تحميل رواية «ماضي لا يغتفر» PDF
بقلم ريتاج ابو زيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في منطقة المعادي التي تعد أهم مناطق القاهرة، حدث حريق في شقة في أحد المباني السكنية. وصلت سيارات الإطفاء إلى موقع الحريق في شقة المعادي، وانتشر القلق والفوضى بين الناس، خاصةً الجيران الذين على علاقة وطيدة مع سكان الشقة. كان الجميع يحاولون إيجاد طريقة لكي يتأكدوا من وجود أشخاص في الداخل أم لا لإنقاذ المحاصرين داخل الشقة إذا وُجوده، ولكن الوضع كان صعب بسبب شدة الحريق. كانوا ينتظرون بفارغ الصبر وصول الإنقاذ وسيارات المطافئ التي وصلت لتوها. كانوا يتصلون بهواتف أصحاب الشقة حتى يتأكدوا إنهم في الخارج....
رواية ماضي لا يغتفر الفصل الأول 1 - بقلم ريتاج ابو زيد
في منطقة المعادي التي تعد أهم مناطق القاهرة، حدث حريق في شقة في أحد المباني السكنية.
وصلت سيارات الإطفاء إلى موقع الحريق في شقة المعادي، وانتشر القلق والفوضى بين الناس، خاصةً الجيران الذين على علاقة وطيدة مع سكان الشقة.
كان الجميع يحاولون إيجاد طريقة لكي يتأكدوا من وجود أشخاص في الداخل أم لا لإنقاذ المحاصرين داخل الشقة إذا وُجوده، ولكن الوضع كان صعب بسبب شدة الحريق.
كانوا ينتظرون بفارغ الصبر وصول الإنقاذ وسيارات المطافئ التي وصلت لتوها.
كانوا يتصلون بهواتف أصحاب الشقة حتى يتأكدوا إنهم في الخارج.
وما أثلج صدور الناس أن الرجل صاحب محل الجزارة قد رآهم يخرجون جميعاً من الشقة قبل فترة وجيزة، وعندما اتصلوا بهم في الوقت الحالي، كانت هواتفهم تعمل، وهذا كان سبباً في طمأنة الناس بأنهم كانوا بالفعل خارج الشقة أثناء الحريق.
قال شاب يُدعى (نادر) وكان قلقه الشديد لأجلهم واضحا في نبرة صوته وانفعالاته:
-ما ترد يا رحيم بقى أو أي حد يطمنا انكم مش في الشقة يارب استرها.
قالت (روان) وهي ترتجف خوفًا من منظر البناية، وخوفها عليهم إذا كانوا بداخلها:
-أنا أتصلت على أنس ومش بيرد عليا بردو، يمكن يكونوا عند أنس؟
فصاحت في هذه اللحظة (ليلى) قائلة بنبرة طغت عليها الفرحة والسعادة ومع ذلك خرجت متحشرجة متلعثمة:
-عبير ردت.
اقتربوا منها جميعهم في حماس وفرحه وقلق وخوف، يتساءلون إذا كانوا بخير ولم يمسهم ضرر، وأين هم الآن، ولماذا لم يجيبوا على الهاتف مباشرةً، لكن فُجئوا جميعهم بأنهم في المخفر.
رفع (نادر) حاجبيه في دهشة:
-ليه حصل ايه؟
قالت (روان) بضجر وهي تأخذ من يد (ليلى) الهاتف بيديها التي ما زالت ترتجف:
-طنط، الشقة بتاعتك بتولع، الحمد لله إن محدش فيها.
جاء الرد على هيئة صمت من الجهة الأخرى حتى ظنوا أن المكالمة قُطعت، لكنها تكلمت بنبرة خرجت مبحوحة متحشرجة:
-يعني إيه البيت ولع؟ بيت مين؟
تحدثت (ليلى) تبث الصبر في قلبها، في قلب صديقتها المفضلة كما تفعل منذ ثمانية أعوام:
-عبير يا حبيبتي قدر الله وماشاء فعل، المهم دلوقتي أنك كويسة وعيالك كويسين، المهم دلوقتي أنت وعيالك في القسم ليه؟
صرخت بذعر عندما استوعبت الأمر وخرجت من طور صدمتها:
-بيتي ولع إزاي إيه إللي حصل، هنعيش فين يا ليلى، هنعمل اي.
ثم صرخت صرخةً قوية انطلقت من اعماق قلبها، تعبر عن مدى المصاعب التي تتعرض لها قائلة:
-يارب.
ذهب إليها رجال الشرطة وتجمع حولها كل من كان في المكان، وجاء إليها أبنائها وزوجها وابن شقيقتها الذين خرجوا لتوهم من مكتب الشرطي.
فتكلم (رحيم) ابنها بقلق بنبرة مرتجفة:
-حصل إيه يا أمي؟
ردت والدموع تنهمر على وجنتيها وهي تنهض من مكانها بسرعة لتذهب إلى شقتها المحترقة:
-البيت اتحرق يا رحيم، بيتنا اتحرق.
ظهرت الدهشة في ملامحهم التي تجعدت بخوف وقلق وبكاء، ثم تحركوا راكضين إلى خارج المخفر خلفها.
عندما وصلوا شاهدوا منزلهم الذي اختفت معظم ملامحه والدموع تنهمر كالشلالات.
تكلمت (جميلة) التي أحست بغصة والخفقان في قلبها بتحشرج وهي تشير على شقتهم بسبابتها بإنكار وضجيج رأسها بدأ في التحدث مع نفسه:
-هو ده بيتنا.
ثم تحسست بحركة لا إرادية حقيبتها لتطمئن على شيء.
بذل الجيران جهودًا وهم يحاولون تخفيف الحمل والألم الذي وقع عليهم، لكن دون جدوى، لأن الحريق قلوبهم أشد حريقًا من البيت، ولم يأخذ الحريق بيتهم فقط بل أخذ جزءاً من روحهم، وتركهم بلا مأوى.
بعد فترة قصيرة جاء إليهم رجل المطافي موضحًا لهم سبب الحريق وهو الغاز المتسرب، العامل الرئيسي هو تركيز الغاز في الهواء، فإذا وصل إلى النسبة المناسبة للاشتعال (عادة بين 5% إلى 15% من الغاز في الهواء)، يمكن أن يشتعل بسهولة وهذا وهو ما حدث.
هزّت (عبير) رأسها بشرود ثم اندفعت بقوة نحو طليقها و امسكته من تلابيبه قائلة بانفعال:
-الغاز مفتوح بسبب إنك سكران من امبارح يا أدهم و مش داري بالدنيا إنت اللي دخلت المطبخ أخر واحد إنت اللي شردتني تاني في الشارع أنا وعيالي يا أدهم، ياريتك ولعت مع البيت، يا شيخ يارتني سيبتك في الشارع تتخانق مع الراجل احسن ما استضيفك في بيتي، رحيم و جميلة السبب.
اندفع (رحيم) نحوهم يفصل بينهما:
-يا أمي مش كده اهدي شوية عشان خاطري.
فقال (أدهم) بتلعثم:
-ايوة انا اللي دخلت اخر واحد بس نسيت البتوجاز شغال أعمل إيه أنا يعني، المهم أن محصلش حاجة.
فقالت بصراخ من بين يد ابنها:
-أنت معندكش دم والله أنا مشوفتش في بجاحتك أبدا.
اقترب (نادر) منهما وقال بثبات:
-ممكن نطلع شقتنا فوق و نتكلم.
وبعد محاولات عديدة أخذهم (نادر) وأمه (ليلى) إلى بيتهم الذي يقربهم، حيث أن المسافة ليست ببعيدة فهم في نفس الشارع ومعهم (إخلاص) والدة (روان).
بعد أسبوع من الحريق وهم يمكثون تلك الفترة عند أخت (عبير) التي تُدعى (وفاء) وابنها الوحيد هو (أنس).
تجمعوا جميعهم في وقت الغداء أخيرًا بعد محاولات عديدة منهم لإخراجهم من حالتهم.
طهت لهم (وفاء) وجباتهم المفضلة التي كانت محشي كرنب وباذنجان وفراخ مشوية وملوخية مصرية.
وفي وسط الثناء على صاحبة أجمل واحدة تطهو محشي وعلى رائحة الملوخية الخضراء الشهية، جاءت مكالمة لـ (أنس) وتهللت أساريره عندما سمع الخبر من الطرف الآخر.
عندما أغلق المكالمة قال مبتسمًا موجههًا حديثه لخالته وابنائها (رحيم) و (جميلة):
-الف مبروك يا خالتو الشقة ينفع يترمم من اول وجديد الضرر كان كبير اوي على الشقة والحريقة كانت كبيرة بس الاساس بتاع البيت وعواميد اللي ماسكة البيت مش عليها ضرر كبير وعادي إنها ترمم من الأول الحمدلله.
علق (رحيم) وهو ينظر إلى صحنه دون التطلع إليه:
-طب كويس الحمدلله تعبناك معانا يا أنس.
امتعض وجه (أنس) ونهض من الكرسي وهو يضرب على السفرة بيديه ثم أردف:
-يلا اتفضل اعمل نفسك زعلان وأن أنا إللي جيت عليك والشغل بتاعك ده.
نهض (رحيم) هو الآخر لكنه مازال مُحافظًا على هدوءه وثباته:
-مشكلتك انك بتفهم الكلام غلط، انا بقول كدة عشان افتح معاك كلام مش عشان ابين اني زعلان.
ثم أردف موجههًا حديثه لأمه:
-أنا هروح عند نادر يا أمي وهفضل عنده لغاية ما نشوف شقة نقعد فيها.
أضاف (أنس) بسخرية:
-يعني هتروح عند صاحبك، وهتسيب بيت خالتك، هتفضل عيل لغاية امتى يا رحيم، بجد هتكبر امتى؟
احتقنت الدماء في وجه (رحيم) لكنه تحمل وصمت ولم يعير كلامه اهتمام، فالصمت لغة تعبيره في بعض الأحيان إذا ما كانت في الأوقات جميعها، خرج من الشقة متجههًا الى بيت رفيقه المقرب منذ ثمانية أعوام (نادر) فهو ليس المقرب فقط، بل الأوحد.
ركب سيارته وأخذ يفكر في هذا الكم الهائل من المصائب، حيث أنه فشل في عودة والده كما كان من قبل، فتحول من أب مثالي إلى أب ظالم، ومن زوج وفي إلى زوج خائن، ومن رجل حنون إلى شخص بشع جاحد.
-افتحي يا ليلى الباب أنا بلبس.
كان هذا صوت (نادر) ينادي على أمه (ليلى) فهو يحب اسم امه كثيرا و يحب أن يناديها به دون ألقاب.
فتحت (ليلى) وقالت بأبتسامه ترحب بـ (رحيم):
-حبيب قلبي يا ناس كدة تقعد اسبوع لا حس ولا خبر، ومتشوفنيش ربنا يسامحك، ده حتى جيت عند خالتك عشان اطمن عليكو و إنت مكنتش موجود.
رد عليها بهدوء وهو يرسم الابتسامة على وجهه المرهق:
-لأ يا لولو متقوليش كده، إنتِ حبيبتي مقدرش على زعلك.
-ساعات بحس أن امي بتحبك اكتر مني.
رمى (نادر) بالحديث الذي خرج من الغرفة للتلو، ويا ليته ما فعلها لقد خرج بملابسه الداخلية، وهذا الشئ عادي على (نادر) والجميع اعتادوا على هذا الفعل منه، ولكن بنت الجيران التي خرجت الآن من الشقة المقابلة لهم في لحظة خروجه من الغرفة هنا كانت الكارثة.
-سلام عليكم يا طنط أُم نادر إيه اخبارك؟
-بخير يا حبيبتي إنت عاملة إيه يا ندوش و محاضراتك أخبارها إيه؟
تكلم (رحيم) ساخرًا:
-طب إيه هنفضل نسأل على أخبار بعض والواد بالبوكسر كده؟؟
حمحمت (ندى) بإحراج وقالت:
-أنا اسفة، أنا هنزل يا طنط حضرتك عايزه حاجة مني.
-لأ يا ندى شكرًا يا حبيبتي.
بعد ما رحلت (ندى) أغلقت الباب والتفت إلى ابنها الذي كان واقفاً بالسروال الداخلي، ثم نظرت إلى (رحيم) الذي ما إن نظرت إليه حتى انفجرا سويًا في الضحك.
-انتو بتضحكوا على إيه على فكرة البوكسر ده ماركة ومن قطونيل وبعدين هو إنتِ ليه مقفلتيش الباب مستنيه الناس تخرج تشوف ابنك كده، لأ وقدام مين قدام الكراش بتاعتي حرام عليكي.
قال له (رحيم) و هو يُجاهد للحديث من فرط الضحك:
-بص بقى إنت المرة اللي فاتت هي شافتك بالفوطة وأنت خارج من الحمام والمرة إللي قبلها كنت بتغير في الصالة عيني عينك والمرة دي ببوكسر قطونيل، أوعى تستحما والباب مفتوح بس..
رد عليه ساخرًا من نفسه:
-لأ و إنت صادق شافتني مره بالشراب.
رفع (رحيم) حاجبيه في دهشة وقال:
-إزاي يعني بالشراب.؟
-إنت دماغك راحت بعيد ليه يابني أنا كنت لابس هدومي كلها بس الشراب كان نص شراب، بص هفهمك كان شراب متاكل منه، مقطع يعني والمشكلة إني كنت لابس عليه أفخم بدله.
وضع يديه على صدره العاري ثم أردف باستغراب من مجيئه:
-رحيم هو أنت جيت ليه؟
أطلق تنهيدة حارة ثم قال في حيرة من أمرهِ:
-زهقت من أنس الصراحة كل شوية يعاتبني عشان عايز اساعد أدهم ومتخانقين وكمان هيسافر بعد شوية يخلص شغل وأنا مش هروح أسلم عليه، وتعبت من أمي إللي مش عايزة تبطل إتهام في أبويا طول الوقت و خايف على جميلة إن حالتها تسوء أكتر، مش عايزة دماغها تسوحها، أنا ما صدقت إنها رجعت جميلة القوية تاني، و خايف من كل حاجة يا نادر انا تعبان بجد والمشاكل مش مخلياني اخد نفسي حتى، ولسه أبويا عامل مشاكل مع ناس.
أجلسه (نادر) وضع يديه على كتفه برفق ثم قال ممازحًا صديقه:
-رحيم أنشف كدة، متخليش حاجة تزعلك طول ما أنا موجود، خلاص خليك قاعد معايا أنا، إيه رأيك لو خدت مني بوكسر من إللي أنا اشتريتهم جديد يمكن يفرفش عليك.
نظر إليه (رحيم) وابتسم مُقدرا ما يفعله صديقه معه، لكن الابتسامة لم تصل إلى عينيه.
أردف (نادر) قائلا بجدية قل ما تكلم بها:
-رحيم أنا شايف أن أنت المفروض تسمع كلام أمك، أصل أبوك بيختفي دايمًا ويوم ما يظهر بيكون عايز منك فلوس عشان يرضي مزاجه بالزفت إللي بيشربه، و لما قال عايز اعمل توكيل اتصرف منه بفلوسك من غير ما ارجعلك، عملت كده من غير ما تعرف حد و نفذت كلامه.
سكت لبرهة يفترس ملامحه الذي أظهرت اعتراضها على حديثة رغم أنه يعلم أن كل كلمة صحيحة، ثم أكمل:
-يا رحيم يا حبيبي أدهم القماش إللي أنت عايزة بتاع زمان اتغير خلاص مبقاش موجود، بعدين إنت غلطان في حاجة إنت ليه عملت له توكيل، ليه مقولتش ليا قبل ما تعمل المصيبة دي، ليه تقولي بعد ما عملته؟
رد عليه بتعب ظهر في صوته وملامحه وهو يُزيح يده عن كتفه:
-نادر أنا مش قادر على المعاتبة ولا الكلام متعملش زي أنس، قلت قبل كده أدهم أبويا ولازم اقف معها.
قال (نادر) وهو يبعد عنه حتى يستطيع النظر إلى عينيه:
-تقف جنبه فإنك تديه فلوس عشان يصرفها على الخمرة، طب ما هو خد منك فلوس من إللي انت شايلها، إيه لازمة التوكيل.
فرد عليه مترجيًا:
-نادر بالله عليك أنا تعبان والله وجيت هنا عشان ارتاح عشان خاطري متتكلمش معايا في حاجة، أفهم أنا لو مصرفتش على أدهم هيروح يستلف أو يسرق و ممكن تحصل مصايب، و إنت شوفت بعينك من كام يوم كنا في القسم بنحل مشكلة بينه وبين واحد عشان أدهم ضربه و شتمه و الراجل قدم فيه محضر، و كنا بنخلص الإجراءات بعد ما تعبنا كتير في إقناع الرجل بالتنازل عن المحضر.
تنهد (نادر) ثم قال وهو ينهض:
-طب يلا تعالي معايا نقعد نلعب بلايستيشن في أوضتي.
كان (نادر) يشك في أمرٍ ما بخصوص صديقه، كان لديه شعور بأنه يخفي عليه شيء و ملامحه على غير العادة متوترة و قلقه بعد ما كانت تتميز بالهدوء و ثبات معظم الوقت.
في صباح اليوم التالي الذي كان يوم الجمعة، ذهب الصديقان لصلاة الجمعة في المسجد، وبعد انتهاء الصلاة ذهبا إلى ما يسمى باللغة الدارجة "قهوة"، وهي تحت عمارة الذي يمكث فيها (نادر).
لكن كان الصمت هو سيد المكان بينهما، بعد أن انتهوا من طلب المشاريب، قطع الصمت (نادر) حيث قال بقلق واضح على صديقه:
-إيه يا رحيم مالك حاسس أنك فيك حاجه إحكيلي وأنا هسمعك.
فرد عليه بعد ما زفر بقوة:
-مفيش يا نادر عادي يعني.
قال (نادر) وهو يحدق إلى عينيه:
-إنت مش بتكون زعلان كده غير لحاجه من الاتنين يا أدهم حصل معاه مشكلة و مش قادر تساعده، أو إنت عملت حاجة غلط و خايف حد يعرف عشان متزعلش حد منك، إيه منهم إللي حصل يا رحيم ريحني أنا عارفك.
أتى الرد من (رحيم) كالصاعقة:
-انا حاولت اقتله يا نادر، روحت تهجمت على مظهر.
قبل أن يخرج (نادر) من صدمته اتصلت (عبير) بابنها، وعندما رد كانت تبكي وهي تقول:
-يا رحيم الحكومة جات هنا وسألت عليك وعايزين ياخدوك معاهم وقلت لهم أنك عند نادر، أنت عملت إيه يا رحيم.
وقف (رحيم) مصدوما فلماذا تأتي الشرطه إليه ما الخطأ الذي ارتكبه هل لأنه قام بمحاولة اعتداء على ممتلكات (مظهر)؟ هل (مظهر) هو من قدم بلاغ؟ بالطبع لا لأن (مظهر) جبان ولا يستطيع أن يورط نفسه مع (رحيم) فهو يعرف من هو (رحيم) إذا غضب، فمن الممكن أن يفشي سره.
فلماذا تأتي الشرطه اليه؟
رواية ماضي لا يغتفر الفصل الثاني 2 - بقلم ريتاج ابو زيد
بعد ما طالت الأسئلة في رأس رحيم، وبعد شرود قطعه صديقه نادر عندما سأل بخوف وقلق:
- إيه اللي حصل يا رحيم، مين كلمك؟
نظرًا لقصر المسافة بين بيت خالته وبيت نادر، جاءت الشرطة قبل أن يخرج من تفكيره وصدمته ليُجيب على صديقه.
قبل دخول الشرطة العمارة لكي يعتقلونه من بيت صديقه، وقف رحيم بثبات قبل دخولهم لها وعرفهم على نفسه، فأمسكه الضباط من يديه لاعتقاله.
وهو لم يعترض، فكان كل تفكيره هل حقًا من قدم البلاغ هو مظهر؟
وبعد معارضة من نادر في أخذ صديقه بهذه الطريقة ودون أن يفهم ماذا حدث ولماذا يُعتقل، أجاب الشرطي عليه بنبرة حادة وهو يسحب معه رحيم قائلًا:
- الأستاذ مش عايز يسدد القرض اللي أخده من البنك، وعليه أقساط وفلوس من رجل أعمال ولسه مسددهاش كمان، حاجة تاني زعلان عليه؟ تحب تيجي تتحبس معاه؟
نظر له رحيم مدهوشًا عندما سمع كلام الشرطي.
فقال ومازالت علامات الدهشة على وجهه:
- قرض إيه وفلوس إيه اللي عليا، أنا مش مستلف فلوس من حد ولا حتى خدت قرض.
رد عليه الشرطي بتهكم وملامح غاضبة:
- هو مش أنت رحيم أدهم القماّش؟
هزّ رحيم رأسه بالإيجاب.
قال له الشرطي وهو يسحبه معه:
- أيوه أنت واخد قرض من البنك وفيه راجل مقدم فيك بلاغ عشان فلوسه اللي واخدها منه.
- ممكن أعرف مين اللي مقدم فيا بلاغ؟
- لأ يا حلو في القسم بقى.
ذهب معه رحيم إلى قسم الشرطة، ولحقه نادر.
- حضرتك يا رحيم باشا واخد قرض بـ ٥٠ ألف جنيه.
رد رحيم ينفي هذه التهمة بثبات:
- لأ يا باشا أنا مخدتش قرض ولا عمري حتى استلفت من حد.
قال الشرطي بضجر من إنكاره:
- اومال مين اللي واخد قرض من ٣ شهور وأسبوعين بمبلغ ٥٠ ألف جنيه مصري، إنت بعت والدك للبنك ياخد القرض باسمك بالتوكيل اللي معاه.
- والدي؟
وقع الحديث عليه كالصاعقة، كأنه سُكب عليه دلو من الماء البارد في ليلة قارسة البرودة.
فهم أن والده أخذ قرض من البنك باسمه من التوكيل.
ليس هذه أول مرة يورطه بشيء هو لم يفعله قط، أحس بقهر وغصة، فهو كان يظن أن هذا الشخص سيتغير في يوم قريب وأنه بدأ يتعافى من المخدرات شيئًا فشيئًا، لكن بعض الظنون تكون خاطئة.
هذا الشخص يعيش لثلاثة أشياء فقط: اللهو، النساء، والمخدرات والخمرة.
قال رحيم بقهر وهو مطأطأ رأسه لأسفل بعد ما كان يتحدث بثقة وثبات:
- حضرتك والله العظيم ما أنا هو اللي عمل كده، مش أنا، هو أنا ليه بتعاقب على أفعاله؟ ليه بجد؟ أنا معملتش حاجة ولا استلفت حاجة والله العظيم.
جاء رد الشرطي بجمود:
- أيوه، وبعدين يعني القرض مكتوب باسمك وأنت بقالك أكتر من ٣ شهور مسددتش الأقساط، هو ده اللي عندي وهو ده اللي أعرفه وهتتحاكم عليه، معاك فلوس تسدد وتجيب محامي ولا بكرة الصبح تتعرض على النيابة؟
حينها وفجأة تحول القهر في عينيه إلى جمود وغضب. رفع رأسه في وجه الشرطي وقال له صارخًا:
- أنت يعني كده بتطبق العدل والقانون؟ أنا بقولك معملتش حاجة وأنت مش فاهم حاجة، متجيش تقول ده اللي عندي. الناس بتقول البلد خربانة ليه مش عارفة أن الحكومة بتسيب الظالم حر والمظلوم ورا الشمس، أنا معملتش حاجة ولا مخدتش حاجة وده اللي عندي.
نظر إليه الشرطي نظرة مطولة بغضب وتهكم، ثم نادى على الأمين حتى يأخذه إلى الحبس.
وكان الوقت الذي خرج فيه الأمين وهو يسحب رحيم رغمًا عنه مثل الخراف التي تُجر في عيد الأضحى، تزامنًا مع وصول عبير وجميلة.
فازداد القهر في قلبه عندما رأى أمه وأخته.
وكان القهر كذلك في عين أمه الذي رأت منظر ابنها وهو يُجر مثل الخراف.
ظلت أمه تصرخ وتصرخ وهي تدافع عن ابنها ولكن دون جدوى، ابنها الذي ذنبه الوحيد أن خُلق لأب فاسد يهوى المخدرات.
دخل رحيم الحبس ذو الرائحة الكريهة والمجرمين والظالمين والمظلومين.
بعد ما حدق رحيم في المكان وأوجه الرجال، جلس في ركن بعيد في أبعد ركن، وأخذ يتذكر الموقف الذي لم ولن ينساه طوال حياته.
كان والده يرجع بعد منتصف الليل بكثير بعد أن يُنهي لهوه ولعبه مع أصدقاء السوء.
وفي يوم عاد للبيت بعد منتصف الليل مخمورًا.
كان أهل البيت نائمين، حيث كان رحيم وجميلة بجانب والدتهم نائمين. كانت جميلة لم تتخط التاسعة من عمرها، وكان رحيم في منتصف العقد الثاني من عمره.
دخل أدهم الغرفة بهجوم وأخذ يمشي بالغرفة كالثور.
فاستيقظت عبير على صوته وهياجه بالغرفة وقالت وهي مغمضة نصف عينيها وصوتها ملحوظ من أثر النوم:
- مالك يا أدهم بتعمل كده ليه، في حاجة حصلت.
هدر فيها صارخًا في وجهها بعنف:
- أنا مش قلت العيال دي متنامش هنا تاني ولا يقربوا من هنا، هو أنا كلامي مش مسموع ليه؟
ردت باستنكار وقد طار النوم من عينيها:
- يعني إيه متشوفهمش هنا تاني؟ هما دول مش عيالك وإنت أبوهم؟ هو إنت ليه بتحسسني إنك جوز أمهم يا أدهم؟ فيها إيه يعني لما يناموا جـ...
وقبل أن تنهي الجملة، صفعها على وجنتها بقوة.
ثم قال صارخًا بها مرة أخرى:
- أنتِ كمان بتردي عليا وتعلي صوتك؟ مين سمحلك تتكلمي معايا كده؟
في ذلك الوقت استيقظ رحيم بفزع.
فردت عبير بقهر:
- إنت مجنون، إنت أكيد شارب حاجة، أنا معملتش حاجة ليك عشان تمد إيدك عليا.
قال بصراخ وهياج أكثر:
- زعلانة عشان مديت إيدي عليكي؟ طب اهو يا ست.
في ذلك اللحظة سقط عليها بالضربات والصفعات واللكمات على الوجه، ورحيم يصرخ ويبكي. فاستيقظت جميلة وظلت تبكي. وقف رحيم أمام أمه حتى يمنعه من ضرب أمه وهو يقول بتوسل له:
- خلاص يا بابا أنا آسف، حقك عليا أنا، ماما معملتش حاجة عشان تضربها عشان خاطري خلاص، طب ماما عملت إيه طيب؟
هل توقف عن ضربها؟ بالطبع لا.
فبعد ما كان يضربها فقط، ضرب رحيم معها، وجميلة كذلك عندما حاولت الدفاع عن أمها وأخيها.
في وسط الضربات والصرخات كانت عبير تدافع عن رحيم من اللكم في الوجه، فدفعته على الجهة الأخرى سريعاً، فجاءت اللكمة على أنفها فسالت الدماء منها وسقطت مغشية على الأرض من كثرة الضربات واللكمات.
فهل يهدأ ويخاف على زوجته المغشية وأطفاله الذين يبكون ويصرخون؟ بالطبع لا.
أخذ يثور أكثر في زوجته المغشية وأولاده إذا دافعوا عن والدتهم.
حتى خمدت ثورته وخمدت معها أجسادهم.
خرج رحيم من هذه الذكرى المؤلمة المعلقة في ذهنه، متشبثة بذاكرته ويتمنى أن تهجره لكنها تأبى، عندما خانته العبرات الهاربة من عينيه. وفي خلده تدور أغنية يسمعها دائمًا للفرقة المفضل بالنسبة له كايروكي:
أنا بجري مني
وبجري ورايا
بجري من حاجات
قديمة جوايا
بجري ومش شايف بكرة
عيني في قفايا
اللي فات عمره ما مات
إحنا بس اللي بن موت
أنا بجري و السنين
بتجري ورايا
مسح دموعه وقرر أن يتوقف عن التفكير في الماضي وينظر إلى ماذا سيفعل الآن، لكن كما ذُكر في الأغنية (عيني في قفايا).
وعلى الجهة الأخرى كانت أمه تبكي بحرقة على ابنها، فمن يصدق أن شاب مثله يبلغ ستة وعشرين عامًا يُسجن عشر مرات.
وكانت بجانبها جميلة، هذه الجميلة التي بكت في هذه الدنيا أكثر ما ابتسمت وكبرت أعوامًا على أعوامها. كانت تحاول أن تُكف رأسها عن الحديث حتى تُفكر في حل للمأزق.
جاء في تلك اللحظة كلا من وفاء وليلى، وكانت ليلى بجانب عبير التي ظلت تكرر المكالمات على أدهم، ظنًا منها أنه سيدافع عن ابنه ويساعده.
فقالت لها ليلى بحزن وقهر لأجلها:
- إنتِ فاكرة إنه هيرد عليكي؟ حتى لو رد هيجي ينقذه؟ هيقولك أنا مالي، وهتقهرى نفسك وعيالك أكتر، حرام عليكي. إحنا هنتصرف صدقيني أنا ونادر هنتصرف إن شاء الله وهيخرج بالسلامة.
أثناء مواساة ليلى لـ عبير وجميلة، ولج آخر من توقعوا.
- أنتَ إيه اللي جابك هنا؟ جاي هنا ليه وتعمل إيه؟ جاي تشوف ابني وأنا مقهورة عليه؟
فهذا كان قول عبير بانفعال وصراخ عندما شاهدت خالد.
رد خالد عليها ببرود أعصاب وهو يضع يديه في جيب بنطاله:
- إنتِ مزعلة نفسك ليه كده يا أم رحيم وجميلة؟ متقلقيش. إنتِ جوزك، أقصد طليقك استلف مني فلوس عشان يجيب خمرة وحشيش، وقالي اللي هيسد الفلوس ابني.
صمت لبرهة ثم قال بالبرود نفسه:
- جاي أتفق معاكي اتفاق يا بنت عمي، لو موافقة عليه هخرجلك ابنك من هنا، وكل شيء هيرجع مش زي ما كان خالص، تؤ، زي ما أنا عايزها. قولتي إيه يا أم رحيم وجميلة، تتجوزيني؟
- قالت أنك أقذر واحد في الدنيا كلها وابن ****** كمان، ولو قلت حاجة تاني أو اتكلمت تاني مش هسمي عليك.
كان هذا رد نادر عليه بنبرة جامدة واثقة، رافع رأسه لا يهمه أحد ولا يخاف أحد إلا الله جل وعلا، فمن من البشر يستحق الخوف منهم؟
حتى إذا يوجد بشر يستحقون الخوف منهم، بالطبع ليس خالد.
أكمل نادر بنفس النبرة الواثقة وهو يقترب منه بثبات:
- أنا عمري ما شوفت حد بيعمل كده في بنت عمه اللي المفروض بيحبها، بجد عمري ما شفت ولا هشوف أندل منك. إيه الجحود ده؟ رافع قضية على ابن بنت عمك اللي يعتبر ابن أختك؟ إنت إزاي؟ طب من أنهي فصيلة؟
رد عليه بنفس النبرة الباردة الخالية من أي تعبير قائلًا:
- وأنا مش هتنازل عن القضية غير لما آخد اللي أنا عايزه، ده أول حاجة. تاني حاجة بقى هي مش أختي ومتقولش كده تاني. وأنا قلت هتوافقي على الشرط هخرج ابنها، مش هتوافقي على الشرط مش هتنازل وهاخد حقي، وبس كده.
فقالت عبير بتوسل وبكاء:
- خالد ده ابني، عشان خاطري بلاش كده يا خالد. وإنت عارف إنه مستلفش منك حاجة ولا خد منك حاجة، متعاقبوش بذنب الماضي، أبوس إيدك يا خالد عشان خاطري.
بنفس النبرة الخالية رد عليها:
- إنتِ ليه شايفة إني بقول كلام وخلاص؟ قلت مش هتنازل غير بشرطي تتجوزيني يا عبير.
أتى تلك المرة الرد من تلك الجميلة الشاحبة:
- إنت ليه مصمم على كده؟ قالت قبل كده لأ لأ لأ. إنت عبيط في دماغك؟ روح شوف واحدة رخيصة زيك بس أمي لأ، ومش عايزين منك مساعدة، إحنا هنتصرف ونتطلع رحيم، وطز فيك إنت ونفوذك.
ردت بقوة نفس قوة رحيم، والنبرة الواثقة الجامدة، فهي اعتادت على صفاته وتصرفاته منذ الصغر.
رد خالد بسخرية هذه مرة:
- لما نشوف يا جميلة هانم هتخرجي أخوكي رحيم باشا إزاي!
ردت بثقة تُحسد عليها، تتناقض مع ضجيج رأسها الذي لا يكف عن الحديث:
- هخرجه، هخرجه وهتشوف و هتنبهر كمان.
ابتسم بسخرية ثم ذهب إلى مكتب الشرطي كي يتم المحضر ويستفسر منه عن أي جديد وإذا أحد دفع المبلغ، فأجابه الشرطي بالسلب، فأطمئن. لكن تغير كل شيء بعد مكالمة واحدة جاءت للشرطي التي خضع بالقول للمتصل قائلًا "أمرك".
تلك المكالمة التي أجرتها تلك الواثقة الجميلة قلبت الموازين.
فعلق خالد على المكالمة التي جاءت للشرطي بتوتر:
- هو أمرك اللي عمال تقولها في المكالمة اللي جاتلك دي حاجة بخصوص رحيم؟
فرد الشرطي بالإيجاب.
انفعل خالد وقال له بجهورية:
- وإيه اللي كان في المكالمة يخليك تقول أمرك أمرك؟ أوعى يكون هيخرج.
رد الشرطي بضجر:
- آه، المكالمة اللي جاتلي دي من سيادة اللواء وقال أن رحيم هيسدد كل الديون اللي عليه من القرض ولحضرتك.
قال بسخرية تهكمية:
- استغفر الله العظيم، ومين كلم اللواء؟
قبل أن يرد عليه الشرطي، طُرق باب المكتب فسمح بالدخول.
فكان الطارق هو مظهر.
دخل مظهر بخطوات ثابتة وألقى التحية على الشرطي دون النظر لـ خالد، ثم قال:
- أنا جيت أسدد كل الديون اللي على رحيم القماّش، أنا صاحب والده، اسمي مظهر الضبع.
فرحب به الشرطي وقال له وهو يشير ناحية خالد:
- هو ده الأستاذ صاحب المحضر، الأستاذ خالد الحداد، تقدروا تتكلموا مع بعض وتتفاهموا وتشوفوا الفلوس هتدفع إمتى، عن إذنكم.
خرج الشرطي ودارت معركة النظرات بينهم.
رواية ماضي لا يغتفر الفصل الثالث 3 - بقلم ريتاج ابو زيد
كانت المواجهة في غاية الصعوبة، فهما كانا صديقين منذ زمنٍ بعيد، فكانوا كالأخوة، أو هكذا كان يدعون ويظنون.
وفي الوقت الراهن كُشف الله وجههما ليرى كل منهما حقيقة الآخر.
أول من قطع الصمت كان (خالد) الذي قال بسخرية:
- يعني أنت اللي جاي تخرج رحيم وتسدد القرض والديون، طب والله حلوة، بقالي كتير مضحكتش.
رد عليه (مظهر) بثبات:
- آه أنا اللي جاي يا خالد، اتفضل قول عايز كام وقفّل المحضر وقوم روح.
فضرب (خالد) على المكتب بيديه بانفعال وهو ينهض ثم قال:
- أنت ليه هتفضل تدخل نفسك في كل حاجة، ليه هتفضل تدمر كل اللي بعمله، كفاية بقى خراب لغاية كده.
رد عليه (مظهر) بغير اكتراث:
- أنا مش بخرب دلوقتي أنا بحل، بس إنت بتأذي رحيم ورحيم ملهوش ذنب، ومتقولش حنيت له والكلام الفاضي ده، أنا كل الحكاية إن جميلة كلمتني وقالتلي على إللي حصل فجيت عشان رحيم وجميله ملهمش ذنب، لو حد ليه ذنب في كل ده هيكون أدهم وأنت يا خالد.
رد عليه بانفعال وهو يستعيد الماضي الأليم الماضي الذي لا يُغتفر:
- أنت واخد بالك انت بتقول إيه، هنعيد تاني، إنت سرقت و قتلت وخربت و بوظت كل حاجة في حياتنا يا مظهر، إنت خنتني وحبستني، إنت إنسان مريض، إنت هتفوق إمتى إنت سبب كل حاجة، وجاي دلوقتي تقول رحيم وجميلة ملهمش ذنب يعني أنا وأدهم كان لينا ذنب، وكل الناس إللي دمرت حياتهم دول ليهم ذنب، ورحيم و جميلة وهما أطفال كان ليهم ذنب؟
نظر (مظهر) إليه بابتسامة نصر وفخر في نفسه ثم قال:
- أنت لسه هتعيد حاجات من سنين، أنا مش فاضي، أنهي الموضوع يا خالد عايز كام.
وقبل يُجيب (خالد) أتى (الشرطي) مبتسمًا ظننًا منه أن كل شيءٍ على ما يرام، جلس على كرسي المكتب وهو لا يزال يبتسم تلك البسمة البلهاء، شخّص بصره أولاً إلى (مظهر) ثم إلى (خالد) وقال له:
- ها يا استاذ خالد حضرتك هتتنازل عن المحضر خلاص الأستاذ مظهر قال هيسدد كل حاجة وحضرتك هتاخد كل فلوسك.
أغمض (خالد) عينيه بغضب ثم أطلق تنهيدة وسيطر على غضبه وتقبل الهزيمة هذه المرة كما المرات السابقة.
تقبل ضياع حبيبة عمره للمرة التي لا يعلم عددها، تقبل الخيانة والغدر من صديقه مراتٍ لا تُحصى، كاد أن يتكلم لكن استوقفه (مظهر) عندما قال:
- الأستاذ خالد اكيد هيتنازل عن المحضر وهياخد فلوسه اللي هو عايزها.
ثم نظر إلى (خالد) بثقة وهندم ملابسه ثم غادر.
خرج من المكتب، وهو يشعر بالنصر عليه مثل كل مرةٍ، وما يفرحه أكثر إنه زرع في ذاكرته الكثير من الآلام الذي لا تُنسى، ومازال يتألم منها.
وكان بجانب المكتب تجلس (عبير) التي كانت تشعر أن قلبها يتمزق على فلذة كبدها، وكانت تفكر هل سيتنازل (خالد)؟ هل (مظهر) سينهي الأمر أم سيعقده؟ هل (رحيم) بخير؟
وكانت الأسئلة تدور برأسها والخوف على ابنها ينهش في قلبها، والدموع تسيل على وجهها، دموع الحزن والخوف والقهر و الخذلان و الانكسار.
أما (جميلة) فهي على عكس أمها كانت واثقة في (مظهر) هي لم تثق فيه لذاته، ولكن كانت واثقة إنها إذا طلبت منه شئٍ سينفذ طلبها، لأنها كما أخيها تعرف السر، كان هناك شيء ينظر للأمر بسلبية في عقلها و ينفي عكس ذلك، لكنها ظلت تقاومه.
وقف (نادر) يفكر كيف سينقذ صديقه من هذه الورطة، وأمه كانت بجانب (عبير) تواسيها.
- متخفيش يا أم رحيم، رحيم هيخرج بالسلامه أن شاء الله كلها ساعتين بس نخلص المحضر و نسدد القرض و هيرجع بيته بسلامه، روحي ارتاحي انتِ....
كان هذا قول (مظهر) عندما خرج من مكتب (الشرطي).
صمت لبرهة ثم أردف قائلاً:
- تقدري تروحي أنت وجميلة يا أم رحيم وكمان أم نادر و خلي نادر هنا عشان ياخد رحيم...
نظرت إليه (عبير) باشمئزاز ثم نظرت إلى الجهة الاخرى فهي تبغضه إلى أبعد حد و لا ُتطيق النظر إليه، كانت تشعر بأنها تريد أن تمزقه! نعم تمزقه!! أو على الأقل تُهشم رأسه.
نظر إليه (نادر) بعمق، فهو كيف يأتي وينقذ (رحيم)؟ فلماذا يأتي ويساعده لماذا لا يستغل الفرصة ويحتفل بدخول (رحيم) السجن؟ لماذا استجاب لـ(جميلة)؟
لحظات صمت وأسئلة وتفكير لم يقطعها سوى (ليلى) عندما قالت موجهة حديثها إلى (عبير) و (جميله):
- يلا يا جميله يلا يا عبير قومي يا حبيبتي خلينا نروح، يلا عشان ترتاحي ومش ينفع تقعدي هنا أكتر من كده أنت تعبانة و إخلاص كل شوية تتصل و قلقانة، نادر هيجيب رحيم لغاية عندك بالسلامه.
بالطبع رفضت (عبير) أن تتزحزح خطوة واحدة دون ابنها.
بعد ساعتين تم الانتهاء من الإجراءات المطلوبة، خرج ذلك المظلوم من السجن.
كانت حالته سيئة وجهه شاحب وعيونه حمراء واضح فيها الحزن والقهر ثيابه غير مرتبة شعره أشعث بعض الشيء، كأنه مكث هنا شهر وليس بضع ساعات.
عندما رأت أمه شكله بكت وذهبت إليه بخطوات واسعة وضمته إليها.
ركبوا جميعا في سيارة (نادر) الذي اخذ كرسي القيادة وبجانبه (رحيم) ويمكث في الخلف النساء.
ما زال (رحيم) يتذكر السنوات الأخيرة وكيف تغير والده وكيف كان يعامل أمه، وكيف كانت أمه تُخشى أن تنام، لأنه يعود إلى البيت مخمورًا، وكانت تخشى أن يفعل شئ فيها أو صغراها، فكانت تظل مستيقظة، وتقفل عليه الغرفة هو وأخته، حتى لا ينالوا من اللكمات والصفعات نصيب، فيضربها هي وتظل تصرخ و تتألم وتتحمل الالم وتحاول أن تدافع عن نفسها فيثور أكثر.
و الجيران الذين يسمعون صوت صراخها و لن يُحاول أحد قط أن يُساعدها خوفًا من توريط أنفسهم في صراعات.
ثم تذكر أيضا أن والده كان حنون عليهم جميعا، وأن هذا التغيير طرأ من فترة فقط وظل على أمل أن يعود والده كما كان حنونًا.
استفاق من الماضي عندما نادته أمه لتطمئن عليه، فطمأنها عليه بهزة من رأسه مع نصف ابتسامة باهتة وعينيه مليئة بالحزن، ثم وقفت السيارة عندما وصلوا إلى بيت خالته.
وهو كما هو صامتاً شاردًا ولم يقدر أن يتفوه بأي شيء، فهو فقط يكتفي بأن يومئ عندما يسأله احدًا اذا كان بخير.
لكنه قبل أن ينزلوا من السيارة تكلم لأول مرة منذ خروجه من السجن وقال لأمه:
- أمي لو سمحتي أنا هروح مع نادر واطلعوه أنتو.
فقالت معترضة:
- ليه يا رحيم، مش هينفع انا عايزاك تكون معايا انهاردة مش هعرف اسيبك روح يوم تاني.
- أمي أنا مش حمل كلمة واحدة من أنس مش عايز نتخانق أو يزعقلي.
فقالت (جميلة) وهي تربت على كتفه من خلف:
- إنت نسيت يا رحيم، أنس مش موجود في البيت عنده شغل وتليفونه مقفول ولسه ميعرفش حاجة لأن تليفونه هيفتح بكرة.
تذكر ان (أنس) لديه عمل في الإسكندرية، فا استجاب لهم في النهاية مقدرًا خوفهم عليه، عندما دخلوا الشقة قالت خالته بوجهه هادئ:
- ألف حمدلله على السلامة منشوفش فيك حاجة وحشة يا عيوني.
اومئ لها مجبرًا نفسه على الابتسام.
ثم قالت أمه بنبرة متحشرجة قليلًا:
- رحيم يا حبيبي يلا ادخل غير هدومك وانا هحضر لك تاكل يا حبيبي.
فرد عليها بإيجاز وهو يذهب متجهًا إلى غرفة (أنس):
- لأ يا أمي أنا داخل أنام عشان الشغل الصبح.
في صباح اليوم التالي استيقظ (رحيم) على صوت "المنبه" الذي دق في تمام الساعة السادسة صباحًا.
قام بجسد متثاقل ومُتعَب من أثر ليلة أمس.
خرج من غرفته متوجه إلى المرحاض ليستحم، ثم خرج وتوجهه إلى المطبخ حتى يقوم بتحضير مشروبه المفضل القهوة.
رفيقة الصباح التي تنبض بالحياة، رائحتها تسكن الروح. فهذا رأيه في القهوة.
بعد أن انتهى من ارتشاف مشروبه المفضل حس ببعض الراحة، وتجهز إلى عمله.
نزل من المنزل متجها إلى مقر عمله كسائق في شركة (أوبر) وكان وقتها أحد العملاء طلب سيارة أوبر من منطقة الزمالك.
ولم تستغرق المسافة وقت طويل حتى وصلت السيارة إلى العميل.
كانت فتاة ذات شعر قصير.
كانت تمتلك عيون واسعة بُنيّه، وجه مستدير بالإضافة إلى غمازات على خديها، بشرتها حنطيّه، متوسطة الطول.
ركبت الفتاة السيارة بعد ما تأكدت أنها هي، كانت تلك الفتاة ذات الشعر القصير أنفاسها مضطربة وتهز قدميها بسرعة، تمسك هاتفها وتقوم بإجراء المكالمات بأحد فلا يُجيب، ثم تُعيد الأتصال مرة أخرى، دون جدوى.
و تتمتم مع نفسها بصوت منخفض.
توتر الفتاة جعل (رحيم) ينتبه لها وينظر من المرآة على انفعالاتها وتصرفاتها.
- هو حضرتك يا آنسه محتاجه حاجه، قصدي محتاجة مساعدة او حاجة؟؟
فكان هذا قوله بعد ما حمحم ونظر أمامه على الطريق بعيدا عن المرآه.
قالت له الفتاة بتوتر وقلق:
- لأ انا مش محتاجة حاجة..
- الو إيه يا بابي اخيرا رديت عليا، المهم انا رايحه لماما في المستشفى الدكتور اتصل بيا و قال أن هي فاقت بس تعبانة أوي، السواق مش موجود في البيت فطلبت أوبر، تعالى بسرعة.
كانت هذه الكلمات صادرة من تلك الفتاة التي هدأت بعض الشيء عندما أجاب والدها عليها.
فجاء الرد من والدها أن تهدأ و هو سيأتي إليها فوراً، ثم أغلقت المكالمة واخذت شهيق وأخرجت زفير.
لقد وصلا إلى المكان المطلوب "المستشفى".
فقال لها (رحيم) و هو يركن السيارة:
- حمدلله على السلامة إن شاء الله ماما تكون بخير.
ردت عليه بإيجاز وهي تفتح باب السيارة وتذهب منها بسرعة:
- شكرا، الله يسلمك..
عقد (رحيم) حاجبيه و لم يصدق نفسه، هل هي تركض؟؟؟
هو ليس لديه ادنى مشكلة انها تركض أو حتى تطير لكنها لم تدفع الاجرة.
ظل (رحيم) مصدمًا حتى غابت عن عينيه.
فأخذ يفكر ماذا يفعل هل يدخل خلفها أم يرحل، أم ينتظر حتى يأتي والدها و يقول له ان ابنته المتوترة ذات الشعر القصير لم تدفع الاجرة وركضت وخلال أقل من عشر ثوانٍ اختفت عن نظره؟
ولكن كيف سيتعرف على والدها إذا انتظره؟
أخذ (رحيم) ينتظر و يُفكر قرابة عشر دقائق حتى قطع تفكيره اهتزاز هاتفه في جيب بنطاله.
فكان المتصل هو صديقه (نادر) يريد الاطمئنان عليه، أجاب (رحيم) على الهاتف و طمأّنه عليه وقال له انه بخير، ثم سرد عليه ما حدث قبل قليل مع الفتاة.
فجاء الرد من (نادر) ساخر:
- يا عم تلاقيها اصلا إللي بتنضف الحمامات جوه و عملت كده عشان تضحك عليك ومتدفعش.
أطلق تنهيدة بضجر ثم قال له:
- بطل سوء ظن في الناس بقى حرام عليك.
بعدين هي حتى لو بتنضف حمامات تكون حراميه يعني، إيه يعني بتنضف حمامات، بعدين القمر دي بتنضف حمامات ازاي دي ايدها متعرفش يعني إيه فرشه تنضيف وبعدين دي بتقول بابي وساكنة في الزمالك.
فرد (نادر) ضاحكًا:
- اوبا اوبا اوبا هو إنت شوفت ايدها.
فقال له (رحيم) بإنفعال مفتعل:
- أنت عبيط يا نادر يعني إيه شفت ايدها، ما طبيعي هشوف ايدها، وعادي يعني شفت ايدها هي لابسة جوانتي يعني، إنت برأس كبش ياض؟، أخلص شوفلي حل اعمل ايه؟
فقال (نادر) مقترحًا:
- اممممم بص انت ترجع عادي شغلك و توصل الناس و كله زي الفل عادي و تعالى على أخر اليوم او في نصه كده و اسأل عليها كده و شوفها مشيت و لا لأ يمكن تلاقيها، و كمان لو ملقتهاش ابقى تعالى بكره الصبح في نفس المعاد كده و أسأل عليها حتى الأمن اللي بره لو ملقتهاش خلاص ياعم مكنتش متين جنيه.
وبالفعل نفذ (رحيم) اقتراح صديقه و عاد إلى المستشفى في منتصف النهار وسأل عنها رجل أمن المستشفى الذي نجح في التعرف عليها عندما وصفها له.
فقال: آه انت اكيد قصدك أم شعر قصير أسود وعندها غمازات دي وجات الصبح لوالدتها، يبقا أكيد مفيش غير الآنسة نور.
صمت لبرهة ثم أكمل:
- ماشي شوف حسابك كام وانا هدفع وهبقى اقول للآنسه نور.
وافق (رحيم) فهو كل ما يريده هي الأجرة ولا يهمه مِن مَن سيأخذها، فأخذ منه الاجرة و رحل يستكمل عمله.
عاد مرة ثانية إلى المستشفى لأنه كان قريب منها فذهب إليها ليرى تلك الفتاة صاحبة الشعر القصير التي علم فيما بعد أنها تُدعى (نور) إن كانت موجودة حتى يقول لها إنها نست دفع الأجرة.
أوقف السيارة أمام المستشفى لكنه رأى (نور) تبكي وسط أُناس كثيرون يبكون أيضًا.
صرخت (نور) ببكاء:
- لأ يا بابي اكيد لأ، أمي كويسة أمي هتروح معانا، أنا كده مش هقدر اعيش، ده فاقت انهارده الصبح.
ثم صرخت بأعلى صوتها:
- بتسبني وتمشي ليه، اكيد ده مش حقيقي وحلم وأنا هصحى منه دلوقتي إن شاء الله يارب.
حالة إنكار وعدم تصديق
حزن ومشاعر مضطربة
انكسار و وجع
فقدان الأم من أعمق الأحزان التي قد يختبرها القلب.
لقد رحلت أمها، الحب والحنان، الحضن الدافئ، فعليها استكمال الطريق وحدها، دون أم ترعاها وتهتم بتفاصيلها وتأخذها في حضنها حيث الحنان والأمان.
كانت تبكي بحرقة وقلبها يتمزق من الألم الفراق، تبكي بقلبها قبل عيناها، فكم ستشتاق لأمها، وكم ستشتاق لقلبها و حنينها، وكم فراقها صعب عليها.
ظلت تبكي حتى أحست بخفقان في قلبها، ودوار شديد ثم سقطت على الأرض من كثرة التعب والبكاء فتجمع حولها الناس وكانوا يساعدوها على النهوض من جديد، نزل في هذه اللحظة (رحيم) من السيارة و قرر مساعدتها، ساعدها أن تنهض من على الأرض وسط أقاربها، ثم أخذها إلى سيارته، و اعطاها زجاجة المياه الصغيرة خاصته، فلم تقدر على الإمساك بالزجاجة، وظلت تبكي.
فهدئها هو بقوله الهادئ:
- بصي حاولي تتماسكي كده وتهدي شويه عشان عيلتك وعشان نفسك، بصي انت بقيتي عامله ازاي، اهدي عشان كده حرام، وكلنا لها، وعشان هي اكيد في مكان احسن، و اظن ربنا رحمها يعني.
ثم أكمل بهدوء:
- أسأل الله العظيم رب العرش العظيم ان يرحمها بواسع رحمته، وأن تكون خالدة في الجنة، وأن يجمعك بها في الجنة بعد عمرٍ طويل، وأسأل الله العظيم أن يصبرك و يقويكي و يديكي القوة و يطبطب على قلبك و تقدري تتحملي فراقها.
البقاء لله يا آنسه نور.
بعد قول (رحيم) لها وهدوء في المعاملة معها ودعائه لها و لامها، هدأت بعض الشيء ونظرت له في عينيه نظرة مطولة عميقة تتساءل، من أين يعرفها هذا الشاب؟
ظلت تنظر إليه بتساؤل حتى جاءت إليها صديقتها وأخرجتها من السيارة.
خرج هو أيضاً من السيارة، فقالت له صديقتها و هي تدحرج عينيها بينهما:
- هو حضرتك مين أنت تعرفها؟
فقال لها (رحيم) بهدوء وأدب:
- هو أنا معرفهاش يعني، بس أنا وصلتها للمستشفى الصبح أنا أوبر، و كنت معدي من هنا و لما شوفتها وقعت جبتها العربية.
فأومأت له وهي تأخذ صديقتها بعيد عنه وتهدئها.
أخذتها إلى والدها التي كان واقفا يبكي.
فقالت له صديقتها وهي تضع يديها على كتفه ويدها الثانيه على يد (نور):
- البقاء لله يا أنكل، أنا جبت لحضرتك نور أهي كانت واقفة مع الشاب إللي هناك ده لما أغمى عليها هو خدها عربيته.
فقال والدها وهو يحاول ان يتماسك و يتحدث بهدوء:
- شكرا يا مونيكا، خلي بالك منها يا مونيكا متسبهاش، خديها معاكي على البيت بعربيتك يلا، وعرفيهم أنك لقيتها عشان كانوا بيدوروا عليها، انا مش عارف ليه سبوها تروح مع راجل غريب.
فجاء الرد من (مونيكا) معقبًا على حديثه:
- معلش يا أنكل هما افتكروا انه حد من قرايبنا محدش واخد باله، أنا هاخدها معايا.
ثم اخذت (مونيكا) (نور) وادخلتها سيارتها، ونظرت إلى (رحيم) الذي لا يزال واقفًا أمام سيارته، ثم رحلت.
بعد ما فرغ المكان من أهل وأقارب المتوفية، ذهب (رحيم) إلى (رجل الأمن) أعطى له الاجرة التي كان اعطها له من قبل، فقال له (رجل الأمن) وعلامات الدهشة على ملامحه:
- ليه يا باشا بترجعها تاني ما خلاص بقى، انا هخدها من الآنسة نور أو الاستاذ ضياء.
فقال له (رحيم) وهو يمد يده بالمال مُصرًا:
- أنا هاخدها منها اتفضل شكرا..
فأخذ (رجل الأمن) المال منه، ثم استدار (رحيم) حتى يرحل، لكنه سمع اهتزاز هاتفه في جيب بنطاله للمرة الثانية، قبل أن يركب سيارته فأخرجه حتى يُجيب.
كان المتصل (صاحب محل صغير تحت منزل خالته).
رفع حاجبيه في دهشة عندما قرأ الأسم وأحس بقلق فأجاب عليه مسرعًا.
رواية ماضي لا يغتفر الفصل الرابع 4 - بقلم ريتاج ابو زيد
أجاب على الهاتف مسرعًا عاقدًا ما بين حاجبيه بدهشة، فجاء الصوت من الطرف الثاني:
- إنت فين يا أستاذ رحيم، أبوك جِه من شويه وأم أنس نزلت ومفيش حد في البيت غير الست عبير بس قلت اتصل بيك اعرفك.
فتح عينيه على اتساعهما وظهرت حبات العرق على جبينه وتسارعت نبضات قلبه وانتابه خوف شديد على أمه، وأحس أن عقله توقف تمامًا، لماذا يأتي في هذا التوقيت.
هو لم ينقصه توترا وخوفا، استجمع ثباته ثم قال:
- طيب يا محمد إنت تتصل بنادر و تقوله بسرعة لو هو في البيت وخلص شغل يروح لأمي.
عشان انا هتصل بأمي.
فوافق على كلامه ثم أغلق معه الخط و اتصل بـ نادر الذي كان في طريقه للعودة من العمل، عندما قال له ما حدث بدل وجهته إلى بيت خاله.
أما فركب السيارة بسرعة و أسرع في قيادته. وظل يتصل بأمه مِرارًا و تكرارًا و لم تجب عن الهاتف، فاتصل بـ جميلة التي قالت له أنها في عيادة الطبيبة النفسية ومعها روان، فلم يريد أن يقلقها فقال لها إنه كان يطمئن عليها.
بعد أن أغلق مع اخته، أتصل بـ نادر فأجاب عليه قائلا بهدوء:
- ايوه يا رحيم أنا خلاص أهو قربت أوصل عندها البيت، أهدى و متوترش وبلاش عصبية و طيش بالله عليك هنتصرف براحه و بالعقل ماشي.
اطلق تنهيدة قوية و قال بصوت أقرب للبكاء:
- أنا تعبت يا نادر هو بيرجع ليه أنا لسه ملحقتش أتعافى من اللي حصل امبارح، المشكلة انا خايف يكون سكران و يعمل حاجة، أو هي تتخانق معاه عشان البيت اللي اتحرق و إللي حصل امبارح، ويحصل مشكلة بينهم.
- معلش حقك عليا أنا قربت أوصل أهو و متقلقش من حاجه تعالى على مهلك يا رحيم.
وصل تحت البناية التي تمكث فيها وفاء صعد سلالم المنزل بسرعة فائقة، ولم يستخدم المصعد الذي كان مشغول، طُرق على باب البيت، وبعد لحظات فُتح الباب بواسطة أدهم.
فقال له بانفعال وهو يُزيحه من أمام الباب ويدخل الشقة:
- لأ إنت أكيد بتهزر، إنت ليك عين تيجي هنا إنت عبيط، إنت بجد مفيش دم خالص، امشي غور من هنا قبل ما رحيم و جميلة يجوا.
فرد عليه بنبرة باردة وهو يجلس على الكرسي:
- لأ مفيش دم خالص، وأنا اصلا جاي هنا عشان عايز اشوف رحيم و جميلة.
قبل أن يُجيب عليه، ردت بانفعال قائلة:
- إنت ليه مصمم تقهروا بقى ما قلتلك خلاص امشي و سيبه في حاله إيه اللي رجعك كفاية بهدلة في العيال بالله عليك.
- هو إنت لسه هتتحايلي يا طنط.
قالها و أمسكه من تلابيبه بقوة ثم أردف بصراخ:
- إنت يا عم الحج روح شوف إنت رايح فين و غور من هنا و مفيش كلام مع رحيم و ده نهاية الكلام، امشي بقى بالأدب بدل ما و رب الكعبة امشيك بقلة الادب و انا بحبها الصراحة.
فرد عليه بغضب:
- هو إنت كده جدع يعني و إنت ماسك راجل أد ابوك كده، عيب سيب القميص.
في تلك اللحظة غلت الدماء في عروقه و أمسكه بقوة أكبر و سحبه معه حتى باب الشقة و فتحه و اخرجه بقوة:
- امشي من هنا بأدب بدل ما امشيك انا بزفه.
ثم صفق الباب بقوة. فأمثاله السُكارى يستحقون تلك المعاملة، معاملة الحيوانات، احيانًا نُشفق على الحيوانات أننا نشبه البشر بهم فهم لا يستحقون حتى معاملة الحيوانات.
و من وراء الباب كان يصرخ به و يطرق على الباب بقوة و يقول له انه ليس من حقه أن يقرر عن أبنائه. و لم يهتم إليه و لم يهمه ما يقول، فجلس على الكنبة و أجلس بجانبه.
فقال بجمود لها:
- ليه يا طنط تفتحي له الباب، أهو عمال يجعر بره و أنا خايف رحيم يجيي دلوقتي و يلاقيه بره، و في نفس الوقت أنا لو مشيته هقل أدبي عليه جامد، هو يستاهل اصلا بس تقدير لرحيم و ليكي مش اكتر.
ردت عليه هي تسحب منديل لتُزيل دموعها:
- والله يا بني أنا مش عارفة هو عايز إيه من الأساس، هو قالي إنه جاي لموضوع مهم عشان كده فتحت ليه الباب.
مازال يطرق على الباب بقوة وهو يصرخ، و لا أحد من الجيران سأل ماذا يحدث.
هدرت فيه بصراخ بسبب صوته المزعج العالي و سِبابه في:
- إنت معندكش ذرة رجوله ولا ذرة أدب حتى، أمشي بقى قبل ما حد من العيال يجي.
فقال و هو يخلع ساعته و يستعد للخروج إليه:
- معلش بقى يا طنط أصل ده عايز اعادة تربيه من اول وجديد.
فتح الباب وهجم عليه و قبل أن يفعل أي شئ جاء و قال موجهًا حديثه لـ بسرعة:
- بس يا نادر سيبه.
عندما تركه قال موجهًا حديثه له بنبرة غلبها الحزن:
- إيه اللي جابك هنا.
فاعتدل وهندم ملابسه، ثم قال رد عليه بجمود:
- ندخل الأول وبعدين نتكلم، والشيء ده ميدخلش معانا و مشوفهوش مقرب تاني منك.
فقال له بسخريه:
- وإنت مالك؟ و بعدين ده نادر، مش شيء.
صمت لبرهة يراقب ملامح والده الباهتة الشاحبة وعينيه التي كانت تُظهر عليه علامات السُكر، وتتحرك بحركات غير منتظمة، ثم أخذ تنهيدة وقال بهدوء:
- هنتكلم هنا مش جوه قول إللي عندك بقى انا لسه راجع من شغلي.
رد عليه بانفعال:
- طب حلو إنت إللي اخترت و إنت إللي قليت ادبك إنت و صاحبك و امك.
ثم أردف بالطريقة نفسها:
- إنت رحت اتهجمت على مظهر وضربته في بيته، وأول ما وقعتوا في مشكلة اتصلتوا بيه، أنا مش مصدق البجاحة، وتتصل بمظهر الكلب ده اصلا ليه، وتروح تتهجم عليه ليه؟
شُلت حركة وأحس أنه سُكب عليه دلو من الماء البارد في احدى ليالي الشتاء الباردة، وكانت واقفة تنظر لـ و هي تريد منه أي رد فعل وكذلك.
أول من تكلم في هذه اللحظه كانت قائلة بإنكار:
- رحيم مش بيتهجم على حد و لا حتى يفكر إنه يعمل كده دي أفعالك إنت و اللي شبهك إنما ابني انا غيركوا، وجاي تعاتب وتقول اتصلتوا بمظهر ليه ما هو لو عنده أب مسئول مكُناش اتحوجنا لحد.
رد عليها بسخرية متهكمة:
- مش هو ده مظهر إللي بتكرهي سيرته، مظهر إللي ضحك عليا و خسرني فلوسي دلوقتي بقى مظهر حلو انا وحش يا عبير؟، بعدين مش مصدقه أن تربيتك ضناكِ يعمل كده طب اسأليه راح اتهجم عليه ولا لأ.
فأهدر بعصبيه و صراخ:
- ايوه رحت اتهجمت على مظهر و نفسي أقتله كمان، عشان هو سبب كل حاجة.
صمت لبرهة ثم اكمل قائلًا بكسره و ضعف و الدموع ظاهرة في مقلتيه:
- وإنت عارف إنه سبب كل حاجة، و إنت كمان السبب، عشان بعدت عننا و رحت تسهر و تشرب.
اقترب منه بهدوء وقال:
- رحيم انا خايف عليك، مش عايزك تدخل نفسك في حاجة، خليك في حالك و ركز في حياتك، ولو حصل إيه متتصلش بمظهر، مظهر شيطان يا رحيم.
رد بتعب ظهر في صوته:
- لو إنت تبطل حركات المراهقين يا أدهم مش هحتاج اتصل بحد، انت سبب دخولي السجن أصلا، متاخدتش مني فلوس تاني.
رد بغلظة هذه المرة:
- أنا غلطان إني لما عرفت إللي حصل جيت اشوفك و اسأل عليك.
تركهم وغادر. و دخل الشقة و هو في أشد حالات التعب، هو يحتاج إلى راحة كامله، يحتاج إلى هدوء في حياته، فذهب إلى غرفة أنس.
هو بطبعهِ إنسان هادئ و لكن الظروف والحياة تريد منه وحش حقير كـ مظهر الضبع. كيف لشخص كان أب حنون في يوم ما يؤذي أبناءه اليوم بهذه الطريقة؟
ظل يفكر حتى غلبه النعاس و نام، فهذه عادة عنده كلما ضاقت به الحياة ينام، فهكذا هو يعبر عن حزنه.
جلس بجانب بعد ما دخلا الشقة و حاول تهدئتها و يشرح لها الأمور ببساطة، وأن لم يفعل شيء، و أن حتى لو فعل فـ يستاهل، و أخذ يشرح لها أن مضغوطًا و يشعر بالتعب، حتى طُرق باب الشقة وكانت جميلة، التي ما إن دخلت أحست أن هناك شيء غريب.
جلست بجانب أمها بهدوء و سألت و توتر ينعش قلبها:
- مالك يا ماما أنتِ معيطه؟، في حاجه حصلت، و رحيم فين؟
رد على أسئلتها بهدوء:
- بصي يا جميله براحه كده، أدهم جِه هنا و اتخانق هو و رحيم، عشان رحيم راح البيت لمظهر يضربوا وإنت اتصلتي بيه لما رحيم كان في السجن، و بس كده و مفيش حاجه تاني.
عقدت حاجبيها باستغراب ثم قالت القلق ينهش بقلبها:
- يعني إيه؟ رحيم يروح يضرب مظهر ليه، هو رحيم راح امتى؟
رد عليها بنفس الهدوء:
- مش عارف بس هو قالي قبل ما الحكومة تيجي تاخده، عشان كده ملحقتش اقول لحد.
تنهد ثم أكمل وهو ينهض بتكاسل:
- طب أنا همشي معلش، لو محتاجين حاجة عرفوني و لما رحيم يصحى خليه يكلمني، سلام عليكم، وانا هتصل أكلم أنس عشان اقوله يرجع كفاية كدة.
فأستوقفته بقولها:
- نادر، أنس لسه هيرجع بكرة بلاش تكلمه عشان ميقلقش.
- أنا عارف إنه هيرجع بكرة، بس انا لازم أعرفه إللي حصل، هو كل يوم يسألني عليكم وأنا مش هينفع أكدب.
فقالت مقترحة على حديثهما:
- خلاص أتصل بأنس خليه يجي، ونتصل بطنط ليلى وروان ونقولها تيجي ونقعد مع بعض النهاردة كلنا.
صمتوا قليلا يفكرون في اقتراحِها ثم قطع الصمت حيث قال:
- هي فكره جميله و تُحترم و كل حاجه بس يعني حاسس أن رحيم محتاج راحه.
فقالت مؤيدة اقتراح ابنتها:
- لأ انا حاسه أن كلنا هنكون محتاجين اللمة و نقعد مع بعض اكتر من الراحة و انا هتصل بيهم و نتجمع بالليل.
فاومئ له، ثم غادر الشقة في نفس وقت دخول وفاء.
تجمعوا جميعًا تمام الساعة التاسعة مساءًا.
- ازيكو والله وحشتوني اوي اوي.
كانت القائلة و هي ترحب بهم بحماس و حب.
فردت عليها قائلة:
- والله و إنتِ و كمان و كلهم وحشوني بردو.
و في تلك اللحظه طُرق الباب بواسطة كلا من و. فتحت لهما و هي تعرف أنهما بسبب طرق المتناغم المعروف.
- حبيبي، حمدلله على السلامة يا بطل.
فسلم عليها و رحب بالجميع، و تبادل الأحضان و القبلات مع أمه، ثم استأذن منهم أن يدخل إلى، فدخل هو و أغلق الأخير الباب لأنه يعرف ماذا سيحدث الآن.
عندما دخلا كان في ثُبات عميق، مُلتحفًا بالكامل.
فقال بصوت غليظ و هو يُزيل من عليه اللحاف:
- رحيم، يا رحيم اصحى.
فتح نصف عينيه وهو يرمقه بانزعاج من ضوء الغرفة، ثم استدار إلى الناحية الأخرى و هو مازال نائما ولم يستيقظ بعد.
فأخذ زجاجة المياه الذي بجانبه على الكومود و فتحها، و قبل ان يوقفه، و بحركه سريعه منه، سُكب المياه عليه، فقام سريعًا ينتفض من مكانه.
وقف في حالة دهشة ولم يستوعب الأمر إلا بعد لحظات. وظل واقفًا يحدق فيه بجمود. و يتنحى جانبًا يترقب ما سيحدث.
استعوب اخيرا و نطق قائلًا بغضب:
- ليه يا أنس تصحيني بالطريقه دي، إنت جيت أمتى؟
رد عليه بنبرة غليظة جامدة:
- لسه واصل وقلت أشوف اللي كان محبوس أمبارح واتصل بعمو مظهر يخرجه.
زفر باستنكار واحتجاج وقال:
- اعمل إيه يعني كان في ايدي حاجه اعملها و معملتهاش؟ و انا متصلتش بحد، جميلة هي اللي اتصلت.
رد بغلظة و جمود و ملامح غاضبة و يشير بسبابته بانفعال:
- أولا إنت استسهلت يا رحيم ومحاولتش تعمل حاجة، ثانيا أدهم جِه هنا و متخانقتش معاه عشان اللي عمله فيك وضعفت، ثالثا رحت اتهجمت على مظهر وعايز تقتله.
فرد عليه بضجر:
- أنا مضعفتش وعمري ما كنت ضعيف، أنا يوم ما هكون عايز أعمل حاجة هعملها يا أنس، و بخصوص مظهر أنا لو كنت عايز أقتله بجد مكنتش هتردد لحظة، أنا كنت متعصب عشان كده رحت له بيته.
قال محاولًا تلطيف الأجواء بينهم:
- ممكن نقعد و نتفاهم براحه و رحيم يدخل يغير هدومه إلي غرقانة مايه، و..
بتر حديثه عندما رزقه بغضب ثم قال موجههًا حديثه لـ بصراخ:
- طب ما تعمل و تبعد أدهم عن حياتك بقى، ما تسيب مظهر في حاله و متفكرش فيه و فكر في حياتك، خلي أدهم يولع يا رحيم، الفلوس إللي بيصرفها منك دي و إللي خدها من خالد كلها جاب بيها خمرة و حشيش.
حديثه وصل إلى الخارج فأخذت الطرقات تتسارع على باب غرفته ففتح لهم بغضب ثم قال موجهًا حديثه لـ بصراخ:
- و إنت يا أستاذه جميلة بتتصلي بمظهر ليه، أنا كنت فاكر إنك أعقل من اخوكي.
ثم نظر إلى و عاتبه قائلًا:
- و إنت حضرتك بتقبل المساعدة منه.
صمت لبرهة ثم قال لخالته بانفعال و صدره يرتفع و يخفق من فرط العصبية:
- و إنت لما خالد جِه و بيقولك تتجوزيني منزلتيش الشبشب فوق نفوخه ليه؟
فقالت له أمه معاتبه له على أسلوبه مع خالته:
- اهدى يا أنس، صوتك ميعلاش على خالتك كده عيب.
تنهد بقوة محاولًا التحكم بأعصابه ولكن ما زاده عصبية عندما رأي منكس رأسه بغير اكتراث.
فنظر إليه بغضب ثم وقف أمامه وصفعه على وجهه و أمسكه من ملابسه. التفوا الجميع حولهم ويحاولون الفصل بينهم، في هذه اللحظة طُرق باب الشقة، فركضت تفتح التي كانت على علم بالطارق.
فتحت و قالت لـ و هي تبكي و تسحبها معها إلى الداخل:
- تعالي بسرعه ابعدي أنس عن رحيم.
فدخلت مسرعة و وقفت بجانب قائلة بنبرة عالية خرجت غصب عنها مرتعشة:
- أنس سيب رحيم، سيبه يا أنس قلت لك مينفعش العصبية و الانفعال سيبه يا أنس، إنت بتضرب أخوك الصغير.
تركه ثم رماها بطرف عينيه بحدة وقال وصدره يعلو ويهبط من شدة انفعاله:
- و أنا بردو قلت له يا روان متعتمدش حد ومتعملش حساب لحد حتى لو أبوك.
ثم خرج من الغرفة متجهِهًا إلى الشرفة وخرجت خلفه التي جلست على مقعد بجانبه ثم قالت:
- انا قلتلك يا أنس بلاش العصبية دي خصوصًا لو مع رحيم و جميلة، هما بيحبوك اوي بلاش تزعلهم منك و رحيم مش صغير عشان تهينه كده و تكلمه بالطريقة دي رحيم كلها اربع شهور و يكمل سته وعشرين سنه عيب كده.
تنهدت ثم أضافت بحب وابتسامة عريضة:
- بعدين أنت وحشتني على فكره.
نظر إليها بغضب ثم تحول الغضب إلى ضحكة واسعة أمام عينيها البريئة الضاحكة وقال:
- و انت أكتر يا بنت إخلاص.
ضحكت له ثم قالت وهي تنهض ممسكة بيديه:
- طب عشان خاطري تعالى صالح رحيم و جميلة.
قال لها بعد أن تحولت ابتسامته إلى ضيق ثانيةً:
- لأ، رحيم و جميلة مين إللي أدخل اصالحهم دول هما اللي يصالحوني.
ردت عليه و هي ترفع حاجب و تخفض الآخر:
- إنت شايف إنك بعد ما مسكت فيه هو اللي يجي يصالحك؟
رد عليها سريعًا بإيجاز:
- اه.
دخلت أمه إليهم و قالت له بعتاب بعد أن سلمت على:
- عجبك اللي أنت عملته في رحيم قدام الناس.
تدخلت قائلة:
- دلوقتي رحيم هيزعل منه و هيمشي مع نادر، لغاية ما هو يسافر تاني.
لفتت انظاره مساحيق التجميل و زينتها فقال بجمود:
- أنت حاطه مكياج في وشك، ليه؟
صمتت ولم تُرد. زفر بضيق ثم قال معقبًا على حديثها السابق:
- عامةً أنا مش همشي تاني، يعني مش هسافر تاني خلاص.
عندما قال ذلك تورد وجهها و قفزت عدة مرات بعفوية وهي تضحك وهو يضحك عليها، و أمه ظلت تحمد ربها.
قالت هي تبتسم بحماس:
- يبقى هي دي المفاجأة إللي إنت كنت محضرها لي.
- و إيه رأيك فيها؟
ردت عليه بسرعه:
- أحلى حاجة سمعتها.
فقالت له أمه وهي تسحبه معها للخارج:
- تعالى صالح أخوك.
دخل إلى غرفته التي كان بها وحده و طرق على الباب فأذن للطارق بأن يدخل، ظنًا منه أنها أمه.
- إزيك اخبارك ايه يا استاذ رحيم؟
رمقه بحزن وضيق ولم يعقب. جلس بجانبه على طرف السرير وقال بحنان معتذرًا:
- إيه يا عم إنت زعلان مني أوي كده، خلاص يعني هي أول مرة يا رحيم، إنت عارف أنا بعمل كده عشان خايف عليك، إنت اخويا الصغير، انا اسف.
لم يُجيب عليه.
فخطفه في حضنه وهو يقول بهدوء:
- بص يا رحيم إنت عارف أن إنت حبيبي و اخويا و صاحبي و أبني كمان، وإنت عارف إنت عامل إيه كويس، و كل مره بتحط أمل في أدهم وإنت عارف انه هيخذلك، وأنا مش بشوفك ضعيف غير مع أدهم.
ثم بعده عنه و أضاف بحنان:
- أنا أسف يا سيدي حقك عليا و على راسي من فوق خليك رحيم الجامد اللي أنا اعرفه بقى، و سمعني ده كده تحفه بقى.
فأبتسم له و قال له:
- حمدلله على سلامتك.
فقال له و هو يضع يده على كتفه:
- افرحك، انا مش هسافر تاني كمان ان شاء الله.
تهللت أساريره وقال له:
- لأ ده كده تحفه أوي بقى.
- والله ما فيه غيرك اللي تحفه.
ثم قال بصوت هادئ:
- رحيم أنا خلاص قررت اني أطلب روان من إخلاص و خلاص.
فرد عليه ضاحكًا:
- إخلاص و خلاص، يعني إيه مش قلت لما البت تخلص كليه الأول، و بعدين يا أنس روان صغيره أوي.
فقال له بهدوء:
- أولًا الموضوع مش مستاهل ضحك، ثانيًا هي كبيره مش صغيره عندها واحد وعشرين سنه، يعني اللي زيها متجوز و مخلف كمان، ثالثًا إنت مالك.
فنظر له ثم انفجر في الضحك وهو يقول:
- أنس بجد والله إنت ليه بتتكلم كده يعني ليه تقول اولًا و ثانيًا و ثالثًا، ليه متتكلمش عادي زي الناس الطبيعية، و بعدين مين دول اللي زيها متجوزين ومخلفين قول اللي زيك إنت بقى هما اللي متجوزين ومخلفين يا أبو اتنين وتلاتين.
نظر إليه وهو يرفع حاجبه الأيسر بحنق زائف:
- ملكش دعوة بكلامي، و هي مش لازم تخلص تعليم و بعدين تتجوز عادي نعمل العكس و بعدين خلاص في آخر سنة، وبعدين اللي أدي انا متجوزين ومخلفين، طب إنت يا خايب يا ابن الخايب مش ناوي تشوف واحده كده ولا كده.
فسكت و فجأة تذكر تلك ذات شعر قصير، فقال له بذهول فاتحًا عينيه على آخرها:
- رحيم إنت بتفكر في واحدة، أحلف.
خرج من شروده وقال بغضب زائف قائلًا:
- بس يا أنس أكيد لأ، إنت عارف أنا مش بتاع الحاجات دي و بعدين أنا لسه صغير على مسؤوليات الجواز، وكمان لازم اطمن على جميلة قبل ما اخد خطوة في حياتي.
- ربنا يكملك بعقلك يا أخويا، تعالى نخرج نقعد معاهم بره.
نهض كلاهما و خرجا إليهم.
عندما رأيتهما نهضت بحماس و هي تقول:
- اتصالحتوا الحمدلله، حيث كده بقى ناكل حاجة حلوة.
رد عليها و هو يفرك في يديه بحماس:
- حاجه حلوه زي إيه انزل اجيب حلويات مشكل و لا أيس كريم ولا جاتوه.
فردت عليه و معها في صوت واحد:
- شورما.
ثم نظرا الفتاتين إلى بعضهما و ضحكا سويًا.
قال مقترحًا:
- اسمعوني الأول، إيه رأيكم لو نروح نتفسح الأسبوع كله، كل يوم نروح في مكان شكل لمدة أسبوع والله لو كُنا في الصيف كنت هاخدكم اسكندريه و لا مطروح.
- واو، فكره هايله.
كانت هذه التي ردت بحماس كالعادة.
قال لها و هو يرمي بنظره بعيدًا عنها:
- إنتِ مين قالك إنك هتيجي معانا، أنا رايح أنا و أهلي بس.
ردت عليه و هي ترفع حاجبيها و تضع يديها على خصرها:
- والله إنت شايف كده، على فكره روان صاحبتي و لو مرحتش معانا انا مش هروح.
رد عليها يبتسم يستفزها و يُغيظها:
- بس كده المركب إللي تودي إنتِ و صاحبتك، حاجه تاني؟
قالت له بجدية و تعابير وجهها تحولت إلى حزن على غير العادة:
- أنس هو إنت مبقتش تحبيني زي زمان؟ أنا حاسه انك مش متحمس لعلاقتنا.
رد عليها بملامح وجه جامده يستغفر في سره:
- أنا قلتلك بطلي عبط يا روان، أنا قلتها قبل كده ملناش دعوة ببعض لغايه ما تتخرجي من الكليه، وبعدين أنا كمان سيبت شركة دبي وجيت هنا، والمدير عايز ينقلني فرع اسكندرية وكمان انا.
- استنى استنى كده إنت بتقول عليا أنا عبيطة؟ اولًا أنا مش عبيطة، ثانيًا يعني إيه لغاية ما اخلص كليه؟ طب ما تيجي تخطبني هو انا قلتلك يلا نتجوز بكرة، أنا خلاص قدامي أقل من سنة أصلًا هيحصل حاجه لو جيت وخطبتني؟ ثالثًا بقى هو أنا قلتلك أنا عايزه مهر او شبكة او حتى شقة انا قلت إنت مبقتش تحبيني ليه و مش مهتم بيا.
كان هذا ردها عليه بانفعال بعد ما نهضت من مكانها و قطعت حديثهُ.
رد بنبرة غليظة:
- روحي يا روان.
ردت بنبرة غاضبة:
- يعني إيه يعني مفهمتش.
كرر حديثه بصوت أعلى:
- يعني تروحي على بيتك يا روان و بس كده.
بكت في هذه اللحظة و أخذت حقيبتها و غادرت. وذهبت خلفها.
قالت له أمه بعتاب:
- لأ يا أنس أنت بقيت عصبي كده أوي، حتى روان بتتعصب عليها، قدام أمها.
قال له بعد أن حمحم:
- على فكره يا أنس واضح جدًا أنها بتتدلع عليك، إنت وحشتها وعارف أنها بتحبك اوي، و فيها إيه لو كنت قولتلها انك هتخطبها و مش هتستنى أنها تخلص كليه، ما إنت لسه قايل كده جوه.
قال له بعد أن تنهد بغضب:
- بس يا رحيم، أسكت بقى هي إللي عصبتني و قاطعتني في الكلام.
قال معترضًا بضجر:
- لأ يا أنس هي قاطعتك بعد ما إنت قولتلها بطلي عبط، جرحت مشاعرها الله يسامحك، حرام عليك البت بتتدلع عشان وحشتها، أنا مش فاهم الكيوته إللي بتحب الحياة و متحمسة دايمًا، هتعيش معاك ازاي، أو حبيتك ليه أصلا.
رمقه بحدة اخرسته ثم ذهب إلى الشُرفه.
قال ضاحكًا عليهما عندما دخل إلى الشرفه:
- أموت وأعرف ليه بيعدوا وهما بيتكلموا.
ثم اكمل مقلدًا صوت:
- خدت بالك ياض يا نادر، أولًا انا مش عبيطه، ثانيًا فيها ايه لما تخطبني و انا في جامعه هو احنا هنتجوز بكره، ثالثا انا مش عايزه مهر ولا شقة، إيه بنت المجنونة دي يعني ايه مش عايزه شقه اومال هيتجوزوا فين في عِشه.
قال له و هو يضحك معه عليهما:
- لأ و كل ده كوم و لما قامت اتعصبت و بعد كده بصه منه عيتطها ده كوم تاني خالص، البت وشها جاب الوان.
فأضاف إلى كلامه:
- والله أنس برأس كبش، وهي عبيطة.
قال له بإيجاز وهو يومئ:
- حصل.
قالت بضجر زائف:
- أنت قلت يا رحيم على بنتي بنت المجنونة، واخوك هزئها قدامي، مش خايفين على مشاعري؟
استمرت الضحكات و التنمر على حتى قالت لهم:
- اقعدوا ساكتين بدل ما يجي يضربك إنت وهو وترجعوا تعيطوا.
و عندما كانوا يتحدثون و يضحكون. فجأة طُرق الباب بهمجية.
رواية ماضي لا يغتفر الفصل الخامس 5 - بقلم ريتاج ابو زيد
كانت الطرقات عالية، اجفلت أجسادهم من قوة الطرق.
ذهب رحيم لكي يفتح الباب، لكن صوت أنس أوقفه وهو يخرج من الشرفة ويقول له بحزم:
- استنى يا رحيم أنا هفتح.
فتح أنس للطارق الذي كان خالد.
أطلق ضحكة ساخرة ثم قال:
- أنا عمري ما شوفت في بجاحتك.
فقال له خالد بإيجاز هو ينظر إلى الداخل حيث موضع عبير:
- عايز رحيم.
جاء رحيم إليه يقف بجوار أنس.
فقال خالد له وهو ينظر في اللاشيء و يتمايل بحركات غير منتظمة:
- بص يا رحيم بعد إذنك أنا جاي بأحترام أهو و أدب، أنا عاوز أطلب إيد مامتك والله هحطها في عيني و هعتبرك، إنت و جميلة ولادي.
فرد رحيم عليه بسخريه تهكمية:
- والله؟ طب شكرًا والله إنك هتعتبرني أبنك و اختي بنتك، شربت أنهي صنف يا خالد؟
فقال له خالد ببكاء كأنه طفل صغير يبرر أفعاله لوالدته ويترجها حتى يفلت من العقاب وينال رضاها:
- أنا بطلت أصلا من زمان عشان عمي قال لي لما تكون كويس و تبطل شرب هجوزك عبير، و أنا اهو بحاول ابطل وارجع كويس عشان يوافق.
ثم أكمل برجاء متأملًا في عينين رحيم وهو يمسك يده:
- خليه يوافق يا رحيم عشان خاطري قول له يوافق، متخليهاش تتجوز من أدهم، أنا بس اللي بحبها.
كان رحيم يحاول أن يتماسك أمامه ولا يتأثر بكلماته.
لكنه أمام حالته نظر له بعين الشفقة ثم قال وهو يسحب يده من بين اصابعه:
- إنت مش شارب بس ده إنت حالتك هباب، حقيقي نفسي أعرف ليه إنسان يعمل في نفسه كده؟
نظر أنس إلى رحيم وهو يتنمى أن يتخذ موقفًا حازمًا و يواجهه.
فقال رحيم موجههًا حديثه للثمِل مرة اخرى:
- بقولك يا خالد روح بيتك أشرب كوباية قهوة و ريح شويه يلا مع سلامة.
ثم أغلق الباب في وجههِ.
نظر له أنس نظرة ساخطة و مستاءة و همّ بالكلام لكنه انقطع فجأة حين سمع صوت جميلة بالخارج تتكلم مع ذلك الثمِل.
فتح أنس الباب ليدخلها، لكنه رفع حاجيبيه في دهشة حين رأى خالته الكبرى التي لم تأتي إليهم منذ أكثر من خمس سنوات.
تفاجئ الجميع عندما رأوها، وتعكر صفوهم، لم يتمنوا هذه الزيارة أبدًا، توالت التخمينات في رأسهم عن سبب مجيئها بعد أن قطعت الصلة بينهم.
فقال رحيم بسخرية بعدما دحرج عينيه بين خالد ثم سلوى:
- ده كده هتبقى تحفة أوي أوي بقى.
أول من تكلم كان أنس حيث قال بعد تنهيده قويه يعبر بها عن ضجره و استياءه من الموقف:
- ده إيه المفاجأة السكر دي يا خالتي، عايزة إيه.
فقالت سلوى الذي ظهر في صوتها التعب والانكسار:
- جيت عشان مفيش مكان اروحه غير عند أخواتي.
ضحك رحيم بسخرية على حديثها ثم أردف قائلًا:
- اخواتك؟ ازاي يعني، هو انتو مجانين؟ الصبر من عندك يارب، أنا محتاج الصبر بس، ادخلي يا جميلة ادخلي يا روان اتفضلي.
فقالت له سلوى بصوت المنكسر نفسه:
- طب و انا مش هدخل يا رحيم.
أجاب بدل من رحيم عبير بنظرات غاضبة وصوت خرج مكتوم من الغيظ:
- لأ ازاي اتفضلي ياختي.
نظر لهم أنس نظرة غضب ثم أردف قائلًا:
- استني بس، تتفضل فين معلش؟ هو انتو مجانين بجد ولا إيه؟ روحي يا خالتي شوفي إنتِ رايحه فين، و إنتَ يا خالد يلا روح خد دُش و تعالى نكون شوفنا رأي العروسة.
فقال خالد وهو يبتسم ابتسامة بلهاء:
- بجد يعني خالص موافق.
فقال رحيم وهو يلوح بيديه بحدة و يولج إلى الشرفة:
- هي ناقصة عبط.
فقالت وفاء بعدما أمسكت بيد أنس:
- أدخلي يا سلوى البيت بيتك، و أنتَ يا نادر معلش ممكن تنزل خالد لتحت.
أومأ لها نادر ثم أمسك خالد وهو يقول له:
- أنت معاك سواق في عربيتك تحت، أصل مش هينفع تسوق كده.
فقال خالد بإندهاش وكأنه لم يسمع حديثه من الأساس:
- إيه ده بنت عمي أهي، سلوى أهي.
فنطر نادر لـ أنس وقال له بسخرية:
- ده في المشمش خالص.
فتحدث خالد مره ثانيه موجهًا حديثه إلى سلوى باشمئزاز:
- تعرفي إنت احقر من ابوكي.
ثم بعد عن نادر الذي كان يمسكه و رحل بمفرده.
فقال أنس وهو يفتح الباب على آخره ويقول بسخرية امتزجت بغضب وحنق:
- اتفضلي يا خالتي يا سلام ده البيت نوّر.
فقالت جميلة بسخرية وهي تجلس تُشير إليها بكلامتها:
- بس خالد معاه حق في اللي قاله الصراحة.
تحدثت عبير قائله بنفاذ صبر:
- ادخلوا بلاش فضايح اكتر من كده، ممكن؟
دخلوا جميعًا و أغلقوا الباب.
فقالت عبير لـ سلوى باندفاع:
- جيتي ليه؟
ردت سلوى التي خانتها العبرات ونزلت على وجنتها:
- تعبت و اتبهدلت أوي أوي يا عبير.
- معلش.
كان هذا رد عبير بنبرة خالية من المشاعر.
فقالت لها سلوى وهي تمسح دموعها:
- جوزي مات من سنتين يا عبير، و بعد ما مات.
أخذت تنهيده ثم أكملت:
- بعد ما مات عملت مشروع كنت شريكة فيه مع ناس و للأسف المشروع خسر و خسرت معاه كل فلوسي، ومحدش عايز يكلمني ولا يقعدني عنده.
فقالت لها وفاء بهدوء إلى حد البرود:
- الله يرحمه، ويعوض عليكي، فين عيالك يا ختي.
ردت عليها وهي مازالت تبكي لكن بقوة أكبر:
- روحت عند أحمد أقعد معاه بس مراته مكنتش عايزاني اقعد و منها لله قست قلب ابني عليا.
قالت عبير باسمة الثغر:
- والله يا سلوى كما تُدين تُدان، وبعدين إيه اللي حصل مروحتيش ليه عند عادل أو أمل؟
أخذت تبكي بقوة أكبر بعد ما شعرت بالشماتة و الإهانة منهم.
فقالت لها وفاء وهي تمد لها يدها بمنديل ورقي، وتشير لـ عبير بسبابتها بأن تصمت:
- أهدي يا سلوى مينفعش كده، وبعدين إنت مروحتيش ليه لبنتك او ابنك.
فردت عليها بصوت مختنق من كثرة البكاء:
- أمل أنا كنت عايشة عندها ست شهور، بس جوزها زهق وقال لها مش هتفضل أمك عايشة معانا كده كتير، وبعدين بصراحة انا بهدلت جوزها معايا في مشاوير كتير.
فتحدثت تلك المرة جميلة التي تشعر بفرشات تحلق من حولها كأن آتها فارس أحلامها على حصانه الأبيض، فهذا هو شعورها بأن حقها وحقهم جميعًا يُرد:
- يعني عيالك كلهم تخلو عنك و طردوكي من بيتهم، وجوزك مات وأنت معندكيش مكان تقعدي فيه، فجيتي لينا أحنا وفاكرة أننا مثلًا هنساعدك.
فقال أنس معقبًا على كلامها:
- نساعدها؟؟
ثم أكمل حديثه بسخرية ردًا على كلامها في الماضي:
- وفين أبنك الكبير، ضناكِ و راجلك راح فين؟ طردك هو كمان و لا أي؟
أخذت تبكي بقوة أكبر فهي حقًا فعلت الكثير والكثير في حقهم و تخلت عن أخواتها الصغار في أصعب الأوقات وها هي تُجزى بما فعلت بهم من قبل، نفس المشهد تكرر لكن تلك المرة هي الطرف الضعيف، هي الطرف الذي يحتاج للمساندة والدعم لكن من سيدعمها ويساندها؟؟
قالت سلوى من بين دموعها و شهقاتها:
- عادل سافر من تلت سنين، راح الكويت يشتغل و أتجوز هناك.
ثم أكملت وهي تحاول أن توقف دموعها:
- أنا عارفة أن أنا عملت حاجات كتير وحشة أوي في حقهم، وعارفة إني جيت عليكم، بس انا دلوقتى مليش غيركم ومفيش مكان أعيش فيه.
- والله!! أنتِ بتتكلمي بجد ولا بتهزري.؟
أنا مش عارفة أحدد الصراحة، طب ما احنا جينا ليكي و قلنا نفس الكلام و كانت حالتنا أصعب كمان وأحنا معانا عيال صغيرة، و إنت تقولي أنا مالي كل واحد يركز في حياته، وسرقِتي مننا حقنا من ورث أبونا في وقت كنا محتاجين فيه الفلوس، و دلوقتي ضيعتي كل حاجة من إيدك، و عايزانا نساعدك إيه البجاحة دي، إنت السبب في كل حاجة حصلت في حياتنا كلنا.
هذا قول عبير بإندفاع و قسوة، ولا أحد يستطيع أن يلومها عن قسوتها مع أختها، فهي كانت قاسية عليها طوال حياتها، وعندما أحتاجتها تخلت عنها، ابتعدت عنها وهي بأشد الحاجة لها، فأقسمت إن عادت لها وطلبت العون منها لن ترحب بها.
صمتت لبرهة ثم أكملت:
- والورث كله ضاع يا طماعة هانم؟
فقالت لها سلوى بأنكسار:
- جوزي صرف منه كتير أوي و خد مني فلوس كتير قبل ما يموت.
- خد منك الفلوس إللي هي حقي وورثي و ورث وفاء كمان وفلوس جوزي إللي أبوكي طمع فيها.
فردت عليها سلوى بتحشرج:
- يا عبير ده مش وقته بعدين إنت كنت عايزة تاخدي الفلوس والورث عشان تسلميها لأدهم بتاع الأدوية الفاسدة.
ثارت ثورة غضبها و فقدت أعصابها، فانفجر الألم المكتوم بداخلها وانهمر الحزن الذي كانت تكتمه:
- أدهم طول حياته شريف معملش حاجة، إنتو إللي ورطوه معاكم، أدهم كان أشرف واحد فيكم، طول عمره بيحب شغله، وأنا كنت واثقة من الأول إن مظهر سبب كل حاجة و ده طلع صح وهو السبب، زي ما كل الأدلة قالت أن أدهم بريء من قضية قتل أبوكي، وزي ما كل الأدلة قالت أن ابوكي مات لوحده.
اقتربت منها جميلة وضمتها وهي تترجاها ببكاء أن تتوقف، وخرج رحيم من الشرفة على صراخ أمه و جلس بجانبها منكث رأسه، وهو يتذكر والده.
فقالت سلوى ببرود ولم تعقب على أي شيء مما قالته، موجهة حديثها لـ وفاء:
- يعني أنام في الشارع يا وفاء، ده بيتك وإنت تحكمي.
فردت عبير عليها بصراخ يعبر عن الحزن والقهر التي تحمله في قلبها:
- آه في الشارع زي ما رمتيها هي وأبنها في الشارع لما جوزها مات، وزي ما عملتي معايا والله إللي عملتيه هيطلع عليكي وربنا كبير.
وضع رحيم يديه على كتف أمه و قال بهدوء:
- أنا عايزك تهدي نفسك يا أمي، بصي يا خالتي للأسف إنتِ بتطلبي حاجة مستحيل تحصل وهي أننا نسامحك أو حتى نقعدك معانا، فشوفي مكان تقعدي فيه غير هنا بس عشان الساعة داخلة على واحدة هتقعدي معانا الليلة دي.
فقالت له جميلة هي لا تصدق ما يقوله أخوها والخوف من فكرة مكوثها في البيت معهم مرعبة بالنسبة لها:
- لأ طبعا مش هتقعد هنا و لا ساعة حتى.
بتر رحيم حديثها غير مبالٍ برأيها وقال بإيجاز دون أن ينظر لها:
- أنا مخدتش رأيك يا جميلة و يلا يا حبيبتي ادخلي نامي عشان الجامعة الصبح.
تجاهل نظرات أنس الغاضبة ثم أكمل:
- أنا أسف يا جماعة حقيقي أنا أسف على المهزلة إللي حصلت قدامكم دي.
فردت إخلاص:
- لا يا حبيبي ولا يهمك نستأذن إحنا بقى.
فقالت جميلة موجهة حديثها لـ روان:
- استني يا روان أنا هاجي معاكي مش هقعد أنا هنا.
فقال رحيم متجاهلاً حديثها:
- طب أستني يا أم روان أنزلي مع نادر عشان متمشيش لوحدك.
فقالت له روان برجاء:
- رحيم معلش من غير مشاكل و بهدوء كده، خلي جميلة تيجي تقعد معايا انهاردة و الصبح أن شاء الله هننزل الكلية.
فرد عليها رحيم بهدوء:
- معلش يا روان حقك عليا بس مش هينفع، ممكن بلاش كلام كتير.
فاتكلم هذه المرة أنس وهو ينهض:
- خلاص يا روان يلا روحي إنتِ، معلش يا نادر تنزل معاهم.
ثم أردف غير مبالٍ برأي الآخر وقراره:
- و إنت يا سلوى روحي شوفي مكان تقعدي فيه.
فقال له رحيم بإندفاع بعد ما نفذ صبره:
- هتنزل تروح فين دلوقتي.
فقال أنس لـ نادر متجاهلًا رحيم ثانيةً:
- يلا يا روان أمشي مع نادر.
فقال رحيم متراجيًا له:
- أنس معلش خليها النهاردة، إنت قلت أن ده بيتي واعمل اللى عايزه.
فرد عليه بجمود:
- بس رغي بقى ممكن.
أحس بأنه يريد أن يكسر كل شيء تقع عينيه عليه، وان يفتك برأس أنس المتحجرة وقال مرة أخرى محاولًا معه:
- تقدر تقولي هتروح فين دلوقتي؟
لم يجب عليه فأضاف وهو مازال متمسك بآخر ذرة من الهدوء:
- خلاص يا نادر أنزل وصلهم وأنا هاجي معاك عشان محدش محترم رأيي.
تحرك أنس يقف أمام رحيم ثم أهدر فيه بإنفعال:
- يعني إيه محدش محترم رأيك، يعني تسيب الإنسانة إللي لما أحتجناها رمتنا في الشارع قاعدة معاك في البيت.
- خلاص براحتك يا أنس، أعمل إللي عايزة من غير ما تسمع حد ولا تحترم حد و كلامك إنت إللي يمشي، و أنا مليش دور غير إني أقول حاضر و بس، وبقولك أهو يا أخويا يا كبير حاضر، بس إنت كده لما تسيب خالتك في الشارع في نص الليل هتكون مفرقتش كتير عن ومظهر وعنها.
قالها رحيم دفعة واحدة بانفعال في وجهه ثم رحل من أمامه وخرج من الشقة.
فقال أنس بصراخ موجههًا حديثه إلى عبير:
- بصي بقى ابنك بيعمل كل حاجة غلط، وأنت ساكتة، هو ينفع سلوى تقعد معانا بعد إللي عملته؟ أنا عايزك إنتِ كمان تقولي ينفع، عشان أقسم بالله ما هعرفكم تاني.
فقالت عبير بتعب:
- لأ يا أنس مينفعش، بس خلاص خليها قاعده الليلة دي، عشان رحيم وعشان الوقت اتأخر وخلينا زي ما رحيم قال ننهي اليوم ده بقى.
فرد عليها أنس باندهاش مزيف:
- بجد؟؟ طب ما احنا كمان كنا الساعة اربعة الفجر والوقت متأخر.
- ما خلاص بقى يا أنس أنا تعبت بقى و زهقت، مش قادرة اتكلم تاني.
قالتها عبير بصراخ ممزوج ببكاء، فهي تحملت اليوم الكثير.
ففي البداية أدهم عندما جاء يتهم رحيم بالتهجم على مظهر وصُدمت عندما أعترف أبنها أنها حقيقة وأنه فعل ذلك، ثم يأتي أنس ويتشاجر مع رحيم، وبعد ما هدأت الأوضاع قليلًا يأتي ذلك الشخص الحقير الثمِل خالد، وبعد ذلك المفاجأة التي كانت بمثابة صدمة غير متوقعة سلوى.
هي حقًا متعبة، لا تستطيع تحمل كل هذه الأمور.
هي تريد أن تصرخ تريد أن تعبر عن ما بداخلها، لكنها هي الأم فكيف ستعبر؟ ماذا ستقول و لمن؟ بالطبع ستصمت حتى لا تحمل أبناءها الهم و حتى لا يحزنوا عليها.
ظلت تبكي عبير بصمت ولا تريد أن تسمع كلمة من أحد فولجت الغرفة وصفقت الباب خلفها بقوة.
- أنا حاسه إني عملت مشاكل لما جيت.
كان هذا قول سلوى.
فقال لها أنس ساخرًا بغضب:
- حاسه؟ لأ والله متقوليش كده مش شايفة الكل مبسوط من وجودك ازاي، ده من الفرحة أختك دخلت تعيط، أنتِ منورة الحقيقة.
صمت لبرهة ثم أخذ جواله من على الطاولة، ثم قال بجمود:
- إنت هتفضلي هنا الليلة دي عشان رحيم، بس قسمًا بالله ما تقعدي ليلة تانية لو عشان مين.
ثم ولج هو الأخر غرفته و أغلق الباب.
رمقتها وفاء بحدة ثم دخلت إلى غرفتها التي ولجت فيها أختها.
وقفت جميلة أمامها بابتسامة ساخرة ومستفزة وهي تواجهها بتحدٍ واضح في عينيها، ويديها موضوعتان على خاصريتها:
- لو كنت أعرف أنك إنت إللي طالعة قدامي على السلم، مكنتش خليتك تطلعي وكنت همشيكي برضاكي أو غصب عنك، و للأسف مخدتش بالي منك لما طلعت عشان اتصدمت لما شفت خالد.
تنهدت ثم أكملت بفحيح وهي تقترب من أذنها:
- هسيبك قاعدة هنا الليلة دي عشان خاطر رحيم، وعشان إحنا عارفين الأصول، بس متخديش على كده عشان أنا إللي في قلبي ليكي كبير، كبير اوي ولو طلع هيحرقك، خلينا كويسين الليلة دي ومن مكانك هنا متتحركيش، و أوعي تفكري تعمل حاجة عشان أنا مش هسكتلك.
نظرت لها لبرهة بملامح جامدة ثم دلفت غرفتها، و انفجرت تبكي فهي تحملت أكثر من سنها وأكثر من طاقتها وتعرف أسرار لا أحد يعلم بها، حتى رحيم الذي يظن أن يعرف جميع الأمور، لكنه لا يعلم أنه يعرف فقط نصف الأمور، أي نصف الحقيقة، كل ما يرهبها هو فعل أي شيء لهم، و لهذا السبب قررت أنها ستظل مستيقظة طوال الليلة.
وفي الغرفة المجاورة لها كانت تبكي أمها على صدر أختها.
كأنها استغلت هذا اليوم حتى تفجر ما بداخلها من ألم وحزن وكتمان.
فهي دائمة الصمت كي لا تقلق عائلتها بشأنها، وأيضًا لا تريد أن تُحاصرها ذكريات الماضي، لماذا الماضي يأتي رغمًا عنها ويجبرها على تذكر الأشياء التي تريد محوها من حياتها، فعندما نريد نسيان الماضي يأتي إلينا ضاحكًا ويقول بسخرية: "هل أنا أنتهي؟".
أخذت عبير تتذكر الماضي الأليم، وكأن شريط حياتها يعرض كالأفلام أمام عينيها.
رواية ماضي لا يغتفر الفصل السادس 6 - بقلم ريتاج ابو زيد
منذ ثمانية وعشرين عامًا.
في محافظة قِنا التي تتميز بالمعالم الأثرية والصناعات الغذائية كان هناك رجلًا يُدعى (نبيل)، من الطبقة ذات نفوذ يمتلك أراضي وبيوت والكثير من الخيرات التي مَنْ الله عليه بها، لكن عقله مثل كفار قريش لا أظن أنه يختلف في شيء عنهم إلا أنه يُسجل مسلم في البطاقة الخاصة به، كان يريد أن يكون لديه أبناء ذكور وشاء الله أن يهبه ثلاث فتيات.
- لأ يا أبويا عشان خاطري، أنا معرفش أصلا أن كتب كتابي النهاردة، يعني إزاي عروسة معرفش معاد كتب كتابي.
كانت تلك فتاته الصغرى (عبير) التي كانت تبلغ من العمر خمسة عشر عامًا.
فرد عليها والدها (نبيل) بنبرة غليظة وجامدة مثل صفاته:
- بلاش قلة أدب يا بت، يلا روحي البسي بسرعة عشان المأذون على وصول.
فأخذت تبكي بحرقة على شبابها وأحلامها التي لا أهمية لها عند والدها، كانت في سن صغير وتريد أن تعيش سنها، أو على الأقل تحزن على وفاة أمها التي لم تُكمل ستة أشهر على وفاتها، وأخواتها التي كل واحدة منهم تزوجت رغمًا عنها وبقيت هي بمفردها مع غليظ الصفات التي يُدعى والدها، تركوها لشخص لا يعرف للرحمة طريقًا.
حياتها كانت عبارة عن خادمة عند والدها فهي تخدم وتطبخ وتنفذ الأوامر حتى إذا كانت تُعارض رغباتها، لأنها إذا رفضت سيعاقبها، مع أن في كِلتا الحالتين عقابًا، المكوث معه في ذاته عقاب.
قبل هذه الأحداث في ذلك اليوم في ساعات المساء، وقعت الأحداث التالية:
المنزل في هذا اليوم خالٍ من السكان تمامًا.
حيث إن المنزل يمكث فيه عمها (صبحي) وزوجته (إيمان) وابنه (خالد) بعد أن أحترق منزلهم منذ فترة، لكنهم يظنون أنه أُحرق عن عمد، لأن يوجد أشياء مخفية من المنزل، وسُرق منه أشياء عديدة وأوراق مهمة.
كانت هناك مناسبة لأحد أصدقاء العائلة وذهبوا جميعًا لحضور تلك المناسبة.
- وبالطبع، رفض والدها أن تذهب معهم لأنها فتاة، هي لا تعلم أين السبب في أنها فتاة، لكنها أومأت موافقة بهدوء من الخارج.
فأبتسم لأنها فتاة مطيعة وأفتخر بها أمام أخيه، لكن هي من الداخل كانت تحترق وتريد أن تُحرقهم معها لكن فضلت الصمت في الوقت الحالي.
عندما خرجوا جميعهم من المنزل، دخلت هي غرفتها ومكثت فيها تُفكر ماذا تفعل في أمر زواجها وتستعيد تلك المواقف والأحداث التي وقعت منذ شهر وأسبوعين عندما جاء شاب يطلبها من والدها ومن المفترض أن عقد القران بعد شهر ونصف من الآن.
منذ شهر ونصف.
والدها كان يجلس مع شاب في حديقة منزلهم ويبدو عليه إنه ليس من قِنا.
هي لا تعرفه، فهي رأته مرةً واحدة، في عزاء والدتها، وهذه هي المرة الثانية حيث أن هذا الرجل طلب أن يقابل والدها.
وفي تلك المرة تكلم مع والدها في أمر الزواج، وأنها أعجبته ويريد الزواج منها، فوافق والدها بالطبع، واستدعاها حتى تتعرف عليه ويحدد معه موعد زفافهما!!
ما هذا بحق السماء!!!
كيف لشخص أن يقلل من قيمة ابنته ومن كرامته هكذا؟
ولماذا؟
هل لأنها خُلقت فتاة؟؟
اللعنة على أولئك الآباء.
خرجت من البيت على استحياء، وهي على جهل عن ما يحدث تمامًا، والرياح ترفرف بخمارها، بينما الشمس تلمع في عينيها العسليتين.
وقف الشاب وقال بوقار وابتسامة جذابة:
- إزيك اخبارك إيه، أنا أدهم القماش.
فنظرت لوالدها نظرة تساؤل واستغراب، فلماذا يستدعيها وهو محرم عليها أن تتعامل مع أي رجل، ولم تشك لحظة أن يكون هذا الشاب هنا لطلب يديها من والدها.
فقال (نبيل) وهو يشير إلى ابنته أن تجلس مكانه بعد ما نهض:
- تعالي يا عبير يا حبيبتي اقعدي هنا واتكلمى معاه عشان عايزك.
ثم رحل وهي ما زالت مندهشة، لكنها فعلت كما قال والدها.
حمحم (أدهم) ثم قال لها بهدوء و وقار:
- أعيد تاني، أنا أدهم القماش من القاهرة، وإنت؟
نظرت إليه ثم قالت بجمود بعض الشيء:
- ماشي أهلًا وسهلًا بحضرتك يا أستاذ أدهم، عايز إيه بقى؟
فرد عليها بمنتهى الثقة والثبات:
- عايز أنول الرِضا.
بدأت تشك في الأمر فرفعت حاجبها ثم استغفرت ربها في سريرتها ثم قالت:
- يعني عايز إيه مش فاهمة؟
فرد عليها تلك المرة وهو يبتسم بلباقة:
- عايز اتعرف عليكي، أنا هنا بطلب إيدك من والدك.
فرغت فاه وجحظت عيناها ثم قالت بانفعال:
- يعني إيه؟ هو إنت تعرفني أصلا إنت لسه بتسأل اسمي إيه.
ارتسم على وجهه تعبير العتاب مع رفع الحاجب، ثم انفجرت شفتاه بابتسامة ساحرة تكشف أسنانه البيضاء المتراصة، وقال بنبرة هادئة:
- أيوه أنا عايز اتعرف عليكي عشان اتجوزك، هو لازم عشان اتجوز اكون عارفك من زمان؟
فنهضت من مكانها ثم نظرت إليه نظرة مطولة باستحقار ورحلت إلى مكتب والدها في الداخل.
- سلام عليكم، هو حضرتك يا أبويا كنت عايزاني اقعد مع الراجل ده ليه؟
فجاء الجواب منه بابتسامة:
- عشان تحددي معاه معاد الفرح..
- نعم! احدد مع مين، ده ميعرفش أسمي بعدين فرح إيه امي مكملتش أربع شهور على بعض.
- متعليش صوت يا قليلة الأدب، بعدين هو إيه علاقة جوازك بأن أمك لسه ميته، مين قالك إني هعمل فرح أصلا و الكلام ده، أنا صرفت كل فلوسي على جواز أختك وفاء و بعدها جه موت أمك و علاجها قبل ما تموت، كمان هصرف على فرح، هو كتب كتاب مع الكام حاجة إللي أمك كانت جايباها لجهازك و خلاص كده، يحدد بس هو الكتب الكتاب أمتى، و لو عايزه بكره أنا موافق.
في تلك اللحظة سمعت صوت تكسير لا أحد سمعه غيرها.
صوت تكسير قلبها بواسطة أقرب الأشخاص إليها.
وقفت مصدومة من القسوة التي بات عليها والدها، أحست أن صوتها رحل عنها و جسمها شُلت حركته.
- قالت بصوت مرتعش يحارب كي يخرج ثابت: ليه كدة؟ ده أنت لو بتبيع حتة أرض من بتوعك كنت صبرت عليها شوية و أتعرفت على إللي هياخد الأرض، و زعلت إنها هتفارقك.
- بس بس بلاش كلام فاضي أدخلي أغسلي وشك كده و اضحكي شوية بدل ما إنت عاملة زي البومة كده، ربنا يكون في عون الراجل إللي هياخدك هيتجوز بومة.
قالت بصوتٍ واهن:
- مش هخرج اتكلم مع حد، ولو أجبرتني هموت نفسي.
قال بغلظة كأنه لا يهتم بأمرها وأنها ليست ابنته الصغيرة:
- أستغفر الله العظيم، يا بت إنت أنا صابر و ماسك نفسي عنك عشان الراجل إللي بره، غير كده أنا إللي ممكن أموتك، غوري أخلصي.
هل يوجد كلمات توصف شعورها في ذلك الوقت؟
أحست أن حديثه جلدها، فكان تأثير الكلام عليها أشد من ألف طعنة سيف.
فنادى والدها بصوت جهوري على مدبرة المنزل:
- فوزيه تعالي خدي البت دي و اغسللها وشها و خليها تروح لجوزها و حطولها حاجه في وشها بدل الخلقة العكرة دي.
تحركت معها (عبير) كالجسد بلا روح، ولم تقاوم ولا تعترض على أي شيء.
نفذت المدبرة أمر سيدها، لكن دون رضاها وكانت تبكي على حال هذه الصغيرة.
خرجت (عبير) له للمرة الثانية وأثر البكاء و الحزن واضح في ملامحها.
وقف (أدهم) بقلق عليها من ملامحها:
- إيه إللي حصل؟
ثم قال مداعبًا لها حتى يخفف من حزنها التي يعلم هو سببه:
- أنا كنت همشي على فكرة، وقفشت كمان.
حدقت فيه بغضب ثم أهدرت:
- ما تقفش ولا تغور في داهية، أسمع يا أفندي أنا يدوب عندي خمستاشر سنة و أقولك على المفاجأة كمان لسه مكملتش الخمستاشر، ومش عايزة اتجوز، ومش موافقه عليك ولا على غيرك، روح شوف واحدة تانية يا أستاذ و سيبني في حالي.
قال لها بهدوء محاولًا امتصاص غضبها:
- بصي أنا عارف أن والدك أكيد غصبك على كده و متفهم كده أوي، بس أنا جاي دغري أهو، وبعدين إنت والدك عايز يخلص منك و إنت متعذبه معاه، أنا أول ما قلت عايز أتعرف على بنتك قالي كتب الكتاب أمتى.
ثم أردف بنبرة يغلفها الإشفاق و الحنان:
- والله ما عايز ازعلك أو اضايقك بكلامي، بس أنا مقلتش حاجة غلط إنت عارفة الكلام ده، أنا بقول كده عشان اعرفك إني فاهم ظروفك وعايزك.
أخذت تبكي بقهر على نفسها، وعلى إحراجها بهذا الشكل.
وتفكر هل إذا تزوجت سترتاح من أبيها؟ لا تعلم الجواب لكن أي شيء أفضل من المكوث معه.
فقال لها (أدهم) بحنان وهو يجلسها بجانبه و يعطيها منديلًا:
- حقك عليا من الدنيا كلها.
فقالت بصوتٍ واهن:
- ممكن تمشي؟
كانت تنظر إليه بضعف، فوافق أمام تلك النظرة المترجية ورحل.
رحل وهناك شيء يدعيه للجلوس معها، و الإشفاق على حالتها، وأخذ يفكر هل بحق هو معجب بها أم مُشفق عليها؟
رفعت رأسها إلى السماء المائلة للبرتقالي في وقت الغروب ثم قالت:
- يارب، يارب.
بعد مرور أسبوع من المقابلة، بعد أسبوع كانت تتعذب من كلام والدها، بعد أسبوع من العقاب والعنف.
جاء مرة أخرى (أدهم) حتى يعرف جوابها.
لكنه كان يعلم الجواب من قبل ما يعرض حتى الطلب.
- أهلا يابني نورت البيت.
- البيت منور بأصحابه يا عم نبيل، جيت عشان أعرف جواب عروستنا، إن شاء الله تكون موافقة.
فرد عليه بترحيب مبالغ:
- طبعا يا حبيبي موافقة، هي تقدر ترفض عريس كله أخلاق و ابن ناس زيك.
- تُشكر، طب هي فين ممكن أشوفها؟
فرد عليه معترضًا:
- لأ للأسف مش هينفع، خلاص هي مرة واحدة، قولي بقى كتب الكتاب إمتى، بص يابني إنت عارف أن والدتها لسه متوفيه فمش هينفع اعمل فرح ولا أي حاجه.
أطلق تنهيدة ثم أكمل قائلًا:
- عشان كده عايزين كتب كتاب صغير بس، واتمنى يكون بسرعة بس كده.
عقد (أدهم) حاجبيه باستغراب من حديثه ثم قال:
- يعني إنت يا عمي مش عايز دهب أو تشوف الشقة الاول او خطوبة، او حتى تتعرف على أهلي؟
هز رأسه بالنفي وهو يُضيف بهدوء و رزانة كأنه رجل حكيم تتآخد منه العِبر:
- ما هو بالعقل كده يا بني، الدهب هتعمل بيه إيه، ما هي هتكون مراتك وجيب ليها إللي إنت عايزه بعد الجواز، والشقه هشوفها ليه مش إنت ومراتك إللي هتعيشو فيها، وبعدين الخطوبة دلع و حرام وأنا مش بتاع كده، وأهلك أنا مليش علاقة بيهم أنا عايزك إنت، و هجوز بنتي ليك إنت مش أهلك، ها يا بني كتب الكتاب إمتى؟، أظن كده الدنيا متيسرة معاك.
ضحك (أدهم) لكن لم تكن ضحكة سعادة بل كانت سخرية تهكمية، ثم حزن على تلك الفتاة.
كيف لرجل أن يتنازل عن حق ابنته هكذا؟ هو لم يتنازل عن حق ابنته فقط بل عن ابنته بالكامل.
فقال (أدهم) بثبات:
- خلاص تلت شهور بالظبط أكون جهزت نفسي، وخلصت كل حاجة، ونعمل كتب كتاب على الضيق زي ما حضرتك تحب.
- كتب كتاب إيه يا نبيل؟
كان هذا أخوه (صبحي) الذي جاء من الخارج.
فرد عليه (نبيل) بثقة:
- ده أن شاء الله جوز بنتي بعد تلت شهور. أستاذ أدهم القماش صاحب شركة أدوية كبيرة في القاهرة.
نظر إليه (صبحي) باستنكار ممتزج بالاستحقار ثم رحل.
- معلش يابني أنا لسه معرفتش عمها ولا أخوتها عشان كده استقباله كان وحش ليك متزعلش نفسك.
فرد عليه (أدهم) بإيجاز وهو يهندم ملابسه ويستعد للرحيل:
- ولا يهمك، سلام عليكم..
في مساء تلك الليلة دخل عليها (خالد) ابن عمها غرفتها بالطابق الثاني.
نهضت من مكانها بفزع وخوف ثم قالت بتوتر من نظراته لها:
- إيه إللي حصل يا خالد، جيت ليه؟ ومالك بتبص كده ليه؟
نطق من بين أسنانه وهو يرمقها بنظرات حادة:
- إنت فيه حد طالبك من أبوكي؟
نكثت رأسها و أومئت بخوف ثم نزلت دموعها على الفور.
- هو أبوكي مش عارف إنك بتاعتي؟، ومين الجدع اللي جِه و طلبك إن شاء الله عشان أبوكي يوافق و يجوزك بعد تلت شهور؟، متقدم لك سفير؟
فقالت له بتلعثم وهي ترتجف:
- والله يا خالد معرفش مين هو، شوفته مره واحده بس و رفضته بس إنت عارف أبويا مش هيسكت و لا هيسمع كلامي، ولا حتى يهمه رأيي، لو إنت تعرف تتصرف أتصرف وأوعدك هعمل كل إللي إنت عايزه، انا مش عايزة غيرك يا خالد، انا بحبك.
لان هو أمام ارتجافها وتحول غضبه و انفعاله إلى احتوائها و ضمها إلى صدره بهدوء ثم قال وهي بين يديه:
- إنت عارفة إني مش هستغنى عنك مهما حصل، و ممكن اهرب بيكي و اسافر بس انا خايف من كلام الناس عليكي، بعدين يا عبير ليه معملتيش زي كل مرة و قلت لأ و وقفتي قصاده.
خرجت من بين احضانه ثم قالت بحزن وضعف وهي تتذكر والدتها وكيف كانت تحبها وتدافع عنها:
- عشان أنا كنت معايا أمي يا خالد، وأمي هي إللي رفضت وأستحملت العقاب والإهانة معايا إنما دلوقتي أنا لوحدي.
- وإنت مش هتكوني لحد غير ليا يا عبير.
قالها (خالد) بصرامة حازمة وقد تحول مرة أخرى هدوء إلى غضب ثم خرج من غرفتها و نزل إلى أسفل حيث مقر مكتب (نبيل) داخل البيت.
فتح الباب ودخل دون استئذان، ثم قال له بهجوم:
- إنت طول عمرك بترفضني وأنا ساكت و مستحمل عشان بحبها يبقى متروحش تديها لحد تاني عشان مخدهاش و أهرب واعمل فضيحة.
- أنا ممكن أجوزها لأي حد في الدنيا يا خالد إلا إنت.
- وعبير مش هتتجوز حد في الدنيا غيري.
فرد عليه (نبيل) بثقة وهو ينهض من مكانه ويقف في مواجهته مباشرةً وعلى وجهه ابتسامه باردة:
- خلاص يا حبيبي الخبر أنتشر أنها خلاص هتتجوز من أدهم القماش وهي مش هتخرج من البيت غير على بيت جوزها.
صُدم (خالد) عندما وقع على سمعهِ الاسم ثم ردد الاسم بذهول كأنه لم يستوعب:
- إنت قلت أدهم القماش؟
- آه قلت أدهم القماش صاحب شركة الأدوية إللي في القاهرة.
فقال (خالد) وهو ما زال مصدومًا:
- هو أدهم يعرف عبير منين؟
- إنت مالك، أنا همنعك من دخول بيتي نهائياً بعد كدة، اطلع بره بيتي.
يكفي هذه المهزلة يجب أن تنتهي، هي له ولا يمكن أن تكون لأي رجل غيره.
أمسكه (خالد) من تلابيبه ثم هدر فيه بقوة:
- إنت مش بتفهم، عبير ليا و الموضوع أنتهى، ومش هتتجوز من حد غيري.
دخلت في تلك اللحظة (عبير) التي كانت واقفة عند باب المكتب تستمع لحديثهما، ثم قالت بنبرة حاربت أن تكون ثابتة لكنها خرجت مرتعشة بتلعثم:
- خالد مينفعش كده ده عمك، خلاص عشان خاطري أنا مش عايزه مشاكل يا خالد.
تركه ثم التفت ينظر لها بضعف وكسرة ثم قال برجاء:
- يا عبير قوليله أنك بتحبيني.
نزلت دموعها عليه هي لم تره في حياتها مكسورًا إلا عندما يتعلق الأمر بها وهي لا تمتلك القدرة حتى تقول أمام والدها إنها تحبه، في هذه الحالة ماذا تفعل هي؟
- بلاش كلام فارغ، مفيش حاجه أسمها كده، وأنت مش مناسب ليها، مش هطمن على بنتي مع واحد بتاع سهر و خمرة.
التفت له ثم قال وهو يبكي ومطأطأ رأسه إلى أسفل بكسرة:
- والله يا عمي بطلت سهر، وبطلت أروح القاهره وبطلت أصاحب وبشتغل و بجمع فلوس عشانها وسمعت كل كلامك و شروطك ومتنازل كمان عن ورثي ليك كمهر، إنت بس جوزهالي، متخلنيش أخدها و أهرب، والله خايف على سُمعتها.
قال (نبيل) بتكبر وهو مستمتع بكسرته هكذا:
- اقول إنك طمعان فيها وفي الورث.
فرفع (خالد) رأسه ثم قال له تلك المرة بتحدٍ وحزم بعد ما فشل في جميع الطرق معه:
- يبقى أنا قلت إللي عندي و هاخدها و أهرب وبس كده.
ثم رحل.
وكادت أن ترحل بعده عندما رآت نظرات والدها لها لكنه استوقفها قائلًا بصرامة:
- عبير إنت أوضتك مش هتخرجي منها غير على بيت جوزك.
بعد هذا الموقف بشهر أحترق منزل عمها، وجاءوا يمكثون معهم حتى يعيدوا ترميم منزلهم من جديد وكان الضرر عليه قليل، ووافق (نبيل) ورحب بذلك، وهذا كان يقلق الجميع بعد ما كان رافض دخولهم البيت، وافق على المكوث معه في المنزل، ورحب بـ(خالد).
وبعدها بيومين ذهبوا مع بعضهما إلى مناسبة خاصة بأصدقاء العائلة.
بُتر تفكيرها في حل المعضلة التي وقعت فيها منذ شهر ونصف على صوت جرس المنزل.
نزلت إلى أسفل حتى تفتح للطارق، لكنها كانت خائفة فمن سيأتي في هذا التوقيت وهي في المنزل بمفردها والجميع رجال القرية في زفاف صديقهم و النساء ممنوع الخروج لهن في هذا التوقيت.
كادت (فوزية) أن تفتح لكنها استوقفتها و فتحت الباب هي بحذر بعد ما أخفت شعرها بحجابها، لتجد الطارق مفاجأة بالنسبة لها.
اصابها الذهول، فلم تعد قادرة على النطق، وشعرت بشلل في جسدها ولم تستطع فهم ما يحدث، وتساءلت في حيرة وخوف:
- هو حصل إيه؟
رواية ماضي لا يغتفر الفصل السابع 7 - بقلم ريتاج ابو زيد
لم تكن تتخيل جوابه عليها ولم تفهم ماذا يحدث من حولها، فجاء الرد من والدها بابتسامة واسعة:
- طبعًا إنتِ بتسألي نفسك أنا جيت ليه وجبت خطيبك، أحب أفرحك وأقولك إنهاردة كتب كتابك يا حبيبة أبوكي.
ردت بذهول وهي تتمنى أن تكون داخل حلم أو ما سمعته كذب:
- ليه؟ لسه فاضل شهر ونص.
تكلم هذه المرة (أدهم) قائلًا بهدوء كالعادة:
- اه، لسه فاضل شهر ونص، بس مفرقتش كتير، وأنا جاهز اهو.
أضاف (نبيل):
- يلا روحي البسي يا عروسة.
فقالت بتلعثم وقد خانتها العبرات وأخذت تتساقط وتنهمر كالشلالات على وجنتيها:
- لأ يا أبويا عشان خاطري، أنا معرفش أصلا إن كتب كتابي النهاردة، يعني إزاي عروسة معرفش معاد كتب كتابي.
رد عليها بنبرة غليظة وجامدة مثل صفاته:
- بلاش قلة أدب يا بت، يلا روحي البسي بسرعة عشان المأذون على وصول.
فقالت وهي تبكي وتتكلم بهستيرية كأنها فقدت عقلها:
- بس إزاي أنا مكنتش اعرف، هو مش أنا العروسة ولا هو هيتجوز مين، طب هلبس إيه، وهعمل إيه.
فاقترب منها والدها وقال بغلظة:
- أنا مش هكرر كلامي تاني روحي اجهزي.
فقال (أدهم) بغضب من أسلوبه معها وهو يقترب منها:
- ميصحش كده يا عمي، وإنت يا عبير يلا اطلعي أوضتك عشان تجهزي.
فنظرت له بغضب بعينيها العسليتين الباكيتين ثم أهدرت بقهر ممزوج بالبكاء والنحيب لوالدها:
- يعني إيه كتب كتابي دلوقتي وأنا معرفش، أنا أصلا مش موافقة على الجوازة من الأول، يبقى متجيش تقول يلا عشان هتتجوزي، ده أنت جحودك فاق التوقعات والله، ممكن تفتكر إني بنتك؟
أتى الجواب منه على هيئة صفعة على وجهها ثم أهدر بانفعال:
- إنت يا بت هتعارضيني كمان، طب والله هتتجوزي دلوقتي وإنتِ لابسة عباية البيت كمان، اتصل شوف المأذون اتأخر ليه.
فقد (أدهم) أعصابه وتخلى عن هدوئه وقال بحزم وهو يقفل حائل بينه وبينها:
- عايز اتكلم معاها لوحدنا.
رد مرحبًا ضاربًا برأي ابنته عرض الحائط:
- طبعًا يا بني ما خلاص كلها دقايق وهتكون مراتك.
ثم رحل من المنزل بأكمله وتركها وحدها معه.
قبض (أدهم) على يديها بلطف، وأجلسها على الكرسي، ثم انحنى على ركبتيه أمامها، مقتربًا منها ثم قال:
- أنا آسف إنك مش على علم بالكتب الكتاب، والله العظيم أنا مش هاذيكي، يمكن إنتِ متعرفنيش كويس بس أنا بجد إنسان كويس.
فجاء منها رد حازم على حديثه وهي تسحب يدها من بين يديه:
- مفيش حد كويس بيقول على نفسه أنا كويس، ولو كنت كويس فعلًا كنت مشيت وسيبتني في حالي.
- أنا مش عايز أمشي، بصي أمي بتدور على عروسة وواحد صاحبي عارفك وقالي عليكي وأمي أصرت إني أقابلك وأتعرف عليكي، وأنا كنت جاي أتقدم من بدري بس والدتك توفت، ودلوقتي أنا حاسس إني مرتاحة ليكي، ومش عايز أسيبك لوحدك مع أبوكي.
فقالت بنبرة عنيفة:
- بس أنا فيه حد في حياتي بحبه.
رد وهو ينظر إليها بابتسامة ثقة:
- ابن عمك؟؟، بصي مفيش حاجة أدهم القماش ميعرفهاش، أنا عارف عنك كل حاجة.
نهضت واقفة ثم أهدرت فيه بانفعال:
- طب ما إنت عارف كل حاجة مصمم عليا ليه، إنت غريب أوي.
فرد عليها بهدوء وقف أمامها مباشرةً:
- عشان عايزك، عشان عايزك تكوني مراتي، وأنا عارف أن خالد مش كويس ليكي، وباباكي استحالة يوافق عليه.
في تلك اللحظة دخل عليهم (نبيل) وهو معه المأذون والشهود.
- حبيب أخوك ألف مبروك يا غالي، اتفضل فستان العروسة أهو.
أبتسم إلى صديق عمره ثم قال:
- الله يبارك فيك يا مظهر، تُشكر والله، معلش بس محتاجين وقت عشان العروسة تجهز يا شيخنا.
التفت إلى (عبير) التي وقفت بجانبه ثم قال لها بصوت هادئ حنون وهو يمد يده له بالفستان:
- خلاص عشان خاطري مش عايزك تعيطي في يوم حلو زي ده، والله أنا مش هاذيكي، أنا بجد برحمك، عشان خاطري يلا، أنا جبتلك فستان جميل أوي إنتِ هتكوني محليه الفستان بجمالك يارب يعجبك.
رفعت رأسها لكي تشاهد صدق حديثه، وأحست بأمان في عينيه، وهي أول مرة تلاحظ تفاصيل وجهه، عينيه السوداء العميقة، ورموشه الطويلة التي ترفرف كالجناحين، وحاجبيه الكثيفين، وشعره الغزير، ودقنه التي تبرز ملامحه بقوة.
أخذت من يديه الفستان ثم ذهبت إلى غرفتها، ومعها (فوزية).
تنهد (أدهم) ثم قال موجهاً حديثه إلى صديقه بصوت منخفض:
- أنا حاسس إننا كده بنعمل حاجة غلط، هي مش موافقة يا مظهر، حرام أظلم البنت معايا، أنا حاسس بالذنب بجد.
رد عليه:
- يعني أفهم من كده إنك مش عايزها، أبوها كده كده مش هيجوزها خالد، بعدين خالد مش بتاع جواز ومسؤولية اسألني أنا، ده بجد هياخدها ويهرب.
بعد مرور نصف ساعة نزلت (عبير) من غرفتها، كانت تجذب الأنظار نحوها غصب مع إنها لم تتزين كالفتيات في يوم زفافهن، تشبه الملائكة في فستانها الأبيض، كان فستان أبيض طويل يوجد على كتفيه نقوش رقيقة، ويميز فستانها الحزام الذي تختصره باللون الفضي، وارتدائها للحجاب هو ما زادها احتشامًا ورقة.
نظر إليها (أدهم) نظرة مطولة بإعجاب من جمالها ورقتها، أحس في تلك اللحظة أنه يريد أن يضمها إليه ويقبل رأسها، ويزيل العبوس من وجهها لتبتسم وتزيد جمالًا على جمالها.
اقترب منها ثم قدم لها باقة الزهور التي كانت تشبهها في رقتها بلونها الأبيض، وقال:
- والله أنا مش عارف أقدم الورد ليكي ولا أقدمك إنتِ للورد، إنتِ تحفة فنية والله ربنا يبارك فيكي ويحميكي من العين.
ردت عليه بنبرة متحشرجة وهي تمد يدها لتأخذ باقة الزهور:
- شكرًا لذوقك.
ابتسم لها ثم أشار على المقعد حتى تجلس بجانب والدها ليبدأ عقد القران الذي كان الشهود عليه (مظهر) ورجل من الرجال الذين يعملون مع (نبيل).
بعد إتمام عقد القران أمسك (أدهم) يدها برفق ثم قبلها.
سلمت على والدها واستعدت للرحيل للأبد بعيدًا عنه وشعرت بالفرحة تغمرها لأنها ستتركه أخيرًا.
ثم تذكرت شيئًا مهم فقالت بلهفة:
- أنا نسيت حاجاتي، مجبتش هدومي ولا حاجة.
فرد عليها والدها بملامح جامدة:
- حاجات إيه إنتِ خلاص ملكيش حاجة هنا جوزك يبقى يجيبلك يا حبيبتي، يلا ألف مبروك.
- أنا عايزة لبسي وحاجتي من فوق مش هينفع أمشي من غيرها.
فرد عليها (أدهم) بعد ما نظر بغضب لذلك عديم الفائدة:
- بصي أنا كنت متفق أنا ووالدك إني هاخدك إنتِ بس ومش عايز حاجة تانية، وإنتِ شوفي عايزة إيه وأنا مش هرفض أبدًا، أنا هجيبلك كل إللي نفسك فيه، حقك عليا.
وها هو يخذلها للمرة التي فشلت في إحصائها، فلم تعقب على شيء.
خرجت (عبير) من تفكيرها في الماضي لحظة طرق الباب فانقطع حبل أفكارها فقالت للطارق وهي تأخذ منديلًا حتى تمحي عبراتها وترفع رأسها من على أختها:
- مش عايزة حد يا جميلة دلوقتي، ادخلي نامي عشان الجامعة.
دخل الطارق عليها بخطوات هادئة لأنه لم يكن يريد أن يترك أمه في هذه الحالة، فهو يعرف إنها تمر بوقت عصيب وتحتاج إليه.
فنهضت (عبير) من مكانها وهي تمسح دموعها وتخفي حزنها ثم قالت:
- إنت جيت امتى يا رحيم محسيتش بيك.
رد عليها بهدوء يشبه والده كثيرا كأنه هو من يقف أمامها:
- أنا جيت من شوية كده وخليت جميلة تنام عشان الجامعة كانت تعبانة شوية، وجيتلك إنت اهو عشان أشوف هتتصرف إزاي في الزعل بتاعك ده.
فقالت وهي تتصنع الابتسامة أمامه حتى لا يقلق عليها ويحمل همومها:
- لأ يا حبيبي ولا زعل ولا حاجة أنا زي الفل، وقاعدة أنا وخالتك أهو، شوف بس إنت لو جعان أقوم أحضر الأكل عشان تنام إنت كمان.
فرد عليها بنبرة مترددة خوفًا من رد فعلها هي وخالته:
- هو أنا مش جعان الحمد لله، بس عندنا ضيفة أظن هتكون عايزة تاكل.
رمقته (عبير) بغضب واضح وقبل أن تتحدث قاطعها هو عندما أمسك يديها برفق وقال:
- والله الليلة واحدة بس، خلينا إحنا أحسن منها بس لو إنتِ زعلانة أوي كده من وجودها امشيها دلوقتي، بس بقولك يعني إنها ست و لوحدها والوقت متأخر.
نظرت إلى أختها فوجدتها تومئ لها بابتسامة، فوافقت على طلب ابنها في أن تبقى الليلة وتقدم لها الطعام.
رغم أنها لن تستطيع تحمل وجودها في نفس البيت.
فقال لها (رحيم) بابتسامة حنونة وهو يلثم جبينها:
- يعني خلاص وافقتي، والله كنت عارف إنك أطيب قلب في الدنيا.
تذكرت ما فعله مع (أنس) عندما تشاجر معه ومع (جميلة) عندما رفض أن تذهب مع (روان).
فقالت وهي غاضبة مما فعله مع إخوته من أجل تلك التي لا تستحق:
- إنت صح فاكر عملت إيه مع أنس لما نزلت وسيبته، وجميلة إللي عليت صوتك عليها ورفضت إنها تروح مع روان؟
نكس رأسه لأسفل ثم قال لها بإحراج مما فعل بعد ما حمحم:
- والله كان غصب عني مكنش قصدي أزعل حد مني بس إنتِ عارفه أنا مبحبش الكلام الكتير وأظن إنتِ شوفتي اليوم من الصبح كان تعب عليا إزاي من أول أدهم لغاية دلوقتي واليوم لسه منتهاش.
فقالت له بهدوء تسترضيه لأنها تعرف أنه متعب حقًا واليوم كان متعبًا عليه:
- طيب يلا ادخل غير هدومك ونام إنتِ كلها ساعتين وهتصحى، وأنا هطلع أعمل أكل للضيفة إللي بره.
- تُشكري يا أحلى واحدة، ربنا يجعله في ميزان حسناتك، بس لو زعلانة يا أمي مش مشكلة أنا هروح أعملها متتعبيش نفسك بعد إذن خالتي الأول، إنتِ بس متعمليش حاجة غصب عنك.
ابتسمت عندما سمعت كلمة (تُشكري) التي تُذكرها بوالده فردت معقبة وهي تنهض:
- لأ يا رحيم مش غصب عني، برضا متقلقش بس عشان خاطري اسمع كلامي وأدخل نام، تصبح على خير إن شاء الله.
خرج (رحيم) من الغرفة خالته، وتردد كثيرًا في الدخول إلى غرفة (أنس)، فقرر أن يذهب إلى غرفة (جميلة) الخاصة بها في شقة خالته ويفترش على الأرض الساعات المتبقية حتى طلوع الصباح.
كاد أن يطرق مرة أخرى على غرفة خالته التي تمكث فيها والدته، ثم تذكر إنها ذهبت إلى المطبخ لكي تحضر الطعام للضيفة غير المرحب بها التي تجلس في الصالة بمفردها، فبدل وجهته من الغرفة إلى المطبخ.
- أمي أنا هنام عند جميلة في الأوضة.
فقالت وهي تضع يديها على صدرها بفزع:
- يابني حرام عليك اتخضيت.
ثم أكملت:
- ليه ما تنام زي ما بتنام عند أنس.
- مش عايز أنام عنده عشان لو صاحي ميتكلمش والصبح كمان ميتكلمش معايا، أنا هنزل الصبح للشغل وهو أجازة وخالتي سلوى هتنزل لما أنا أنزل الصبح.
أومأت له ثم قالت:
- براحتك يا رحيم أعمل إللي يريحك.
دخل غرفة أخته بخطوات هادئة حتى لا يُقِظها، و وضع الوسادة على الأرض واللحاف وتسطح ثم أغمض عينيه أخيرًا.
لكنه ظل يسترجع اليوم من البداية، يومه الذي أقسم إنه من أطول أيام حياته، حيث أن في بداية اليوم ذهب إلى عمله وقابل تلك الفتاة، ثم هربت دون دفع الأجرة.
أخذ يتذكر موقفها عندما ركضت ولم تدفع الأجرة وظن أنها مجنونة، لكنه تذكر أنها كانت خائفة على والدتها فترحم عليها ودعا لها.
في شروق اليوم التالي.
استيقظ (رحيم) قبل الجميع، وبدأ يفكر في خالته عندما تذهب من هنا أين ستمكث؟
دخل إلى المطبخ ليصنع مشروبه المفضل، وبعد ذلك طرقت في رأسه فكرة يتمنى أن تصلح، أمسك جواله واتصل بصديقه (نادر) الذي بدا في صوته أثر النوم:
- نعم يا رحيم، إيه الحوار.
- مفيش حاجة كنت بس عايز أطلب طلب منك وأتمنى توافق.
- خير إن شاء الله.
- ينفع خالتي تيجي تقعد عندكم في الشقة إللي في الأرضي.
أهدر فيه بإنفعال بعد ما كان يتكلم بتكاسل من أثر النوم:
- إنتِ شاغل نفسك بيها ليه يا رحيم، أنا مش فاهم إنت مالك هي أصلاً تستاهل، وأمك لو عرفت كده هتزعل منك، وأنس لو عرف كده هيخلي حياتي أنا وإنت سواد، بعدين الشقة تحت مش متوضبة أصلاً.
زفر بقوة ثم قال بتهكم:
- خلصت؟ يعني موافق ولا لأ؟، ومتقوليش أنس ولا أمك ولا حد، محدش هيعرف إن شاء الله أنا وإنت بس، ولو حد فيهم عرف هتحملها أنا، بعدين هي تفضل فيها مؤقت يعني.
تنهد ثم قال يسترضي صديقه:
- إللي إنت عايزه يا رحيم ماشي.
- تُشكر، يلا أقوم ألبس عشان شغلك، سلام.
أنهى احتساء مشروبه المفضل لكنه لم يستمتع به، فصنع كوبًا آخر.
خرجت (عبير) من غرفتها لكي توقظهم، فخرج (رحيم) هو الآخر من المطبخ وقال لها بوجه بشوش:
- صباح الخير عاملة إيه لسه زعلانة مني؟
فردت عليه وهي تشير إلى تلك النائمة على الكنبة في الصالة:
- والله هكون مبسوطة بس لما هي تنزل.
- حاضر أنا أصلاً صحيت بدري عشان آخدها وأنزل قبل ما تصحوا، هنزل أنا بقى وإنتِ قولي لجميلة تروح الكلية مع روان.
فقالت له وهي تشبك يديها على صدرها وتضيق عينيها بشكٍ في أمره:
- هاخدها فين بقى؟
نظر إليها لبرهة في صمت ثم قال:
- معرفش يا أمي، هي تروح مكان ما تحب إحنا عملنا إللي علينا، ممكن تجيبيلي لبسي من عند أنس أنا داخل الحمام.
فردت عليه بثقة:
- كداب يا رحيم.
استيقظت في ذلك التوقيت على صوتهم تلك الغير مرغوب بها، فقالت وأثر النوم ظاهرًا في صوتها:
- صباح الخير.
نظرت إليها (عبير) بتقزز ثم رحلت إلى غرفة (أنس).
جهز (رحيم) قبل الجميع فأخذ خالته ورحل بها إلى بيت صديقه، فقالت (سلوى):
- والله يا رحيم ربنا يبارك فيك ويوقفلك ولاد الحلال ويرزقك من وسع.
فرد عليها بجمود دون النظر إليها:
- تُشكر.
ثم أضاف بنبرة حادة بعض الشيء:
- إنتِ هتقعدي هنا ومفيش خروج كده ولا كده إللي تحتاجيه هجيبهولك، عشان لو خرجتي وحد شافك هتحصل مشاكل، بيت نادر قريب من بيت خالتي وجمب بيت روان، وأظن إنتِ عارفة إن جميلة طول الوقت عند روان، يبقى تقعدي هنا و متفتحيش شبابيك كمان عشان هما عارفين إن الشقة فاضية، وإنتِ هتفضلي هنا لغاية ما تشوفي مكان، اعملي حسابك على كده مش هتقعدي هنا طول.
أخرجت صوت من حنجرتها يدل على اعتراضها ثم قالت باستياء:
- يعني ولا هخرج ولا هشوف الشارع ولا هفتح شبابيك ومقعدني كمان في شقة مفهاش غير كنبة وشوية كراكيب، عايزني أشوف مكان أقعد فيه إزاي وأنا مش هشوف الشارع؟
فردت عليها (ليلى) بتقزز:
- خلاص يا حبيبتي لو زعلانة أوي كده روحي اقعدي تحت أي كوبري ولا جنب أي جامع أهو تكوني منك للشارع على طول.
فأضاف (نادر) معقبًا:
- لأ خليها تروح عند عيالها إللي طردوها.
فقال (رحيم) بضجر:
- جماعة ثانية واحدة بس كده، إنتِ فاهمة إنتِ بتقولي إيه إنتِ المفروض تكوني في الشارع دلوقتي زي ما عملتي معانا بس أنا قلت عيب يا رحيم بلاش تكون ندل زيها.
صمت لبرهة ثم أكمل بغضب:
- خليتيني أفقد أعصابي وأغلط وأنا مش بحب أنزل من مستوايا مع أشكالك، نهاية الكلام هتقعدي هنا بشروطي، عايزة تمشي براحتك.
فقالت هي بهدوء تستعطفه بعد ما أدركت فداحة أمرها:
- خلاص، بس يعني إنتِ تسيب خالتي يا رحيم بين أربع حيطان مشوفش الشارع ولا أفتح شبابيك وكمان هنا مفيش أي حاجة في الشقة.
ابتسم ثغره ثم قال بسخرية:
- والله يا خالتي إنتِ فاكراني عشان طيب هتعرفي تستغليني، فاكرة إني ضعيف بجد وطيب، وعارفة أنا مبسوط من كده، عشان يوم ما أجيب أخري منكوا هجيب أجلكم.
رمقها بنظرة حادة ثم أضاف بثبات وهو يقترب منها:
- لو إنتِ فاكرة إنك صعبانة عليا عشان كده بساعدك، فهريحك وأقولك ورب الكعبة أبدًا، كل الحكاية إني قلت مينفعش تكون قليل أصل زيها، يعني عشان أراضي ضميري، بس على رأي أدهم القماش لما قال لو هتمشي ورا مشاعرك وضميرك مع الناس إللي جات عليك هيفتكروا إن ده ضعف خصوصًا مع أشكالك المنافقين.
ثم قال موجهًا حديثه إلى (نادر):
- خلاص يا نادر قطعت برزقها اقفل الشقة، تروح بقى هي مكان ما تروح ميخصناش.
فقالت هي برجاء وهي تمسك يد (رحيم):
- يعني يرضيك يا رحيم أعيش في الشارع ده أنا خالتك.
فرد عليها بثبات وهو يبتعد عنها:
- يرضيني.
ثم خرج وركب سيارته متجهًا إلى عمله.
بدأ يفكر ويتساءل، ما الذي يجعله يكرر أقوال والده دائمًا، لماذا يظل أسيرًا لذكريات والده بعد كل ما فعله. لماذا لم ينساه ويهجره من تفكيره.
أخذ يتحدث مع نفسه بصوتٍ مسموع:
- ليه يا بابا عملت كده ليه تسيبني وتمشي وانت لسه عايش، إنت مكنتش كده نفسي ترجع زي زمان وهنسى كل إللي حصل منك وحش مش هفتكر غير كل خير.
بكى، خانته دموعه، وبكى في صمت، في قهر، في ألم، في احتياج.
تساءل في خلده لماذا يبكي ويتألم هل بسبب الماضي الأليم أم بسبب الحاضر الموحش.
أدار جهاز الكاست في السيارة وبدأت الموسيقى تعبر عن مشاعره الحزينة. دموعه تنهمر على وجنتيه، وهو يستمع إلى أغنية من الفرقة المفضلة لديه، التي تتحدث عن آلام الشباب وهمومهم. الأغنية كانت تعكس حالته النفسية، وكأنه يستمع إلى صوته الداخلي.
بسرح وأتوه في الذكريات
وبعيش حياة ويا إللي فات
أشخاص، أماكن، كل شيء حاجة توديني لحاجات.
حكايات، مواقف كلها في الماضي دي أنا عشتها.
كل لما أغمض عيني أروح لسنين سابتني وسيبتها.
بدأت تهجم عليه الذكريات.
منذ تسعة عشر عام "قبل وفاة جده بأسبوع".
كان (رحيم) يبلغ من العمر سبع سنوات وكانت أخته (جميلة) في الشهور الأولى من عمرها، وكان (أدهم) سعيدًا بسبب مولدته الجديدة، وكان يجلب لهم الهدايا والألعاب ويلعب معهم.
- بابا بابا.
كان هذا قول (رحيم) وهو يقفز له بسعادة عندما جاء من عمله.
فرد عليه والده بابتسامة وهو يرفعه من الأرض ليستقر في أحضانه:
- عيون وقلب بابا.
- تعرف إن أنا عندي تكريم بكرة لأني جبت الدرجة النهائية في الإنجلش، وطلعت الأول على Class بتاعي.
ابتسم له والده وقال بحنان بالغ:
- مشاء الله، أنا فخور بيك يا رحيم وإن شاء الله هتكون أشطر واحد في الدنيا.
فقالت (عبير) معقبة:
- هو شاطر وبيذاكر وجميل، بس مش بيسمع كلامي وينام بدري وكل يوم بيغلبني وأنا تعبت منه يا أدهم.
فرد عليها (رحيم) بانزعاج:
- ليه كده يا ماما، أنا زعلت منك.
فقال (أدهم) مبوخًا لابنه:
- لأ رحيم نتكلم كويس مع ماما لو سمحت، وبعدين هو أنا مش قايل إنك لازم تسمع الكلام لأن إللي مش بيسمع كلام مامته ويغلبها كده ربنا بيزعل منه.
- خلاص أسف يا بابا، أسف يا ماما هسمع كلامك كله.
فقالت أمه وهي تضمه إليها وتقبله:
- حبيب ماما ربنا يباركلي فيك.
خرج (رحيم) من ذكرياته المحببة إليه، إلى ذكرياته التي يبغضها، على جزء من الأغنية التي يوصف إحساسه.
ليه بحبها ما هي ماضي عدى وانتهى
وإن سيبتها تمشي بترجع وحدها
وساعات أنا بشتاقلها فأندهلها.
ليه بحن ليها وأعيش عليها، مفيش إجابة عرفتها
أنا عمري كام عشان تكون لي الذكرى أسلوب حياة.
دماغي فيها مليون شريط، ماضي قديم من ده، وده.
ده أنا كنت عيل من يومين ودخلت أنام.
صحيت لقيت العمر عدى، ما أخدنيش معاه.
بدأ يسترجع أن عندما مات جده اتُهم (أدهم) بقتله، وذاعت المجلات والجرائد والصحف والقنوات بأن رجل الأعمال (أدهم محمد القماش) قتل حماه.
وجاءت الشرطة إلى بيتهم وأُعتقل والده أمام أسرته ولم تكتمل فرحته بالمولودة الجديدة التي أسماها على اسم والدته.
على الرغم من أنه خرج بعدما ظهرت براءته وأن (نبيل) مات ولم يُقتل.
لكن تغيرت جميع الأمور، بعد ما كان يضمه إليه ويجلب له الألعاب ويدرس معه وحنون عليه، تحول إلى شخص غريب يصادق السوء، يسهر مع النساء، يشرب الخمور.
سحب منديلًا ليمسح دموعه التي أحرقت خده والذكريات ما زالت مستمرة بعقله رافضة الخروج من رأسه.
وفي السنين أنا مش كبير
وشعري أسود زي ليل
والليل ما بيعديش طويل، مفهوش هروب من الذكريات.
سحب منديلًا آخر بعدما ابتل المنديل الأول ولم يكف لتجفيف دموعه التي استمرت في النزول ولم تتوقف.
ليه ماليش في بكرة وليه بتوه
وليه ماليش في حلم بترسموه
بسرح فألاقي الذكرى بس
وفيها بلقى أنا يومي أمس
غير يومكوا ده إللي بتعشوه.
سحب المنديل الثالث والرابع والخامس بقوة حتى وقعت العلبة بأكملها و أوقف السيارة في منتصف الطريق وهو يبكي بقهر منكث رأسه وقد ورمت عيناه واحمر وجهه، ولم ترحمه أبواق السيارات وسبَاب المارين، حتى رأسه لم ترحمه، شعر بخنقة من التكدس من حوله والتكدس من رأسه، لم يعرف ماذا يفعل كأنه طفل تائه من أمه في وسط المدينة.
الذكرى واخداني لمكان، أيام زمان
وقت الفرح، وقت الهنا أنا وسط بكرة ماليش وجود في الذكرى بس بكون أنا.
أمسك رأسه بقوة يمنع دخول الذكريات عقله والرجوع إلى الماضي لكن دون جدوى، ترجع به إلى سنوات الهنا ثم تنتقل إلى السوداوية.
وأرجع في غمضة عين سنة، سنة في سنة أنا ببقى أنا عيل بيهوى الدندنة أحلامه سهلة وممكنة
وعشان كدة أنا من هناك أنا بنتمي للذكريات وماليش مكان بينكم هنا.
ضرب رأسه في عجلة القيادة عدة مرات متتالية ليمنع تدفق الذكريات ويحاول يقلل من ضجيج رأسه، ثم تحدث مع نفسه بصوت مسموع حازم وقد اتخذ القرار بأن ينتقم مما فعل به هكذا:
- كل إللي حصل ده بسبب مظهر، والله ما هسيبك تتهنى.
أدار محرك السيارة وقد بدل وجهته إلى بيت (مظهر) وكل ما يفكر به هو والده قبل وفاة جده (نبيل الحداد).
وكان سبب التحول هو اتهامه في أشياء كثيرة لم يفعلها وتعاقب عليها.
لكن ما لا يعرفه أحد أن (نبيل الحداد) قُتل، والذي قتله حر ولم يتعاقب.
بسرح وأتوه، في ذكريات
وبعيش حياة ويا إللي فات
أشخاص، أماكن كل شيء حاجة توديني، لحاجات.
بسرح وأتوه.
رواية ماضي لا يغتفر الفصل الثامن 8 - بقلم ريتاج ابو زيد
احتكاك إطارات السيارة بالأسفلت بسرعة كبيرة، يحارب به الزمن يمنع الأفكار من التدفق، يتوغل الكره في قلبه وتشتعل رغبته في الانتقام مع ازدياد سرعة السيارة، حتى وصل أخيرًا أمام ڤلته.
نظر على الثراء التي وصل إليه من مال أبيه، هذا الحقير وصل إلى هذا الثراء بعد ما كان مجرد شحاذ متشرد نكرة من مال أبيه.
نزل من سيارته ثم وقف بثبات أمام رجال الأمن والحراسة للڤِلة و الشر يتطاير من عينيه وقال بحدة:
"إدخل نادي على الحرامي النصاب الشحات إللي جوه، بدل ما أدخل أنا و اكسر البيت على دماغه."
ثم أهدر بانفعال:
"سامعني يا مظهر أنا مش همشي من هنا غير وأنا مكسرلك الڤِلة دي، إللي بفلوس أبويا سامعني كل الفلوس دي بتاعت أبويا."
رجال الأمن هجموا عليه ومنعوه من دخول الڤِلة لكن (رحيم) لكم واحدًا من مقيدين حركته في وجهه وأهدر فيه وفيهم جميعًا:
"وأقسم بالله إللي هيقرب مني تاني هقتله، سامع يا مظهر هقتله، تحب أقول هقتل زي مين ولا تخرجلي هنا."
في تلك اللحظة خرج (مظهر) من الڤِلة ووقف أمام (رحيم)، بثبات وقال له:
"اتفضل يا رحيم البيت بيتك."
قال (رحيم) بحدة وهو يقترب منه بخطوات واسعة أقرب للركض:
"ما هو بيتي وإنت عارف إنه بيتي."
ثم هجم عليه يمسكه من تلابيبه ويهدر فيه بصراخ:
"ليه ليه عملت كده استافدت إيه، ده كان بيحبك، أبويا كان بيعتبرك أخوه وصاحبه وشغلك معاه، ليه تدمروا إنت تستحق الحرق وإنت عايش."
أنهى حديثه بلكمه قويه تسببت في نزيف أنفه، ورجال الأمن يحاولون أن يباعدوا بينهم لكن دون جدوى فالنار في قلبه تتوغل أكثر من ذي قبل،ففي ذلك الوقت لا أحد يستطيع منعه.
لكمات!!!
لكمات تَسبب فيها (رحيم) في أماكن متفرقة لدى (مظهر) لكن رجال الأمن يقيدون حركاته فلم تُسبب تلك اللكمات أذى كبير فيه.
تركه (رحيم) وظل يرمقه بنظرات حادة تتمتلىء بالشر ثم قال:
"زمان إنت عملت إللي عاوزه وخسرت أبويا فلوسه وبيته وحياته وأهله، دلوقتي يا مظهر الدور عليك، عشان أنا سكت كتير وإنت عارف، أن أنا عارف كل حاجة من سنتين وساكت بس خلاص، وقتك خلص، حضر نفسك، واستعد عشان هاخد حق أبويا وهاخد حق جدي."
رحل (رحيم) متجهًا إلى منزل خالته ولم يذهب للعمل اليوم، لكنه قرر أن يتجه إلى منزل صديقه تجنبًا لقلق أمه وشجار (أنس).
"رحيم، أنت جيت ليه مش المفروض في شغلك، ومالك شكلك مبهدل كده ليه."
كان هذا قول (ليلى) وهي مقطبة حاجبيها باستغراب وقلق.
أطلق تنهيدة عميقة ثم قال بتعب:
"ولا حاجه يا ليلى معلش ممكن ادخل؟"
قالت مرحبة وهي تفسح له مجال للدخول:
"أيوه طبعا اتفضل."
دخل (رحيم) وجلس على الأرض ومد رجليه أمامه، ثم أطلق تنهيدة قوية تعبر عن حزنه.
فجلست بجانبه (ليلى) وهي تمد يدها له بكوبٍ من الماء البارد ثم قالت له بقلق واضح في صوتها:
"إيه إللي حصل يا رحيم مالك؟"
رد عليها بإيجاز:
"مش قادر اتكلم."
ثم أضاف وهو يأخذ من يديها الكوب:
"ليلى أنا جيت هنا عشان مش عايز أمي تقلق ولا تسألني على حاجة، عايز اقعد لوحدي."
احترمت رغبته في البقاء بمفرده لأنها تعلم أنه يريد الراحة قليلا.
نهضت من جانبه ثم قالت:
"طيب خلاص مش هسأل، بس لو عايز تريح شوية ادخل نام في أوضة نادر، أنا هدخل أوضتي والشقة كلها بتاعتك."
ثم ولجت غرفتها، ظل يفكر هو في ماذا يفعل لكنه لم يفكر كثيرا لأنه أسند يديه على الكنبة الذي خلفه و دخل في ثبات عميق.
بعد مرور ساعة.
استيقظ (رحيم) على صوت جواله فكان المتصل أمه.
أجاب عليها حتى لا يقلقها لكنه تفاجأ عندما سمع صوتها تبكي وهي تقول:
"رحيم الشرطة هنا في البيت وقالوا أنك اتهجمت على مظهر."
أخذ (الشرطي) منها الهاتف وقال له بصرامة:
"تعالى بسرعة احنا مستنينك مع والدتك."
ثم قام بإغلاق المكالمة.
نهض من مكانه بسرعة وهو ينادي بأسم (ليلى).
"نعم يا رحيم في إيه؟"
"الشرطة عايزاني، المرة دي يا ليلى تقعدي مع أمي ومتجيش ولا إنت ولا هي ولا نادر واتمنى أنس كمان، مش عايز حد أنا هتصرف، يلا بسرعة البسي عشان تنزلي معايا تروحي لأمي."
نزلا سويًا متجهيين إلى بيته، ونظرًا لقرب المسافة بين البيتين لم يستغرقوا وقت طويل.
"أنا رحيم يا باشا."
"إنت روحت اتهجمت على مظهر بيه ليه، مش خايف."
كان هذا قول (الشرطي) وهو يضع في يده الاساور الحديدية.
ضحك بسخرية ثم قال:
"والله حلوة مظهر بيه دي يا باشا، والاحلى بقى كلمة خايف، بس انا مش بخاف."
ابتسم (الشرطي) بسخرية ثم قال:
"شكلك حلو وهنضحك للصبح."
فرد عليه بإيجاز وهو يبتسم:
"نضحك لغاية الصبح أنا فاضي."
كانت (عبير) في هذه اللحظة لم تستوعب ما يدور حولها، وكانت تريد أن تحاور ابنها فطلبت من (الشرطي) برجاء وهي تبكي:
"معلش يا أستاذ لو سمحت ممكن بس اتكلم مع ابني دقيقة."
"في القسم يا حجه."
ظلت تبكي وتنوح وتتسائل بسخرية أهذه المرة الأحدى عشر أم الأثنا عشر؟
لا أحد يستطيع أن يوصف شعورها فهي دائما تشعر أنها فشلت في الحفاظ على ابنائها،وشرعت تفكر وتسأل ما الفرق بيني وبين (نبيل) ؟هو فشل في الحفاظ عليهم، وهي فشلت في الحفاظ على أبنائها كذلك.
وبجانبها أختها تقف معها في أزمتها وتواسيها، لكن المواساة ليست كفاية لكي تداوي الجروح والآلام، لذلك نقول دائما لا أحد يستطيع أن يداوي الجروح الداخلية، ليس لأنه فاشل في ذلك،بل لأن الجروح أعمق بكثير مما يظن البعض.
فقالت (عبير) بنبرة متحشرجة:
"اتصلي بسرعة بنادر يا ليلى، واتصلي بأنس خليه يرجع."
فردت عليها مترددة:
"بصي يا عبير هو قالي متكلميش حد، واطلعي إنت وأمي وكلكم فوق ووصاني معرفش حد، بعدين هو نازل واثق ومش خايف يعني أكيد هو هيحل الموضوع."
انفجرت في الصراخ والبكاء، وكأنها بركان انهار وانفجر فجأة:
"إنت عايزاني أسيب أبني هناك وأنا أطلع اقعد ومحدش معاه يا ليلى، أنا تعبت يا ليلى تعبت أبني لسه خارج اول أمبارح من السجن ودخل تاني، عارفة يعني إيه شاب ملوش ذنب في حاجة يدخل كل يومين السجن، وكل ده بسبب إهمال أبوه، لأ وعارفة حجم المصيبة إللي إحنا فيها إيه، أن هو راح اتهجم على مظهر بجد، هيضيع نفسه يا ليلى وأنا ماليش غيره."
في تلك اللحظة جاءت لها (إخلاص) مهرولة ثم ضمتها إليها وقالت لها بهدوء وهي تربت على كتفها:
"اهدي يا عبير مينفعش تنهاري كده عشان عيالك، كل شوية تصوتي كدة مش هنلاقي حل، يلا نطلع فوق إحنا في الشارع يا حبيبتي مش هينفع كده."
فردت عليها بتعب وهي على وشك الإغماء:
"أنا سبب كل المشاكل دي، أنا إللي غلطانة، أنا إلي مهربتش يوم ما أبويا أجبرني على أدهم."
وقعت مغشية ولم تشعر بشيء غير القهر والحزن الذي يتغلل في قلبها، لم تسمع أي شيء حولها إلا ذلك الصوت التي يقول لها بنبرة دافئة عميقة (متخافيش أنا مش هزعلك، وهحافظ عليكي ،أدهم القماش مش للخوف يا مدام عبير)وأخذت الذكريات تلوح لها من بعيد وهي مبتسمة ببراءة وتقول أنا هنا سآتي إليك حتى أعذب فؤادك أكثر.
لكنني رافضة أن تأتي.
لا يهم أنا سآتي على أي حال.
"بصي أنا كنت متفق أنا وابوكي إني هاخدك إنت بس ومش عايز حاجة تانية، وإنت شوفي عايزة إيه وأنا مش هرفض أبدا."
كان هذا قول (أدهم) عندما رفض (نيبل) أن يعطي لابنته ملابسها وأغراضها.
بكت في صمت ولم تعقب ، فقط نكست رأسها لأسفل في صمت.
فقال والدها بضجر:
"يا بنتي مش كل شوية تعيطي، إنت كدة هتخلي الراجل يطلقك من أول ساعة."
ولأول مرة (أدهم) يرفع صوته بعصبية:
"بص يا حج طول ما هي مراتي مش من حقك تتكلم معاها كلمة وحشة، وخد بالك مش بسمح لأي شخص أنه يكلم حد يخصني كدة، يلا يا عبير."
ثم أخذها من يديها ركب سيارته الفاهرة وأشار للسائق أن يتحرك، و ركب صديقه في السيارة الأخرى حتى يعطيهم حريتهم.
وهي القت نظرة أخيرة على المنزل وذكريات والدتها وأخواتها تأتي إليها، وتفكر في (خالد) وإنها هكذا لغيره.
قال لها بصوت هادئ وهو يمسك ذقنها ليرفع رأسها ويمسح دموعها من على وجنتيها:
"خلاص عشان خاطري متخافيش أنا مش هزعلك، وهحافظ عليكي ،أدهم القماش مش للخوف يا مدام عبير، أضحكي بقى."
نظرت له بعينيها الباكيتين وهي تتساءل في خلدها لماذا يفعل معي هكذا؟ ، لماذا يعاملها بكل هذا الحنان؟ ، ولماذا طلبها للزواج وهو لم يراها غير مرتين؟
قال لها بتلاعب ثم رماها بغمزة من طرف عينيه مع إنفجار شفتاه بابتسامة تظهر أسنانه اللامعة:
"عشان شوفت فيكي حاجات كتير حلوة."
نظرت له في دهشة، ثم قالت:
"إنت إزاي عرفت أنا بفكر في إيه؟"
"أنا بطبعي شخص حساس ومش بحب ازعل حد مني، وكمان أنا هادي وطيب وبحب اساعد الناس لو قدرت."
تنهد ثم اردف:
"إنت إللي عرفني عليكي هو مظهر، ومظهر ده صاحبي أنا معنديش أخوات بس بجد مظهر ده أكتر من أخويا، وهو كمان معندوش أخوات ويتيم، فبقينا سند لبعض، أنا صغير على فكرة أنا عندي اربعة وعشرين سنة ، بس أهلي عايزين إني أتجوز، وكل شويه يجبولي واحدة مرتحش معاها، فمظهر قالي فيه واحدة كويسة وأنا اعرفها، وشوفت صورتك، وبدأت أعرف عنك حاجات كتير وعن والدك والكلام ده من سنة، المهم عرفت أن والدك عايز يجوزك بالإجبار من أي حد غير أبن عمك، وإن أبن عمك بيحبك أو بيحب فلوسك بس إنت بتحبيه و…."
قطعت هي حديثه بضجر:
"خالد مش طمعان في حاجة، خالد بيحبني بجد."
فرد عليها هو بنبرة جامدة وهي أول مرة:
"أنا جوزك."
فقالت هي بارتباك وتردد:
"أنا مكنتش اقصد، أسفة."
سيطر على السيارة الصمت للحظات ثم بدأت هي بالبكاء.
فقرر أن يراضيها فحمحم ثم قال بهدوء:
"خلاص أنا إللي اسف حقك عليا، تحبي نكمل كلام لغاية ما نوصل؟ الطريق من قنا لغاية القاهرة كبير أوي وهياخد وقت."
فنظرت له ثم قالت بإيجاز:
"كمل."
فأكمل بهدوء:
"ماشي، وقفنا لغاية فين؟ ،آه افتكرت لغاية ما كان والدك رافض يجوزك ابن عمك، وموافق على أي عريس، المهم أنا عرفت كمان أن مامتك كانت بتقف معاكي ورفضت كل العرسان عشان مكنوش مناسبين ليكي، لغاية ما والدتك توفت ربنا يغفرلها ويرحمها، ومن ساعتها مفيش حد تاني اتقدملك عشان والدتك، وساعتها أنا جيت العزا بتاع والدتك وشوفتك، اه نسيت اقولك مظهر صاحب خالد ابن عمك و…."
بترت حديثه للمرة الثانية عندما قالت بدهشة:
"إيه؟، مظهر صاحبك إنت يكون صاحب خالد؟ إزاي يكون صاحبه وإزاي يخليك إنت تتجوزني؟، طب وصاحبه، أنا مش فاهمة حاجة."
فرد هو بجمود للمرة الثانية:
"مش فاهمة أي؟"
ردت بغضب:
"يعني إزاي يكون صاحب خالد ويكون عارف انه بيحبني وإزاي هو إللي عرفك عليا، ده خيانة لصاحبه."
فرد عليها بجمود يفسر لها الأمر:
"ما هو عشان مظهر صاحب خالد عارف أنه عايز يتجوزك عشان فلوسك وورثك من أبوكي، وعشان عارف أن خالد ده أنسان مش كويس بيسهر مع البنات وبيشرب وبيعمل كل حاجة وحشة، ومش هيقدر يحافظ عليكي."
فقالت هي بانفعال:
"بس خالد مكنش كده، خالد صاحب ناس مش كويسة خليته يعمل الحاجات دي، وعلى فكرة هو كان بيحاول عشاني."
اردف هو الأخر بانفعال وهو يمسكها من يديها التي تلوح بها:
"يا حبيبتي أنا جوزك مينفعش تقولي كدة قدامي، بس بردو خالد ده شخص مش كويس ومظهر عارف كل مصايبه وعارف كل حاجة عنه، وبعدين إنت مسألتيش أنا جبت صورتك منين كأنها حاجة عادية، جبتها من خالد، خالد ابن عمك هو إللي أداها لمظهر، تقدري تعرفيني إيه إللي يخلي راجل محترم يعمل كده."
فقالت هي بضجر وهي تحاول أن تفك يديها عنه:
"إنت ماسكني كده ليه، ابعد ايدي."
افلت يديها ثم قال للسائق أن يقف، و نزل من السيارة وركب بجانب السائق ثم أشار له أن يكمل طريقه.
اطبق الصمت للمرة الثانية لكن هذه المرة لفترة طويلة لمدة ساعة متواصلة، وأول من قطع الصمت هذه المرة كانت هي عندما قالت له (أسفة) لكنه لم يجب عليها، فلم تكررها هي ثانيةً، فكبرياء المرأة لا يسمح لها أن تعتذر ثانيةً، هذا إذا اعتذرت من الأساس.
حاولت أن تنام لكن ذاكرتها كان لها رأي أخر، حيث أن ذكريات إخواتها وأمها أخذت تعصف بها، وكذلك ذكريات حبيبها.
ثم توالت الأسئلة وتخمينات في رأسها عندما يعلم (خالد) ما حدث، كانت خائفة عليه.
لكن طرأ في رأسها عدة اسئلة مهمة وقالت في خلدها كيف لصديق أن يطلب من صديقه أن يتزوج حبيبة صديقه الآخر؟
ولماذا (خالد) عندما علم بموضوع زواجها من ..لحظة!!!!
عندما ذكر والدي اسم (أدهم) ظهرت ملامح الدهشة على هيئته و ردد الأسم فهذا يعني أن (خالد) يعرف (أدهم) عن طريق (مظهر).
لماذا لم يفعل أي شيء حتى يلغي الزواج؟
فقالت بصوت مسموع تحاول توضيح الأمور لنفسها:
"يعني كده مظهر صاحب أدهم وصاحب خالد، وخالد عارف أدهم عن طريق مظهر، يعني كده خالد محاولش يعمل حاجة لما عرف ان إللي هيتجوزني أدهم ، وفعلا من ساعة ما عرف وهو هادي بطريقة غريبة حتى لما جه يعيش معانا متكلمش معايا خالص ، وحتى أبويا مكنش عنده مانع أنه يعيش معانا بعد البيت إللي اتحرق، طب ليه؟، وكمان خالد كان مش متأثر ببيته خالص، يعني إيه أنا حاسة أن فيه حاجة غلط، وليه خالد يدي صورتي لمظهر، إزاي يعمل كده؟"
أصدرت منها صرخة مكتومة بغيظ فزعت (أدهم) الذي كان في أول مراحل النوم.
فنظر لها بضجر ثم قال بسخرية:
"كابوس ولا إيه؟"
فقالت له بتوتر دون النظر إليه:
"أنا مكنتش نايمة اصلا."
فقال بملل وهو يعيد نفسه إلى هيئته الاولى حتى ينام:
"طب مالك، محتاجة حاجة؟"
فقالت بتردد:
"أنا عايزة اسأل سؤال."
التفت إليها واعطى لها كامل تركيزه و أومأ لها أن تتكلم فقالت:
"هو أنت كنت تعرف خالد؟، قصدي يعني هو كان دايمًا في القاهرة وبيكون مع صحابه إللي منهم مظهر يعني، فأنت كنت تعرف خالد؟"
فقال بهدوء:
"أنا هحكي كل حاحة باختصار شديد من غير مقاطعة بعد إذنك."
ردت عليه بابتسامة إعتذار:
"أسفة، اتكلم وهسمع."
تنهد ثم اردف:
"بصي مظهر صاحبي و صاحب خالد كمان، بس مظهر عارف إن خالد مش كويس وعايز فلوسك و هيتجوزك عشان الورث وفلوس ابوكي، وأنا أمي دايما تدور ليا على عروسة، فمظهر قالي عليكي و كان معاه صورتك من خالد أنا مش عارف ليه هو عمل كده، شوفتك في عزا والدتك لأول مرة في الحقيقة، وعرفت عنك كل حاجة وسألت عنك الناس، وجيت اتقدمت، ولو بتسألي إيه إللي غير معاد الجواز هقولك أنا عملت كده عشان مش واثق في خالد، وعرفت إن خالد هو إللي حرق البيت بتاعه عشان يعيش معاكي في البيت وعشان يسرق من البيت فلوس و ورق من غير ما حد يعرف إن هو عمل كده، وياخدك ويهرب، حتى لو فكرتي هتلاقي أن فيه حاجات مسروقة من بيت عمك وكلها تخص خالد."
ظهرت الدموع في مقلتيها وقالت متشككة:
"إنت عرفت الكلام ده إزاي؟"
قال وهو يعطيها زجاجة مياه:
"عرفت من باباكي و مظهر، عشان خالد قال كل إللي عمله لمظهر، فاتفقت انا و والدك إننا نعمل كتب الكتاب في الوقت ده من غير ما حد يعرف حتى إنت عشان متروحيش تقوليله، وتضيعي نفسك."
قال هو مبتسمًا بحنان:
"خلاص بقى أنسي كل حاجة اعرفك أنا عليا ماشي؟"
قالت بنبرة متحشرجة:
"أنا مش عايزة أسمع حاجة."
أومأ لها بصمت ثم اعتدل في جلسته وأسند رأسه وأغمض عينيه في محاولة للنوم.
وفعلت هي نفس الشيء لكنها لم تسطيع إغفال عينيها لحظة وبدأ يتسرب لقلبها الشعور بالوحدة.
انقطعت المسافة المتبقية من القِنا إلى القاهرة بصمت تام إلا عند وقت الاستراحة حيث نزلوا ليقضون حاجتهم ويأكلون بعض الفطائر ثم أكملوا الطريق.
وقفت السيارة أمام ڤيلا كبيرة أشبه بالقصر، واسعة الأرجاء، مترامية الأطراف، ذات ديكورات فخمة وأنيقة، مزودة بحمام سباحة كبير وحدائق واسعة خلابة.
انبهرت هي مما رأت وأخذت تتأمل جمال الڤلة والحدائق الواسعة، فأعطاها مساحتها في مشاهدة البيت من الخارج والحدائق وهو ينظر إلى انبهارها.
ثم قالت بذهول:
"هو ده بيتك؟"
فقال لها وهو يشير إلى المنزل ويمسك يدها برفق:
"بيتنا."
ثم خرجت من الڤِلة سيدة أنيقة ترتدي فستان طويل مع حزام عريض وسترة قصيرة وحجاب بسيط وحذاء ذات كعب متوسط وبعض المجوهرات.
احتضنت السيدة (أدهم) ثم قالت وهي تبتسم بعينيها بحب:
"حمدلله على السلامة يا حبيبي، تعالي سلمي عليا يا حلوة."
ثم أخذتها من يديها وضمتها بحب ثم قالت:
"أنا جميلة أم أدهم، ومبسوطة بيكي أوي نورتي بيتك."
ثم أدخلتهم الڤِلة ذات الأساس الراقي ثم اردفت بحماس:
"إنت هتكوني مبسوطة معايا أن شاء الله تعالي أعرفك على البيت."
فقال مقاطعًا حماس أمه مبتسما بحب:
"يا أمي الطريق كان طويل علينا ممكن نرتاح وبعدين ننزل عادي، حقك عليا متزعليش."
ثم طبع قبّلة هادئة على جبينها وأمسك يد (عبير) برفق فاستوقفته أمه قائلة:
"طيب عايزة أتصور معاك أنت و العروسة و اصورك أنت وهي مع بعض."
نفذ طلبها ثم دخل بها إلى غرفته.
"إيه رأيك في الاوضه بتاعتك."
"جميلة مشاء الله والبيت كله حلو."
قال و التعب واضحًا في عينيه وصوته:
"أنا عايز أنام أدخلي غيري هدومك في الحمام وأنا هغير هنا وتعالي نرتاح شوية."
فقالت بأسف على حالتها ونكست رأسها:
"معنديش أي حاجة."
قال وهو يرتجف على السرير الكبير الذي يتوسط الغرفة الواسعة:
"أفتحي الدولاب هتلاقي عندك كل حاجة."
فتحت الدولاب و تهللت أساريرها ثم نظرت إلى هذا النائم بابتسامة إعجاب من شخصيته وهدوء واهتمامه، ثم انتقت عباءة بيتيه زرقاء بها نقوش رقيقة وجذابة باللون الأصفر ودخلت الحمام الخاص بالغرفة.
في صباح اليوم التالي.
استيقظت (عبير) عندما وقع على عينيها أشعة الشمس القادمة من النافذة الكبيرة التي تطل على حديقة واسعة ذات أزهار بيضاء وحمراء، شعرت بالراحة في النوم واستغربت عندما وجدت الفراش خالي من زوجها فالتفتت في أرجاء الغرفة لكنها لم تجده، نقرت ببطء على باب الحمام لكن ليس هناك رد، فدخلت هي الحمام بعد ما انتقت فستان أخضر فاتح به حزام عريض أنيق ووشاح باللون الأبيض حتى تأخذ حمام دافئ و تهدئ أعصابها وتحاول التأقلم في حياتها الجديدة.
في لحظة خرجها من الحمام طُرق باب الغرفة فارتدت حجابها بطريقة عشوائية ثم فتحت الباب، وكان الطارق خادم يدعيها إلى النزول إلى أسفل لتتناول معهم جميعهم وجبة الإفطار لأول مرة.
فأومئت له مبتسمة بتوتر ثم أغلقت الباب، واكملت ارتدائها لبقية ملابسها ونزلت.
وعلى عكس ما توقعت لاقت ترحيب منهم جميعًا بها ومدح فيها و بأخلاقها و رُقيها و جمالها، وتعرفت على والد زوجها (محمد القماش) ورحب بها بساعدة حتى الخدم كانوا يحتفلون بالسيدة الجديدة.
قال (محمد) مبتسمًا بإعجاب من خجلها ورُقيها:
"إنت شكلك صغيرة أوي ورقيق، بس هتتعودي علينا واحنا اهلك وعيلتك دلوقتي."
ثم تناول فطيرة من طبق التقديم وأعطاها لها بطبقها واكمل:
"إن شاء الله إنت ليكي هدية قيمة هتيجي بكرة باليل."
قالت لها (جميلة) بحماس:
"أنا هاخدك ونروح نجيب حاجات كتير أوي لبس و مجوهرات وكل حاجة تحبيها."
أستفاقت (عبير) من ذكرياتها واستعادت وعيها الكامل عندما أحست بشيء يدخل في يديها بقوة، فتحت عينيها بإرهاق رأت بجانبها أختها وصديقاتها وأبنتها.
قالت بإعياء:
"رحيم فين، رحيم خرج ولا لأ، مين معاه."
فردت عليها (وفاء) تطمئنها:
"رحيم كويس أن شاء الله أنس و نادر معاه وهيخرج يا حبيبتي، ارتاحي بس إنت الدكتور علق ليكي محاليل وقال إنك تعبانة اوي ومحتاجة محلول."
على الجهة الأخرى وللمرة الاحدى عشر على التوالي، دخل (رحيم) قسم الشرطة و سُجن، ومثل كل مرة الذكريات تترواح بين ذاكرته وكأنها قاسمة أن لا تتركة، لكن هذه الذكرى كانت مميزة كانت قاتلة بالنسبة له ولأخته (جميلة) حيث أنه علم الكثير من الأشياء التي كانت لبعضهم مخفية.
دخل الزنزانة (أمين الشرطة) ونادي على أسم (رحيم).
خرج معه والغريب أن (مظهر) تنازل عن المحضر والبلاغ المقدم ضده، لم يفهم (رحيم) لماذا هو فعل ذلك ولا حتى (أنس) و (نادر).
قال (نادر) وهو يربت على كتف صديقه:
"الحمدلله أنك خرجت بالسلامة، المهم أنت لازم تطمن والدتك عليك عشان تعبانة وفي المستشفى."
"ليه في المستشفى، حصل إيه، أدهم عملها حاجة؟"
قال مطمئنا له:
"لأ ولا أي حاجة هي بس تعبت شوية وداخت لما الشرطة خدتك و دلوقتي هي هتروح على البيت."
قال (رحيم) بحدة حازمًا قراره:
"أنا لازم أعرف كل حاجة حصلت زمان، أنا مبقتش صغير خلاص، و هعرف اخد حقي كويس من مظهر، وهي كمان لازم تعرف أن مظهر هو اللي قتل ابوها."
رواية ماضي لا يغتفر الفصل التاسع 9 - بقلم ريتاج ابو زيد
أعتلت ملامح الدهشة على كلًا من نادر وأنس. شُلت حركة السنتهم. أول من تكلم كان أنس وعلامات الاندهاش ما زالت واضحة عليه:
- إنت متأكد من إللي بتقوله ده؟
قال رحيم بحزم مرة أخرى وهو يتجه للخارج من المخفر:
- هحكيلك كل حاجة في الطريق، يلا نروح.
خرجا خلفه، لكن ما زال نادر مستغربًا ويفكر فيما قاله صديقه، والقلق ينهش في قلبه خوفًا على صديقه، لأنه يعرف أن الموضوع خارج عن السيطرة. وإذا سيطروا على رحيم وهو من سابع المستحيلات إذا غضب، كيف يسيطرون على أنس بعد ما عرف؟ لا أحد يستطيع الوقوف أمام رحيم إذا غضب أو أمام تهور أنس. هو لا يعرف ماذا يفعل، لكنه يعرف أنه ليس بجبان، وإنه صديق وفي ومخلص، ويعرف أيضًا أنه لن يتخلى عن أصدقائه مهما كان الثمن.
تكلم أنس بحدة كعادته مع رحيم بعد ما قطعوا نصف المسافة من المخفر إلى المستشفى التي بها عبير:
- رحيم ممكن تعرفني إنت تهجمت على مظهر إزاي، ويعني إيه جدك اتقتل؟ جدك وقع ومات لوحده.
قال رحيم يكشف السر الذي حاول أن يخبئه لأكثر من سنتين:
- فوزية، فوزية هي إللي عارفة كل حاجة وقالت كل حاجة ليا قبل ما تموت.
رفعا حاجبيهم في دهشة، وجحظت عيناهم، احتقنت الدماء في وجوههم. فأكمل رحيم موضحًا بنبرة جاهد أن تخرج هادئة ومسالمة:
- أنس أنا عارف الموضوع ده من سنتين وساكت، عشان لو قلت هتحصل مشاكل كتير. ولما عرفت حصل مواضيع كتيرة ومشاكل بين أبويا وأمي، وهي فوزية ماتت. وأنا مكنتش أحسن حاجة، وجميلة كانت كمان عارفة بس كانت خايفة. إحنا كنا خايفين نتكلم الموضوع يتلبس في أدهم، ومظهر يخرج منها زي ما حصل قبل كده. كمان مظهر بيعمل أعمال خيرية والناس هتقف معاه، وإحنا معندناش دليل ضده، لأن الدليل الوحيد هي فوزية و...
بتر حديثه أنس بحدة و بجمود:
- يعني إيه، كنت عارف إن مظهر قتل جدك وسكت؟ طب ليه كنت قولتلي وأنا كنت جبت رقبته.
قال رحيم بانفعال وهو يضغط على سرعة السيارة وقد احتقنت الدماء في عروقه:
- كنت خايف، خايف من تهورك زي الكبش يا أنس، خايف على أبويا لأني معنديش دليل يثبت إللي هقوله والدليل الوحيد مات بعد ما اعترفت بكل حاجة.
ثم أهدر بعصبية أكبر وزاد من سرعة السيارة:
- خوفت على أمي وأمك لما يعرفوا إنه اتقتل بجد. إنت أكبر مني واكيد فاكر حالتهم كانت إزاي ساعة خبر موته، مش عشان هو مات لأ، عشان كانوا فاكرين إنه اتقتل يا أنس، عشان الحكومة إللي كانت خارجة داخلة، عشان إحنا مش قد مظهر. مظهر شيطان، وأنا مغلطتش لما خبيت لإني عارف إن هيحصل كده منك.
قال نادر بصراخ:
- رحيم إنت ماشي بسرعة وقف العربية يا رحيم.
أدرك إنه انفعل زيادة وزاد من سرعة السيارة، وقبل أن يوقف سيارته، كانت هناك سيارة معاكسة تسير بطريقة متهورة. فانحنى جانبًا بسرعة ليتجنب أي خطر، لكن السيارة المقابلة انحنت في نفس الاتجاه لنفس السبب في نفس اللحظة، فانصدمت السيارتان مع بعضهما.
ازدحم الشارع عليهما لكي ينقذون من بداخل السيارتين ويتفقدونهم على استعداد الاتصال بالإسعاف. لكن وجدوا أن جروحهم سطحية إلا رحيم، حيث أن رأسه اصطدمت بعجلة القيادة بقوة، مما تسبب في جرح فوق حاجبه الأيمن.
أخرجوهم الناس من السيارتين، وكانت في السيارة المقابلة لهم فتاة ذات شعر قصير، تمتلك عيون واسعة بنية بالإضافة إلى غمازات على خديها، بشرتها حنطية، متوسطة الطول.
نزلت من السيارة بمساعدة الناس، ظلت تبكي بقوة من الوجع وعلى ما تسببت فيه من أذى لغيرها. ثم قالت بصوت مرتعش وهي تقترب من رحيم الجالس على إحدى الكراسي بمساعدة الناس:
- إنت كويس يا أستاذ؟ فتح عينك عشان خاطري، إنت كويس طيب؟
فتح رحيم نصف عين ونظر لها وأحس بأنها مألوفة له، لكن قبل أن يتذكر من هي، أسنده نادر الذي كان أقل في الإصابة من بينهم لأنه أدرك أن سيوقع حادث أمام تلك السيارة المتهورة التي أمامهم مع انفعال رحيم، فثبت نفسه.
أخذه على المستشفى القريبة، وأقرب واحدة كانت التي تتعالج فيها عبير. وعرض على الفتاة أن تأتي معهم لتداوي جروحها، فوافقت.
وصلوا إلى المستشفى بسرعة ودخل الدكتور حتى يكشف على رحيم، وبعض الممرضات يكشفن ويداوين جروح الآخرين السطحية.
كانت إصابة رحيم عميقة وأخذت عشر غرز في جبينه، بالإضافة إلى الجروح الأخرى لكنها كانت سطحية. لكن يديه اليمنى بها مزق، لكن الطبيب لم يضع له جبيرة.
تجمعت العائلة عندما أخبرهم نادر بما حدث، وأخبروه إنهم ما زالوا في المستشفى، فجاءوا لهم، واتطمئنوا على سلامتهم وعلى سلامة ذات الشعر القصير.
بعد وقت ليس بكثير بعد أن انتهوا من تعقيم الجروح والأطمئنان على بعضهم البعض، حان وقت الرحيل وإنهاء فوضى اليوم، لاستكمال الفوضى في صباح الغد.
قالت ليلى بعد أن لاحظت ذات الشعر القصير جالسة بعيدة عنهم بمفردها ولا أحد معها ولا أجرت مكالمات هاتفية مع أهلها:
- يا آنسة إنت كويسة؟
لم تُجيب عليها وظلت شاردة في اللاشيء منكسة رأسها وترتجف باستمرار وتبكي بصمت.
اقتربت منها روان وربتت على ظهرها، فلاحظت ذات الشعر القصير ورفعت مقلتيها لها، فقالت روان:
- إنت ليه متصلتيش بأهلك أو صحابك عشان تكلميهم ياخدوكي يا حبيبتي.
توجهت النظرات جميعها نحوهما، فعقد رحيم حاجبيه بدهشة ثم قال بصوت بدا متعباً:
- إنت نور؟
نظروا له جميعًا نظرات متسائلة، فأكمل موجها حديثه لها:
- أنا فاكر إنت نور، لو إنت نور فأحب أقولك أن والدك أكيد قلقان عليكي ولازم تروحي، أنا ممكن أطلبلك أوبر.
قالت له نور بنبرة مختنقة من البكاء وهي عاقدة حاجبيها:
- أيوة أنا نور بس إنت تعرف بابي منين، إنت شغال معاه في الشركة؟
- لأ أنا مش شغال مع والدك، أنا وصلتك قبل كده للمستشفى.
ردت وهي تمسح دموعها بيديها بإرهاق:
- أوكيه، إنت السواق الجديد بتاع بابي.
قال أنس بجمود قبل أن يُجيب رحيم:
- لأ يا آنسة والله إحنا مش بتوع بابي، خلي بابي يا حلوة يجي ياخدك و يعلمك السواقة، يلا يا جماعة نمشي بقي.
فُزِعت من صوته وارتجاف جسدها زاد وكادت أن تتحرك من مكانها لترحل، لكن صوت رحيم أوقفها عندما قال بصراخ على قدر ما استطاع:
- إنت طول حياتك هتفضل عصبي كده لغاية ما كلنا هنبعد عنك، هتفضل متهور وبراس كبش ومش فالح في حاجة غير الصوت العالي، لو إنت متعرفش فأنا أعرفك أن إنت سبب الحادثة إللي حصلت.
قالت عبير بحدة وهي تمسك أبنها من رسغه السليم وتجره وراءها رافضة سماع أي كلمة:
- أظن كفاية قلة أدب لغاية كده.
ذهبوا جميعًا خلفها و أوقفوا سيارتين أجرة متجهين جميعهم إلى بيت وفاء.
تكلم رحيم معترضًا على هذه الطريقة التي تعامله بها أمه كأنه ولد صغير مشاغب وليس رجل بالغ:
- إيه الطريقة دي يا أمي.
- إنت تسكت ومسمعش منك ولا كلمة، يا هجّام البيوت يا قليل الأدب.
قالت هذا بانفعال وصراخ و ترمقه بنظرات حادة وهي تشير إليه أن يصمت.
سكت ولم يعقب أو يعترض على أي شيء.
ركب السيارة ونظر من شباكها وبكى في ألم من كثرة الضغوطات والأحداث المتتالية في يوم واحد، وعندما يحاول يفعل شيء ينقلب ضده.
نزلت دموعه وقد أسند رأسه على شباك السيارة وكل ما يفكر به حل المشكلات التي سيواجها لحظة وصوله المنزل، وقد جاءت بباله أغنية أمير عيد التي توصف إحساسه في لحظته هذه.
وبعدين كل ما أخد خطوة أرجع اتنين
العمر بيجري سابق السنين
أنا شاب لكن من جوه عجوز
عندي جناحات بس محبوس
مجروح بنزف طموح
بدمي بكتب كلامي و أبوح
بسرح بتخيل بروح بغني
ترد فيا الروح.
وصلوا إلى الشقة وأول من دخل الشقة كان رحيم، حيث أن خالته فتحت الباب وأنحنت جانبًا لتسمح لهم بالدخول. قبل أن يدخل الغرفة أمسكته عبير مرة أخرى من رسغه وقالت بحدة:
- النهاردة مفيش معلش، ولا حتى هراعي إنك تعبان يا رحيم، أنا كل المدة دي مستحملة كل حاجة لوحدي عشانك إنت وأختك و عنيت إني أربيكم في الآخر تروح تدمر مستقبلك و تدمرني معاك.
ابتسم ثغرة وقال بسخرية:
- من إمتى يا ماما بتعملي حساب إني تعبان.
صفعته!!!
بمجرد إنتهاء جملته صفعته بقوة وأشارت للجميع أن يتوقفوا أماكنهم ولا يقتربوا ثم قالت:
- رحيم، أقسم بالله ما هضيعك مني زي أدهم مش هسمحلك يا رحيم، مظهر لأ يا رحيم و هتسمع كلامي غصب عنك.
رد عليها ببكاء ونظرات متعبة:
- يا أمي أنا مشكلتي إنك مش فاهماني ومحدش عايز يفهم حاجة وبتتكلموا بصوت عالي و عصبية، مع إن ممكن تقوليلي عملت كده ليه وهقولك لإني أصلا عايز أقولك و أسألك عن حاجة.
تنهد ثم أردف:
- أنا تعبان ممكن ادخل أنام، نتكلم الصبح، أظن إني لسه طالع من حادثة ومتخيط و قلبها كنت في السجن يعني مفيش أكتر من كده تعب.
ثم دخل غرفة أنس ولم يبدل ثيابه أو يغتسل فقط ألقى بجسده على السرير في تعب وخلال دقائق دخل في ثبات عميق.
وفي الخارج أخذت عبير تبكي على حالها هي وابناءها، وعلى قسوتها على إبنها _خصوصًا_ إنه حقًا يريد الراحة.
قال أنس للجميع بنبرة متعبة لكنها صارمة:
- هو جدي مات إزاي؟
وفي وسط حالة الاستغراب والدهشة و التساؤل و التخمينات في ماهية سؤاله، أخذه نادر بقوة للشرفة:
- إنت عايز تقول إيه؟ هو إنت فيك صحة تتكلم؟ يا بني متخدتش كل حاجة على أعصابك، هتقولهم وهتسألهم دلوقتي وهو الكل تعبان وهيدخلو تاني لرحيم، حرام عليك يا أنس بجد.
نظر له بإستياء ثم خرج من الشرفة وولج لغرفته التي يمكث بها رحيم وجده نائم بعرض السرير وبملابسة المتسخة و بدون شيء يحميه من برودة الجو.
ففتح الدولاب وأخذ منامة بيتيه من ملابسه، وأيقظه بهدوء، ظن رحيم أنه يريد أن يتشاجر معه كالعادة، لكن خاب ظنه حيث إنه قال له بهدوء أن يبدل ثيابه حتى يستطيع النوم براحة، ثم خرج إليهم وقال بهدوء:
- جماعة ممكن معلش حد يعمل أي أكل لرحيم عشان هو نام و مأكلش من الصبح و خسر دم كتير.
قالت روان متفهمة الموقف وتعب الجميع:
- أنا ممكن أساعدكم في أي حاجة، قولي يا أنس أعمل إيه؟.
قالت وفاء:
- متعمليش حاجة يا روان، أنا هعمل يا حبيبتي.
هزّت رأسها ثم أضافت:
- لو محتاجة مساعدة أنا موجودة.
قالت إخلاص:
- إحنا كده اطمنا عليكم، نبقى نيجي الصبح ان شاء الله، وإنت يا عبير خلاص عشان عيالك.
ثم ذهبت هي وأبنتها وذهب معها ليلى ونادر.
أعدت لهم وفاء بعض شطائر الجبن والمربى وصنعت لهم عصير برتقال طازج، وانتهى اليوم أخيرًا وضجيجه.
صباح اليوم التالي
تجمعوا جميعهم على طاولة الطعام لتناول وجبة الإفطار بعد أن أخذ رحيم أجازة من عمله لأنه يحتاج الراحة.
حمحمت عبير ثم قالت:
- إنت كويس يا رحيم، فيه حاجة تعباك.
- كويس الحمدلله، إنت كويسة؟.
قبل أن تُجيب قاطعتهم جميلة قائلة بسخرية:
- خليكي مثلي كده أنت و ابنك على بعض وإنتو الأتنين عايزين تحضنوا بعض و تعتذروا لبعض.
قالت عبير معاندة بإصرار:
- أنا مش بصالح حد، هو إللي غلط، وأنا أمه ومن حقي اخاف عليه و اربيه.
رد عليها بهدوء ممسكًا بمج القهوة:
- ربنا يباركلي في عمرك تعيشي وتربيني و تشوفني زي ما إنت عايزة.
ثم تنهد و أضاف مستعدًا لأي أسئلة و أي أجوبه:
- لو خلصتوا فطار خليكم قاعدين شوية، عايز أقول حاجة.
نظروا إليه بترقب مستعدين لما يقوله، فأردف لأمه:
- أمي أنا روحت لمظهر عشان مظهر يستاهل أي حاجة وحشة، أنا روحت لمظهر لأني مؤخرًا بفقد اعصابي لما بفتكر بابا وافتكر حياة كل الناس إللي مظهر دمرها، ودي مش أول مرة تحصل، بس المرة دي فرقت إني كنت هموته بجد عشان كده هو طلبلي الشرطة، و ماخفش من تهديدي ليه.
بترت أمه حديثة مكررة أخر كلمة باستغراب:
- تهديد إيه؟ إنك تقتله؟
ترقب هو وجهه الجميع فكانت نظرات الأختين مستفسرة، ونظرات جميلة متوترة وقلقة، وأنس جامدة.
قال وهو يستعد لبداية اليوم الطويل الذي بدا أنه لن ينتهي بسهولة:
- أنا بهدده إني هفضح سره بإنه هو إللي قتل جدي نبيل.
وقع الحديث كأنه سوط حاد يجلدهم، تمنوا أن يضحك ويقول أنه يمزح وهذا مقلب ساخر سخيف وأحب يلطف الأجواء المتوترة، لكنه بدا حقيقي وليس مقلب ساخر أو مزحة ثقيلة.
بدا التوتر واضح على وجههم جميعًا إلا أنس. قالت جميلة بصوت مختنق:
- ليه يا رحيم قلت.
قالت وفاء بذهول وهي تكور قبضة يديها بتوتر:
- مين قالك الكلام ده.
تكلم رحيم يقطع تساؤلهم و ذهولهم:
- أنا متأكد من الكلام ده، بس أنا عايز أسأل أمي هو إيه إللي حصل زمان يخلي مظهر يعمل كده، إنت دايمًا بتقولي أن أدهم وخالد ضحية و الجاني هو مظهر، بس إنت ليه مش بتقولي هو إيه إللي حصل بالظبط.
- إنت عرفت منين إن مظهر هو إللي قتل جدك.
- عرفت من دادة فوزية الشغالة إللي عند جدي من سنتين قبل ما تموت وقالت إنها كانت شاهدة على كل حاجة.
قامت عبير وولجت الغرفة بحركات بطئية والدموع تنساب على وجنتيها.
ولجت خلفها أختها، وظل الثلاثة ينظرون إلى بعضهما بصمت.
و جميلة بدأت تبكي بهستيرية وهي تمسك رأسها بقوة، فاقترب منها رحيم وأخذ يهدهدها كالأطفال بحنية، ثم أشار لـ أنس أن يجلب لها الأدوية المهدئة الخاصة بها.
بعد مرور ساعة وهم ما زالوا على حالتهم في صمت، الأختلاف هو أنهم نهضوا من طاولة الطعام ليجلسوا في المعيشة. خرجت لهم كلا من وفاء و عبير، فتكلمت الثانية وهي تجلس بجانب أبنها:
- هقول كل حاجة أعرفها، اسمعوني من غير مقاطعة.
أومئ لها الجميع وهم ينظرون لها بترقب، قالت:
- أنا علطول بقول مظهر شيطان، وإنت عارف إحنا كنا أغنياء إزاي ومبسوطين في حياتنا، إللي غير الموضوع إن مظهر ضحك على أبوك وبدل الأدوية بتاعت الشركة بأدوية فاسدة و بلغ عنه، ده كان تأثير سلبي على أبوك في الشركة، وعشان نخرجه أنا كلمت أبويا وقلت له يساعد جوزي، وهو وافق وخرجه مقابل إنه يبقى شريك معاه في الشركة وكمان املاكه.
قال لها أنس بنفاذ صبر وهو يشير بيديه بحركة تدل على السرعة:
- خالتي إحنا عارفين الكلام ده وعارفين كمان إن خالد كان شخص كويس و حياته أدمرت بعد جوازك وكل الحاجات دي، إحنا عايزين الحاجة إللي منعرفهاش.
تنهدت ثم أومأت مستعدة:
- فوزية هي إللي عرفتني كل الكلام إللي هقوله ده، بس مش من سنتين لما تعبت، من اتناشر سنة لما جات قبل كده تزورني.
منذ أثني عشر عام.
كانت عبير تجلس في شقتها بالمعادي مع صِغارها التي أقسمت أنها ستقوم بتربيتهم بعيدًا عن والدهم الذي يختفي كل فترة.
كانت تدرس لأبنها وتلعب مع ابنتها، قاطعهم فيما يفعلون طرق الباب. تمنت أن يكون الطارق زوجها لأنه مختفي وتريد الاطمئنان عليه، مع إنه تغير عن ما كان عليه، لكنه سيظل أدهم القماش حبيبها، لكنها تفاجأت بالطارق.
- فوزية، خير في حاجة؟
- لأ يا حبيبتي أنا جايه بس اطمن عليكي.
أومأت لها وأشارت بالدخول.
بعد أن رحبت بها وأكرمت ضيافتها، قالت لها بصوتً منخفض:
- دخلي العيال جوه عشان عايزة أقولك حاجة.
هزّت رأسها بتوتر لها ثم قالت لأبنها:
- رحيم لو عايز تروح عند أنس وخالتك خد أختك و روح عشان عايزة أقعد أنا وطنط لوحدنا شوية.
بعد أن رحل أبناءها أشارت لها أن تتحدث فقالت:
- أنا هحكيلك كل حاجة حصلت وأنا اعرفها من ساعة موت أبومي وكنت مخبيها عنك، سامحيني، هحكيلك عن سبب المشاكل كلها و رتبي الأحداث معايا لما خالد عرف إنك هتتجوزي من أدهم، أستغرب وبقى حالة متبدل بعدها و هادي جدا، والبيت لما اتحرق متسرقش منه حاجة غير حاجات تخص خالد، وفي نفس الوقت إنت فرحك كان مفاجئ لما محدش كان موجود في البيت، كل ده مظهر رتبه.
تنهدت ثم أكملت:
- مظهر هو السبب.
ردت عبير:
- أنا عارفة إن مظهر كان سبب خسارة أدهم فلوسه لما نصب عليه، و إنه كان عارف كمان إن خالد بيحبني و أصر يجوزني أدهم، بس إنت شقلبتيلي دماغي.
- أنا حكي من الأول، مظهر صاحب خالد وصاحب أدهم، ومظهر طول عمره حيوان زي ما شوفتي عمل إيه في جوزك ونصب عليه، مظهر صاحب خالد و خالد بيوثق فيه لما خالد عرف أن إنت هتتجوزي من أدهم راح لمظهر، وقالوا إزاي ده يحصل ومظهر عمل نفسه مش عارف حاجة مع إنه هو إللي مجوز أدهم ليكي.
قطعت حديث نفسها عندما ارتشفت رشفة من العصير ثم أكملت:
- مظهر جوّزك لأدهم عشان يدمر خالد، عشان عارف إن خالد روحه فيكي، هو إللي قال لخالد أنه يحرق البيت ويسرق كل حاجة تخصه عشان يكون على استعداد لأي وقت يهرب بيكي، عشان كده خالد كان هادي ومش فارق معاه بيته ولا الورق إللي اتسرق، بس طبعا مظهر الغدار كان بياكل بعقله حلاوة، وجاب أدهم بعد نص المدة المحددة للجواز، وكتبتوا الكتاب بهدوء ومشيتي مع جوزك.
قالت عبير ببكاء وهي تحاول الاستيعاب:
- يعني مظهر كان سبب كل حاجة من البداية مش بس سبب خسارة أدهم فلوسه.
أومأت لها بحزن ثم أردفت:
- بعد ما مشيتي مع أدهم في العربيه انتو الاتنين، مظهر مركبش في نفس الوقت العربيه عشان يرجع معاكو، هو ركب العربية وراح لخالد عشان يقوله أن أدهم مكنش قايله أن كتب الكتاب اتقدم و النهاردة كتب الكتاب وأنه معرفش يوصله طبعا و يعرفوه، طبعا خالد بهدل الدنيا مع أبوكي الله يرحمه و كسر كل حاجة قدامه وتعب نفسيًا أوي، خصوصًا بعد ما السجن بتهمة السرقة من بيت ابوكي، وطلع من السجن، وقرر إنه لازم ينتقم من أدهم إللي سرق حبيبته منه، وراح لمظهر وقاله أنا عايز أنتقم منه، طبعا مظهر وافق، وعمل خطة متخرش الماية.
ارتشفت رشفة أخرى من العصير ثم أضافت:
الخطة هي إن يحطوه أدوية فاسدة لجوزك في شركته إللي هي أغلى حاجة عنده، بما إن مظهر كان بيشتغل مع جوزك في الشركة، عرف إنه يحط الأدوية ببساطة، وخالد اتفق مع صيدلي إللي بياخد منهم الأدوية إنه يبلغ إن الادوية صلاحيتها منتهية و بايظة، وده كان أول بلاغ، بعد ما الأدوية اتفرقت و اتباعت، بعدها كل الناس بدأت تلاحظ أن الأدوية فعلا فاسدة، واتقفلت شركة أدهم، بالإضافة إن أبوكي خسره نص أملاكه لما قاله عشان أخرجك لازم تكتبلي نص أملاكك.
زفرت بقوة ثم قالت بأسف:
- طبعا إنت مش محتاجة تعرفي إن كمان هو إللي عمل الحادثة لأدهم عشان مينفذش شغله إللي كان مسافر له أسكندرية.
أغمضت عبير عينيها بألم ثم فتحتها و حررت الدموع التي كانت تجاهد أن تخفيها ثم قالت بصوتٍ واهن:
- إنت عرفتي الكلام ده منين، و ليه معرفتنيش ولا عرفتي حد بالكلام ده كله.
قالت لها موضحة وهي تربت على فخذها بحنان:
- عرفت من أبوكي قبل ما يموت، أنا مش عارفة هو عرف إزاي، بس أنا أصلا من الأول كنت بلاحظ حاجات غريبة، المهم دلوقتي إن مظهر ظهر أصلا على حقيقته، وحاولي تصلحي اللي اتكسر مع جوزك و تديله فرصة تانية، وتعيشي حياتك مع ولادك، إنت لسه صغيرة يا بنتي، إنت لسه في بداية التلاتين والعمر قدامك طويل.
قالت عبير:
- أبويا مات من سبع سنين إنت جاية بعد سبع سنين تقولي الكلام ده.
كررت عتذرت لها ثم رحلت من الشقة ولم يتقابلوا إلا بعد عشرة أعوام عندما كانت مريضة و قررت أن تمكث الفترة المتبقية لها من حياتها بجانب بناتها التي تلقوا التربية على يديها منذ الصغر، نظرًا لقرب المستشفى التي تتعالج بها من مرض السرطان.
- بس كده هو ده إللي حكيته ليا وإللي اعرفه، بس عمرها ما قالتلي إن مظهر قتل أبويا.
قال رحيم قاطبًا حاجبيه باستغراب:
- هي عرفت كل الحاجات دي من جدي إزاي، طب إزاي جدي عرف كل ده ومبعدتش مظهر عنكم.
ردت عليه وفاء بجمود:
- جدك مكنش بيعمل خير يا حبيبي، واكبر دليل على كدة أن هو لما أبوك اتحبس و بنته استنجدت بيه راح شاركه في نص املاكه عشان يخرجه، بس يا رحيم متقلبش المواجع.
قال أنس موجههًا كلامه إلى أبن خالته بسخرية:
- قلتلي أنا لازم أعرف حصل إيه زمان يخليني أمسك دليل ضد مظهر، اتفضل عرفنا فين الدليل، ومظهر قتل جدك ليه، شوف هناخد حقنا إزاي.
فتح رحيم عينيه بذهول و نهض منتفضًا ثم وضع سبابته و إبهامة على ذقنه وقال بدهشة:
- يبقى مظهر قتل جدي عشان عرف كل حاجة هو عاملها.
رد عليه ساخرًا مرة أخرى وهو يقف بجانبه ويربت على كتفه:
- جبت التايهة.
قال رحيم معترضًا على طريقته وهو ينزل يديه من على كتفه:
- أنس مش وقت استظراف، إحنا مكناش عارفين الدافع بتاع مظهر إنه يقتل جدي، دلوقتي عرفناه، فاضل إننا نمسك دليل على مظهر، وبحاول اعرف اجيبه منين، وأنا بفكر لفت انتباهي إن أكيد مظهر هو إللي بلغ الشرطة عن قتل جدي عشان أدهم يشيل القضية.
قبل أن يتكلم أحد طُرق الباب فذهب أنس لكي يفتح الباب، وكان الطارق هي نور.
قال أنس وهو ينظر لها بإندهاش:
- إنت جيتي إزاي، جيتي ليه أصلا؟
قالت بخجل من موقفها بعد ما حمحمت بهدوء:
- أنا محتاجة أستاذ رحيم.
قال رحيم وهو يقترب أكثر من الباب لكي تتضح رؤية الضيف:
- مين يا إنس.
عندما علم بهويتة الضيف، لم يقدر على النطق بكلمة واحدة، فقط نظر بدهشة و قلق.
قالت هي مقاطعة لحظات الصمت:
- أنا عرفت بيتك من المستشفى.
أستوعب أخيرًا الأمر فقال لها بابتسامة واسعة برزت أسنانه البيضاء:
- اتفضلي نورتي البيت يا آنسة نور.
دخلت على إستحياء و القت التحية عليهم وظلت واقفة حتى قالوا لها بأن تجلس، جلست ثم قالت بصوتٍ رقيق هادئ:
- أنا بس كنت جاية أعتذر وكمان جاية أقول أن العربية تصليحها عليا، ولو حابين كمان تاخدوا فلوس العلاج انا معنديش مانع.
قال رحيم بهدوء معترضًا على ما قالته:
- إنت بتقولي إيه استحالة نعمل كده، و ندفعك كل حاجة كده، بعدين زي ما الغلط كان منك كان مني، فحصل خير بقى مش محتاجة.
ثم أضاف بضحكة واسعة:
- أنا مبسوط إنك جيتي لغاية هنا، تحبي تشربي إيه؟
- لأ أنا أسفة مش هشرب حاجة لأني مضطرة أنزل ضروري، بس بجد أنا جاية هنا عشان الفلوس.
- لأ يا ست تُشكري حصل خير.
وقفت و اعطت ابتسامة هادئه للجميع ثم أستأذنت أن ترحل.
اول من تكلم بعد ما نزلت نور كانت أمه وهي ترفع حاجبها:
- من أمتى و حضرتك بتتعامل مع بنات و بتتكلم معاهم كده.
رمقها باستغراب ثم قال:
- اتكلمت إزاي واحدة جاية تعتذرلنا، فحصل خير يعني لازم أكون لطيف معاها بس كده.
طرق الباب مرة أخرى ففتحت هذه المرة جميلة بعد ما أخفت الخصلات المتدلية من شعرها.
- أهلا وسهلا أستاذ نادر، اتفضل.
دخل نادر مذهولًا ثم قال بغير تصديق:
- هي إللي تحت دي موجودة ليه؟
- مين إللي تحت.
- البت إللي عملت الحادثة معانا، بتعمل إيه تحت.
قال أنس بسخرية وهو يضع رجل فوق الأخرى:
- جات تشوف أستاذ رحيم.
جحظت عينا نادر وقال بضحكة واسعة:
- جات تشوفك، معجبة ولا إيه، مين دي إللي إنت عارفها و عارف أسمها يا رحيم.
ثم أضاف وهو يضحك بخبث:
- بتحبها، رحيم بيحب يا اخواتي.
قالت عبير بجدية وهي ترمق أبنها بجمود:
- إنت تعرفها منين يا رحيم.
رد عليها بغضب وهو ينهض من مكانة متجها إلى الشرفة:
- وصلتها قبل كده في مكان، أنا أوبر يا أمي.
صاحت وفاء في أختها معاتبة لها بحدة:
- إنت ليه بقيتي عصبية كده و مش سايبه العيال في حالهم ليه، إيه يعني أتكلم مع البت، ده بيشكرها أنها جات لغاية هنا، هو قال لها كلام حب.
عندما دخل رحيم الشرفة وجدها واقفة أمام المنزل بارتباك و تنظر من الوقت للآخر في ساعة هاتفها، فقرر أنه سوف ينزل إليها ليعرف ما مشكلتها و لماذا ما زالت واقفة.
خرج من الشرفة ووقف أمام أمه وهو يضع يديه السليمه على مؤخرة رأسه ثم قال:
- أمي أنا هنزل أشوفها واقفة تحت البيت ليه.
ردت سريعًا بجمود:
- و إنت مالك هي واقفة على راسك.
زفر بضيق ثم قال وهو يجلس بجانبها:
- إنت متعصبة ليه طيب، ليه بتكلميني كده من امبارح أنا عملت إيه، بعدين إنت لازم تفرحي و توافقي إني أنزل دي حركة جدعنة مني يعني البنت إللي جات لغاية هنا عشان تعتذر.
- خلي جدعنتك لنفسك يا رحيم.
- إنت مش عايزاني أنزل لها ليه؟
قال نادر يحل الخلاف بينهما:
- خلاص أنا هنزل يا رحيم أشوفها.
صاحت في نادر بحدة:
- لأ محدش هينزل.
قالت وفاء ضاربة برأي أختها عرض الحائط:
- إنزل يا رحيم، شوف البت حرام يمكن تكون عايزة حاجة، شكلها مش من هنا.
غمز لها بعبثية ثم قبّل جبينها بحب وقال:
- ربنا يباركلي في عمرك يا خالتو.
نزل رحيم لها وقال بعد ما حمحم بهدوء حتى لا تفزع لكنها فزعت:
- أنا أسف لو اتخضيتي، بس إنت مستنية هنا إيه.
قالت بارتباك وهو تنظر إلى ساعة هاتفها:
- مستنية أوبر.
- ليه ما متصلتيش بوالدك يبعتلك عربيته، أو جيتي بعربية من البيت.
- عادي.
رد عليها بابتسامة هادئة:
- تحبي أوصلك أنا، أنا أوبر بردو.
- لأ لأ شكرا، مش عايزة اتعبك.
- ولا تعب ولا حاجة، بس إيه رأيك تلغي الأوبر، عشان أنا هوصلك خلاص، هطلع أجيب مفتاح العربية و أغير بس هدومي، وخلال خمس دقايق هكون عندك.
ثم رحل من أمامها، ليجهز بسرعة.
طرق الباب و لحسن حظه كان نادر فسحبه للخارج وقفل الباب ثم قال:
- أنا عايز مفتاح عربيتك أوصل نور.
ابتسم بخبث ثم قال رافعًا حاجبه الأيسر:
- إيه حكاية نور بقى.
زفر بضيق ثم قال بغيظ:
- إيه حكايتها بعمل معاه حركة جدعنة مش أكتر عربيتها زي ما إنت عارف في الصيانة و طلبت أوبر فقلت بدل ما توقف أوصلها أنا.
ثم أضاف برجاء:
- بس طبعا أمي هتعمل فيلم جوه، فإنت هتقول جوه إيه رأيك يا رحيم ننزل سوا شويه نغير جو.
- نغير جو في إللي إحنا فيه ده يا رحيم ده إنت لسه عارف إن جدك مقتول أمبارح، وبعدين إيه ننزل سوا دي إنت خطيبتي.
أمسكه رحيم من تلابيبه وقال وهو يضغط على أسنانه بضيق:
- نفسي تشغل عقلك شوية، هنزل معاك أنا ليه يا بني آدم إنت هتقول كده عشان محدش يعرف أنا رايح فين، و جدي أصلا ميت بقاله تسعتاشر سنة وأنا أصلا مكنتش بحبه.
قال نادر وهو يرقص حاجبيه:
- عايزني أكذب على طنط عبير.
تركه رحيم وهندم له ملابسه وابتسم بسماجة قائلا:
- لو سمحت يعني.
نظر له باستحقار ثم قال بغرور:
- عد الجمايل بس.
ثم طرق الباب و فتحت لهم على الفور جميلة دحرجت عينيها بينهما ثم قالت بغرور وهي تُعطي نادر مفاتيح سيارته وجواله ومحفظته و كذلك لأخيه باستثناء مفاتيح السيارة:
- مش محتاجين تمثله، لو حد سأل هقول إنهم نزلوا يتمشوا شوية.
لثم رحيم جبينها بمرح ثم قال بضحكة واسعة:
- أحلى أخت خلقها ربنا، تُشكري يا تحفة.
رواية ماضي لا يغتفر الفصل العاشر 10 - بقلم ريتاج ابو زيد
غمزت له بطرف عينيها ثم قالت كأنها تأمره:
- عايزة أيس كريم وشوكولاتة، ادخل البس بسرعة يلا أنس مش في الأوضة.
هز رأسه كأنه ولد مطيع يتلقى أوامر من والده، ثم دخل وهو يلتفت حوله كي لا يراه أحد.
بعد خمس دقائق خرج لهم بزي رياضي بسيط حيث ارتدى "سويت شيرت" باللون الرمادي وبنطلون باللون الأسود.
نزل هو ونادر لها فقال الثاني بسخرية:
- والله كنت استنيتي الأوبر يا بنتي كان زمانك وصلتي بيتك، بس رحيم غير أي حد.
لكمه بخفة في كوعه لكي يتوقف عن حديثه الساذج، ثم حمحم وقال:
- يلا يا حلو من هنا هنرش مايه.
ثم أشار لها أن تتحرك معه للسيارة، فتح لها الباب وركبت هي بخجل ثم قالت:
- أستاذ رحيم أنا تعبتك معايا أوي.
قال بنبرة مرحة وهو يستعد للقيادة:
- بلاش أستاذ دي خالص، أنا رحيم بس.
ردت بهدوء وهي تلتفت تنظر إليه حيث أنها جالسة على الكرسي الذي بجانب كرسي القيادة:
- بجد أشكرك على كل حاجة، واستأذنك تاخد أجرة المشوار.
ضحك رحيم بهستيرية فقالت وهي تضحك بلا وعي:
- انت مالك فيك حاجة، بتضحك كده ليه؟
قال لها وقد أدمعت عيناه من فرط الضحك:
- أصل انت غريبة عايزة دلوقتي تديني الأجرة.
قالت وهي تنظر إليه بعدم فهم:
- أنا مش فاهمة حاجة.
- انت مش فاكراني صح.
هزت رأسها بالنفي، فكتم هو ضحكته وقال بهدوء مراعيًا لحساسية الموقف الذي سيحكيه:
- انت يا ست طلبتي أوبر عشان يوصلك المستشفى لمامتك، واللي هو أنا، وساعتها انت من القلق والتوتر على والدتك الله يرحمها نزلتي من غير ما تدفعي الأجرة.
أدمعت عيناها على سيرة والدتها وصمتت برهة ثم نظرت إليه بعمق وشهقت، فأوقف السيارة بسرعة ونظر إليها بفزع فقالت هي بصدمة:
- انت اللي خدتني عربيتك ساعة لما وقعت.
نظر لها بضيق ثم قال بسخرية:
- هو انت لسه بتستوعبي، وبعدين كل ده شهقة.
قالت بضيق وهي تضم يديها إلى صدرها:
- انت بتستظرف.
رد بهدوء:
- يا ست لأ بس اتخضيت لما عملتي كده.
- على العموم شكراً.
- العفو.
أطبق الصمت على السيارة لخمس دقائق، قطعه هو عندما قال:
- طب الطريق من المعادي للزمالك أكتر من نص ساعة، هنفضل ساكتين.
ردت عليه وهي تفك يدها التي كانت ضامها وتلتفت له:
- اتكلم، عايز تتعرف؟
رد عليها دون النظر إليها وهو معطي تركيزه للطريق:
- مش بالظبط بس يعني بما إننا اتقابلنا كذا مرة وبدل ما نفضل ساكتين نتكلم.
ردت هي بمرح:
- هعرفك بنفسي أنا نور ضياء سراج، بابي صاحب شركة للفاشون والأزياء، ومامي كانت صاحبة أتيليه، وأنا في آخر سنة كلية السن إيطالي، وبابي بيخليني أشتغل معاه في الشركة، بس دلوقتي همسك أتيليه مامي وبجد نفسي أشتغل في حاجات كتير أوي، ومعنديش أخوات، ها وانت.
رد بسخرية على اسمها:
- اسمك نور ضياء سراج إيه الاسم ده؟
- ماله الاسم؟
- كله نور وإضاءة.
أومال لو عرفت إن مامي اسمها شمس.
سخر من اسمها ثم قال بالمرح نفسه التي تكلمت به:
- اتشرفت يا آنسة نور، أنا رحيم أدهم القماش متخرج من تجارة إنجلش، عندي أخت واحدة أصغر مني بسبع سنين، بشتغل أوبر.
عقدت حاجبيها ثم قالت:
- تجارة إنجلش وشغال أوبر؟
قال موضحًا لها بهدوء لكنه أحس بخفقان قلبه:
- الموضوع كبير شوية، بس كل الحكاية إن ربنا موفقنيش في شغل بشهادتي.
أحست أن هناك شيء ما يُخفيه لكنها آثرت الصمت وعدم التدخل في ما لا يعنيها، فقالت مستفسرة أكثر عن حياته السطحية دون التدخل في تفاصيل خاصة، لكنها أخطأت الهدف حيث إنها سألت سؤال بالنسبة له من أشد الأسئلة:
- وباباك شغال إيه؟
قال بصوت مكتوم:
- كان عنده شركة أدوية.
قالت هي باستغراب:
- حرفياً أنا مش فاهمة حاجة، يعني إيه كان عنده.
- كان صاحب شركة أدوية بس اتقفلت.
- هتضايق لو سألت ليه؟
رد بهدوء:
- مش بحب أتكلم مع حد معرفوش عن حياتي الخاصة.
أحست باحراج فقررت الصمت حتى نهاية الطريق، وقُطع الصمت مرة أخرى عندما رنّ هاتفها فردت هي قائلة:
- أيوه يا مونيكا أنا في الطريق خلاص.
سألتها مونيكا سؤال كانت إجابته:
- طيب خلاص استنيني في الكنيسة، وأنا هجيب حاجات من البيت وأجي.
ظهرت على ملامحه علامات الدهشة، حيث جحظت عيناه وفرغ فاه ويعقد حاجبيه، ثم نظر إليها بعد أن أنهت المكالمة وقال:
- ممكن سؤال؟
- اتفضل.
- انت مسيحية؟
قالت بضيق من سؤاله:
- هتفرق معاك في حاجة.
قال موضحًا بهدوء:
- لأ هتفرق إيه، مسيحية أو مسلمة مش هتفرق كلنا أخوات، وأنا أصلاً بيضايقني موضوع التفرقة بين الأديان لأن كل واحد حر يختار ديانته، وكل واحد هيتحاسب لوحده محدش مسؤول عن حد، عشان كده من الأحسن كل واحد يركز في حياته.
ابتسمت من حكمته في الكلام ثم قالت بهدوء:
- أنا مسلمة، بس صحابي مسيحيين والناس بتفتكرني مسيحية زيهم.
رد عليها بعدما نظر إليها:
- يمكن عشان مش لابسة حجاب.
قالت بضيق مرة أخرى:
- والله حسيتك راجل عاقل من شوية، ليه كده؟
- يا آنسة نور، الموضوع بجد مهم إحنا كمسلمين لازم نتبع تعاليم ديننا، بصي مفيش حاجة اسمها أنا مش مقتنعة، في حاجة اسمها أنا غبية براس كبش، مفيش حاجة اسمها الحجاب بيخنقني والجو حر، في حاجة اسمها أنا معنديش دم وبستهبل، مفيش حاجة أسمها شكلي وحش بالحجاب، الحجاب أصلاً انت بتلبسيه عشان تخفي جمالك.
نظرت له بغضب ثم صاحت بحدة:
- طب ما انتو كرجالة مأمورين بغض البصر بتبصوا على البنات ليه.
قال بغضب هو الآخر:
- مين قالك إن أنا مش بغض بصري، أنا عمري ما تعاملت مع بنات أصلاً غير أختي وجارتي اللي متربية معايا وكمان لما كبرنا مفيش بينا لمس ولا حتى بتقعد قدامي بشعرها، وأنا مقولتش حاجة عليكي أنا بقول في العموم، وزي ما قلت كل واحد هيتحاسب لوحده، وأنا قلت الكلام ده لأنك زعلتي أن الناس بتفتكرك مسيحية.
زفرت بضيق ثم قالت:
- خلاص، حصل خير، انت كلامك أصلاً صح بس بجد شكلي مش حلو بالحجاب.
ضحك هو ثم قال لنفسه بصوت مسموع:
- استيعابها بطيء أوي أو هي ربنا خلقها براس كبش بجد.
قالت بضجر:
- سمعتك على فكرة.
- خلاص أنا آسف، تعالي نكمل بهدوء، إحنا خلاص أصلاً كلها خمس دقايق ونوصل، قوليلي مثلا بتحبي إيه.
- يعني إيه بحب إيه.
- هواية، شخص، أكل كده يعني.
قالت وقد رجع مرحها مرة أخرى:
- بحب الموسيقى والعزف والغنا والرقص والتيك توك و..
بتر حديثها عندما قال بدهشة:
- غنا ورقص.
قالت بغيظ منه مرة أخرى:
- مش معنى إني بحب الغنا والرقص إني شغالة في كباريه، بعدين انت ماشي تعترض على كل حاجة ليه كده يا عم؟
قال هو يضحك:
- والله مش بعترض أنا بستغرب بس، ويا ست مقولتش عليكي حاجة، كملي كلام مش هقاطعك.
- قول انت علاقتك إزاي مع اللي حواليك عندك صحاب؟
- عندي أغلى واحد في حياتي وهو صاحبي نادر، وابن خالتي اللي دايماً بعتبره أخويا وأبويا، وأحلى تلاتة في حياتي أمي واختي جميلة الصغيرة وخالتي.
- احكيلي عن اختك بجد كان نفسي يكون عندي أخ.
- أختي أغلى حاجة في حياتي بجد، بحبها أوي، وزعلان على الحال اللي وصلتله، جميلة إنسانة قوية وشجاعة، ونفسي تفضل كده طول العمر، وتخف وترجع زي الأول.
- هي عندها إيه؟
- عندها متلازمة جوسكا، مرض نفسي بيجي بسبب الضغوطات النفسية والمشاكل الحياتية بشكل عام، هو مرض عبارة عن فرط تفكير، والتحدث مع الذات بشكل سلبي، وممكن لو في مرحلة متأخرة يؤدي إلى الفصام والانتحار.
ردت بأسف:
- ربنا يشفيها يا رب، خليك دايمًا معها.
- حاضر يا آنسة نور.
- بلاش آنسة بقى، ممكن تقولي سنيورة.
ضحك عليها ثم قال:
- بدل ما تقولي بلاش ألقاب، طيب حاضر يا سنيورة.
صمتت لبرهة ثم قالت بهدوء:
- رحيم هو انت ممكن تعلمني السواقة، عشان…
قبل أن تكمل كلامها رنّ هاتفه برقم نادر، فرد عليه بمرح، لكن تحول المرح إلى خوف وقلق.
قال بصوت مرتعش مختنق وقد بُرزت قطرات العرق على جبينه تناقض الجو البارد:
- أنا جاي يا نادر بالله عليك خلي بالك عليهم.
أنهى المكالمة ثم وقف السيارة جانبًا وقال:
- انزلي معلش مش فاضل كتير على بيتك، أنا لازم أمشي.
ردت بقلق لأجله:
- أنا ممكن أجي معاك، هو إيه اللي حصل حد من عيلتك حص…
قطع حديثها بصراخ حاد:
- انت مالك، انزلي بقى خليني أمشي.
نزلت هي وقد أدمعت عيناها، ورحل هو ليرى مصيبة اليوم.
وصل رحيم إلى بيت خالته، وكان هناك سيارتين تحت البيت، وواقف بجانب كل سيارة رجل، استطاع هو التعرف عليهم إنهم رجال أمن مظهر.
صعد رحيم السلالم بسرعة بدل ركوب المصعد لأنه به عطل وبطيء، حتى وصل إلى الشقة وكان بابها مفتوح على أخره والحرس الخاص له يقفون أمام أفراد عائلته وموجهين أفواه سلاحهم على رأسهم ومظهر يجلس ويضع رجل فوق الأخرى يدخن سيجارة.
دخل رحيم وعيناه دامعتان بقلق وخوف، قال له مظهر وهو ينفث دخان سيجارته بطريقة كلاسيكية:
- أهلاً وسهلاً برحيم ابن حبيبي أدهم القماش.
قال رحيم بصوتٍ واهن:
- انت عايز إيه.
نهض ثم هندم ملابسه بالطريقة الكلاسيكية نفسها وقال:
- عايز أقولك إن مش مظهر اللي يتهدد، الموضوع وسع منك يا رحيم كل مرة بتيجي تزعق وتمشي بس آخر مرتين بتمد إيدك وكده عيب، أحب أقولك إن ده تهديد، وبالمناسبة مش هتعرف تمسك عليا حاجة لأن مفيش دليل أصلاً يثبت أني قتلته.
نفث دخان سيجارته في وجهه ثم قال بضحكة خبيثة:
- حضر محامي لأدهم القماش وخالد الحداد عشان واحد هياخد إعدام والتاني هيموت في السجن.
ثم نظر لـ عبير وقال بسخرية:
- كل اللي حصل ده عشانك، عشان واحدة ست، والله كل ما أفتكر الموضوع يضحكني.
قال رحيم بجمود:
- مظهر انت مش هتعرف تعمل حاجة، الحق دايمًا بيفوز، الغدار اللي زيك نهايته معروفة، واحد قاتل ونصاب وخاين وحرامي مصيره معروف.
اقترب مظهر منه بثبات ثم قال باستياء:
- مين بيتكلم رحيم ابن عبير؟، يا بني العب بعيد عن الكبار.
اقترب منه رحيم أكثر حتى اختلطت أنفاس هذا النجس مع أنفاسه وقال بثقة وثبات:
- مش لعب يا مظهر حرب، جهز ليك محامي وحضر نفسك انت كويس، وأيوة أنا رحيم أدهم القماش ابن عبير الحداد.
ضحك مظهر بسخرية ثم أشار لرجاله أن يتحركوا وكاد أن يخرج لكن جميلة استوقفته عندما قالت بسخرية:
- بما إن مواضيع كتير أوي ظهرت، أحب أقولك إنك خايب يا مظهر، وحاجة كمان اللي طول عمرك بتدور عليه أنا عارفة مكانه فين، عارفة مين صاحب التهديد كمان، لكن على مين بما إنك بتحب اللعب فجميلة أدهم القماش حريفة.
ثم انهت حديثها بغمزة من طرف عينيها ووقفت بجانب أخيها، وكانوا واقفين بثبات وثقة يحسدوا عليها، على الرغم من أن رأسها لم يكتفي عن الضجيج، وهناك شيء يرعبها من الداخل لكنها قررت التغلب عليه، حتى أن مظهر خاف من ثقتهم وثباتهم، وبرز العرق من جبينه عند سماع كلام جميلة.
وكاد أن يتكلم لكن رحيم استوقفه حين قال:
- خلاص يا مظهر خلصت، اعمل اللي عايزه، بس استعد لنهايتك، خد رجالتك واطلع بره.
قالت جميلة بسخرية مرة أخرى:
- بس انت كل دي رجالة عشان تطلع تهددنا، على أساس إننا لما تجيب كل الناس دي وتدخن السيجارة وتلبس بدلة هنقول إيه الراجل الكاريزما الجامد اللي بيخوف ده وهنترعب، امشي يا خايب يا أوڤر.
رحل مظهر لكنه لم يخرج من باله كلام جميلة كيف تعرف ماذا يريد، ومن يطارده.
وهل هي تعرف حقيقي أم إنها تستغل الموقف وتقول كلام عبثي هي لا تعرف عنه شيء؟
قال رحيم لأخته مستفسرًا بعد رحيل مظهر:
- يعني إيه اللي قلتيه لمظهر ده أنا مفهمتش حاجة.
نظرت لأمها وخالتها وقد أدمعت عيناها، ثم نظرت إلى رحيم ارتمت في أحضانه ولم تستطيع كتم دموعها أكثر فبكت بانهيار.
بكت بحرقة وهي تتشبث بملابسه بقوة، انهارت بعدما كانت واقفة كالجبل الشامخ.
الجميع لم يفهموا شيء ذهبت لها خالتها وأخرجتها من حضن رحيم إليها وهي تقول تطمئنها بأن مظهر لن يفعل لهم شيئًا وكلام من هذا القبيل ظنًا منها إنها خائفة، واقترب أنس منها وأخذ يقول لها إن جميع الظروف ستتحسن، وإنها قوية، وذهب ليجلب لها الأدوية، لكن رحيم كان متيقن بأن الموضوع أكبر من خوف أو تعب من أحداث المتتالية.
خرجت جميلة من حضن خالتها ثم قالت:
- أنا مش هاخد علاج يا أنس، أنا محتاجة ارتاح، عايزة أفضل لوحدي شوية.
ردت أمها بقلق:
- لأ يا جميلة بلاش تقعدي لوحدك، خليكي معايا.
لم تستمع لكلام أمها ورحلت إلى غرفتها المخصصة لها في بيت خالتها.
جلست قرفصاء على الأرض وهي تمسك رأسها تحاول أن توقف الضجيج الذي برأسها، الأفكار والذكريات والأحداث، لكنها فشلت في ذلك، حبت على الأرض ثم فتحت درج الكومود الذي بجانب السرير واقتلعته من مكانه حيث إنها خافية سرها خلف درج الكومود.
السر عبارة عن ورق، ورق متجمع في ما يُسمى "أجندة" لكنها أصغر قديمة وأوراقها بالية، لكن ما يوجد بداخلها له قيمة.
قفلت باب الغرفة بالمفتاح ثم جلست على السرير وفي يدها الأجندة وهو تتذكر كيف وقعت بيديها.
قبل سنتين.
مرضت المربية ومدبرة المنزل التي تُدعى فوزية، وجاءت من قنا إلى المعادي بالقاهرة حتى تتلقى العلاج، فقررت أن تمكث في بيت وفاء أو عبير، فقررت في النهاية المكوث في بيت عبير.
وفي يوم كان البيت خالي من سكانه ماعدا فوزية وجميلة، أحست الأولى بتعب شديد وأن نهايتها قد حانت فقررت أن تُفشي بالسر لأي شخص بالبيت الآن، وكان لا يوجد سوى جميلة.
نادت عليها بصوت واهن أن تأتي، وبالفعل لبت ندائها وجاءت على الفور لها، فقالت لها أن تُعطيها الأجندة من حقيبتها وتنصت لها في كل كلمة ستقولها:
- بصي يا جميلة، أنا يا بنتي عارفة كل حاجة من أولها لآخرها، كل الحقايق معايا، وأنا حكيت لأمك قبل كده حاجات كتير بس معرفتهاش على الحاجات الأهم يا حبيبتي.
تنهدت بتعب ثم قالت:
- الأجندة دي أنا كتبت فيها كل حاجة اديها لأمك وخالتك وفاء عشان يعرفوا الحقيقة، يعرفوا أن سبب كل حاجة مش مظهر لوحده، سبب كل حاجة أبوهم، وأكتر ناس كانوا ضحية هما أدهم وخالد، عرفيها أن حب خالد ليها كان حب حقيقي أنا شاهدة عليه، وأن أدهم أكتر شخص حنين وبيخاف عليها، وقوليلها أن أدهم كان قد المسؤلية.
أخذت جميلة تبكي ولم تستوعب ما تقوله، قالت بصوت مرتعش وهي تمسك يدها بقلق على صحتها:
- أنا مش فاهمة حاجة، بس أهدي عشان انت تعبانة أنا هتصل بماما وكلهم.
قالت وصدرها يعلو ويهبط من التعب وشحب وجهها كأنها من ضمن الموتى:
- لأ يا جميلة عقبال ما أمك تيجي هكون روحت لمكان تاني، اسمعيني بسرعة، مظهر كان متفق مع جدك على كل حاجة من الأول، جدك طماع، كان عنده كل حاجة بس كان طماع، اتفق مع مظهر إنهم يجوزوا عبير لأدهم عشان ياخدوا منه فلوسه، وخالد يتجنن عليها ويسجنه ويتنازل عن ورثه، بس في الآخر جدك معرفش يتهنى بالفلوس لأن سلوى عرفت كل حاجة و…
رنّ جرس الباب فنهضت جميلة بأقصى سرعة حتى تفتح للطارق الذي كان رحيم، سحبته وهي تبكي إلى غرفة فوزية التي شحب لونها وازرقّت شفاها وتجاهد كي تستنشق الهواء من حولها للتنفس.
أخذت تقول دون توقف:
- أنا عرفت يا جميلة الكلام ده من جدك، جدك حكالي كل حاجة أنا وجدك كان فيه بينا علاقة، والحمد لله إني بعرف أكتب وسجلت كل كلمة، لغاية ما…
شهقت بعنف وأخذت تبصق وتتقيأ دماء، لكنها عافرت حتى تُكمل:
- جدك اتقتل يا جميلة، مظهر وقعه واتخبط في دماغه جامد، مظهر السبب، وبعدين…
أخذت تتقيأ أكثر وتسعل فركض رحيم ينادي أي شخص ليساعدهم، واتصل بالدكتور، واتصل بـ نادر وقبل أن يقول شيء له صرخت جميلة بقوة تنادي على رحيم فعرف أن وقتها في هذه الدنيا قد انتهى، جثى على ركبتيه واضع يديه على مؤخرة رأسه ثم صرخ هو الآخر من أعماق قلبه، كأنه استغل الفرصة في إخراج كل مشاعر الكتمان.
في اليوم التالي على وفاتها، ذهبت جميلة لأخيها حتى يقرروا ماذا سيقولون لأمها قال رحيم بصوت متعب:
- أنا مش هقول حاجة لماما ولا انت بلاش نتكلم أحسن، هنستفاد إيه لما نقول لها مظهر السبب كده كده هي عارفة، وأنا خايف عليها لما تعرف إن أبوها اتقتل ممكن يحصل حاجة، ومفيش دليل ضد مظهر، والموضوع بقاله سنين يا جميلة وإحنا ما صدقنا نرتاح شوية من المشاكل.
فهمت جميلة أنه لن يعرف ما عرفته هي ولم يعرف بالأجندة، ولا يعرف أيضًا بأن جده هو السبب في كل شيء كما قالت لها فوزية فقررت الصمت ولا تحمله فوق طاقته، واتفقا على إنهم لم يخبروا أحدًا بما حدث، وجميلة أيضًا قررت مع نفسها إنها ستخفي الأجندة والحقيقة بعيدًا عن الجميع، وهذا ما حدث بالفعل.
لكن في يوم وبعد مرور شهرين على وفاتها فكرت في إن تقرأ الأجندة التي أخبتها خلف درج الملابس الداخلية وأغراضها الخاصة، وتأخذها معها في كل مكان دون علم أحد.
فتحت أول صفحات الأجندة لتتفاجأ بأن المكتوب متناسق على شكل قصة، كأنها تسردها كرواية وبذلت فيها مجهود لكي تنال إعجاب جميع القراء.
لملمت أغراضها من حولها وقالت لأمها أنها ستنام وقفت عليها الباب من الداخل لكي لا يزعجها أحد، اعترضت أمها على قفل الباب من الداخل لكنها وافقت في الأخير.
جلست على السرير وفتحت أولى صفحاتها لتغرق في سطور تلك الرواية الحقيقة التي كانت سبب قوي في إصابتها بمتلازمة الحديث مع النفس، التي تروى من خادمة عشقها سيدها الخائن الطامع، وأبطالها هم أبوها وأمها وابن عم أمها وصديقهم، لتعرف المعنى الحقيقي لمثل الغدر من أقرب الناس إليك.