بعد ما طالت الأسئلة في رأس رحيم، وبعد شرود قطعه صديقه نادر عندما سأل بخوف وقلق: -إيه اللي حصل يا رحيم، مين كلمك؟ نظرًا لقصر المسافة بين بيت خالته وبيت نادر، جاءت الشرطة قبل أن يخرج من تفكيره وصدمته ليُجيب على صديقه. قبل دخول الشرطة العمارة لكي يعتقلونه من بيت صديقه، وقف رحيم بثبات قبل دخولهم لها وعرفهم على نفسه، فأمسكه الضباط من يديه لاعتقاله. وهو لم يعترض، فكان كل تفكيره هل حقًا من قدم البلاغ هو مظهر؟
وبعد معارضة من نادر في أخذ صديقه بهذه الطريقة ودون أن يفهم ماذا حدث ولماذا يُعتقل، أجاب الشرطي عليه بنبرة حادة وهو يسحب معه رحيم قائلًا: -الأستاذ مش عايز يسدد القرض اللي أخده من البنك، وعليه أقساط وفلوس من رجل أعمال ولسه مسددهاش كمان، حاجة تاني زعلان عليه؟ تحب تيجي تتحبس معاه؟ نظر له رحيم مدهوشًا عندما سمع كلام الشرطي. فقال ومازالت علامات الدهشة على وجهه:
-قرض إيه وفلوس إيه اللي عليا، أنا مش مستلف فلوس من حد ولا حتى خدت قرض. رد عليه الشرطي بتهكم وملامح غاضبة: -هو مش أنت رحيم أدهم القماّش؟ هزّ رحيم رأسه بالإيجاب. قال له الشرطي وهو يسحبه معه: -أيوه أنت واخد قرض من البنك وفيه راجل مقدم فيك بلاغ عشان فلوسه اللي واخدها منه. -ممكن أعرف مين اللي مقدم فيا بلاغ؟ -لأ يا حلو في القسم بقى. ذهب معه رحيم إلى قسم الشرطة، ولحقه نادر. -حضرتك يا رحيم باشا واخد قرض بـ ٥٠ ألف جنيه.
رد رحيم ينفي هذه التهمة بثبات: -لأ يا باشا أنا مخدتش قرض ولا عمري حتى استلفت من حد. قال الشرطي بضجر من إنكاره: -اومال مين اللي واخد قرض من ٣ شهور وأسبوعين بمبلغ ٥٠ ألف جنيه مصري، إنت بعت والدك للبنك ياخد القرض باسمك بالتوكيل اللي معاه. -والدي؟ وقع الحديث عليه كالصاعقة، كأنه سُكب عليه دلو من الماء البارد في ليلة قارسة البرودة. فهم أن والده أخذ قرض من البنك باسمه من التوكيل.
ليس هذه أول مرة يورطه بشيء هو لم يفعله قط، أحس بقهر وغصة، فهو كان يظن أن هذا الشخص سيتغير في يوم قريب وأنه بدأ يتعافى من المخدرات شيئًا فشيئًا، لكن بعض الظنون تكون خاطئة. هذا الشخص يعيش لثلاثة أشياء فقط: اللهو، النساء، والمخدرات والخمرة. قال رحيم بقهر وهو مطأطأ رأسه لأسفل بعد ما كان يتحدث بثقة وثبات: -حضرتك والله العظيم ما أنا هو اللي عمل كده، مش أنا، هو أنا ليه بتعاقب على أفعاله؟ ليه بجد؟
أنا معملتش حاجة ولا استلفت حاجة والله العظيم. جاء رد الشرطي بجمود: -أيوه، وبعدين يعني القرض مكتوب باسمك وأنت بقالك أكتر من ٣ شهور مسددتش الأقساط، هو ده اللي عندي وهو ده اللي أعرفه وهتتحاكم عليه، معاك فلوس تسدد وتجيب محامي ولا بكرة الصبح تتعرض على النيابة؟ حينها وفجأة تحول القهر في عينيه إلى جمود وغضب. رفع رأسه في وجه الشرطي وقال له صارخًا: -أنت يعني كده بتطبق العدل والقانون؟
أنا بقولك معملتش حاجة وأنت مش فاهم حاجة، متجيش تقول ده اللي عندي. الناس بتقول البلد خربانة ليه مش عارفة أن الحكومة بتسيب الظالم حر والمظلوم ورا الشمس، أنا معملتش حاجة ولا مخدتش حاجة وده اللي عندي. نظر إليه الشرطي نظرة مطولة بغضب وتهكم، ثم نادى على الأمين حتى يأخذه إلى الحبس. وكان الوقت الذي خرج فيه الأمين وهو يسحب رحيم رغمًا عنه مثل الخراف التي تُجر في عيد الأضحى، تزامنًا مع وصول عبير وجميلة.
فازداد القهر في قلبه عندما رأى أمه وأخته. وكان القهر كذلك في عين أمه الذي رأت منظر ابنها وهو يُجر مثل الخراف. ظلت أمه تصرخ وتصرخ وهي تدافع عن ابنها ولكن دون جدوى، ابنها الذي ذنبه الوحيد أن خُلق لأب فاسد يهوى المخدرات. دخل رحيم الحبس ذو الرائحة الكريهة والمجرمين والظالمين والمظلومين. بعد ما حدق رحيم في المكان وأوجه الرجال، جلس في ركن بعيد في أبعد ركن، وأخذ يتذكر الموقف الذي لم ولن ينساه طوال حياته.
كان والده يرجع بعد منتصف الليل بكثير بعد أن يُنهي لهوه ولعبه مع أصدقاء السوء. وفي يوم عاد للبيت بعد منتصف الليل مخمورًا. كان أهل البيت نائمين، حيث كان رحيم وجميلة بجانب والدتهم نائمين. كانت جميلة لم تتخط التاسعة من عمرها، وكان رحيم في منتصف العقد الثاني من عمره. دخل أدهم الغرفة بهجوم وأخذ يمشي بالغرفة كالثور. فاستيقظت عبير على صوته وهياجه بالغرفة وقالت وهي مغمضة نصف عينيها وصوتها ملحوظ من أثر النوم:
-مالك يا أدهم بتعمل كده ليه، في حاجة حصلت. هدر فيها صارخًا في وجهها بعنف: -أنا مش قلت العيال دي متنامش هنا تاني ولا يقربوا من هنا، هو أنا كلامي مش مسموع ليه؟ ردت باستنكار وقد طار النوم من عينيها: -يعني إيه متشوفهمش هنا تاني؟ هما دول مش عيالك وإنت أبوهم؟ هو إنت ليه بتحسسني إنك جوز أمهم يا أدهم؟ فيها إيه يعني لما يناموا جـ... وقبل أن تنهي الجملة، صفعها على وجنتها بقوة. ثم قال صارخًا بها مرة أخرى:
-أنتِ كمان بتردي عليا وتعلي صوتك؟ مين سمحلك تتكلمي معايا كده؟ في ذلك الوقت استيقظ رحيم بفزع. فردت عبير بقهر: -إنت مجنون، إنت أكيد شارب حاجة، أنا معملتش حاجة ليك عشان تمد إيدك عليا. قال بصراخ وهياج أكثر: -زعلانة عشان مديت إيدي عليكي؟ طب اهو يا ست. في ذلك اللحظة سقط عليها بالضربات والصفعات واللكمات على الوجه، ورحيم يصرخ ويبكي. فاستيقظت جميلة وظلت تبكي. وقف رحيم أمام أمه حتى يمنعه من ضرب أمه وهو يقول بتوسل له:
-خلاص يا بابا أنا آسف، حقك عليا أنا، ماما معملتش حاجة عشان تضربها عشان خاطري خلاص، طب ماما عملت إيه طيب؟ هل توقف عن ضربها؟ بالطبع لا. فبعد ما كان يضربها فقط، ضرب رحيم معها، وجميلة كذلك عندما حاولت الدفاع عن أمها وأخيها. في وسط الضربات والصرخات كانت عبير تدافع عن رحيم من اللكم في الوجه، فدفعته على الجهة الأخرى سريعاً، فجاءت اللكمة على أنفها فسالت الدماء منها وسقطت مغشية على الأرض من كثرة الضربات واللكمات.
فهل يهدأ ويخاف على زوجته المغشية وأطفاله الذين يبكون ويصرخون؟ بالطبع لا. أخذ يثور أكثر في زوجته المغشية وأولاده إذا دافعوا عن والدتهم. حتى خمدت ثورته وخمدت معها أجسادهم. خرج رحيم من هذه الذكرى المؤلمة المعلقة في ذهنه، متشبثة بذاكرته ويتمنى أن تهجره لكنها تأبى، عندما خانته العبرات الهاربة من عينيه. وفي خلده تدور أغنية يسمعها دائمًا للفرقة المفضل بالنسبة له كايروكي: أنا بجري مني وبجري ورايا بجري من حاجات قديمة جوايا
بجري ومش شايف بكرة عيني في قفايا اللي فات عمره ما مات إحنا بس اللي بن موت أنا بجري و السنين بتجري ورايا مسح دموعه وقرر أن يتوقف عن التفكير في الماضي وينظر إلى ماذا سيفعل الآن، لكن كما ذُكر في الأغنية (عيني في قفايا) وعلى الجهة الأخرى كانت أمه تبكي بحرقة على ابنها، فمن يصدق أن شاب مثله يبلغ ستة وعشرين عامًا يُسجن عشر مرات.
وكانت بجانبها جميلة، هذه الجميلة التي بكت في هذه الدنيا أكثر ما ابتسمت وكبرت أعوامًا على أعوامها. كانت تحاول أن تُكف رأسها عن الحديث حتى تُفكر في حل للمأزق. جاء في تلك اللحظة كلا من وفاء وليلى، وكانت ليلى بجانب عبير التي ظلت تكرر المكالمات على أدهم، ظنًا منها أنه سيدافع عن ابنه ويساعده. فقالت لها ليلى بحزن وقهر لأجلها: -إنتِ فاكرة إنه هيرد عليكي؟ حتى لو رد هيجي ينقذه؟
هيقولك أنا مالي، وهتقهرى نفسك وعيالك أكتر، حرام عليكي. إحنا هنتصرف صدقيني أنا ونادر هنتصرف إن شاء الله وهيخرج بالسلامة. أثناء مواساة ليلى لـ عبير وجميلة، ولج آخر من توقعوا. -أنتَ إيه اللي جابك هنا؟ جاي هنا ليه وتعمل إيه؟ جاي تشوف ابني وأنا مقهورة عليه؟ فهذا كان قول عبير بانفعال وصراخ عندما شاهدت خالد. رد خالد عليها ببرود أعصاب وهو يضع يديه في جيب بنطاله: -إنتِ مزعلة نفسك ليه كده يا أم رحيم وجميلة؟
متقلقيش. إنتِ جوزك، أقصد طليقك استلف مني فلوس عشان يجيب خمرة وحشيش، وقالي اللي هيسد الفلوس ابني. صمت لبرهة ثم قال بالبرود نفسه: -جاي أتفق معاكي اتفاق يا بنت عمي، لو موافقة عليه هخرجلك ابنك من هنا، وكل شيء هيرجع مش زي ما كان خالص، تؤ، زي ما أنا عايزها. قولتي إيه يا أم رحيم وجميلة، تتجوزيني؟ -قالت أنك أقذر واحد في الدنيا كلها وابن ****** كمان، ولو قلت حاجة تاني أو اتكلمت تاني مش هسمي عليك.
كان هذا رد نادر عليه بنبرة جامدة واثقة، رافع رأسه لا يهمه أحد ولا يخاف أحد إلا الله جل وعلا، فمن من البشر يستحق الخوف منهم؟ حتى إذا يوجد بشر يستحقون الخوف منهم، بالطبع ليس خالد. أكمل نادر بنفس النبرة الواثقة وهو يقترب منه بثبات: -أنا عمري ما شوفت حد بيعمل كده في بنت عمه اللي المفروض بيحبها، بجد عمري ما شفت ولا هشوف أندل منك. إيه الجحود ده؟ رافع قضية على ابن بنت عمك اللي يعتبر ابن أختك؟ إنت إزاي؟ طب من أنهي فصيلة؟
رد عليه بنفس النبرة الباردة الخالية من أي تعبير قائلًا: -وأنا مش هتنازل عن القضية غير لما آخد اللي أنا عايزه، ده أول حاجة. تاني حاجة بقى هي مش أختي ومتقولش كده تاني. وأنا قلت هتوافقي على الشرط هخرج ابنها، مش هتوافقي على الشرط مش هتنازل وهاخد حقي، وبس كده. فقالت عبير بتوسل وبكاء:
-خالد ده ابني، عشان خاطري بلاش كده يا خالد. وإنت عارف إنه مستلفش منك حاجة ولا خد منك حاجة، متعاقبوش بذنب الماضي، أبوس إيدك يا خالد عشان خاطري. بنفس النبرة الخالية رد عليها: -إنتِ ليه شايفة إني بقول كلام وخلاص؟ قلت مش هتنازل غير بشرطي تتجوزيني يا عبير. أتى تلك المرة الرد من تلك الجميلة الشاحبة: -إنت ليه مصمم على كده؟ قالت قبل كده لأ لأ لأ. إنت عبيط في دماغك؟
روح شوف واحدة رخيصة زيك بس أمي لأ، ومش عايزين منك مساعدة، إحنا هنتصرف ونتطلع رحيم، وطز فيك إنت ونفوذك. ردت بقوة نفس قوة رحيم، والنبرة الواثقة الجامدة، فهي اعتادت على صفاته وتصرفاته منذ الصغر. رد خالد بسخرية هذه مرة: -لما نشوف يا جميلة هانم هتخرجي أخوكي رحيم باشا إزاي! ردت بثقة تُحسد عليها، تتناقض مع ضجيج رأسها الذي لا يكف عن الحديث: -هخرجه، هخرجه وهتشوف و هتنبهر كمان.
ابتسم بسخرية ثم ذهب إلى مكتب الشرطي كي يتم المحضر ويستفسر منه عن أي جديد وإذا أحد دفع المبلغ، فأجابه الشرطي بالسلب، فأطمئن. لكن تغير كل شيء بعد مكالمة واحدة جاءت للشرطي التي خضع بالقول للمتصل قائلًا "أمرك". تلك المكالمة التي أجرتها تلك الواثقة الجميلة قلبت الموازين. فعلق خالد على المكالمة التي جاءت للشرطي بتوتر: -هو أمرك اللي عمال تقولها في المكالمة اللي جاتلك دي حاجة بخصوص رحيم؟ فرد الشرطي بالإيجاب. انفعل
خالد وقال له بجهورية: -وإيه اللي كان في المكالمة يخليك تقول أمرك أمرك؟ أوعى يكون هيخرج. رد الشرطي بضجر: -آه، المكالمة اللي جاتلي دي من سيادة اللواء وقال أن رحيم هيسدد كل الديون اللي عليه من القرض ولحضرتك. قال بسخرية تهكمية: -استغفر الله العظيم، ومين كلم اللواء؟ قبل أن يرد عليه الشرطي، طُرق باب المكتب فسمح بالدخول. فكان الطارق هو مظهر. دخل مظهر بخطوات ثابتة وألقى التحية على الشرطي دون النظر لـ خالد، ثم قال:
-أنا جيت أسدد كل الديون اللي على رحيم القماّش، أنا صاحب والده، اسمي مظهر الضبع. فرحب به الشرطي وقال له وهو يشير ناحية خالد: -هو ده الأستاذ صاحب المحضر، الأستاذ خالد الحداد، تقدروا تتكلموا مع بعض وتتفاهموا وتشوفوا الفلوس هتدفع إمتى، عن إذنكم. خرج الشرطي ودارت معركة النظرات بينهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!