لم تكن تتخيل جوابه عليها ولم تفهم ماذا يحدث من حولها، فجاء الرد من والدها بابتسامة واسعة: -طبعًا إنتِ بتسألي نفسك أنا جيت ليه وجبت خطيبك، أحب أفرحك وأقولك إنهاردة كتب كتابك يا حبيبة أبوكي. ردت بذهول وهي تتمنى أن تكون داخل حلم أو ما سمعته كذب: -ليه؟ لسه فاضل شهر ونص. تكلم هذه المرة (أدهم) قائلًا بهدوء كالعادة: -اه، لسه فاضل شهر ونص، بس مفرقتش كتير، وأنا جاهز اهو. أضاف (نبيل) -يلا روحي البسي يا عروسة.
فقالت بتلعثم وقد خانتها العبرات وأخذت تتساقط وتنهمر كالشلالات على وجنتيها: -لأ يا أبويا عشان خاطري، أنا معرفش أصلا إن كتب كتابي النهاردة، يعني إزاي عروسة معرفش معاد كتب كتابي. رد عليها بنبرة غليظة وجامدة مثل صفاته: -بلاش قلة أدب يا بت، يلا روحي البسي بسرعة عشان المأذون على وصول. فقالت وهي تبكي وتتكلم بهستيرية كأنها فقدت عقلها: -بس إزاي أنا مكنتش اعرف، هو مش أنا العروسة ولا هو هيتجوز مين، طب هلبس إيه، وهعمل إيه.
فاقترب منها والدها وقال بغلظة: -أنا مش هكرر كلامي تاني روحي اجهزي. فقال (أدهم) بغضب من أسلوبه معها وهو يقترب منها: -ميصحش كده يا عمي، وإنت يا عبير يلا اطلعي أوضتك عشان تجهزي. فنظرت له بغضب بعينيها العسليتين الباكيتين ثم أهدرت بقهر ممزوج بالبكاء والنحيب لوالدها:
-يعني إيه كتب كتابي دلوقتي وأنا معرفش، أنا أصلا مش موافقة على الجوازة من الأول، يبقى متجيش تقول يلا عشان هتتجوزي، ده أنت جحودك فاق التوقعات والله، ممكن تفتكر إني بنتك؟ أتى الجواب منه على هيئة صفعة على وجهها ثم أهدر بانفعال: -إنت يا بت هتعارضيني كمان، طب والله هتتجوزي دلوقتي وإنتِ لابسة عباية البيت كمان، اتصل شوف المأذون اتأخر ليه. فقد (أدهم) أعصابه وتخلى عن هدوئه وقال بحزم وهو يقفل حائل بينه وبينها:
-عايز اتكلم معاها لوحدنا. رد مرحبًا ضاربًا برأي ابنته عرض الحائط: -طبعًا يا بني ما خلاص كلها دقايق وهتكون مراتك. ثم رحل من المنزل بأكمله وتركها وحدها معه. قبض (أدهم) على يديها بلطف، وأجلسها على الكرسي، ثم انحنى على ركبتيه أمامها، مقتربًا منها ثم قال: -أنا آسف إنك مش على علم بالكتب الكتاب، والله العظيم أنا مش هاذيكي، يمكن إنتِ متعرفنيش كويس بس أنا بجد إنسان كويس. فجاء منها رد حازم على حديثه وهي تسحب يدها من بين يديه:
-مفيش حد كويس بيقول على نفسه أنا كويس، ولو كنت كويس فعلًا كنت مشيت وسيبتني في حالي. -أنا مش عايز أمشي، بصي أمي بتدور على عروسة وواحد صاحبي عارفك وقالي عليكي وأمي أصرت إني أقابلك وأتعرف عليكي، وأنا كنت جاي أتقدم من بدري بس والدتك توفت، ودلوقتي أنا حاسس إني مرتاحة ليكي، ومش عايز أسيبك لوحدك مع أبوكي. فقالت بنبرة عنيفة: -بس أنا فيه حد في حياتي بحبه. رد وهو ينظر إليها بابتسامة ثقة: -ابن عمك؟؟
، بصي مفيش حاجة أدهم القماش ميعرفهاش، أنا عارف عنك كل حاجة. نهضت واقفة ثم أهدرت فيه بانفعال: -طب ما إنت عارف كل حاجة مصمم عليا ليه، إنت غريب أوي. فرد عليها بهدوء وقف أمامها مباشرةً: -عشان عايزك، عشان عايزك تكوني مراتي، وأنا عارف أن خالد مش كويس ليكي، وباباكي استحالة يوافق عليه. في تلك اللحظة دخل عليهم (نبيل) وهو معه المأذون والشهود. -حبيب أخوك ألف مبروك يا غالي، اتفضل فستان العروسة أهو. أبتسم إلى صديق عمره ثم قال:
-الله يبارك فيك يا مظهر، تُشكر والله، معلش بس محتاجين وقت عشان العروسة تجهز يا شيخنا. التفت إلى (عبير) التي وقفت بجانبه ثم قال لها بصوت هادئ حنون وهو يمد يده له بالفستان: -خلاص عشان خاطري مش عايزك تعيطي في يوم حلو زي ده، والله أنا مش هاذيكي، أنا بجد برحمك، عشان خاطري يلا، أنا جبتلك فستان جميل أوي إنتِ هتكوني محليه الفستان بجمالك يارب يعجبك.
رفعت رأسها لكي تشاهد صدق حديثه، وأحست بأمان في عينيه، وهي أول مرة تلاحظ تفاصيل وجهه، عينيه السوداء العميقة، ورموشه الطويلة التي ترفرف كالجناحين، وحاجبيه الكثيفين، وشعره الغزير، ودقنه التي تبرز ملامحه بقوة. أخذت من يديه الفستان ثم ذهبت إلى غرفتها، ومعها (فوزية) تنهد (أدهم) ثم قال موجهاً حديثه إلى صديقه بصوت منخفض: -أنا حاسس إننا كده بنعمل حاجة غلط، هي مش موافقة يا مظهر، حرام أظلم البنت معايا، أنا حاسس بالذنب بجد.
رد عليه: -يعني أفهم من كده إنك مش عايزها، أبوها كده كده مش هيجوزها خالد، بعدين خالد مش بتاع جواز ومسؤولية اسألني أنا، ده بجد هياخدها ويهرب. بعد مرور نصف ساعة نزلت (عبير) من غرفتها، كانت تجذب الأنظار نحوها غصب مع إنها لم تتزين كالفتيات في يوم زفافهن، تشبه الملائكة في فستانها الأبيض، كان فستان أبيض طويل يوجد على كتفيه نقوش رقيقة، ويميز فستانها الحزام الذي تختصره باللون الفضي، وارتدائها للحجاب هو ما زادها احتشامًا ورقة.
نظر إليها (أدهم) نظرة مطولة بإعجاب من جمالها ورقتها، أحس في تلك اللحظة أنه يريد أن يضمها إليه ويقبل رأسها، ويزيل العبوس من وجهها لتبتسم وتزيد جمالًا على جمالها. اقترب منها ثم قدم لها باقة الزهور التي كانت تشبهها في رقتها بلونها الأبيض، وقال: -والله أنا مش عارف أقدم الورد ليكي ولا أقدمك إنتِ للورد، إنتِ تحفة فنية والله ربنا يبارك فيكي ويحميكي من العين. ردت عليه بنبرة متحشرجة وهي تمد يدها لتأخذ باقة الزهور:
-شكرًا لذوقك. ابتسم لها ثم أشار على المقعد حتى تجلس بجانب والدها ليبدأ عقد القران الذي كان الشهود عليه (مظهر) ورجل من الرجال الذين يعملون مع (نبيل) بعد إتمام عقد القران أمسك (أدهم) يدها برفق ثم قبلها. سلمت على والدها واستعدت للرحيل للأبد بعيدًا عنه وشعرت بالفرحة تغمرها لأنها ستتركه أخيرًا. ثم تذكرت شيئًا مهم فقالت بلهفة: -أنا نسيت حاجاتي، مجبتش هدومي ولا حاجة. فرد عليها والدها بملامح جامدة:
-حاجات إيه إنتِ خلاص ملكيش حاجة هنا جوزك يبقى يجيبلك يا حبيبتي، يلا ألف مبروك. -أنا عايزة لبسي وحاجتي من فوق مش هينفع أمشي من غيرها. فرد عليها (أدهم) بعد ما نظر بغضب لذلك عديم الفائدة: -بصي أنا كنت متفق أنا ووالدك إني هاخدك إنتِ بس ومش عايز حاجة تانية، وإنتِ شوفي عايزة إيه وأنا مش هرفض أبدًا، أنا هجيبلك كل إللي نفسك فيه، حقك عليا. وها هو يخذلها للمرة التي فشلت في إحصائها، فلم تعقب على شيء. خرجت (عبير)
من تفكيرها في الماضي لحظة طرق الباب فانقطع حبل أفكارها فقالت للطارق وهي تأخذ منديلًا حتى تمحي عبراتها وترفع رأسها من على أختها: -مش عايزة حد يا جميلة دلوقتي، ادخلي نامي عشان الجامعة. دخل الطارق عليها بخطوات هادئة لأنه لم يكن يريد أن يترك أمه في هذه الحالة، فهو يعرف إنها تمر بوقت عصيب وتحتاج إليه. فنهضت (عبير) من مكانها وهي تمسح دموعها وتخفي حزنها ثم قالت: -إنت جيت امتى يا رحيم محسيتش بيك.
رد عليها بهدوء يشبه والده كثيرا كأنه هو من يقف أمامها: -أنا جيت من شوية كده وخليت جميلة تنام عشان الجامعة كانت تعبانة شوية، وجيتلك إنت اهو عشان أشوف هتتصرف إزاي في الزعل بتاعك ده. فقالت وهي تتصنع الابتسامة أمامه حتى لا يقلق عليها ويحمل همومها: -لأ يا حبيبي ولا زعل ولا حاجة أنا زي الفل، وقاعدة أنا وخالتك أهو، شوف بس إنت لو جعان أقوم أحضر الأكل عشان تنام إنت كمان. فرد عليها بنبرة مترددة خوفًا من رد فعلها هي وخالته:
-هو أنا مش جعان الحمد لله، بس عندنا ضيفة أظن هتكون عايزة تاكل. رمقته (عبير) بغضب واضح وقبل أن تتحدث قاطعها هو عندما أمسك يديها برفق وقال: -والله الليلة واحدة بس، خلينا إحنا أحسن منها بس لو إنتِ زعلانة أوي كده من وجودها امشيها دلوقتي، بس بقولك يعني إنها ست و لوحدها والوقت متأخر. نظرت إلى أختها فوجدتها تومئ لها بابتسامة، فوافقت على طلب ابنها في أن تبقى الليلة وتقدم لها الطعام.
رغم أنها لن تستطيع تحمل وجودها في نفس البيت. فقال لها (رحيم) بابتسامة حنونة وهو يلثم جبينها: -يعني خلاص وافقتي، والله كنت عارف إنك أطيب قلب في الدنيا. تذكرت ما فعله مع (أنس) عندما تشاجر معه ومع (جميلة) عندما رفض أن تذهب مع (روان) فقالت وهي غاضبة مما فعله مع إخوته من أجل تلك التي لا تستحق: -إنت صح فاكر عملت إيه مع أنس لما نزلت وسيبته، وجميلة إللي عليت صوتك عليها ورفضت إنها تروح مع روان؟
نكس رأسه لأسفل ثم قال لها بإحراج مما فعل بعد ما حمحم: -والله كان غصب عني مكنش قصدي أزعل حد مني بس إنتِ عارفه أنا مبحبش الكلام الكتير وأظن إنتِ شوفتي اليوم من الصبح كان تعب عليا إزاي من أول أدهم لغاية دلوقتي واليوم لسه منتهاش. فقالت له بهدوء تسترضيه لأنها تعرف أنه متعب حقًا واليوم كان متعبًا عليه: -طيب يلا ادخل غير هدومك ونام إنتِ كلها ساعتين وهتصحى، وأنا هطلع أعمل أكل للضيفة إللي بره.
-تُشكري يا أحلى واحدة، ربنا يجعله في ميزان حسناتك، بس لو زعلانة يا أمي مش مشكلة أنا هروح أعملها متتعبيش نفسك بعد إذن خالتي الأول، إنتِ بس متعمليش حاجة غصب عنك. ابتسمت عندما سمعت كلمة (تُشكري) التي تُذكرها بوالده فردت معقبة وهي تنهض: -لأ يا رحيم مش غصب عني، برضا متقلقش بس عشان خاطري اسمع كلامي وأدخل نام، تصبح على خير إن شاء الله. خرج (رحيم) من الغرفة خالته، وتردد كثيرًا في الدخول إلى غرفة (أنس) ، فقرر أن يذهب إلى غرفة
(جميلة) الخاصة بها في شقة خالته ويفترش على الأرض الساعات المتبقية حتى طلوع الصباح. كاد أن يطرق مرة أخرى على غرفة خالته التي تمكث فيها والدته، ثم تذكر إنها ذهبت إلى المطبخ لكي تحضر الطعام للضيفة غير المرحب بها التي تجلس في الصالة بمفردها، فبدل وجهته من الغرفة إلى المطبخ. -أمي أنا هنام عند جميلة في الأوضة. فقالت وهي تضع يديها على صدرها بفزع: -يابني حرام عليك اتخضيت. ثم أكملت: -ليه ما تنام زي ما بتنام عند أنس.
-مش عايز أنام عنده عشان لو صاحي ميتكلمش والصبح كمان ميتكلمش معايا، أنا هنزل الصبح للشغل وهو أجازة وخالتي سلوى هتنزل لما أنا أنزل الصبح. أومأت له ثم قالت: -براحتك يا رحيم أعمل إللي يريحك. دخل غرفة أخته بخطوات هادئة حتى لا يُقِظها، و وضع الوسادة على الأرض واللحاف وتسطح ثم أغمض عينيه أخيرًا.
لكنه ظل يسترجع اليوم من البداية، يومه الذي أقسم إنه من أطول أيام حياته، حيث أن في بداية اليوم ذهب إلى عمله وقابل تلك الفتاة، ثم هربت دون دفع الأجرة. أخذ يتذكر موقفها عندما ركضت ولم تدفع الأجرة وظن أنها مجنونة، لكنه تذكر أنها كانت خائفة على والدتها فترحم عليها ودعا لها. في شروق اليوم التالي. استيقظ (رحيم) قبل الجميع، وبدأ يفكر في خالته عندما تذهب من هنا أين ستمكث؟
دخل إلى المطبخ ليصنع مشروبه المفضل، وبعد ذلك طرقت في رأسه فكرة يتمنى أن تصلح، أمسك جواله واتصل بصديقه (نادر) الذي بدا في صوته أثر النوم: -نعم يا رحيم، إيه الحوار. -مفيش حاجة كنت بس عايز أطلب طلب منك وأتمنى توافق. -خير إن شاء الله. -ينفع خالتي تيجي تقعد عندكم في الشقة إللي في الأرضي. أهدر فيه بإنفعال بعد ما كان يتكلم بتكاسل من أثر النوم:
-إنتِ شاغل نفسك بيها ليه يا رحيم، أنا مش فاهم إنت مالك هي أصلاً تستاهل، وأمك لو عرفت كده هتزعل منك، وأنس لو عرف كده هيخلي حياتي أنا وإنت سواد، بعدين الشقة تحت مش متوضبة أصلاً. زفر بقوة ثم قال بتهكم: -خلصت؟ يعني موافق ولا لأ؟ ، ومتقوليش أنس ولا أمك ولا حد، محدش هيعرف إن شاء الله أنا وإنت بس، ولو حد فيهم عرف هتحملها أنا، بعدين هي تفضل فيها مؤقت يعني. تنهد ثم قال يسترضي صديقه: -إللي إنت عايزه يا رحيم ماشي.
-تُشكر، يلا أقوم ألبس عشان شغلك، سلام. أنهى احتساء مشروبه المفضل لكنه لم يستمتع به، فصنع كوبًا آخر. خرجت (عبير) من غرفتها لكي توقظهم، فخرج (رحيم) هو الآخر من المطبخ وقال لها بوجه بشوش: -صباح الخير عاملة إيه لسه زعلانة مني؟ فردت عليه وهي تشير إلى تلك النائمة على الكنبة في الصالة: -والله هكون مبسوطة بس لما هي تنزل.
-حاضر أنا أصلاً صحيت بدري عشان آخدها وأنزل قبل ما تصحوا، هنزل أنا بقى وإنتِ قولي لجميلة تروح الكلية مع روان. فقالت له وهي تشبك يديها على صدرها وتضيق عينيها بشكٍ في أمره: -هاخدها فين بقى؟ نظر إليها لبرهة في صمت ثم قال: -معرفش يا أمي، هي تروح مكان ما تحب إحنا عملنا إللي علينا، ممكن تجيبيلي لبسي من عند أنس أنا داخل الحمام. فردت عليه بثقة: -كداب يا رحيم.
استيقظت في ذلك التوقيت على صوتهم تلك الغير مرغوب بها، فقالت وأثر النوم ظاهرًا في صوتها: -صباح الخير. نظرت إليها (عبير) بتقزز ثم رحلت إلى غرفة (أنس) جهز (رحيم) قبل الجميع فأخذ خالته ورحل بها إلى بيت صديقه، فقالت (سلوى) -والله يا رحيم ربنا يبارك فيك ويوقفلك ولاد الحلال ويرزقك من وسع. فرد عليها بجمود دون النظر إليها: -تُشكر. أضاف بنبرة حادة بعض الشيء:
-إنتِ هتقعدي هنا ومفيش خروج كده ولا كده إللي تحتاجيه هجيبهولك، عشان لو خرجتي وحد شافك هتحصل مشاكل، بيت نادر قريب من بيت خالتي وجمب بيت روان، وأظن إنتِ عارفة إن جميلة طول الوقت عند روان، يبقى تقعدي هنا و متفتحيش شبابيك كمان عشان هما عارفين إن الشقة فاضية، وإنتِ هتفضلي هنا لغاية ما تشوفي مكان، اعملي حسابك على كده مش هتقعدي هنا طول. أخرجت صوت من حنجرتها يدل على اعتراضها ثم قالت باستياء:
-يعني ولا هخرج ولا هشوف الشارع ولا هفتح شبابيك ومقعدني كمان في شقة مفهاش غير كنبة وشوية كراكيب، عايزني أشوف مكان أقعد فيه إزاي وأنا مش هشوف الشارع؟ فردت عليها (ليلى) بتقزز: -خلاص يا حبيبتي لو زعلانة أوي كده روحي اقعدي تحت أي كوبري ولا جنب أي جامع أهو تكوني منك للشارع على طول. فأضاف (نادر) معقبًا: -لأ خليها تروح عند عيالها إللي طردوها. فقال (رحيم) بضجر:
-جماعة ثانية واحدة بس كده، إنتِ فاهمة إنتِ بتقولي إيه إنتِ المفروض تكوني في الشارع دلوقتي زي ما عملتي معانا بس أنا قلت عيب يا رحيم بلاش تكون ندل زيها. صمت لبرهة ثم أكمل بغضب: -خليتيني أفقد أعصابي وأغلط وأنا مش بحب أنزل من مستوايا مع أشكالك، نهاية الكلام هتقعدي هنا بشروطي، عايزة تمشي براحتك. فقالت هي بهدوء تستعطفه بعد ما أدركت فداحة أمرها:
-خلاص، بس يعني إنتِ تسيب خالتي يا رحيم بين أربع حيطان مشوفش الشارع ولا أفتح شبابيك وكمان هنا مفيش أي حاجة في الشقة. ابتسم ثغره ثم قال بسخرية: -والله يا خالتي إنتِ فاكراني عشان طيب هتعرفي تستغليني، فاكرة إني ضعيف بجد وطيب، وعارفة أنا مبسوط من كده، عشان يوم ما أجيب أخري منكوا هجيب أجلكم. رمقها بنظرة حادة ثم أضاف بثبات وهو يقترب منها:
-لو إنتِ فاكرة إنك صعبانة عليا عشان كده بساعدك، فهريحك وأقولك ورب الكعبة أبدًا، كل الحكاية إني قلت مينفعش تكون قليل أصل زيها، يعني عشان أراضي ضميري، بس على رأي أدهم القماش لما قال لو هتمشي ورا مشاعرك وضميرك مع الناس إللي جات عليك هيفتكروا إن ده ضعف خصوصًا مع أشكالك المنافقين. ثم قال موجهًا حديثه إلى (نادر) -خلاص يا نادر قطعت برزقها اقفل الشقة، تروح بقى هي مكان ما تروح ميخصناش. فقالت هي برجاء وهي تمسك يد (رحيم)
-يعني يرضيك يا رحيم أعيش في الشارع ده أنا خالتك. فرد عليها بثبات وهو يبتعد عنها: -يرضيني. ثم خرج وركب سيارته متجهًا إلى عمله. بدأ يفكر ويتساءل، ما الذي يجعله يكرر أقوال والده دائمًا، لماذا يظل أسيرًا لذكريات والده بعد كل ما فعله. لماذا لم ينساه ويهجره من تفكيره. أخذ يتحدث مع نفسه بصوتٍ مسموع:
-ليه يا بابا عملت كده ليه تسيبني وتمشي وانت لسه عايش، إنت مكنتش كده نفسي ترجع زي زمان وهنسى كل إللي حصل منك وحش مش هفتكر غير كل خير. بكى، خانته دموعه، وبكى في صمت، في قهر، في ألم، في احتياج. تساءل في خلده لماذا يبكي ويتألم هل بسبب الماضي الأليم أم بسبب الحاضر الموحش.
أدار جهاز الكاست في السيارة وبدأت الموسيقى تعبر عن مشاعره الحزينة. دموعه تنهمر على وجنتيه، وهو يستمع إلى أغنية من الفرقة المفضلة لديه، التي تتحدث عن آلام الشباب وهمومهم. الأغنية كانت تعكس حالته النفسية، وكأنه يستمع إلى صوته الداخلي. بسرح وأتوه في الذكريات وبعيش حياة ويا إللي فات أشخاص، أماكن، كل شيء حاجة توديني لحاجات. حكايات، مواقف كلها في الماضي دي أنا عشتها. كل لما أغمض عيني أروح لسنين سابتني وسيبتها.
بدأت تهجم عليه الذكريات. منذ تسعة عشر عام "قبل وفاة جده بأسبوع". كان (رحيم) يبلغ من العمر سبع سنوات وكانت أخته (جميلة) في الشهور الأولى من عمرها، وكان (أدهم) سعيدًا بسبب مولدته الجديدة، وكان يجلب لهم الهدايا والألعاب ويلعب معهم. -بابا بابا. كان هذا قول (رحيم) وهو يقفز له بسعادة عندما جاء من عمله. فرد عليه والده بابتسامة وهو يرفعه من الأرض ليستقر في أحضانه: -عيون وقلب بابا.
-تعرف إن أنا عندي تكريم بكرة لأني جبت الدرجة النهائية في الإنجلش، وطلعت الأول على Class بتاعي. ابتسم له والده وقال بحنان بالغ: -مشاء الله، أنا فخور بيك يا رحيم وإن شاء الله هتكون أشطر واحد في الدنيا. فقالت (عبير) معقبة: -هو شاطر وبيذاكر وجميل، بس مش بيسمع كلامي وينام بدري وكل يوم بيغلبني وأنا تعبت منه يا أدهم. فرد عليها (رحيم) بانزعاج: -ليه كده يا ماما، أنا زعلت منك. فقال (أدهم) مبوخًا لابنه:
-لأ رحيم نتكلم كويس مع ماما لو سمحت، وبعدين هو أنا مش قايل إنك لازم تسمع الكلام لأن إللي مش بيسمع كلام مامته ويغلبها كده ربنا بيزعل منه. -خلاص أسف يا بابا، أسف يا ماما هسمع كلامك كله. فقالت أمه وهي تضمه إليها وتقبله: -حبيب ماما ربنا يباركلي فيك. خرج (رحيم) من ذكرياته المحببة إليه، إلى ذكرياته التي يبغضها، على جزء من الأغنية التي يوصف إحساسه. ليه بحبها ما هي ماضي عدى وانتهى وإن سيبتها تمشي بترجع وحدها
وساعات أنا بشتاقلها فأندهلها. ليه بحن ليها وأعيش عليها، مفيش إجابة عرفتها أنا عمري كام عشان تكون لي الذكرى أسلوب حياة. دماغي فيها مليون شريط، ماضي قديم من ده، وده. ده أنا كنت عيل من يومين ودخلت أنام. صحيت لقيت العمر عدى، ما أخدنيش معاه. بدأ يسترجع أن عندما مات جده اتُهم (أدهم) بقتله، وذاعت المجلات والجرائد والصحف والقنوات بأن رجل الأعمال (أدهم محمد القماش) قتل حماه.
وجاءت الشرطة إلى بيتهم وأُعتقل والده أمام أسرته ولم تكتمل فرحته بالمولودة الجديدة التي أسماها على اسم والدته. على الرغم من أنه خرج بعدما ظهرت براءته وأن (نبيل) مات ولم يُقتل. لكن تغيرت جميع الأمور، بعد ما كان يضمه إليه ويجلب له الألعاب ويدرس معه وحنون عليه، تحول إلى شخص غريب يصادق السوء، يسهر مع النساء، يشرب الخمور. سحب منديلًا ليمسح دموعه التي أحرقت خده والذكريات ما زالت مستمرة بعقله رافضة الخروج من رأسه.
وفي السنين أنا مش كبير وشعري أسود زي ليل والليل ما بيعديش طويل، مفهوش هروب من الذكريات. سحب منديلًا آخر بعدما ابتل المنديل الأول ولم يكف لتجفيف دموعه التي استمرت في النزول ولم تتوقف. ليه ماليش في بكرة وليه بتوه وليه ماليش في حلم بترسموه بسرح فألاقي الذكرى بس وفيها بلقى أنا يومي أمس غير يومكوا ده إللي بتعشوه.
سحب المنديل الثالث والرابع والخامس بقوة حتى وقعت العلبة بأكملها و أوقف السيارة في منتصف الطريق وهو يبكي بقهر منكث رأسه وقد ورمت عيناه واحمر وجهه، ولم ترحمه أبواق السيارات وسبَاب المارين، حتى رأسه لم ترحمه، شعر بخنقة من التكدس من حوله والتكدس من رأسه، لم يعرف ماذا يفعل كأنه طفل تائه من أمه في وسط المدينة. الذكرى واخداني لمكان، أيام زمان وقت الفرح، وقت الهنا أنا وسط بكرة ماليش وجود في الذكرى بس بكون أنا.
أمسك رأسه بقوة يمنع دخول الذكريات عقله والرجوع إلى الماضي لكن دون جدوى، ترجع به إلى سنوات الهنا ثم تنتقل إلى السوداوية. وأرجع في غمضة عين سنة، سنة في سنة أنا ببقى أنا عيل بيهوى الدندنة أحلامه سهلة وممكنة وعشان كدة أنا من هناك أنا بنتمي للذكريات وماليش مكان بينكم هنا. ضرب رأسه في عجلة القيادة عدة مرات متتالية ليمنع تدفق الذكريات ويحاول يقلل من ضجيج رأسه، ثم تحدث مع نفسه بصوت مسموع حازم وقد اتخذ القرار
بأن ينتقم مما فعل به هكذا: -كل إللي حصل ده بسبب مظهر، والله ما هسيبك تتهنى. أدار محرك السيارة وقد بدل وجهته إلى بيت (مظهر) وكل ما يفكر به هو والده قبل وفاة جده (نبيل الحداد) وكان سبب التحول هو اتهامه في أشياء كثيرة لم يفعلها وتعاقب عليها. لكن ما لا يعرفه أحد أن (نبيل الحداد) قُتل، والذي قتله حر ولم يتعاقب. بسرح وأتوه، في ذكريات وبعيش حياة ويا إللي فات أشخاص، أماكن كل شيء حاجة توديني، لحاجات. بسرح وأتوه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!