: -لسه واصل وقلت أشوف اللي كان محبوس أمبارح واتصل بعمو مظهر يخرجه. زفر باستنكار واحتجاج وقال: -اعمل إيه يعني كان في ايدي حاجه اعملها و معملتهاش؟ و انا متصلتش بحد، جميلة هي اللي اتصلت. رد بغلظة و جمود و ملامح غاضبة و يشير بسبابته بانفعال:
-أولا إنت استسهلت يا رحيم ومحاولتش تعمل حاجة، ثانيا أدهم جِه هنا و متخانقتش معاه عشان اللي عمله فيك وضعفت، ثالثا رحت اتهجمت على مظهر وعايز تقتله. فرد عليه بضجر: -أنا مضعفتش وعمري ما كنت ضعيف، أنا يوم ما هكون عايز أعمل حاجة هعملها يا أنس، و بخصوص مظهر أنا لو كنت عايز أقتله بجد مكنتش هتردد لحظة، أنا كنت متعصب عشان كده رحت له بيته. قال محاولًا تلطيف الأجواء بينهم:
-ممكن نقعد و نتفاهم براحه و رحيم يدخل يغير هدومه إلي غرقانة مايه، و.. بتر حديثه عندما رزقه بغضب ثم قال موجههًا حديثه لـ بصراخ: -طب ما تعمل و تبعد أدهم عن حياتك بقى، ما تسيب مظهر في حاله و متفكرش فيه و فكر في حياتك، خلي أدهم يولع يا رحيم، الفلوس إللي بيصرفها منك دي و إللي خدها من خالد كلها جاب بيها خمرة و حشيش. حديثه وصل إلى الخارج فأخذت الطرقات تتسارع على باب غرفته ففتح لهم بغضب ثم قال موجهًا حديثه لـ بصراخ:
-و إنت يا أستاذه جميلة بتتصلي بمظهر ليه، أنا كنت فاكر إنك أعقل من اخوكي. ثم نظر إلى و عاتبه قائلًا: -و إنت حضرتك بتقبل المساعدة منه. صمت لبرهة ثم قال لخالته بانفعال و صدره يرتفع و يخفق من فرط العصبية: -و إنت لما خالد جِه و بيقولك تتجوزيني منزلتيش الشبشب فوق نفوخه ليه؟ فقالت له أمه معاتبه له على أسلوبه مع خالته: -اهدى يا أنس، صوتك ميعلاش على خالتك كده عيب.
تنهد بقوة محاولًا التحكم بأعصابه ولكن ما زاده عصبية عندما رأي منكس رأسه بغير اكتراث. فنظر إليه بغضب ثم وقف أمامه وصفعه على وجهه و أمسكه من ملابسه. التفوا الجميع حولهم ويحاولون الفصل بينهم، في هذه اللحظة طُرق باب الشقة، فركضت تفتح التي كانت على علم بالطارق. فتحت و قالت لـ و هي تبكي و تسحبها معها إلى الداخل: -تعالي بسرعه ابعدي أنس عن رحيم. فدخلت مسرعة و وقفت بجانب قائلة بنبرة عالية خرجت غصب عنها مرتعشة:
-أنس سيب رحيم، سيبه يا أنس قلت لك مينفعش العصبية و الانفعال سيبه يا أنس، إنت بتضرب أخوك الصغير. تركه ثم رماها بطرف عينيه بحدة وقال وصدره يعلو ويهبط من شدة انفعاله: -و أنا بردو قلت له يا روان متعتمدش حد ومتعملش حساب لحد حتى لو أبوك. ثم خرج من الغرفة متجهِهًا إلى الشرفة وخرجت خلفه التي جلست على مقعد بجانبه ثم قالت:
-انا قلتلك يا أنس بلاش العصبية دي خصوصًا لو مع رحيم و جميلة، هما بيحبوك اوي بلاش تزعلهم منك و رحيم مش صغير عشان تهينه كده و تكلمه بالطريقة دي رحيم كلها اربع شهور و يكمل سته وعشرين سنه عيب كده. تنهدت ثم أضافت بحب وابتسامة عريضة: -بعدين أنت وحشتني على فكره. نظر إليها بغضب ثم تحول الغضب إلى ضحكة واسعة أمام عينيها البريئة الضاحكة وقال: -و انت أكتر يا بنت إخلاص. ضحكت له ثم قالت وهي تنهض ممسكة بيديه:
-طب عشان خاطري تعالى صالح رحيم و جميلة. قال لها بعد أن تحولت ابتسامته إلى ضيق ثانيةً: -لأ، رحيم و جميلة مين إللي أدخل اصالحهم دول هما اللي يصالحوني. ردت عليه و هي ترفع حاجب و تخفض الآخر: -إنت شايف إنك بعد ما مسكت فيه هو اللي يجي يصالحك؟ رد عليها سريعًا بإيجاز: -اه. دخلت أمه إليهم و قالت له بعتاب بعد أن سلمت على: -عجبك اللي أنت عملته في رحيم قدام الناس. تدخلت قائلة:
-دلوقتي رحيم هيزعل منه و هيمشي مع نادر، لغاية ما هو يسافر تاني. لفتت انظاره مساحيق التجميل و زينتها فقال بجمود: -أنت حاطه مكياج في وشك، ليه؟ صمتت ولم تُرد. زفر بضيق ثم قال معقبًا على حديثها السابق: -عامةً أنا مش همشي تاني، يعني مش هسافر تاني خلاص. عندما قال ذلك تورد وجهها و قفزت عدة مرات بعفوية وهي تضحك وهو يضحك عليها، و أمه ظلت تحمد ربها. قالت هي تبتسم بحماس: -يبقى هي دي المفاجأة إللي إنت كنت محضرها لي.
-و إيه رأيك فيها؟ ردت عليه بسرعه: -أحلى حاجة سمعتها. فقالت له أمه وهي تسحبه معها للخارج: -تعالى صالح أخوك. دخل إلى غرفته التي كان بها وحده و طرق على الباب فأذن للطارق بأن يدخل، ظنًا منه أنها أمه. -إزيك اخبارك ايه يا استاذ رحيم؟ رمقه بحزن وضيق ولم يعقب. جلس بجانبه على طرف السرير وقال بحنان معتذرًا:
-إيه يا عم إنت زعلان مني أوي كده، خلاص يعني هي أول مرة يا رحيم، إنت عارف أنا بعمل كده عشان خايف عليك، إنت اخويا الصغير، انا اسف. لم يُجيب عليه. فخطفه في حضنه وهو يقول بهدوء: -بص يا رحيم إنت عارف أن إنت حبيبي و اخويا و صاحبي و أبني كمان، وإنت عارف إنت عامل إيه كويس، و كل مره بتحط أمل في أدهم وإنت عارف انه هيخذلك، وأنا مش بشوفك ضعيف غير مع أدهم. ثم بعده عنه و أضاف بحنان:
-أنا أسف يا سيدي حقك عليا و على راسي من فوق خليك رحيم الجامد اللي أنا اعرفه بقى، و سمعني ده كده تحفه بقى. فأبتسم له و قال له: -حمدلله على سلامتك. فقال له و هو يضع يده على كتفه: -افرحك، انا مش هسافر تاني كمان ان شاء الله. تهللت أساريره وقال له: -لأ ده كده تحفه أوي بقى. -والله ما فيه غيرك اللي تحفه. ثم قال بصوت هادئ: -رحيم أنا خلاص قررت اني أطلب روان من إخلاص و خلاص. فرد عليه ضاحكًا:
-إخلاص و خلاص، يعني إيه مش قلت لما البت تخلص كليه الأول، و بعدين يا أنس روان صغيره أوي. فقال له بهدوء: -أولًا الموضوع مش مستاهل ضحك، ثانيًا هي كبيره مش صغيره عندها واحد وعشرين سنه، يعني اللي زيها متجوز و مخلف كمان، ثالثًا إنت مالك. فنظر له ثم انفجر في الضحك وهو يقول:
-أنس بجد والله إنت ليه بتتكلم كده يعني ليه تقول اولًا و ثانيًا و ثالثًا، ليه متتكلمش عادي زي الناس الطبيعية، و بعدين مين دول اللي زيها متجوزين ومخلفين قول اللي زيك إنت بقى هما اللي متجوزين ومخلفين يا أبو اتنين وتلاتين. نظر إليه وهو يرفع حاجبه الأيسر بحنق زائف:
-ملكش دعوة بكلامي، و هي مش لازم تخلص تعليم و بعدين تتجوز عادي نعمل العكس و بعدين خلاص في آخر سنة، وبعدين اللي أدي انا متجوزين ومخلفين، طب إنت يا خايب يا ابن الخايب مش ناوي تشوف واحده كده ولا كده. فسكت و فجأة تذكر تلك ذات شعر قصير، فقال له بذهول فاتحًا عينيه على آخرها: -رحيم إنت بتفكر في واحدة، أحلف. خرج من شروده وقال بغضب زائف قائلًا:
-بس يا أنس أكيد لأ، إنت عارف أنا مش بتاع الحاجات دي و بعدين أنا لسه صغير على مسؤوليات الجواز، وكمان لازم اطمن على جميلة قبل ما اخد خطوة في حياتي. -ربنا يكملك بعقلك يا أخويا، تعالى نخرج نقعد معاهم بره. نهض كلاهما و خرجا إليهم. عندما رأيتهما نهضت بحماس و هي تقول: -اتصالحتوا الحمدلله، حيث كده بقى ناكل حاجة حلوة. رد عليها و هو يفرك في يديه بحماس: -حاجه حلوه زي إيه انزل اجيب حلويات مشكل و لا أيس كريم ولا جاتوه. فردت
عليه و معها في صوت واحد: -شورما. ثم نظرا الفتاتين إلى بعضهما و ضحكا سويًا. قال مقترحًا: -اسمعوني الأول، إيه رأيكم لو نروح نتفسح الأسبوع كله، كل يوم نروح في مكان شكل لمدة أسبوع والله لو كُنا في الصيف كنت هاخدكم اسكندريه و لا مطروح. -واو، فكره هايله. كانت هذه التي ردت بحماس كالعادة. قال لها و هو يرمي بنظره بعيدًا عنها: -إنتِ مين قالك إنك هتيجي معانا، أنا رايح أنا و أهلي بس. ردت عليه و هي ترفع حاجبيها
و تضع يديها على خصرها: -والله إنت شايف كده، على فكره روان صاحبتي و لو مرحتش معانا انا مش هروح. رد عليها يبتسم يستفزها و يُغيظها: -بس كده المركب إللي تودي إنتِ و صاحبتك، حاجه تاني؟ قالت له بجدية و تعابير وجهها تحولت إلى حزن على غير العادة: -أنس هو إنت مبقتش تحبيني زي زمان؟ أنا حاسه انك مش متحمس لعلاقتنا. رد عليها بملامح وجه جامده يستغفر في سره:
-أنا قلتلك بطلي عبط يا روان، أنا قلتها قبل كده ملناش دعوة ببعض لغايه ما تتخرجي من الكليه، وبعدين أنا كمان سيبت شركة دبي وجيت هنا، والمدير عايز ينقلني فرع اسكندرية وكمان انا. -استنى استنى كده إنت بتقول عليا أنا عبيطة؟ اولًا أنا مش عبيطة، ثانيًا يعني إيه لغاية ما اخلص كليه؟ طب ما تيجي تخطبني هو انا قلتلك يلا نتجوز بكرة، أنا خلاص قدامي أقل من سنة أصلًا هيحصل حاجه لو جيت وخطبتني؟
ثالثًا بقى هو أنا قلتلك أنا عايزه مهر او شبكة او حتى شقة انا قلت إنت مبقتش تحبيني ليه و مش مهتم بيا. كان هذا ردها عليه بانفعال بعد ما نهضت من مكانها و قطعت حديثهُ. رد بنبرة غليظة: -روحي يا روان. ردت بنبرة غاضبة: -يعني إيه يعني مفهمتش. كرر حديثه بصوت أعلى: -يعني تروحي على بيتك يا روان و بس كده. بكت في هذه اللحظة و أخذت حقيبتها و غادرت. وذهبت خلفها. قالت له أمه بعتاب:
-لأ يا أنس أنت بقيت عصبي كده أوي، حتى روان بتتعصب عليها، قدام أمها. قال له بعد أن حمحم: -على فكره يا أنس واضح جدًا أنها بتتدلع عليك، إنت وحشتها وعارف أنها بتحبك اوي، و فيها إيه لو كنت قولتلها انك هتخطبها و مش هتستنى أنها تخلص كليه، ما إنت لسه قايل كده جوه. قال له بعد أن تنهد بغضب: -بس يا رحيم، أسكت بقى هي إللي عصبتني و قاطعتني في الكلام. قال معترضًا بضجر:
-لأ يا أنس هي قاطعتك بعد ما إنت قولتلها بطلي عبط، جرحت مشاعرها الله يسامحك، حرام عليك البت بتتدلع عشان وحشتها، أنا مش فاهم الكيوته إللي بتحب الحياة و متحمسة دايمًا، هتعيش معاك ازاي، أو حبيتك ليه أصلا. رمقه بحدة اخرسته ثم ذهب إلى الشُرفه. قال ضاحكًا عليهما عندما دخل إلى الشرفه: -أموت وأعرف ليه بيعدوا وهما بيتكلموا. ثم اكمل مقلدًا صوت:
-خدت بالك ياض يا نادر، أولًا انا مش عبيطه، ثانيًا فيها ايه لما تخطبني و انا في جامعه هو احنا هنتجوز بكره، ثالثا انا مش عايزه مهر ولا شقة، إيه بنت المجنونة دي يعني ايه مش عايزه شقه اومال هيتجوزوا فين في عِشه. قال له و هو يضحك معه عليهما: -لأ و كل ده كوم و لما قامت اتعصبت و بعد كده بصه منه عيتطها ده كوم تاني خالص، البت وشها جاب الوان. فأضاف إلى كلامه: -والله أنس برأس كبش، وهي عبيطة. قال له بإيجاز وهو يومئ: -حصل.
قالت بضجر زائف: -أنت قلت يا رحيم على بنتي بنت المجنونة، واخوك هزئها قدامي، مش خايفين على مشاعري؟ استمرت الضحكات و التنمر على حتى قالت لهم: -اقعدوا ساكتين بدل ما يجي يضربك إنت وهو وترجعوا تعيطوا. و عندما كانوا يتحدثون و يضحكون. فجأة طُرق الباب بهمجية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!