تحميل رواية «ماضي لا يغتفر» PDF
بقلم ريتاج ابو زيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في منطقة المعادي التي تعد أهم مناطق القاهرة، حدث حريق في شقة في أحد المباني السكنية. وصلت سيارات الإطفاء إلى موقع الحريق في شقة المعادي، وانتشر القلق والفوضى بين الناس، خاصةً الجيران الذين على علاقة وطيدة مع سكان الشقة. كان الجميع يحاولون إيجاد طريقة لكي يتأكدوا من وجود أشخاص في الداخل أم لا لإنقاذ المحاصرين داخل الشقة إذا وُجوده، ولكن الوضع كان صعب بسبب شدة الحريق. كانوا ينتظرون بفارغ الصبر وصول الإنقاذ وسيارات المطافئ التي وصلت لتوها. كانوا يتصلون بهواتف أصحاب الشقة حتى يتأكدوا إنهم في الخارج....
رواية ماضي لا يغتفر الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ريتاج ابو زيد
منذ ثلاثين عامًا نشأت علاقة حب بين بنت مراهقة وابن عمها. كانت الفتاة عمرها ثلاثة عشر عامًا، أحست بأنها تميل إليه وتريد البقاء معه لمدة طويلة. يمكن لأنها حُرمت من أب حنون، فباتت تبحث عن الحنية في أي رجل أمامها. كانت معاملة والدها جافة معها، وليس معها فقط بل مع أمها وأخواتها.
هن ثلاث فتيات. الكبرى منهن تزوجت منذ ثلاث أعوام، وتحمل في رحمها صغيرها الثاني. هي ليست كبيرة، لكن أبوها فرض عليها الزواج في سن الخامسة عشر عامًا، وهي لم تبدِ أي اعتراض، بل كانت موافقة بالرجل الثري الذي يكبرها بخمسة عشر عامًا.
أختها الوسطى تكبرها بعامين، وستتزوج عن قريب. تبقى هي عزباء، لكن قلبها تعلق بالشخص الخطأ بالنسبة لوالدها، لأن والدها من المستحيل أن يزوجها منه.
وقفت عبير في الأرض الزراعية الكبيرة التي ترجع ملكيتها إلى والدها نبيل الحداد. ترى العمال والفلاحين يعملون بجد وتعب، وعيناها تتعلق بابن عمها.
نادت هي عليه بصوت عالٍ وتلوح له بيديها، فجاء لها راكضًا بتوتر ووقف أمامها وقال:
- يا عبير، مش أنا قلت بلاش تكلميني وسط الناس عشان محدش يفتكر إن في حاجة بينا.
قالت هي بدلال:
- فين المشكلة؟ ما إنت هتيجي تكلم أبويا.
استغفر ربه ثم قال بهدوء:
- عبير، إنت لسه صغيرة مش هينفع، وأبوكي مش هيوافق عليا مهما حصل، بس أنا وعدتك إن إنت مش هتكوني لغيري.
قالت بتحشرج وقد أدمعت عيناها:
- خالد، يعني أبويا عمره ما هيوافق خالص؟ طب هنتجوز إزاي؟
- هنتجوز لما نكبر شوية. لو قلت لأبوكي من دلوقتي هو مش هيوافق أصلاً وهيبعدنا عن بعض. أنا بس مستني الوقت المناسب، وعايزك تعرفي إني بحبك ومستعد أعمل أي حاجة عشانك.
ابتسمت له بحب ثم قالت:
- أنا واثقة فيك.
- طيب، ادخلي بسرعة عشان محدش ياخد باله. نتقابل بعد صلاة العشاء في الزريبة اللي ورا البيت زي كل يوم. سلام.
ظلت علاقتهم هكذا. يتقابلون في السر خلف المنزل بعد صلاة العشاء. لكن خالد كان يحافظ عليها ولم يلمسها، بل كان يعلمها القراءة والكتابة لأن والدها رفض تعليمها لأنها فتاة. كان يعاملها كأنها طفلته، ويدللها ويعطي لها الكثير من الحلوى، ويحلم باليوم اجتماعهم كزوجين. وهو كان يكبرها بسبع أعوام.
ظلت الأمور كما هي حتى أتمت عامها الرابع عشر، حيث أن أختها الوسطى تزوجت والبيت أصبح كئيبًا بالنسبة لها، لأن أختها وفاء كانت الأقرب لقربها وتُحكى وتتسامر معها، والآن رحلت من البيت.
ومع إتمامها للأربعة عشر، ظلت الرجال تتصارع بمن سيفوز بالفتاة الأخيرة لعائلة الحداد. لم تكن الأخيرة فقط، بل الأجمل، أجمل فتاة في القرية.
ظلت ترفض كل رجل يأتي إليها وتعامله بطريقة جافة. وفي كل مرة ترفض، يضربها والدها ويعنفها بطريقة بشعة. حتى علم بإنها ترفض لأجل خالد، فطردته من القرية وتشاجر معه ومع والده، واتهمهم بأنها خطة لكي يأخذوا الأراضي والمال. لكن في النهاية عاد خالد مرة أخرى، لكن والدها باعد بينهم.
كانت والدتها تدافع عنها وترفض هي الأخرى جميع الرجال، لأنها كانت على علم بعلاقتها مع خالد وكانت مرحبة بها.
حتى جاء يوم وفاتها بعد صراع كبير مع المرض، وظلت عبير وحيدة مع والدها.
تقابلت في يوم عزاء والدتها مع رجلين أول مرة تراهما.
بعد مرور شهر من يوم العزاء.
جاء رجل من الرجلين التي كان في العزاء، وأخذ موعد مع نبيل الحداد. ظن نبيل إنه جاء في تجارة، لكن اتضح أنها ليست تجارة عادية، بل تجارة من نوع آخر.
قال الرجل بثبات وهو يمد يده ليصافحه:
- سلام عليكم، أنا مظهر الضبع، جاي في موضوع مهم جدًا وفي غاية الخطورة.
بدت علامات الدهشة على نبيل، فصافحه وجلس على مكتبه وقال:
- وأنا سامعك.
ابتسم بثغره ثم قال بفحيح:
- جاي عشان ألم لك فلوس من كل مكان.
مال بجسده على المكتب وقال بصوت منخفض وعيناه جاحظتان:
- اسمع لآخر كلمة. دلوقتي إنت عارف إن بنتك عبير بتحب خالد، وإنت مش عايز خالد عشان خايف على الورث بتاع بنتك وبتقول إنه طمعان فيك. إيه رأيك لو تجوزها من راجل غني وصاحب شركة أدوية كبيرة في القاهرة وتاخد إنت كل أملاكه وفلوسه، وفي نفس الوقت تخلص من خالد وتخليه يتنازل عن أي ورث أو أي حق ليه.
بدأت الاندهاشة على ملامحه، لكنه بدأ يفكر في العرض. وقبل أن يقول رأيه في الموضوع قال مستفسرًا:
- وإنت هتستفاد إيه؟ وبعدين إنت تعرف الحاجات دي منين، وتعرف منين بنتي وابن أخويا؟
ضحك مظهر بسخرية ثم قال:
- أنا أعرف كل حاجة عنك. هقولك كل حاجة.
تنهد وقال بشر وغل دفين:
- أنا صاحب خالد الأنتيم اللي خلاه يشرب خمرة ومخدرات وخلّيته بالحالة دي. أنا صاحبه اللي بيجي لي القاهرة. وأنا أكتر واحد عارف قد إيه خالد بيحب بنتك وهيدمر لو راحت لحد غيره. وأنا برضه صاحب أدهم القماش اللي خيره مغرقني، اللي عايش طول عمري من فلوسه هو وأبوه. وأمه بتعاملني أحسن معاملة.
قال نبيل بقلق من التغيير المفاجئ التي ظهر عليه، ومن الكلام الغريب المتناقض:
- يعني هما أصحابك؟ إنت عايز تعمل معاهم كده ليه؟ مش بتقول خيرهم عليك؟
رد عليه بنبرة حقد وحسد:
- بالظبط. أنا مبحبش حد يكون خيره عليا. موافق تنفذ معايا الخطط ويكون ليك كل حاجة؟
قال نبيل بجمود:
- أنا مش نصّاب يا جدع إنت. أنا مش عايز حاجة من حد. أنا عايز البت تتجوز وتبعد عني بس تكون في أمان، وبس كده.
ثم ضرب المكتب بيده وصاح بحدة:
- شغل العصابات ده مش بتاعي. واعرف كويس إنك بتكلم نبيل الحداد. أطلع بره.
نهض مظهر وهو يضحك بسخرية وأردف يتكئ على جملته الأخيرة:
- هتعمل اللي أنا عايزه. هجيلك تاني الأسبوع الجاي عشان نتفق على الخطة. سلام عليكم يا راجل يا شريف.
رحل مظهر وظل هو الأسبوع يفكر فيما قاله، وقد وافق في النهاية على خطط مظهر بسبب إصرار ابنته على الزواج من خالد، وإصرار خالد عليها.
- نبدأ في الخطة الأولى وأسيبك تفكر يومين تاني وتحسبها.
كان هذا قول مظهر بغرور أول ما ولج المكتب المخصص للعمل بدل ما يلقي السلام.
زفر نبيل ثم أشار له أن يجلس وقال:
- أنا موافق، بس أهم حاجة محدش يتأذى من الموضوع ده يعني. ولا نقتل حد ولا نعور ولا نضرب. لو مفيش حاجة من دي هتحصل أنا موافق.
رد عليه بسخرية:
- يا عم صلي على النبي. هو أنا سفاح؟
- يعني أنت عايز إيه؟
ثم أضاف بتركيز عالٍ وهو يشعل سيجارته:
- أول حاجة، أنا بعمل كده عشان مش بحب أشوف صحابي مبسوطين وأنا لأ، اللي هما أدهم وخالد. خالد عنده واحدة بيحبها وبيحاول عشانها وعنده عيلة وأب وأم ودايمًا شايف نفسه كويس ومش مقصر في حق حد. وأدهم نفس الحكاية غني ومعاه فلوس وحنين. كل الناس بتحبه فخور بنفسه ومتعلم والناس كلها بتعمل له ألف حساب هو وأهله. أما العبد لله محدش بيحترمه في الكوكب، ودايمًا ماشي ورا أدهم عشان هو وأهله هما اتبنوني وليهم فضل عليا، وأنا خدام عندهم.
نفث دخان سيجارته في الأفق ثم قال وهو ينظر في اللاشيء:
- واحد يتيم وملوش حد. مكنتش لاقي أكل. أهلي ماتوا في حادثة وأنا صغير وعشت مع عمي لحد ما مات وأنا خمسة عشر سنة، ومرات عمي طردتني في الشارع.
فرت دمعة منه وهو يحكي، فصمت لبرهة ثم قال بنبرة متحشرجة مختنقة:
- اشتغلت في الشوارع ألم زبالة، أبيع ورد وأمسح عربيات وأكنس الشوارع، لحد ما واحد شافني وقالي إنه ممكن يشغلني عند واحد طيب أوي وقالي هيجيب لك مكان تعيش فيه بدل نوم الشوارع. وأنا وافقت. والراجل ده طلع محمد القماش أبو أدهم. أدهم أصغر مني بسنتين. الراجل كان طيب أوي معايا وحنين عليا وشغلني في شركته أشيل صناديق الأدوية وأنضفها وكان يديني فلوس وأكل ولبس وكمان كنت بات في مكتب في الشركة.
دفن سيجارته في المرمدة وقال والدموع تنزل بغزارة على وجنته:
- كبرت في الشركة وفي بيته واتصاحبت على ابنه. ابنه ما شاء الله طول الوقت بيضحك مع الناس والكل بيحبه. والكل عارف ده ابن الباشا، وأنا الخدام اللي أبوه خدني من الشارع وخيره مغرقني. دايمًا بلعب مع أدهم بس الناس بتقول له أنت ليه بتلعب مع الواد المتشرد الشحات. حتى لما كبرت، برضه فضلت المتشرد الخدام.
صمت كأنه أنهى حديثه، فقال نبيل مواسيًا له:
- ربنا يرحم أهلك يا بني، ويبارك في اللي رباك. بس إنت عايز تعمل إيه؟ عايز تجوز ابن الراجل اللي رباك لبنتي رد جميل يعني، ولا أنا مش فاهم إنت عايز تعمل إيه؟
رمقه بحدة وصاح فيه قائلًا بنظرات شر:
- أنا عايز أجوز بنتك لأدهم عشان أدمر خالد وأستخدم خالد وسيلة لتدمير أدهم.
مسح دموعه بيديه بحدة ثم قال بجمود وهو يضرب بيده على المكتب:
- أنا مش بحب جو البكاء على الأطلال ده. ندخل في الموضوع علطول. أنا هدفي إني أخسر أدهم كل فلوسه واسمه، وخالد حبيبته وفلوسه وعيلته. أنا عايز أدمر حياة الاتنين من غير ما حد فيهم يعرف إني ورا القصة دي. هما الاتنين بيثقوا فيا وبيحكولي كل حاجة عشان كده لازم أمثل إني معاهم عشان الموضوع يكون أسهل، ونبدأ بأول حاجة هنعملها.
تذمر نبيل ثم قال:
- إنت أناني وحقود أوي.
رد عليه بسخرية:
- وإنت الشيخ نبيل الحداد.
ثم قال بجدية صارمة وهو ينتقي سيجارة ثانية ليشعلها:
- أول حاجة، أدهم أمه نفسها يتجوز ويعمل عيلة وبتدور على عروسة. أنا هقنعها ببنتك، من غير ما خالد يعرف، وأدهم هيجي يتقدم. خليك الأب الجاحد اللي معندوش رحمة وبين له إنك مبتحبش بنتك، وأن كل هدفك تخلص منها. ومش عايز فرح كبير عشان أمها، ومش عايز ولا دهب ولا شقة ولا الكلام ده. وأظن إنت أصلاً كل همك إن بنتك تمشي بعيد عنك، مش هيكون الموضوع صعب يعني عليك.
وافق نبيل على كل ما قاله، ثم رحل بعد الاتفاق بينهما على الوقت والتفاصيل، متجهًا إلى بيت سيده في القاهرة لكي ينفذ أولى خطواته في إقناع سيدته بزواج أدهم من تلك الفتاة، وأخذ صورة عبير من نبيل حتى يُعطيها لهم لكي يشاهدها.
كذب عليهم جميعًا حين قال أن خالد لا يريدها بل يريد أملاكها وورثها من والدها، وأقنعهم بأن الزواج من هذه البنت رحمة من والدها الذي يريد أن يزوجها من أي شخص، وإنقاذ لها من ابن عمها.
وافقوا في النهاية وسافر أدهم إلى محافظة قنا ليسأل عن الفتاة ويتأكد بأن خالد شخص طمّاع ويريد المال.
وبالفعل الجميع قالوا أن خالد يريد مالها، وأنه عديم الأخلاق، بعد ما ذاع نبيل هذا الكلام الدنس عنه.
رجع أدهم للقاهرة وتكلم مع والدته ووالده ومظهر وقال:
- أنا رحت وسألت والكل فعلاً قال إن خالد مش كويس. أنا أصلاً عارف كده من بدري، ودايمًا بقول لمظهر يبعد عنه وميكلمهوش، بس هو مش بيسمع كلامي.
قال محمد يعاتب مظهر بحدة وصرامة:
- مظهر، متصاحبش الأشكال دي. اقطع علاقتك معاه نهائي.
ثم قال موجهًا كلامه لابنه:
- وإنت يا أدهم، المفروض لما قال لك مظهر من الأول إن خالد مش كويس كنت سمعت كلامه من غير ما تروح وتسأل وتضيع وقتك وشغلك.
قال أدهم بهدوء:
- خلاص حصل خير يا بابا، بس كان لازم برضه أتأكد من الموضوع بنفسي عشان أكون مطمن إني مش بعمل حاجة غلط.
بعد مرور أربعة أشهر.
ذهب مظهر قنا بدون علم أحد على أساس أنه سيسافر رحلة مع أحد أصدقائه، بعد موافقة من سيده.
ذهب إلى مكتب نبيل الخاص بالتجارة والعمل وليس الذي بمنزله، فهذا هو مقر المؤامرات الخاصة بهم وقال وهو يجلس أمامه:
- جاهز عشان هنبدأ.
هز رأسه موافقًا، فأكمل مظهر:
- دلوقتي كلها أسبوعين أو لا شيء وأدهم هيجي. هتعمل زي ما فهمتك قبل كده. المرة الأولى يا ريت تكون في السر ويشوف العروسة بس ويتأكد إنك قاسي على بنتك. المرة الثانية هو هيجي يتفق معاك على أن كتب الكتاب بعد تلت شهور، وطبعًا هيسألك على طلباتك وإنت هتقول له مش عايز حاجة خالص.
تنهد ثم قال بمكر:
- المرة الثانية دي عايزك تعلن عن الخبر، وهتخلي خالد يعرف وتقول قدامه اسم أدهم القماش. هو عارفه عشان طول الوقت أدهم معايا وهما الاتنين يعرفوا بعض بس مش بيحبوا بعض عشان أنا بوقع بينهم والاتنين بيصدقوني ومعرفتهم سطحية.
سكت لبرهة ثم أكمل بابتسامة إعجاب بنفسه وبمكره:
- ساعتها خالد هيجي لي وأنا هقول له إن أدهم هو اللي عايزها بس أنا معاك، وعندي خطة تحفة للحكاية دي هقولك عليها بعدين.
ثم نهض وقال بثبات وهو يستعد للخروج:
- جهز نفسك واعرف إن كل حاجة هتحصل بعد كده مش صدفة.
انتهى الحديث بينهما، ولا أحد يعلم أن هناك أعين تراقبهم على حدى.
رجع إلى القاهرة وحدث ما خطط له بالحرف، في المرة الأولى والثانية. وعندما جاء له خالد ليتشاجر معه لأن صديقه أدهم سيتزوج حب عمره فقال مظهر:
- والله يا خالد أنا مكنتش عارف. هو لما جه العزاء معايا عشان يعزيك شاف عبير وعجبته ومقليش غير بعدها بكتير. وأنا قولت له خالد بيحبها قالي بس أنا عرفت من الناس إن أبوها مش هيوافق على خالد، واتكلمت معاه كتير بس مش راضي يسمعني، أعمل إيه طيب، بس عايزك تتأكد إني معاك.
بكى خالد على أحلامه التي تنهار أمام عينيه، وأحس بأن الدنيا تضيق به، والسماء تطبق على أنفاسه. خفقان شديد في قلبه، الدموع تنهار كأنها أخيرًا وجدت فرصتها لكي تتحرر.
قال مظهر يواسي صديقه وهو يربت على كتفه:
- متقلقش، أنا ممكن أساعدك. كتب الكتاب بعد تلت شهور لسه، وإنت قلت إنك ممكن تاخدها وتهرب لو جوزها حد غيرك. أنا عندي فكرة أخليك تهرب من غير ما حد يحس.
رفع خالد عينيه الباكيتين من الأرض وقال:
- أنا مستعد أعمل أي حاجة عشانها.
رد عليه بنفاق يتناقض مع شعوره الحقيقي:
- إنت تحرق بيتك وتسرق منه الورق اللي يخص سفرك وكل الفلوس اللي في البيت عندك. ساعتها عمك هياخدك عندهم البيت. أنا هخلص لك ورق السفر بتاعك وكل حاجة تخصك إنت وهي وهتسافر قبل التلت شهور، وعيش حياتك مع حبيبتك، بس لسه مش عارف فين. أهم حاجة بيّن إنك مش مهتم بيها أوي ومتقولش ليها حاجة، عشان محدش يعرف. هتقول لها لما أخلص الورق. أوعى تقول حاجة لعبير أو أي حد يا خالد.
وبالفعل نفذ خالد فكرة صديقه الماكر، وأحرق منزله وأخذ منه كل ما يخصه وسرق جميع الأموال التي توجد بالمنزل وذهب إلى عمه الذي رحب به على غير العادة لأنه كان على علم مسبقًا بالذي سيحدث.
بعد مرور أسابيع أرسل مظهر جواب لـ نبيل ليقول له الخطوة التالية وهي:
- في فرح عندكم في البلد بعد يومين كلكم هتكونوا فيه وخالد كمان. خلي عبير في البيت زي ما هي، وفي نص الفرح جهز نفسك ترجع البيت من غير ما حد يحس بحاجة. هكون أنا وأدهم مستنيينك عشان كتب كتاب بنتك، من غير ما حد يحس بحاجة. إنت هتاخد أدهم وتدخل لبنتك عشان تمهد لها الموضوع وأنا هجيب المأذون اللي متفق معاه يكون جاهز في أي وقت، نكتب الكتاب، وأدهم ومراته هيروحوا، وأنا هروح لخالد الفرح أقول له الخبر بمعرفتي. استنى مني الخطوة اللي بعد كده بس بعد كتب الكتاب الأول.
رواية ماضي لا يغتفر الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ريتاج ابو زيد
تمت خطته ونجح كتب الكتاب في الخفاء.
وبعد كتب الكتاب، رحل (أدهم) و (عبير) متجهين إلى القاهرة.
و (مظهر) قال له أنه سيأتي خلفه في السيارة الأخرى، حيث أنهما اتفقا على سيارتين لكي تكون زوجته على راحتها ولا يكون هو عائل بينهما.
عندما رحلوا، ركب (مظهر) السيارة الأخرى وأتجه مسرعًا ليخبر (خالد) بأن كتب الكتاب قد تم وهو فشل في إيقافه.
"خالد، والله ماكنتش عارف إنه غير معاد كتب الكتاب. هو قالي: إنت هتيجي معايا عشان كتب كتابي بكرة. أكيد مكنتش هعرف أقولك، حقك عليا. إنت عارف إني كنت بساعدك. هو شيطان ماشي على الأرض، بس هرجع تاني وأقولك أنا معاك في أي حاجة."
تحول (خالد) وأخذ يثور ويضرب ويصرخ.
وذهب إلى بيت عمه ودخل مكتبه الخاص بالمنزل.
ودخل بهجومية، أمسكه من تلابيبه وظل يلكمه بشده كأنه كيس للملاكمة وليس عمه.
لم يهدأ (خالد) من ضرب عمه وكل من يحول بينهما، لمدة يومين كاملين لم تهدأ ثورة (خالد) ولم يغمض له جفن.
وقرر أن يذهب إلى القاهرة حيث مقر سكن (أدهم) ليأخذ حبيبته.
لكن قبل أن يفعل ذلك، كان (مظهر) خطط إلى الخطوة التالية وأرسل جواب آخر.
"خالد مش هيسكت وهيفضل عامل كده كتير، وكمان هو بيحضر إنه يجيي القاهرة. عرفت من السواق إللي دايمًا بيوديه القاهرة، عشان كده مضطرين إننا نحبسه. أول حاجة هتاخد فلوس و دهب من عندك وحطهم في الشنطة إللي بيحضرها للسفر، وتبلغ إن فيه حاجات مسروقة وإنك شاكك فيه. عشان هو كان عايز يتجوز بنتك وياخد فلوسها، ولما فشل في كده قرر يسرق ويهرب. وطبعا كل الناس هتقول كده معاك وهتشهد معاك عشان إنت كبيرهم، وده إللي إنت بتقولوا دايمًا. أستنى الخطوة الجاية، بس هتكون بعد مدة طويلة."
نفذ (نبيل) الخطة، و (مظهر) لعب دور الصديق المخلص ولم يقصر في أي شيء، من ناحية (خالد).
لكنه حُكم عليه خمس سنوات!
عندما علمت (عبير) انهارت كالبركان.
كانت واثقة بأنه لم يفعلها، وإنه من المستحيل أن يسرق.
لكنها كانت لا تفهم شيء.
وعلى الرغم من معاملة (أدهم) معاه، إلا إن قلبها كان متعلقًا بـ(خالد).
مع إنها رأت معاملة خاصة من زوجها وأهل زوجها، كانت تُعامل كالأميرات.
بعد إنقضاء نصف مدة الحكم.
بعد إنقطاع طويل من (مظهر) في تدبير المؤامرات، أرسل أخيرًا جواب لـ(نبيل).
"سلام عليكم وحشتيني. أوعى تفتكر إني بضحك عليك. زي ما قلتلك هتاخد كل فلوس خالد وأدهم كمان. ركز معايا عشان إللي جاي صعب شوية. هتروح لخالد السجن وتقولوا: أنا مستعد أخرجك وأقول إن إللي سرق الفلوس دي حد تاني وأنت اكتشفت الموضوع ده وأنك ظلمته. وفي واحد سرق الدهب ولما اكتشفنا إن فيه حاجة مسروقة حطها في شنطتك عشان يداري على عملته. وهات أي حد من الشغالين عندك وخليه يعترف على نفسه. بس مقابل خروجه من السجن أنه يتنازل على كل أملاكه و وورثه من جده إللي إنت ماسكه. يعني يكتب على نفسه إنه يعتبر بره العيلة هو وأبوه. وحلال عليك الملايين إللي هتكسبها من ورا صبحي الحداد. سلام."
وافق (خالد) التنازل على كل شيء يخصه في الوقت الحالي أو فيما بعد.
وخرج لنور الشمس أخيرًا بعد مرور عامين ونصف.
عندما خرج، وجد حبيبته ليدها طفل.
طفلته ليدها طفل من شخص غيره.
ليس هذا هو ما قهره، بل إنها بدت راضية عن حياتها وسعيدة وسط أسرتها الصغيرة.
قرر أن يذهب لصديقه المخلص بالنسبة له (مظهر) ليجد معه حل لإعادة حبيبته إليه.
فقال له بعد ما أبدع في دور التفاجئ من خروجه من السجن:
"هو مفيش حل غير أدهم يموت أو يتسجن أو يخسر فلوسه. وعمك يجيي ياخد بنته، وساعتها ممكن يجوزك ليها. لأن إنت قلت إنك اتنازلت عن كل فلوسك. يبقى مفيش حاجة تمنع."
صمت لبرهة وكأنه يفكر في حل معضلة صديقه.
ثم قال:
"أنا عندي فكرة، هي أنتقام شويه بس من غير ما حاجة تحصله. هو مسافر أسكندرية يعمل شغل بدل أبوه عشان تعبان. إيه رأيك نخسره شغله ده عن طريق حادثة عربية بسيطة على الطريق تكسره وتخليه يرجع تاني والأجتماع يفوته."
قال (خالد) معترضًا:
"لأ يا مظهر أكيد مش هعمل كده. أنا مش هدفي أذيه، أنا بس عايز عبير ترجعلي تاني، بس."
رد عليه بمكر:
"والله براحتك بس عايز أقولك إنه هو إللي سجنك عشان متجيش تعمل حاجة ليه هو و مراته، وهو إللي سخن عمك عليك. بس عمك بقى عمل حركة جامدة لما خلاك تتنازل عن فلوسك. هو دمر لك حياتك وضيع من حياتك سنتين ونص، وكانوا هيكونوا خمسة لولا عمك."
ثم أكمل بفحيح يوسوس له كأبليس:
"هو دمرك وسرق حب عمرك. لو منتقمتش منه يعتبر كده اكنك أتنازلت عن حبيبتك. إنت خسرت فلوسك و عمك و عيلتك وحب عمرك وسنتين ونص من حياتك، بسببه هو، أدهم القماش السبب. أنا بعمل معاه كده عشان هو دايمًا متكبر وبيعملني وحش وشايف نفسه الكل في الكل."
"موافق، هعمل أي حاجة عشان أدمره."
ضحك (مظهر) ضحكة مكتومة بخبث ثم قال:
"على بركة الله يا صاحبي."
بعد مرور شهر.
جاء الموعد المحدد للاجتماع (أدهم) في مدينة الأسكندرية.
ودع زوجته وأبنه الذي لم يتم عامه الأول ووالدته ووالده المريض.
ثم ركب سيارته وتحرك بحماس للاجتماع وهو يتمنى أن تصبح الأمور كما يريد والده.
كان (أدهم) يقود السيارة بشرود يفكر في صغيره وزوجته التي أصبحت أحب البشر إلى قلبه.
وظل يراجع تعامله معها ومع عائلته الفترة الأخيرة.
وجد إنها علاقة مثالية، وإنه حقًا زوجًا مثالي وأب حنون وأبن بار.
لكن دائمًا يشعر بالتقصير في حقهم.
يريد أن يقضي معهم أكبر وقت في حياته، وفي نفس الوقت يريد أرضاء والده في الشركة الذي أصبح هو المسؤول عنها في الفترة الأخيرة.
وإذ فجأةً وهو يفكر، جاءت سيارة من أمامه بسرعة رهيبة واصطدمت به.
تجمعت حولهم الناس وطلبوا النجدة وأخذوهم على أقرب مستشفى.
تأذى كثيرًا.
تكسرت عظامه ورأسه وكسرت يده اليسرى وظل في المستشفى لمدة أسبوع.
ثم رحل إلى البيت مع عائلته.
قالت (عبير) بحنان وهي تجلس بجانبه على طرف السرير:
"الف سلامة عليك يا حبيبي، متزعلش نفسك عشان الشغل إللي راح، حصل خير، المهم إنك تكون كويس وبخير وترجع زي الأول."
تنهد بضيق ثم قال:
"أنا زعلان بس عشان أبويا كان نفسه يخلص الشغل كله وأنا كنت مكانه، دلوقتي إحنا الاتنين في البيت مين هيمسك الشركة. كان نفسي أعمل إللي هو عايزه وأفرحه، وكمان كده هتعبك معايا أوي وإنت كفاية عليكي رحيم."
قالت بضيقٍ زائف وهي تضربه بخفه على كتفه السليم:
"متقولش كده تعب إيه بس، إنت ومامتك وباباك في عيوني، ورحيم طالع هادي زي أبوه الحمدلله مش زيي."
رد عليها مبتسمًا بحب وعيونه أعربت عن ما في قلبه لها:
"والله مفيش حد زيك، ولا هيجي حد زيك، ربنا يباركلي فيكي ويديمك ليا."
"الحنية دي بتخليني عايزة أعيط."
قالت هذا وقد لمعت مقلتها بالدموع.
قال بضيق زائف:
"ما أنا عارف ست نكدية."
طرق باب غرفتهم ففتحت بعد ما أخفت خصلات شعرها الأسود لتفتح للطارق الذي كان (مظهر).
طلب مستأذنًا أن يدخل، فأفسحت له وهي تُشير للداخل بدون ترحيب.
فقال هو لصديقه:
"الف سلامة عليك يا أبو رحيم، تعيش وتاخد غيرها."
ردت عليه (عبير) بانزعاج واحتجاج:
"لأ إن شاء الله أخر مرة، أنا رايحة أشوف بابا يا أدهم عقبال ما صاحبك يطمن عليك."
قال (أدهم) مرحبًا ومعتذرًا له على طريقة زوجته معه بعد ما خرجت زوجته:
"معلش يا مظهر هي مضغوطة شوية عشان عليها حاجات كتير تعملها."
"ولا يهمك يا صاحبي، المهم إنت عامل إيه، مش عايزك تشيل هم الشركة والشغل كلهم تحت عيني، أنا هحاول ابقى مكانك إنت ومحمد باشا على أد ما أقدر."
"تُشكر يا مظهر، بس محدش يتصرف مكاني ولا أنا ولا أبويا أنا عارف إنك قصدك خير طبعا، بس مش عايز اتعبك ومحدش في الشركة يتصرف من دماغه، كلها كام يوم وارجع احسن من الاول ان شاء الله."
تبدلت ملامحه الى جمود ثم رد عليه بابتسامة زائفة:
"مكنش قصدي اكيد مكانك يا أدهم محدش يقدر يعمل كده، قصدي رد جِميله من الجمايل إللي عليا ليك ولل باشا، بس براحتك ولو عايز أي حاجة أنا موجود."
"تُشكر يا صاحبي."
خرج من الغرفة وقلبه مليئ بالحقد والبغض.
قرر في نفسه أن يُخسره شركته وحياته وزوجته وأبنه ولن يتركه يعيش بسلام.
أرسل جواب هذه المرة لـ(خالد) الذي يُقيم في فندق في القاهرة، يبلغه بالخطوة التالية للانتقام من (أدهم) وهي:
"أحب أقولك يا خالد أن أدهم الحمدلله اتكسر وبقى قاعد في البيت وحالته زي الزفت خصوصًا زعله على أبوه وخوفه على مراته في إنها تشيل البيت كله لوحدها، مراته إللي سارقها منك. المهم ندخل في الخطوة الجاية وهي هنخرب في الشركة، هخسره كل شغله وفلوسه هخليه يتحسر يا صاحبي زي ما خلاك تتحسر على حبيبتك، هحتاجك يا صاحبي جنبي."
بالفعل لِعب في أوراق الشركة والأتفاقات والمال بدون علم أحد وسرق أوراق هامة، أخسرته الكثير من العملاء.
وظلت الخسائر تُلخق به من جميع الجوانب وحالته النفسية تدهورت.
_خصوصًا_ بعد ما جاءت سيارة سريعة واصطدمت بأمه التي كانت مع خادمتها لتُجلب طلبات البيت وبعض الأعراض لها.
و_بالطبع_ تسبب في ذلك الحادث (مظهر) الذي أستأجر رجل ليُنفذ الحادثة واتفق معه أن تكون الإصابات سطحية دون التعرض لأذى كبير.
نزل (أدهم) شركته بعد ستة أشهر كان يتعافى من الحادث ويجلس مع والديه المريضان، ويحمل الهم عن زوجته قليلًا.
بعد مرور شهرين من نزوله الشركة واستصلاح ما مر عليها من مصائب، انتكس ثانيةً بسبب موت والده المريض بأزمة قلبية حادة.
ولحقته أمه بعد بضعة أشهر حزينة على زوجها وعلى حالها.
ظل (أدهم) وحيدًا بعد وفاة والديه الذي كان يفعل كل ما بوسعهِ لكي ينول رضاهم.
أختفت أبتسامته الساحرة وملامحه الجذابة شحبت مع لون بشرته.
كبر أعوام على أعوامه، المصائب تنزل عليه واحدةً تلو الأخرى.
أبنه مرض بسبب تلوث في بطنه وكان في أسوء حالاته.
و (عبير) تواسي زوجها بقدر ما استطاعت.
كانت تتذكر أمها هي الأخرى التي تركتها في العالم وحيدة مع أب قاسي.
جاء (خالد) عزاء (جميلة) أم (أدهم) ليراه مكسورًا.
وبالفعل كان مكسورًا ومحبطًا من الحياة.
كان جالسًا يبكي بصمت شريد كأنه انفصل عن الحياة.
لم يسمع صوت الشيخ وهو يقرأ القرآن في العزاء ولا الناس الذين يدخلون يأدون واجب العزاء.
منظره يحطم القلب فمن يصدق أن هذا المكسور وهو (أدهم محمد القماش) الذي ابتسامته لم تفارق وجهه.
قال (خالد) بغرور وهو يقف أمام (أدهم) بشموخ:
"البقاء لله يا أدهم باشا، عقاب ربنا ليك عشان بتاخد حاجة مش بتاعتك."
لم يسمعه ولم يرفع رأسه من الأرض وظل كما هو شاردًا يبكي بصمت.
حتى لكمه (خالد) في وجهه بقوة أطلعته من شروده ووقف يحدق به بشر ثم يرد له الضربة بأقوى منها.
جاءت (عبير) مهرولة من الداخل عندما ركضت لها الخادمة التي تقدم المشروبات للضيوف وحكت لها عن ما حدث.
تصارعت دقات قلبها حين رأته، حبيب عمرها الأول التي فارقته خمس سنوات.
حتى بعد ما علمت إنه خرج من السجن من أختها بعد نصف المدة لم تراه ولا مرة.
فصل بينهما أصدقاء (أدهم) والناس.
هرولت (عبير) إلى (أدهم) وتركت (خالد) قائلة بقلق:
"أدهم حبيبي إنت كويس، حقك عليا، تعالى ارتاح."
قال (خالد) لها بسخرية وتهكم:
"أدهم حبيبي، حلوه حبيبي منك يا عبير، طب لو هو حبيبك أنا مين."
ثم أهدر بصراخ:
"هو حبيبك طب أنا مين، مش أنا خالد إللي عمرك ما هتحبي زيه، حبيبك إللي هتعملي أي حاجة عشانه وعشان تكوني معاه، مش ده أدهم القماش اللي متعرفهوش، ضحكتي عليا ليه؟."
قالت ببكاء وهي تمسك بيد (أدهم):
"خالد والله عمري ما ضحكت عليك، كل حاجة كانت صدفة، والكلام إللي بتقولوا ده عيب لإني ست متجوزة وعندي أبن وإحنا في مكان مش مناسب للكلام ده، ممكن تقدر الظروف إللي إحنا فيها من فضلك."
ضحك بتهكم ثم نهض وقال:
"حاضر يا أم رحيم."
رحل من المكان وظل (أدهم) واقف في مكانه.
ثم نادى بصوت عالي على (مظهر) فجاء له مسرعًا.
فأهدر فيه بانفعال:
"إنت مش المفروض واقف تستقبل الناس إللي داخلين العزا، الزفت خالد الحداد دخل الڤِلة إزاي."
"معرفش يا أدهم إنه جِه اصلا، كنت مع الناس بره، حقك عليا."
نظر (أدهم) للناس ثم قال بهدوء:
"سعيكم مشكور كلكم وأسف على إللي حصل قدامكم."
ثم دخل ڤِلته حيث مقر عزاء النساء وفي الخارج في الحديقة الواسعة عزاء الرجال.
طلع لغرفته ولحقته (عبير) بعد ما أمرت الخادمات بتولي الأمر نيابةً عنها حتى تنزل من غرفتها.
"أدهم والله ماكنت أعرف إنه هيجي حقك عليا والله أسفة متوقعتش عشان هو أصلا مجاش في عزاء باباك."
بكى!
هل في يديه شيء آخر غير البكاء على حاله وعلى ما وصلت إليه شركته ونفسه وحياته، ثم فقدان والديه ومرض إبنه.
ربتت زوجته على كتفه وضمته إلى صدرها وأخذت تهدهده كما تفعل مع ابنها وتقول له كلمات مواساة له وهي تبكي معه على العائلة التي أحبتها وأكرمتها وعوضتها عن حنان الأب والأم.
رواية ماضي لا يغتفر الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ريتاج ابو زيد
في مكانٍ آخر، عاتب (مظهر) (خالد) لأنه جاء لهم، وهو كان رافضًا ذلك. فرد (خالد) بصرامة:
- مظهر، لو خلصت زعيق، اقعد عشان عايز أسأل حاجة مهمة.
رد عليه بغضب:
- قول.
- مظهر، إنت ليك علاقة بموت أبوه وأمه؟
- أكيد لأ، هو أنا سفاح يا خالد.
- يعني صدفة يموتوا ورا بعض هما الاتنين؟
- قدر ربنا، ربنا قادر على كل شيء.
- إنت بتعمل كده ليه مع الناس إللي ربيتك واعتبرتك ابنهم؟
زفر بضيق ثم قال بحزم:
- امشي يا خالد، خليني أروح لأدهم والناس.
- ماشي يا مظهر، افتكر إني أه مش بحب أدهم وهو سرق حبيبتي، بس مش عايز أذيه تاني، كفاية عليه كده عملنا فيه كتير. أنا هتكلم مع عبير وهسألها لو عايزة تتجوزني وتطلق منه، هعمل المستحيل عشانها. بس لو قالت لأ، ربنا يباركلها.
رمقه (مظهر) بحدة، ثم أهدر فيه بانفعال وهو يمسكه من تلابيبه:
- إنت عبيط يعني؟ أنا بعمل كل ده وفي الآخر تقولي ربنا يباركلها؟ لأ يا خالد، هتفضل معايا لغاية ما أدمر أدهم على الآخر. عايزاه يبقى لوحده ويترمي في الشارع. أنا كده خلصت من أبوه وأمه، فاضل مراته وابنه. لو خايف عليها خدها واهرب، مش همنعك، بس أدهم هخليه يتجنن، مش هخلي عنده حد.
رمقه (خالد) باستنكار واستياء وقال بحدة:
- إنت قتلت أبوه وأمه يا مظهر.
تركه (مظهر) ثم قال بصراخ:
- لأ، قلت لأ. أنا مش بنتقم من أدهم عشانك، بس عشان هو دايما بيعاملني وحش وشايف إني خدام عنده وأقل منه. وأبوه كان دايمًا عايز يعمل نفسه أبويا، ويعاقبني لما أغلط ويعلمني ويديني مصروف وأنا أسمع كلامه، مش عشان بحبه عشان مليش مكان أروحه.
- إنت مريض يا مظهر، بجد مريض. فين المشكلة إنه بيعلمك ويصرف عليك ويجبلك مكان تعيش فيه؟
نظر له (مظهر) بحقد ثم تركه ورحل متجِهًا إلى البيت الذي تربى فيه وغدر بأهله.
بعد ذلك اليوم بستة أشهر.
انقطع التواصل بين (خالد) و (مظهر). (أدهم) حالته النفسية تدهورت، غابت عنه ابتسامته، لم يعد هادئًا كما كان، بل عنيفًا صارمًا.
أرسل (مظهر) لـ(نبيل الحداد) جواب يخبره بما فعله بالشهور الأخيرة والخطوة القادمة:
- ليك وحشة يا حج نبيل، عارف أنا عملت زي ما كنت عايز. خسرت أدهم شغل كتير بعد الحادثة إللي عملتها، وبمجرد ما بدأ يتعافى خبط أمه بالعربية، وقبل ما يتعافى كليًا قتلت أبوه. أكتر واحد بكرهه في الدنيا محمد القماش. ليه بتقولوا إن أنا مريض؟ هو كان بيعاملني حلو عشان بيعطف عليا مش بيحبني. أنا مشوفتش منه حاجة وحشة أه، بس كان دايمًا بيعمل الحلو ليا عشان أنا طفل شوارع. بس بجد زعلت على موت ماما جميلة. أنا مقتلتهاش، عمري ما فكرت أقتلها، حتى لما بعت عربية تخبطها قولتلهم متتأذيش جامد، عشان كانت طيبة، ربنا يرحمها بقى. المهم عندي خطة هتخليك تاخد نص أملاك أدهم القماش، جهز نفسك. بس عشان تكون عارف أنا هندم خالد على إللي قاله عشان هثبتله إني مريض بجد.
قرر (أدهم) ترك بيت والديه وذهاب إلى بيتٍ آخر، لكن (عبير) رفضت أن تترك بيتها ودار بينهما شجار حاد، في النهاية تقبل كلامها وظلوا في الڤلة.
بعد مرور عدة أشهر وأخيرًا استقرت الشركة واستقرت حياته، وما أفرحه أكثر أن زوجته حامل، حامل للمرة الثانية بعد سبع سنوات من حملها الأول.
قالت (عبير) بعد ما أخبرت زوجها بخبر حملها في شهرها الأول:
- إن شاء الله لو ولد هنسميه محمد على أسم بابا محمد الله يرحمه، ولو بنوته وأنا أتمنى بنوته بصراحة هسميها جميلة على اسم ماما جميلة وأتمنى تكون جميلة زي سِتها.
ابتسم لها بحزن وقد أدمعت عيناه وضمها إليه بحنان ثم قال:
- أنا مش عارف كنت هعمل إيه من غيرك، أنا بحبك أوي أوي، صدقيني إنت أجمل حد في الدنيا، تُشكري على كل حاجة حلوة عملتيها معايا.
ثم قبل يديها ونظر لها بحنان وحب وأكمل بصوتٍ دافئ:
- إنت أحسن قرار في حياتي يا عبير.
ضحكت هي ثم أمسكت يده برفق وقالت:
- مين فاضل على عيد ميلاده يومين وهيكمل الاتنين وتلاتين.
ابتسم بعينيه نفس الإبتسامة الساحرة التي كانت لا تفارقه:
- وأنت لسه هتكملي التلاتة وعشرين سنة.
ضمها إلى صدره وهو يلف يديه حول عنقها برفق:
- بنتي الكبيرة وعبير حياتي.
في نفس اليوم اتصل (مظهر) بـ(نبيل) على هاتفه الأرضي الخاص به في مكتبه:
- إزيك يا حاج نبيل، جاهز للخطوة الدمار؟
- جاهز يا سيدي.
- أنا خليت خالد يتجنن لما عرف إن عبير حامل، كان بقالي كتير بقنعه وهو مكنش موافق على الخطة، بس أول ما عرف إنها حامل وافق علطول.
زفر براحة ثم أكمل بفخر بنفسه:
- أدوية فاسدة، العمال كلهم بصوا على الكراتين وحطوها في المخازن بتاعت الشركة عشان تتوزع بعد يومين في الصيدليات والمستشفيات. خالد هيسرق الأدوية دي ويحط مكانها أدوية تانية، وأنا الوقت ده هشغل الأمن بما إني مساعد المدير. خالد هيخلص ويمشي، والأدوية هتتوزع عادي عشان المفروض هتتشحن علطول، هتتفرق في الصيدليات وإحنا هنروح نشتري الأدوية دي ونبلغ عشان الموضوع يتنشر بسرعة والناس تعرف، والشركة تتقفل.
قال (نبيل) وقد رفع حاجبيه في دهشة من تفكيره الماكر:
- إنت دماغك دي فيها إيه؟ وبعدين إحنا هنستفاد إيه لما الشركة تتقفل أصلا، إحنا عايزين الشركة وفلوسه.
ضحك بسخرية ثم قال بفخر أكثر كأنه دخل موسوعة جينيس:
- اسمع بقى واعرف المعلمين بتفكر إزاي. أدهم هيتحبس والشركة هتتقفل. المهم أنا قايل لأدهم إن كاميرات المراقبة بتاعت المخزن فيها عطل ومش شغالة، بس هي شغالة عندي أنا على الكمبيوتر بتاعي، وأنا فصلتها عن كاميرات الشركة. الكاميرا هتكون بتصور من غير ما حد يعرف إنها بتصور، بعد كده هعطلها بجد وهفصلها من عندي بعد ما خالد يخلص عشان لما الشرطة تيجي تشوفها تعرف إنها فيها عطل فعلا.
تنهد ثم أضاف:
- بعد كده إنت هتروح لأدهم السجن وهي التحقيقات لسه شغالة وهتعمل زي ما عملت مع خالد، تديه دليل براءته مقابل نص أملاكه. في الأول هيرفض طبعًا، بس المحامي بتاع العيلة والشركة هيسمع كلامي أنا وهيخوف أدهم بالسجن وكمان قفل الشركة وإنه ممكن يتحبس لو مأثبتش براءته لمدة على الأقل خمس سنين، والشركة هتتقفل وإن موقف القضية صعب جدًا وأنا هقوله إن مراتك تعبانة بسبب حملها وابنك تعب جدًا والشركة اتقفلت، وكلام من ده هياخد وقت عقبال ما يوافق لكن أنا متأكد إنه هيوافق، حتى لو اضطريت أحط لإبنه أدوية سامة زي ما عملت قبل كده عشان يخاف عليه ويخرجله، وطبعًا مراته لوحدها، وهتستنجد بيك، وأنت هتعمل الخطة بتاعتنا.
وحدث ما خطط له بالفعل وخرج (أدهم) من السجن ببراءة ودخل مكانه (خالد) بعد ما عرض (نبيل) أمامهم الفيديو المسجل من كاميرا المراقبة، وعندما سألوه من أين أتى بهم كذبًا (مظهر) و (نبيل) عليهم وقالوا إن العطل حدث بعد تبديل الأدوية بأخرى بواسطة (خالد) وإنهم وجدوا هذا الفيديو في الحاسب الخاص بكاميرات المراقبة بعد وقت طويل. وأضاف (نبيل):
- يا باشا خالد بيحب بنتي أوي، وبنتي زوجة أستاذ أدهم القماش عشان كده وهو عمل كده. الكاميرا كان فيها عطل أه بس صورت وسجلت كل حاجة، بعد كده باظت خالص زي ما حضرتكوا شوفتوا، ومظهر كان بيدور على دليل براءة صاحبه، وشاف بالصدفة الفيديو.
بعد عدة إجراءات وتحقيقات تم الحكم على (خالد) خمس سنوات مرة أخرى.
بعد مرور يومين.
ذهب (مظهر) زيارة لـ(خالد) فاستقبله الثاني بحدة وصرامة:
- كل إللي حصلي بسببك إنت يا مظهر، قولتلك سيب عبير خلاص ربنا يبارك لها لو مش عايزاني، وكفاية إللي حصل في أدهم. مش عشان أدهم صعب عليا عشان الموضوع بدأ يبقى خطير، خصوصًا إني متأكد من إن إنت ليك علاقة بموت أبوه وأمه، وفي الآخر تتخلى عني وتطلع بتصورني.
كان (مظهر) يبتسم باستفزاز ونظرات منتصرة ثم قال:
- والله يا خالد إنت أغبى من أدهم، على الأقل أدهم مش بعرف استخدمه، ويوم ما استخدمته في جواز عبير فضل يتأكد ويروح ويدور ويسأل، إنما إنت بتسمع إللي بقوله وبس.
اعتلت علامات الصدمة ملامح (خالد) وقال بصوت مهتز:
- يعني إيه تقنعه بالجواز من عبير؟
أخذ يضحك الآخر بهيستيرية حتى أدمعت عيناه واحمر وجهه ثم قال:
- إنت متعرفش إن أنا إللي جوزت عبير وأدهم لبعض، و متعرفش كمان إن أنا إللي حبستك عشان متزعجش العرسان في أول سنين حياتهم، و متعرفش إن أنا وعمك نبيل متفقين على كل حاجة وأنا إللي قولتله يخرجك من السجن بعد ما ياخد كل فلوسك، ومتعرفش كمان إني استغليتك عشان عشان انتقم من أدهم، وأنا فعلا قتلت أبوه، وأخيرًا وليس آخرًا أنا إللي حبستك هنا وهتفضل هنا خمس سنين، وأدهم بره خسر شركته ونص أملاكه وابنه تعبان وفي المستشفى، ولسه بدري أوي على النهاية يا خالود.
رحل (مظهر) بثبات وتنفس بعمق كأنه أخيرًا نال مراده، تخريب حياة الجميع هو الشيء الذي يسعى إليه هذا المريض، لكي يرضي غروره، هكذا دائمًا يحاول الفاشل أن يخفي فشله بتدمير حياة الآخرين.
بعد مرور شهور أخرى قفلت شركة القماش بسبب الخسائر الذي تعرض لها حتى بعد إثبات براءته.
جاء وقت الولادة، حالته كانت سيئة بعد أن وضع يديه في يد شخص منافق مثل (نبيل) لكن لم يهمه، هو قرر بعد ما تولد زوجته سيأخذهم ويعيشون في شقة صغيرة، لكي يتخلصوا من مصاريف خدم الڤلة ومصاريفها.
أنجبت فتاة اسمها (جميلة) ضمها والدها إلى صدره وقال والدموع ظاهرة في مقلتيه:
- جميلة، يارب يا بنتي تكوني وش خير علينا، أتمنى حياتك تكون سعيدة العمر كله، يارب يا بنتي تكبري وتكوني سند لينا ويجعلك الذرية الصالحة لينا إنت وأخوكي.
أخذ زوجته وأطفاله ورحل بهم إلى بيتهم الجديد الذي كان بالقرب من أختها (وفاء) التي توفى زوجها بعد خمس سنوات من زواجهما، وذهبت إلى بيت أبيها لكنه رفض أن تمكث معه بعد ما طردوها أهل زوجها من شقتها هي وصغيرها، وقال لها أن تتصرف بمفردها وأنها ليست صغيرة، فذهبت إلى أختها الكبرى (سلوى) لأنها الأقرب عليها وفي نفس المحافظة، لكن أختها ورثت صفات أبيها الغليظة وقالت لها لا يصح أن تجلس معاها لأن زوجها موجود، باتت هي وصغيرها بالشارع كما المتشردين، وفي صباح اليوم التالي قررت أن تذهب للقاهرة لأختها الصغرى.
عندما وصلت لها القاهرة الجميع رحب بها واستقبلتها (عبير) بحب بالغ، ووقف بجانبها زوج أختها وكسب لها قضية الشقة، لكنها قررت بيعها وشراء شقة أخرى بجانب أختها لأنها باتت وحيدة ولا تملك سوى صغيرها، فاشترى لها (أدهم) شقة بالمعادي، ورفض أن يأخذ المقابل وقال لها أن المال التي اكتسبته من بيع شقة زوجها تصرف به على ابنها.
بعد مرور ثلاثة أشهر.
قدم (أدهم) على عمل في شركة أدوية أخرى، وعمل بها كموظف براتب شهري بعد ما كان صاحب شركة كبيرة، أخذت الحسرة تدخل قلبه شيئًا فشيئًا، كان في أوائل الثلاثينات من عمره، لكنه بدا في بداية الخمسينات، لكنه بات متمسكًا بآخر ما لديه في الحياة، زوجته الوفية وأبناءه.
وفي يوم كانوا جميعهم يجلسون بجانب بعض على طاولة السفرة ويمرحون ويلعبون سويًا ويمزحون.
أخذت الطرقات تتسارع على باب الشقة، ففتح بسرعة للطارق الذي كان ضابط شرطة وقال بصرامة:
- إنت متهم بقضية قتل حماك نبيل الحداد.
جحظت عيناه وردد خلفه بصدمة:
- قتل نبيل الحداد.
- اتفضل قدامي خدوه.
صرخت (عبير) لا تعرف لماذا، هل لأجل زوجها أم والدها أم كلمة قضية قتل.
كانوا رجال الشرطة يضعون بيديه السلاسل الحديدية ويأخذوه بالغصب.
قال (أدهم) بارتباك وقلق شديد:
- ثانية واحدة والله العظيم هاجي معاك يا باشا ثانية، سيبني أنا رجل أعمال كبير ومحترم، ثانية يا باشا.
- عايزة إيه يا رجل أعمال؟
لم يرد عليه لكنه أشار لابنه الذي كان يقف مفزوعًا من المنظر وصراخ أمه وبكاء أخته المولودة:
- رحيم اتصل بعمو مظهر وخالته بسرعة وخليك مع ماما وخليك واثق فيا، بحبك.
ثم نظر إلى (عبير) التي افترشت في الأرض بعد أن أنهت صراخها وظلت شاردة ثم قال بقهر وهو يحاول أن يحبس دموعه في مقلته:
- والله يا عبير ما حصل، أنا أدهم القماش، أدهم القماش الدنيا جات عليه أوي، أنا مش للخوف يا عبير، أنا حبيبك.
أخذه رجال الشرطة عنوة وظل هو يصيح بصوتٍ عالٍ ممزوج بالبكاء والقهر:
- أنا مش عايز انهار عشانك يا عبير، لو إنت كمان اتخليتي عني والله ما هقدر أعيش، أنا مفيش حد جنبي، خليكي عشان خاطري، أنا مأذتش حد والله، ليه يارب.
قبل مجيء الشرطة بساعات في مكانٍ آخر بالقاهرة.
كان (نبيل) يتنقل بين القاهرة والقِنا، بعد ما بدأ مشروع في القاهرة وجاءت معه (فوزية) خادمة المنزل.
جاء له (مظهر) ومعه أوراق رسمية ليتقاسما المال وأملاك (أدهم) و (خالد).
قال (مظهر) بجمود:
- كده أنا عملت إللي عايزه مخلتش حد مع أدهم وخسرته كل حاجة، فاضل بس خطوة إني أخليه يتحسر على عياله خصوصًا بنته إللي لسه مولودة، بس الأول عايزين نتقاسم الفلوس مع بعض بقى.
رد عليه (نبيل) باعتراض وتهكم:
- فلوس إيه، إنت كنت عايز تدمرهم، وأنا كنت عايز الفلوس، خلصنا.
ضحك (مظهر) بسخرية ثم قال وهو ينتقي سيجارة من العلبة ليشعلها:
- لأ أنا كنت عايز أدمرهم واخسرهم فلوسهم عشان آخدها أنا وأدوس عليهم، بس عشان إنت ساعدتني إنت هتاخد فلوس خالد إللي هي أصلا بتاعت عيلتك، وأنا فلوس أدهم بتاعت عيلتي، وكده نكون خلصنا.
- ولا هتاخد جنيه واحد ده مش اتفقنا.
- عادي أنا برجع في كلامي.
- لأ ترجع في كلام إيه مفيش الكلام ده، أنا مش خالد ولا أدهم عشان تضحك عليا، أنا نبيل الحداد.
بتر حديثهم في المرة الأولى حين جاءت الخادمة (فوزية) تقول لسيدها بأنها ستخرج لجلب عدة أغراض للبيت.
قاطعهم في المرة الثانية رجل من رجال (نبيل) وهو يعطي له أوراق رسمية تخص عمله بأن يمضيها، فمضى عليها بسرعة دون أن يقرأ ما فيها لأنه يعرف أنه لديه أوراق كثيرة يريد توقيعها اليوم وطلب منهم يأتوا بها إليه.
بعد ما وقعها سلمها ذلك الرجل لـ(مظهر) فأخرج له مال من سترته.
قال (نبيل) بدهشة، وهو ينكر ما حدث أمامه:
- يعني إيه إنت عملت كده إيه، هو خد منك فلوس ليه؟
ضحك (مظهر) بصوت عالي ومال بكتفيه للأمام ثم قال بمكر وعينيه تشع بالفخر:
- يعني إللي قدر يخدع صاحب عمره والناس إللي ربوه ومهانش عليه ومحسوش بأي خدعة من ناحيته، إنت هتهون عليا أو هتحس إني بخطط لحاجة من وراك، يا راجل عيب عليك.
ثم قال وهو يقف ويهندم ملابسه ليستعد للرحيل:
- أنا طلبت منك فلوس أدهم، إنت قلت لأ، فأنا خدت منك فلوس أدهم وفلوس خالد وفلوسك.
تنهد ثم قال بابتسامة مبهجة:
- عارف فلوسك وأملاكك وأراضيك والبقر والخرفان والعجول والبيوت كلها بتاعتك بقت بتاعتي، إلا الڤلة إللي إحنا فيها دلوقتي، أصل المكان هنا زحمة ومش عاجبني فقلت أسيبهولك بدل ما تترمي في الشارع.
كاد (مظهر) أن يرحل لكن هجم عليه (نبيل) بحدة وأمسكه من تلابيبه وصاح صارخًا:
- أنا هوديك في ستين داهية، كل الجوابات والمكالمات إللي كانت بينا معايا هسلمها للشرطة وهحبسك.
رد ساخرًا:
- ده على أساس إنك مش مشترك معايا في الجرايم دي، يا جدع ده إنت كفاية إنك كنت بتنفذ بالحرف يا نبيل، نزل إيدك عيب.
لكمه (نبيل) بقوة، ثم لكمه مرة أخرى ثم مرةً أخرى.
أخذ يسقط عليه بالضربات واللكمات حتى أمسك الزهرية وكاد يفعلها ويضربه بها لكن تفاداها (مظهر) حينما أمسكها وركله بقوة في بطنه مما أدى إلى فقدانه توازنه، تعثرت قدمه في طرف السجادة، فاندفع نحو الطاولة، واصطدم بحافتها الحادة، بعد ذلك صبغت ملابسه بلون الدماء.
جحظت عين (مظهر) وأخذ العرق يتصبب من وجه بشدة، ألقى نظرة عليه فوجده مازال يتنفس، فأمسك هاتفه لكي يتصل بالإسعاف والإنقاذ، لكنه تراجع خوفًا من أن يموت ويتهم بقتله _خصوصًا _ مع الأوراق التي تثبت تنازل (نبيل) على أمواله وأملاكه له، فقرر أن يمزق تلك الأوراق ويغادر وكأن شيئًا لم يكن، لكنه نسي شيئًا مهم، وهو الأوراق التي أعدها لتقسيم الأموال، التي رفض (نبيل) توقيعها في البداية.
لم يلاحظ العينين المراقبين له كالصقر، عندما رحل هو مسرعًا، ظهر صاحب العينين الذي يراقبهما من البداية منذ الجلسة الأولى بينهما وشاهدًا على أفعال الاثنين (سلوى) ابنته الكبرى.
رواية ماضي لا يغتفر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ريتاج ابو زيد
نزلت من أعلى حيث الطابق الثاني من المنزل بترقب شديد ويداها مرتعشتين، تنظر حولها بحذر شديد وعينان دامعتان.
"أنا آسفة يا أبويا، بس إنت لازم تنقل كل حاجة باسمي قبل ما تموت. أنا كنت عارفة كل حاجة بتعملها مع الكلب مظهر، عارفة كل حاجة من البداية، وكنت مستنية اللحظة اللي أواجهك فيها وأقولك تكتب كل الفلوس اللي عملتها وسرقتها ليا، عشان مروحش أقول كل حاجة لعبير."
توقفت لبرهة تمسح دموعها.
"إنت اللي علمتني الأنانية، كل اللي عمله مظهر أنا هاخده على الجاهز. تخيل خالد وأدهم بينهم حرب عشان الكتكوتة الصغيرة، بس خلاص أنا أحق واحدة بكل حاجة في الدنيا. الفلوس بتخلي الناس خاضعين وخدامين تحت رجلك، وأنا هعمل كده في عبير وجوزها ووفاء الشحاتة. هتسألني ليه؟"
زفرت بحدة.
"عشان أمي دايمًا بتحب عبير ووفاء أكتر، دايمًا تقول إني شبهك في صفاتك وإني أنانية، وكانت فرحانة إني اتجوزت عشان كنت بضرب عبير. وإنت أب بشع وشخص بشع لكل الناس وإخواتي بيكرهوني وجوزي بيعيشني خدامة عند أهله ومش بعرف آخد حقي. بس عشان أبين إني مش أقل من حد بوهم الناس إني مبسوطة. دلوقتي هدمر عبير ووفاء زي ما مظهر عمل مع خالد وأدهم."
لم يقدر هو على الكلام، أو طلب النجدة. لم يستطع مقاومة ابنته التي ركضت للمطبخ لترتدي قفازًا ومريلة ومناديل منعًا لاتساخ ملابسها أو الأوراق بالدماء. وقبل أن تفعل ذلك، لاحظت وجود الأوراق التي أنساها مظهر ووضعتها في حقيبتها.
أمسكت إبهامه وأخذت بصمته على الأوراق التي أعدتها مسبقًا لأي لحظة كهذه.
بعد أن انتهت، وضعت الأوراق بحقيبتها. وبعد ذلك أخفت أي دليل يدين مظهر. وبعد ذلك أمسكت رأسه بيديها ودفعتها بقوة على الأرض، فصمتت حركة عيناه، وسكتت أنفاسه للأبد.
أمسكت رأسه ثانيةً ووضعتها على فخذيها، ثم صرخت بقوة كأنها تفاجأت من موت أبيها بهذه الطريقة.
تجمع حولها الخدم وأمن حراسة البيت، ودخلت من بينهم الخادمة فوزية متعجبة وملامحها تنطق بدل لسانها بأشياء لم يفهمها أحد.
عندما رحل مظهر، الذي لم تتسخ ملابسه ببقعة واحدة من الدماء، فكر في طريقة لكي يبعد عنه الشبهات. فقرر اتهام أدهم بأنه القاتل. والسبب موجود، وهو أن نبيل أخذ منه نصف ما يملك، فقرر الانتقام منه، ففعل هذا.
صاح بأعلى صوته في نفس الرجل الذي جلب له الأوراق من قبل لتوقيع نبيل، وقال له على ما يريده. فرد عليه الآخر:
"خلاص هنخلي كل الناس اللي شغالة هنا تشهد إنك مشيت من بدري، وهتصل بالشرطة وأقول إننا شاكين إنها جريمة قتل، واللي ارتكبها أدهم جوز بنته."
جاءت الشرطة بعد ما نفذ مظهر خطته مع الرجل. صدمت سلوى من تفكيره وخطته وابتسمت بخبث وغل دفين. انتهت الشرطة من التحقيق معها، وشهدت لصالح مظهر.
"أيوه أنا عندي شك إن ممكن يكون اللي عمل كده أدهم. أنا كنت واقفة في المطبخ حتى المريلة الطبيخ لسه عليا، وسمعت صوت تكسير، بس مخرجتش علطول كنت فاكرة إنه الكلب بتاع أبويا، وبعد كده مسمعتش صوت تاني عشان المطبخ بعيد عن مكان أبويا. بس أنا مشوفتش حاجة ولا سمعت صوت غير تكسير، واتضح لي إن صوت التكسير كان المزهرية، بس أنا مشوفتش أدهم ولا حد."
"متقلقيش يا مدام لو دي جريمة قتل هنجيب حق أبوكي."
ورحل بعد ذلك إلى بيت أدهم لكي يأخذوه من بين أسرته.
"أستاذ أدهم، كل الناس شهدت ضدك، حتى صاحبك مظهر قال إنك قلت قبل كده قدامه إنه شخص غدار ومنافق وعايز تنتقم منه بسبب الفلوس اللي أخدها منك."
أردف بإنكسار ونبرة مبحوحة متحشرجة:
"والله العظيم أنا مقدرش أعمل كده، أنا أقتل حمايا إزاي يعني، أنا كنت في شغلي بعد كده اشتريت شوية حاجات لعيالي ومراتي ورجعت البيت."
رد عليه بجمود:
"عندك أي دليل يثبت إنك بريء؟"
"ما الدليل إني مروحتش عنده البيت وكنت في وقت ده في السوبر ماركت، هو حضرتك ليه بتقول إنه اتقتل ما ممكن يكون وقع عادي ومات."
"وبالنسبة للزهرية اللي اتكسرت وقعت إزاي والمكان اللي كان باين إنه مكانه عركة ومكركب وكل الناس شاهدة إنك كنت بتفكر تقتله، بس إنت ذكي أوي مفيش ولا دليل ولا بصمات، عشان كده عقبال ما نثبت مين القاتل هتفضل على ذمة التحقيق."
بعد ثلاث أيام من يوم الوفاة.
دُفن نبيل في قنا حيث مقر مقابر العائلة. بعد العزاء اجتمع بناته في مكتب المحامي الخاص بأوراق وإدارة أعمال العائلة حتى يُقسم بينهن الميراث.
بما إن تنازل صبحي وخالد لنبيل عن حصتهم في الميراث، كان من المفترض أن يُقسم بين الثلاث فتيات، لكن سلوى فاجأتهم عندما أخرجت الورقة التي تُرجع جميع الأملاك والأراضي والبيوت والأموال لها هي فقط.
قالت عبير وهي تضيق عينيها وينكمش ما بين حاجبيها:
"أبويا عمره ما قال حاجة زي دي لواحدة فينا يا سلوى، ليه أصلاً يعمل كده؟"
عقب المحامي هو الآخر عاقدًا ما بين حاجبيه بتفاجؤ:
"أنا مش عارف حاجة عن الورقة اللي بتتكلمي عليها."
زفرت هي.
"أبويا قالي متعرفيش إخواتك بحاجة، وأنا سمعت الكلام. هو قالي أنا عايز أعمل زي ما أبويا عمل، أخلي أملاكي وفلوسي مع أعقل حد."
تنهدت ثم أردفت بتكبر وهي تدحرج عينيها بين عبير ووفاء باستحقار:
"أظن يعني مفيش أعقل مني، مش هيسلم أملاكه للدلوعة الصغيرة مرات المليونير النصاب صاحب شركة الأدوية الفاسدة واللقب الجديد القاتل، ولا حتى هيسلمها لوفاء اللي جوزها ميت وإخواته طردوها من البيت، وبتشحت اللقمة لابنها وبت بات في الشوارع."
نهضت عبير بانفعال.
"إنت على آخر الزمن تقولي على جوزي أدهم القماش نصاب؟"
وقفت أمامها سلوى.
"أدهم القماش النصاب قتل أبوكي."
ردت بانفعال وهي ترفع سبابتها في وجهها:
"أدهم عمره ما يعمل كده وزي ما اتظلم قبل كده في قضية الأدوية وفي الآخر ربنا نصره هيحصل كده المرة دي، كفاية حقد وأنانية عشان إنت ولا حاجة أصلًا."
نظرت سلوى إلى المحامي الذي كان يحاول التهدئة بينهم، ثم إلى شقيقتها الواقفة ترفع سبابتها في وجهها بحدة، وإلى الأخرى التي كانت واقفة بانكسار.
"على آخر الزمن الشحاتة ومرات القاتل النصاب هيرفعوا صوابعهم عليا وهيعلوا صوتهم عليا."
رمقتهم باستعلاء وتكبر ثم ابتسمت باستفزاز.
"متخافيش بما إنك إنت أرملة والتانية هتترمل قريب بإعدام القاتل جوزها، هبعتلكم مصروفكم كل شهر عشان معاكم أطفال."
اقتربت منها عبير بثقة.
"عبير مرات أدهم القماش مبتستناش مصروف من حد يا سلوى، ولو إنت آخر واحدة في الدنيا عمري ما أتذل ليكي لو أنا وعيالي هنموت من الجوع، وجوزي هيطلع وهتشوفي."
ثم غادرت من مكتب المحامي وخلفها وفاء.
"خلاص أنا هرجع تاني القاهرة مش عايزة ورث ولا حاجة مع إن نص فلوس جوزي معاها، بس في داهية، أدهم أهم ولازم يطلع مش هضيع وقتي مع أنانية زيها."
بعد مرور أسبوعين من يوم الوفاة.
أخذت التحقيقات وقتًا طويلًا، خصوصًا مع عدم وجود بصمات على الجثة نهائيًا أو أي دليل. لكن في النهاية أثبتت براءته بشهادة مدير الماركت الذي ابتاع منه بعض الطلبات لمنزله، ومع عدم وجود بصمات أو دليل واضح ضده.
في يوم إطلاق سراحه وفي مكانٍ آخر.
طلبت سلوى من مظهر أن تقابله لأنها تريد منه شيئًا مهم، ودعته إلى بيت والدها في القاهرة. في البداية استنكر الموضوع، ولكن مع إلحاحها الشديد قرر الذهاب إليها.
أجلسته في مكتب والدها في ذلك المنزل، وظلت صامتة باسمة الوجه وتحدق فيه بنظرات أرعبته.
"يا مدام سلوى حضرتك قلتي عايزة نتقابل في بيت أبوكي وأنا جيت، بس إنت مش عايزة تتكلمي."
"إنت مستعجل ليه كده، عايزني أدخل في الموضوع دوغري."
رد عليها بحنق وهو ينتقي سيجارًا ويشعلها بقداحته:
"أتمنى."
مالت بجسدها للأمام.
"عايزة أكمل اللي أبويا كان بيعمله."
تبدلت ملامحه من ثبات إلى توتر. ابتلع ريقه.
"هو أبوكي كان بيعمل إيه."
أسندت ظهرها باسترخاء وابتسمت بملامح باردة.
"متقلقش كده، أنا عارفة كل حاجة عملتها مع أبويا، من أول ما جيت ساعة عزاء أمي أول مرة، لغاية ما روحت تقتله وتاخد منه كل فلوسه وتضحك عليه."
أخذت حبات العرق تتصبب من جبينه.
"إنت إزاي تعرفي كل حاجة وساكتة، مين قالك هو؟ وإزاي كل حاجة منقولة باسمك."
قصت له ما حدث عندما رحل وترك والدها، حيث إنها أعدت الورق لوقت طارئ مثل هذا، ومسحت جميع البصمات التي ترجع إلى مظهر. ارتدت مريلة الطبخ والقفاز، وانتهت من فعل كل شيء.
"أنا سمعت كل حاجة لما أنت جيت أول مرة، بس طبعًا أنا عندي بيت ورجعت له، عشان كده زرعت ليا عين في البيت عند أبويا عشان أعرف كل حاجة انت عايز تعملها."
ارتسمت على وجهها السعادة كأنها فازت في الأولمبياد.
"دلوقتي إنت دمرتهم فعلاً يا مظهر برافو، خالد في السجن للمرة التانية وأدهم حالته زفت وكان على وشك الإعدام."
أطلقت تنهيدة قوية.
"إيه رأيك نعمل خطة حلوة مع بعض نطلع كلنا كسبانين."
"أنا مش فاهم إنت بتعملي كده ليه، إيه هدفك."
"نفس هدف أبويا، أبويا عمل كده عشان طماع، بالرغم من إنه أقنع جدي ينقل كل أملاكه باسمه، وذل عمي كتير أوي لغاية ما كتبله كام حاجة، وفاكر نفسه كده إنه بيفضل على أخوه الشحات ومعيشه حياة كريمة هو ومراته وابنه. أنا عايزة أعمل كده مع أخواتي."
انتقى سيجارة أخرى أشعلها وأخذ يدخل هوائها بين رئتيه ثم نفثه.
"قولي الخطة، أنا معاكي."
حمحمت بطريقة رسمية.
"هننصب على أدهم، هتقولوا يكون شريك في شركة مع واحد مهم جدًا وأمين، بس عايز فلوس شوية، وإنت صاحبه وتقدر تقنعه، وإحنا هنخطط كل حاجة ونجيب ناس تنفذ وكل حاجة هنتفق عليها بس أسمع رأيك."
صمتت تترقب تعابير وجهه.
"وأنا هخلي الشركة اللي شغال فيها ترفضه وهو ساعتها هيكون محتاج لأي حاجة، بس إنت هتظهر على حقيقتك لأنك هتمضيه على الورق واللي هينقل بقيت أملاكه وفلوسه ليك، وساعتها كده هتكون خلصت من الصداقة بينك وبينه وفي نفس الوقت معاك حاجات كتير أوي، ومنها الفيلا اللي كنت عايش فيها بصفتك خدام، فيلا محمد القماش لإن هناخد كل حاجة بغرض الشراكة، وكسرت عين أدهم العمر كله، وأنا مش هخليه يشتغل في أي شركة من الشركات خالص، هخليه قاعد جنب مراته، وإنت تكون طلعت بالفلوس بدل ما إنت معندكش حاجة كده."
لمعت عيناه بشر.
"إنت طلعتي أذكى من أبوكي، كنت فين من زمان بجد، تسلم أفكارك، بس إنت عارفة هتنفذي إزاي."
ردت بثقة.
"أكيد مليون في المية أنا أذكى، أنا هجهز كل حاجة، عليك إنت بس تقنعه بالشراكة في الشركة."
"تفتكري أدهم هيوافق خصوصًا إنه بيحب يتأكد من كل حاجة بنفسه الأول وبيسأل كتير."
"أنا عاملة حساب كل حاجة متقلقش، الموضوع هياخد وقت بس كله على الله."
نفذت سلوى خطتها بعناية. وبعد فترة طويلة وشهور عديدة، ظل أدهم عاطلاً عن العمل بسبب سلوى التي أساءت إلى سمعته بشكل متزايد، وقدمت شكوى في الشركة التي كان يعمل بها، أدى في النهاية إلى فصله من الوظيفة.
نجح مظهر بإقناعه في الشراكة في تلك الشركة، على الرغم من إنه رفض ذلك رفضًا قاطعًا من البداية لأنه لا يملك المال الكافي وحتى يُدبر المال سيضطر إلى بيع فيلا والده وأشياء عديدة، لكن في النهاية وبعد محاولات عديدة ومريرة وافق.
ظلت عبير غاضبة منه لأنها لم تثق في مظهر بتًا، والثقة شرعت تقل مع كل موقف وكل يوم.
قال أدهم بطبعه البريء الحنون كالعادة يسترضيها:
"والله يا عبير مش قدامي حل تاني، أنا داخل في السنة من غير شغل، خليني أروح أبيع الحاجة وأكون شريك في الشركة، إنت عارفة إني شاطر وبحب شغلي جدا وهنجح إن شاء الله."
"أنا مش بحب مظهر، بجد مش واثقة فيه يا أدهم، ومش عايزة أبيع فيلا أبوك، أنا بحبها أوي وهزعل عليها."
أقترب منها يضع يديه على رأسها ويحسس على شعرها برفق.
"مفيش حل غير كده قدامي، أنا رفضت الأول بس إنت شايفة إحنا عندنا أولاد ومسؤولية ولازم نأمن مستقبلهم، عيالنا بيكبروا يا عبير."
أطلقت تنهيدة بثقل.
"اعمل اللي يريحك يا أدهم، أنا معاك في أي حاجة، بس الفلوس اللي في حساب رحيم وجميلة متخدهاش، فلوس العيال لأ يا أدهم."
مرت أيام أخرى وشهور كثيرة ومظهر يضع الخطط هو وشريكته الجديدة حتى يقبل أدهم بالشراكة وتنفذ بقيت خططهم. في النهاية حدث ما أرادوا.
تدمر أدهم أمسى ليس لديه شيء، لا يملك شيء، أملاكه، أمواله، عائلته، بيت عائلته، نفسه، ضحكته الساحرة، ثباته، هدوئه، حياته، كل ما كان يملكه تبخر.
الصدمة الكبرى في صديق كان يعامله بالحسنة، صديق كان أخ بالنسبة له، غدر بشع من شخص حقير كان في يوم أعز ما نملك في الحياة.
شعور بالخذلان والتوهان والصدمة، اجتمعت المشاعر الثلاثة الأسوأ في شخص حنون رقيق الصفات، من شخص لا يعرف للحنية طريق، ناكر للجميل، خائن، كذاب يحمل صفات إبليس.
بهتت ملامحه ضاعت أحلامه وحياته لم يتبقى له سوى بيته بالمعادي تلك الشقة الجديدة التي سجلها باسم زوجته.
الصدمة سيطرت على حياته وعلى حياة من حوله، ابنته الصغيرة الذي كان يحملها بحنان ويضمها إلى صدره ويهدهدها حتى تنام ويبدل لها ملابسها وحفاضتها أمسى يختنق من صوت بكائها ويرفع صوته على طفلة تخطت عامها الأول من شهور قريبة.
نفس التصرفات يفعلها مع زوجته وابنه الأكبر، تحول من شخص إلى آخر. لم تقبل به شركة للعمل بها، لم يستطع العجز هكذا، وقرر العمل بأي شيء، لكنه فشل في ذلك.
مرت الأيام والشهور والسنوات، وفي كل يوم يفقد جزءًا من روحه والخير الذي في قلبه، يتبدل بالشر والغل والحقد.
وظلت الأيام تبدله هكذا وكل يوم صدمة جديدة، وكل يوم يحاول أن ينتصر فيه على مظهر ويفشل في ذلك. حاول إثبات دليل ضد صديقه المنافق لكنه فشل في ذلك. قرر تدميره لكنه في هذه الحرب خسر روحه.
عندما خرج خالد قرر أن لا يعترف بأي شيء قديم حدث أو اعترف به مظهر. قرر أن يهجر حياته القديمة ويبدأ من جديد.
توفى صبحي وإيمان، وترك له والده بعض المال الذي جمعه في حياته وكان كفيل ليبدأ فيها خالد حياته بعيدًا عن حياته القديمة وعن حبه الأوحد، لكنه أقسم إنه لن يتزوج بأي فتاة، إن لم تكن هي فلا غيرها.
مظهر فتح مشروع بأموال أدهم وابتاع لنفسه فيلا كبيرة وعاش حياته يستمتع بدمار أصدقائه.
أما سلوى فقد اختفت من حياتهم بعد ما أذلتهم بمالها وحياتها الخالية من المشاكل والضغوطات.
وعن أدهم لم تتبدل صفاته من حنونه إلى غليظة فقط بل أخلاقه أيضًا، صادق النساء وتعرف على أصحاب السوء، شرب الخمر، يعنف زوجته وأولاده، أخذ يلهو كأنه واحد آخر غير أدهم القماش. ولكن حتى هذا الذي وصل له أدهم كان بمؤامرة من مظهر حيث إنه اتفق مع أشخاص طالحين، لينقلوا العدوى إليه ويصبح مثلهم، ومع ضعفه وقلة حيلته انحرف عن الطريق الصحيح ليصبح مغيبًا بالخمر. غرق في بحر لا رجعة منه.
حتى جاء اليوم وقرر رحيم أن يرفع قضية طلاق حتى يخلص أمه من عذاب والده. وبالفعل انفصلا، وبقي هو وحيدًا. لقد أصبح أدهم حقًا وحيدًا، وانتصر عليه الشر.
كان يعتقد أن الخير دائمًا ينتصر كما في الأفلام والروايات، كان ينتظر نهاية سعيدة لحياته، معجزة إلهية تخرجه من حالته ويرجع كما كان من قبل، لكن زمن المعجزات قد انتهى، وانتصر الشر عليه حقًا أمام براءة قلبه.
رواية ماضي لا يغتفر الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ريتاج ابو زيد
أخذت (جميلة) محارم تمسح دموعها وهي تقرأ آخر صفحات المذكرات التي تقص فيها الخادمة أسرارًا لا أحد يعلم بها.
"أنا مش عارفة الكلام هيوصل لمين وإزاي، بس أنا آسفة إني خبيت عليكي يا عبير، وآسفة لوفاء. أنا كان بيني وبين نبيل علاقة، وهو حكالي بكل حاجة قبل وفاته بأسبوع. وبعد كده أنا شفت وسمعت كل حاجة بنفسي. شفت الخناقة اللي حصلت بينه وبين مظهر، وكنت داخلة أفصل بينهم بس ملحقتش عشان هو وقع ومظهر هرب. وبعد كده اكتشفت إن سلوى كانت واقفة بتتفرج على كل حاجة وبتراقبهم من الأول. وعرفت إن سلوى بتهدد مظهر بالورق اللي هو نسيه يوم موت نبيل، وخسرته كتير أوي من تحت التهديد وهو طبعًا ما يعرفش إن اللي بتهدده هي سلوى. حقك عليا إني لما جيتلك قبل كده قولتلك نص الحقيقة وكدبت عليكي. واعتذري لأدهم من الدنيا، محدش كان يستاهل اللي حصل. ارجعي لأدهم يا عبير عشان هو أكتر واحد اتظلم، وخالد أكتر واحد بيحبك في الدنيا."
أغلقت المذكرات وأخذت تبكي بحرقة بقهر، تتمنى أن يتجسد الماضي على هيئة إنسان حتى تقتله وتسترِيح من عذابه. تتمنى أن يرجع والدها لأمها ويجتمعون كعائلة سعيدة. ليس بيدها شيء، غير التفكير والضغوطات والأرق. مشاكل نفسية، كتمان الحقيقة وتحملها وحدها، تشوهات عقلية، وسواس قهري، متلازمة الحديث المفرط مع النفس.
ضمت (جميلة) رجليها إلى صدرها وهي جالسة على الأرض وقد اختلطت الدموع بالمُخاط والعرق، وشرعت تتذكر أول رحلتها في العلاج النفسي بعد معرفتها بالحقيقة وقرائتها لمذكرات الخادمة أول مرة.
بعد قرائتها بدأت دائمًا تفكر وتبكي وتنْـعزل عن الناس. لم تذق طعم النوم، لم يرتاح لها بال. كانت تشعر دائمًا بالضياع والتوهان، والعصبية والانزعاج، دائمة البكاء. ومع الوقت بدأت الأفكار التشاؤمية تتدفق إلى عقلها.
"ماذا لو حاول مظهر فعل شيء آخر في والدي؟ ماذا لو علم أحد بالقصة كاملة سيحدث مشكلة كبيرة؟ وماذا عن أبي؟ هل سيموت بجرعة زائدة من المخدرات؟ هل سيقتله مظهر في يوم ما؟"
هذا هو كان حالها في ذلك الوقت، أفكار تشاؤمية غير منطقية، تفكير زائد يصل إلى ساعات وهي في انعزال تام عن جميع البشر وعن نفسها أيضًا. فكانت لا تشعر بالوقت وهي جالسة مع نفسها. كانت تذهب إلى سريرها في الواحدة صباحًا لكي تنام، وإذا فجأةً تسمع صوت المؤذن يرفع أذان الفجر.
حتى وصل معها الأمر إلى التفكير المفرط في أي شيء في حياتها. بدأ عقلها برسم سيناريوهات تشاؤمية غير منطقية بالمرة لأشياء من وهمها وليس لها صلة بالواقع. ومع كثرة السيناريوهات بدأت تُدير محادثة مع نفسها في داخلها، حوار داخلي متكرر لا ينتهي بسهولة، حتى بدأت تفرغ وقت لنفسها حتى تقضيه في عمل سيناريوهات داخلية، حتى وصل بها الحال إلى الحديث مع نفسها بصوت مسموع، ولم تستطيع السيطرة على أفكارها.
جميع من حولها لاحظوا تغييرها، وقرر أخوها عرضها على طبيب نفسي، لتخرج من حالتها وانهيارها. ومع الوقت أخذ يسأل عن طبيب نفسي مناسب لسنها ويكون متميز بأسلوب راقٍ. وقد بدأت صديقتها المقربة (روان) تسأل مع (رحيم)، ومع مرور الوقت من البحث عن طبيب، رأت (روان) إعلانًا عن طبيبة نفسية وكاتبة قامت بنشر كتابها الثاني، فبحثت عنها ووجدت إنها من أمهر الأطباء في مصر رغم إنها ما زالت في بداية الثلاثينات.
ذهبت لها في المرة الأولى برفقة صديقتها وأخيها، للتعرف على الطبيبة.
كانت العيادة في المعادي تقع في مبنى قديم، لكنها كانت مصممة بشكل عصري ومريح. الألوان البُنية الفاتحة المريحة والديكور البسيط مع بعض النباتات الخضراء، بالإضافة إلى الموسيقى الهادئة، خلقت جوًا من السلام الداخلي. كانت رائحة جوز الهند تفوح في المكان، مما يُعطي شعورًا بالاسترخاء.
استقبلتهم موظفة الاستقبال وسمحت لهم بالدخول إلى الطبيبة. توغل لهم الشعور بالدفء عندما دخلوا إلى مكتبها، الألوان البُنية المريحة ورائحة جوز الهند مع الأزهار التوليب البيضاء والزرع الأخضر يشعرهم بالدفء. وعلى مكتبها مجموعة من كتب علم النفس والفلسفة وبعض الصور العائلية. والحوائط بها لوحات هادئة ينبعث منها الراحة.
أما عن الطبيبة فكانت متوسطة الطول ممشوقة القوام شعرها بني مرفوع كذيل الحصان طويل بشرتها فاتحة ووجهها مستدير خالي من أي مستحضرات تجميلية، استقبلتهم بترحيب.
"أهلاً وسهلاً، اتفضلوا."
"أهلاً بحضرتك يا دكتورة، إحنا جايين هنا عشان جميلة أختي، هي مش كويسة خالص ودايمًا بـ..."
بترت الدكتورة حديثه بإشارة من يدها ثم قالت بابتسامة هادئة: "معلش أنا آسفة، بس أنا بحب المريض هو اللي يحكي عن حالته. تقدر يا أستاذ تسبب جميلة أختك ومتخفش عليها."
أومأ لها بتردد وخوف على أخته ثم خرج ومعه (روان) و(جميلة) بالداخل مع الطبيبة.
"إزيك يا جميلة، تعالي نقعد هناك جنب الزرع والورد بلاها قاعدة المكتب أو الشازلونج اتفضلي."
جلسن ثم قالت الطبيبة: "تعالي نتعرف يا جميلة، أنا اسمي حياة، حياة المدبولي، عندي واحد وتلاتين سنة، وإنت؟"
ترددت في البداية أن تحكي لكنها قالت: "جميلة أدهم القماش، هكمل التمنتاشر بعد كام شهر."
"أخوكي بيحبك وبيخاف عليكي أوي، ليه تخليه يقلق عليكي؟ احكيلي أنت مالك؟"
الموضوع بدأ صعبًا عليها لا تعرف ماذا تحكي، حتى أدمعت عينيها وجف حلقها فقالت لها الطبيبة: "جميلة أنتِ هنا في أمان، اتكلمي يا حبيبتي عرفيني مالك."
"أنا عايزة أغير حياتي، عايزة أخلي عيلتي جنبي وفي أمان، نفسي أحس بالأمان."
"ده كلام كبير أوي، طيب احكيلي فيه إيه في حياتك عايزة تغيريه؟"
بكت ثم قالت بمرارة: "نفسي أغير الماضي، الماضي صعب أوي، ولسه مأثر علينا كلنا، عايزة أصلح كل حاجة."
"زي إيه؟"
"نفسي أحذر بابا وخالد من مظهر، ونفسي أحذر جدي من سلوى، ونفسي أحذر ماما من جدي، كل الناس غدرت ببعض، وأنا في الآخر بشيل ذنبهم كلهم."
"اتكلمي أكتر يا جميلة لو عايزة تحكي احكي واعرفي إن اللي بيحصل هنا مش بيخرج أبدًا."
ترددت في الكلام وظلت تبكي لمدة ربع ساعة متواصلة، وطول المدة جالسة الطبيبة أمامها دون مقاطعتها، حتى سئمت البكاء وبدأت تتوقف، فقالت (حياة): "لو عايزة تكملي عياط كملي، خرجي كل مشاعرك، ولو عايزة تقولي أنتِ حاسة بإيه قولي. لو حابة تحكي التفاصيل هسمعك."
"دكتورة أنا عايز اكي تشوفي لي حل مع دماغي، دماغي مش بتسكت أبدًا، دايمًا بتخيل حاجات ملهاش وجود ووحشة أوي، مبقتش عارفة أرجع جميلة القوية الشجاعة، دايما سرحانة و بفكر، ومش عايزة أقعد مع حد خالص."
نهضت الطبيبة من مكانها ثم قالت: "كده يا جميلة هنحتاج ورقة وقلم عشان نكتب، ثانية واحدة."
توجهت الطبيبة إلى مكتبها وأخذت دفتر التدوين الخاص بها، وجلبت أيضًا زجاجة من الماء البارد مع زجاجة عصير وأعطتها لها ثم قالت: "احكيلي بقى بتحسي بإيه؟"
"مش بعرف أنام من التفكير، دايمًا سرحانة ومش بحس بالوقت، دماغي بتفكر في حاجات غريبة أوي."
دونت (حياة) بعض الأشياء ثم قالت: "ممكن أعرف بتفكري في إيه؟"
بدأت الدموع تظهر مرة أخرى في مقلتيها فقالت (حياة): "لو مش عايزة يا جميلة أو مش قادرة إحنا ممكن نقفل الجلسة على كده، والمرة الجاية نتكلم."
لم تجب عليها فقالت الطبيبة: "طيب خلاص انتهت الجلسة النهارده بس المرة الجاية هتحكي ولازم تعرفي إن مفيش كسوف أبدًا ولا حاجة بتخرج من هنا."
انتهت الجلسة الأولى وجاء موعد الجلسة الثانية، والفرق بين الجلستين أنها استعدت نفسيًا وتقبلت نوعًا ما أنها تحتاج إلى العلاج.
رحبت بها الطبيبة ثم أجلستها في المكان ذاته وبدأت الجلسة الفعلية.
"جميلة أنا هسألك وأنتِ تجاوبي، اتفقنا؟"
أومأت لها، فبدأت بالسؤال الأول: "أنتِ قولتي المرة اللي فاتت بتسرحي كتير وبتفكري كتير، ممكن أعرف بتفكري في إيه، أو بلاها في إيه، عايزة أعرف عن إيه مثلاً؟ خوف من الدراسة؟ من الحياة؟ هل في حد في حياتك؟ التفكير ده بيكون في حاجات مختلفة؟ احكيلي بتفكري إزاي؟"
"حصلت حاجات كتير في الماضي محدش يعرفها غيري، وأنا خايفة منها."
"الحاجات دي عن مين؟"
"عن أهلي."
"وخايفة ليه يا جميلة؟ لو عايزة تحكي احكي."
قصت لها (جميلة) ما استطاعت دون التدخل في تفاصيل، وبالطبع هذا بعد تردد كثير، لكن أسلوب الطبيبة معها أعطى لها حرية أكثر حيث أنها أحست أنها تتسامر مع صديقتها.
"طيب يا جميلة، وإنتِ بقى بتفضلي تفكري في الماضي، وإيه اللي ممكن يحصل؟"
"أيوه بالظبط."
"طيب أنتِ مش شايفة إن التفكير ده طبيعي بسبب الضغوطات اللي عندك؟ أنا بفضل أقول كده إني مش محتاجة دكتور بس صديقتي وأخويا هما اللي شايفين إني محتاجة دكتور."
"جميلة هسألك أسئلة تجاوبي بـ آه أو لأ، ومع انتهاء الأسئلة هتنتهي الجلسة."
استعدت (جميلة) وقد أحست ببعض الراحة عندما حكت وتكلمت معها، فسألت الطبيبة: "هل بتنعزلي عن الناس دايمًا يا جميلة، بس معنى الانعزال هنا الانعزال بجد؟"
فردت: "آه."
"هل بتصنعي لنفسك سيناريوهات ملهاش وجود تشاؤمية؟"
"آه."
"هل بتفكري دايمًا بطريقة سلبية في كل حاجة؟"
"آه."
"هل دايمًا قلقانة من غير سبب واضح للقلق؟"
"آه."
"هل دايمًا بتعملي تحليل المواقف بأفكار تشاؤمية وبطريقة بالغة؟"
"آه، عشان بكون خايفة، فبفكر كتير أوي في كل حاجة."
حدقت فيها الطبيبة بتمعن ثم قالت: "فكري في السؤال الجاي يا جميلة قبل ما تجاوبي، عشان السؤال ده هو اللي هيحدد مرضك."
ظهر القلق على قسماتها لكنها أومأت لها، فقالت الطبيبة: "هل بتتكلمي مع نفسك في دماغك أو بصوت عالي مسموع، وبتحسي إن فيه حد في دماغك بيرد عليكي؟"
"آه."
أغمضت الطبيبة عينيها بأسف ثم قالت والابتسامة مرسومة على وجهها المستدير: "الجلسة خلصت، نتقابل المرة الجاية، وهعرفك فيها عندك إيه، عايزة تقولي أي حاجة قبل ما نخلص؟"
هزّت (جميلة) رأسها بالنفي، وقد انتهت الجلسة الثانية.
في الجلسة الثالثة بدأتها الطبيبة بالترحيب كالعادة ثم قالت بأسلوب رسمي لأول مرة: "جميلة، عايزين نبتدي بجد تشخيص المرض عشان نعرف نبدأ في علاجه، عشان كده هديكي ورقة فاضية تكتبي فيها مشاعرك بالظبط وبتحسي بإيه، وفاكرة الأسئلة بتاعت المرة اللي فاتت اكتبي عنها بتحسيها إزاي. أنا هديكي نص ساعة تكتبي فيها."
أخذت (جميلة) الورقة والقلم وبدأت في الكتابة، وبالطبع الأمر صعب عليها، حتى أحست باختناق وغصة في حلقها لكن الطبيبة شجعتها على الكتابة وبدأت تساعدها بأنها تسألها بعض الأسئلة، وإذا الإجابة كانت نعم تكتب، وإذا لا لا تكتب، حتى انتهت من الكتابة وبدأت (حياة) بالقراءة بعينيها.
"دايمًا بحس بقلق مفرط، تفكير زايد، ومنعزلة عن أكتر حاجات كنت بحبها زي مثلا الخروج والسهر مع صاحبتي، وأي مناسبة بتهرب منها مع إني بكون عايزة أحضرها. ودايمًا سرحانة ومتلخبطة، وأكتر حاجة مستفزة هي دماغي، دايمًا بتفكر في حاجات مش موجودة، الأول كانت عشان الأسرار اللي اكتشفتها، دلوقتي بقت عن أي حاجة في حياتي، لازم أفكر فيها لوقت طويل بسلبية، وبحس دايمًا دماغي بتتكلم وأنا برد عليها في دماغي، أو بصوت عالي."
انتهت من القراءة ووضعت الورقة جانبًا ثم تحدثت برسمية: "جميلة، أنتِ أول ما جيتي هنا افتكرت إنك عندك اكتئاب، بس اكتشفت إن الموضوع مش اكتئاب بس."
زفرت ثم قالت بهدوء: "الاكتئاب أعراضه هي الحزن والتعب والإرهاق بدون سبب، فقدان الاهتمام بأي حاجة بتحبيها هواية أو أشخاص أو حتى نفسك، تغيرات في الشهية والنوم ممكن الأكل والنوم يزيدوا بشكل غير طبيعي أو يقلوا لدرجة الإغماء، انعدام شغف وانعزال عن الحياة، ولو الحالة صعبة أوي ممكن يؤدي إلى أفكار انتحارية. ده الاكتئاب بيكون بسبب ضغوطات ومشاكل نفسية."
صمتت لبرهة ثم وضعت يديها على فخذها وقالت والابتسامة مرسومة على وجهها برفق: "أما متلازمة الحديث المفرط مع النفس، ما تُسمى متلازمة جوسكا، دي بتكون عبارة عن انعدام شغف في الحياة، انعزال عن الناس، قلق زائد، أفكار تشاؤمية، تحليل زائد للمواقف، تتكلمي مع نفسك بصوت عالي أو في دماغك، تسرحي كتير بالساعات، أفكار متكررة، أوهام، اضطرابات في النوم وفي الحياة الاجتماعية، رسم سيناريوهات وتحليلات في دماغك ملهاش معنى."
عقدت (جميلة) حاجبيها باستغراب ثم قالت: "بس يا دكتورة أنا أعرف إن متلازمة جوسكا دي حاجة حلوة وبتكون عند كل الناس تقريبًا، وهي إنك بترسمي لنفسك عالم خيالي في دماغك وبتكوني مبسوطة بكده."
تخلت (حياة) عن طابع الرسمية وقالت: "أيوه يا جميلة صح، زي مثلاً إن واحدة تكون عايزة تتجوز واحد فتعمل سيناريوهات حلوة بينهم، أو مثلاً واحدة بتقرأ روايات ورواية عجبتها خلصت فبتكملها هي في عقلها، أو مثلاً حاجة خيالية زي مثلاً إنك سمكة وعايشة في الماية ومبسوطة."
"أيوه يا دكتورة بالظبط مش دي متلازمة جوسكا؟"
"بصي يا جميلة، متلازمة جوسكا اسمها العلمي التحدث مع الذات، أو الحديث الداخلي ده أولاً. ثانيًا فيه حاجة اسمها التخيل الطبيعي هو جزء من الخيال البشري، ويمكن يكون ممتع ومفيد، زي تخيل سيناريوهات إيجابية أو أهداف مستقبلية، إنك مثلاً متجوزة أمير غني."
سكتت تتفرس ملامحها غير المستوعبة بقدر كافٍ ثم قالت توضح أكثر: "اللي أنتِ قولتي ده يا جميلة ده تخيل عادي مش متلازمة جوسكا. مصاب متلازمة جوسكا عمره ما بيفكر بالإيجابية، عمره ما السيناريو بتاعه هيكون عن أهداف مستقبلية لأنه دايمًا عنده نظرة تشاؤمية للحياة. رسم الخيالات الإيجابية السعيدة ده من ضمن الحاجات الأساسية اللي بتحصل لكل البشر، وللأسف الناس فاكرة إنها لما تتخيل أي حاجة كده اسمها مصابة بمتلازمة جوسكا، عشان الناس ماشية ورا أي حاجة من غير ما تعرف هي إيه، والمشكلة بتكون مبسوطة بأنها مثلاً مريضة."
"طيب يا دكتورة هي جاتلي بسبب إيه؟"
"بصي هي ليها أسباب كتيرة أوي وبتختلف من شخص لآخر من حيث الأسباب، ممكن تكون أسباب وراثية مثلاً، بس في حالتك أنتِ بسبب الاكتئاب والضغوطات النفسية والمشاكل الحياتية."
"مش حضرتك قولتي متلازمة جوسكا حاجة والاكتئاب حاجة تانية؟"
"أيوه يا حبيبتي، بس أنتِ في حالتك دي جاتلك متلازمة جوسكا بسبب الاكتئاب وطبعًا ده مش سبب رئيسي للمتلازمة، هفهمك براحة."
أطلقت تنهيدة ثم أكملت بنبرة هادئة تحت نظرات (جميلة) المتوترة: "أولاً هو يعني إيه متلازمة؟ المتلازمة دي حاجة بتلازمك علطول كل يوم في جميع الأوقات. طيب إيه هو اسمها العلمي؟ اسمها الحديث السلبي مع النفس. اتسمت متلازمة جوسكا نسبةً للعالم الذي وصفها لأول مرة وهو سوساك أو جوسكا، عشان كده الناس بتقول عليها متلازمة سوساك، أو متلازمة جوسكا نسبةً ليه."
توقفت الطبيبة عن الحديث لبرهة لتعطي لها فرصة الاستيعاب ثم قالت: "متلازمة جوسكا من أعراضها تغيرات في الشخصية وفي التفكير، ورسم سيناريو في دماغك زي أحلام اليقظة كده بس بطريقة سلبية ومفرطة، وكمان الحديث الداخلي المفرط، وطبعًا بتسرحي، بتتعصبي على أتفه الأسباب وبتتجنبي أي حاجة كنتِ بتحبيها حتى المناسبات الخاصة ليكي أو لشخص أنتِ بتحبيه، وعمرك ما هتفكري بطريقة إيجابية، وبتكوني وأنتِ بتفكري كأنك مغيبة يعني مش بتحسي بالوقت ممكن تفضلي ساعات وأنتِ مش حاسة بنفسك، ولو حسيتي بنفسك مش هتقدري توقفي دماغك عن التفكير لأنك مش هتعرفي تتحكمي فيها أصلًا، وهرجع تاني أقول هي اسمها متلازمة يعني بتلازمك لوقت كبير، مش مثلاً شهر ولا أسبوع."
أخذت أنفاسها وارتشفت من زجاجتها الماء البارد ثم أكملت: "سبب المتلازمة الضغوط النفسية والصدمات العاطفية، الشعور بالعجز والضعف، العزلة الاجتماعية، احتياجات عاطفية غير ملباة في الطفولة، بالإضافة إلى عوامل وراثية واضطرابات نفسية مصاحبة، وفي حالتك أنتِ هي بسبب الضغوطات النفسية والصدمات والشعور بالعجز."
ربتت على كتفها وأعطت لها منديلًا ورقيًا لتمسح دموعها المتساقطة، ثم أخذتها الطبيبة وأجلستها على الشازلونج باسترخاء ثم أكملت: "أنا كده أكون فهمتك مرضك بس عايزة أوضح حاجة، الناس اللي بتسمي نفسها عندها متلازمة جوسكا لأنها بتتخيل كتير وبترسم سيناريوهات خيالية وبتتخيل أشخاص خيالية دي غلطانة، ده اسمه تفكير طبيعي عادي وغالبًا بيكون الشخص ده عايز يفكر أصلًا، إنما اللي عنده اضطراب تفكير والحديث السلبي مع النفس يا جميلة مش بيعرف يسيطر على أفكاره، لأنها بتكون غصب عنه ويسبب له مشاكل في حياته وممكن تؤدي إلى أمراض تانية كتير، زي الوسواس القهري والاكتئاب، ولو المريض في حالة خطيرة ممكن تؤدي إلى الفصام."
قالت (جميلة) بنبرة مرتجفة خائفة: "و أنا دلوقتي في أنهي مرحلة، هل أنا عندي الفصام؟"
"أنتِ موصلتيش للمرحلة دي الحمد لله، المرحلة بتكون من كتر كلامك مع نفسك بصوت مسموع ومعرفتيش تسيطري بأي شكل على حالتك بتؤدي إلى تكوين شخصية تانية غير شخصيتك الحقيقة، وطبعًا الفصام ده خطير جدًا، ممكن تحاول شخصيتك التانية إقناعك بحاجات مش موجودة في الواقع، أو تقنعك بالانتحار أو حاجات تانية كتير، بس أنتِ متقلقيش، أنتِ بنت قوية وهتتعالجي بسرعة كمان."
أخرجت (جميلة) أنفاسها بحرارة ثم قالت: "هنبدأ علاج امتى؟"
"لما تتعرفي عن حالتك الأول، لازم تعرفي عن نفسك كل حاجة قبل ما تبدأي بالعلاج، عشان كده لو عندك سؤال اسألي، وأول ما تروحي البيت اعملي بحث عن المتلازمة واتعرفي عليها أكتر، وهنبدأ العلاج من الجلسة الجاية."
"أيوه عندي سؤال يا دكتورة، ليه قولتيلي إن حالتي دي بسبب الاكتئاب من شوية؟"
"لأن يا جميلة أنتِ بدأ معاكي الموضوع باكتئاب بعد كده اتحول إلى فرط تفكير وقلق، بعد كده حديث مع نفسك بشكل سلبي. ممكن يحصل مع حد غيرك العكس، زي ما قلت من شوية بردو إن الموضوع ممكن يكون من الطفولة أو عوامل وراثية، فممكن بسبب التفكير الزائد والقلق المفرط تدخلي في حالة اكتئاب لأنك مش عارفة توقفي دماغك عن التفكير والتحليل لكل حاجة، يعني الموضوع مع حد غيرك يجي بالعكس."
سألت (جميلة) سؤال كان يدور في خلدها: "طيب يا دكتورة أنا زمان، من الأول يعني قبل ما أعرف حاجة، كنت بكون بردو قلقانة أو بفكر كتير وكنت ببقى متوترة."
"ده طبيعي يا جميلة مفيش حد مبيتوترش بس هوضحلك الموضوع من جميع الجوانب على شكل مثال وركزي كويس."
هزّت رأسها بالموافقة فبدأت (حياة) بالكلام: "اعتبري مثلاً إن عندك بكرة مقابلة شغل لأول مرة، إنترڤيو يعني. لو فكرتي مثلاً في هلبس إيه بكرة ويا ترى هتقبل في الشغل أو لأ، يا ترى هقدم كويس، ومعرفتيش تنامي من التوتر وطول اليوم بتفكري في بكرة يبقى ده شيء طبيعي وبيمر علينا كلنا. إنما لو فكرتي في لو روحت الانترڤيو مش هتقبل واللبس اللي عندي وحش وممكن وأنا رايحة أتأخر على الميعاد أو عربية تخبطني وقعدتي تتخيلي الانترڤيو بتاع بكرة بنظرة تشاؤمية ومش إنك بس متتقبليش مثلاً لو الموضوع وسع منك، لدرجة إن ممكن تقولي الشركة دي مش موجودة أصلًا ودي ناس عشان تخطفني، أو عربية هتخبطني واتخيلتي السيناريو وأنتِ في المستشفى خلاص بتموتي، يبقى ده متلازمة جوسكا وأنتِ في خطر، لأن دايمًا هيكون فيه صوت بيقولك أيوه هيحصل كده في الانترڤيو، وأنتِ صح وهتحسي حد بيتكلم معاكي."
انتهت الجلسة الثالثة، وتقابلت الطبيبة مع (رحيم) لشرح حالة أخته وطريقة علاجها: "جميلة شجاعة وقوية أوي يا أستاذ رحيم، والحالة دي بسبب الضغوطات النفسية، وأنا محتاجاك جنبها في فترة العلاج."
"أكيد طبعًا يا دكتورة هكون جنبها."
"أول حاجة يا أستاذ رحيم أنا هكتب لها أدوية، بس مش كتير ومش مضرة خالص، الأدوية دي زي مهدئات عشان تعرف تفكر باسترخاء وتنام، وهو دواء واحد بس اللي هتحتاجه، والدوا التاني هيكون لوقت الضرورة زي مثلاً عياط هستيري أو حالة صعبة زي مثلاً الكلام مع نفسها بصوت عالي، تعيط على حاجة مش موجودة."
كتبت له الروشتة بأسماء الأدوية ثم أكملت طريقة العلاج الثانية: "الحاجة الأهم هي الدعم الاجتماعي من أهلها والناس اللي حواليها، وأنا كل جلسة هقول لها على حاجات تعملها زي مثلاً إنها تخرج من البيت وتتمشى الصبح بدري، أو تدخل سينما، أو تاكل أكل بتحبه أو تخرج مع شخص بتحبه، وحاجات تانية كتير عايزة حضرتك تكون داعم أول ليها."
وفي الجلسة الرابعة بدأت (جميلة) تسأل الطبيبة وتتعرف أكثر عن مرضها، وتشكو لها من رأسها ومخاوفها فردت عليها الطبيبة: "عشان كده يا جميلة إحنا عايزين نبدأ في العلاج الفعلي، ومحتاجة منك واجبات كتير أوي، ولأنك قوية يا جميلة قررت إني همشي معاكي كذا خطوة لقدام، عشان أنتي خلاص هتدخلي الكلية وأكيد محتاجة تتعالجي قبل المرحلة دي."
ردت (جميلة) بنبرة هادئة ثابتة: "وإيه هو العلاج الفعلي؟"
"أولاً عايزاكي تنزلي تتمشي الصبح مع صاحبتك روان واتكلمي معها عن أي حاجة عشان التفكير في دماغك يقل شوية، ويا ريت لو تتمشي الساعة تمانية الصبح مثلاً في مكان هادي ده أول حاجة. ثاني حاجة بقى، فكرة يا جميلة الورقة اللي كتبتيها هنا قبل كده لما قلت لك عرفيني حاسة إيه دلوقتي؟"
هزّت رأسها بالإيجاب، فاكملت: "عايزاكي أول ما تحسي إن دماغك بدأت تفكر تمسكي ورقة وقلم وتكتبي أفكارك كلها كل حاجة بتتقال في دماغك اكتبيها وفي ورق مش على الموبايل، وعايزاكي تجيبي الورق دي معاكي المرة الجاية ومتخفيش أنا مش هقرأ منه حاجة، وعايزاكي يا جميلة دايمًا تشغلي قرآن جنبك وتقولي الأذكار، وتنامي جنب حد متنميش لوحدك، واقعدي وقت طويل مع أهلك، والكلام ده أخوكي رحيم هيعرفه عشان لو معملتيش حاجة منهم هو هيجبرك بقى أو يعاقبك أو براحته يسيبك، بس أنا واثقة إنك قوية وهتسمعي كلامي."
ابتسمت بهدوء ثم قالت: "أنا أكيد عايزة أخف وأرجع زي الأول عشان كده هعمل كل اللي حضرتك قلتي عليه."
انتهت الجلسة، وبدأت الأخرى ومع بدايتها قالت الطبيبة بعد ما رحبت بها بوجه بشوش: "كتبتي الورق؟"
"أيوه."
"طيب يا جميلة براڤو، طلعي الورق واحرقييه."
صدمت (جميلة) في البداية ثم سألت لماذا فقالت الطبيبة: "أكيد هتكوني مبسوطة وأنتِ بتحرقي أفكارك الرخمة، وأكيد وأنتِ بتكتبي الورق دي حسيتي بتشتيت ومفصلتيش سرحانة لوقت طويل."
ابتسمت (جميلة) بسعادة ثم ذهبت إلى سلة المهملات وأخذت القداحة من الطبيبة ثم بدأت بإشعال طرفها والسعادة تغمرها.
وفي نهاية الجلسة قالت الطبيبة المهام الجديدة وهي: "عايزاكي تروحي جنينة وتلعبي فيها كورة مثلاً أو تاكلي فيها، أو تروحي ملاهي وتلعبي وتتفسحي فيها، وطبعًا خليكي منتظمة على الدوا، وحاجة مهمة جدًا بقى كل يوم يا جميلة تخرجي من البيت، لأي سبب، ودايمًا اشغلي نفسك، عايزاكي تتعلمي الطبخ، دايمًا اقفي في المطبخ واعملي حاجة حلوة، مش طبيخ بس لأ اعملي حلويات، اشغلي نفسك، اتفرجي على مسلسلات، وأهم حاجة اصحي بدري يا جميلة ونامي بدري، ودايمًا اكتبي مشاعرك وتعالي هنا عشان تحرقيها."
استمرت الجلسات بهذه الطريقة حتى استعاد (جميلة) بعد وقت طويل نفسها، لكنها في الوقت الراهن ما زالت تتابع جلساتها، لأن الطبيبة نبهتها من إنهاء المتابعة في وقت مفاجئ لأنه من الممكن أن يعكس الأمر بطريقة سلبية، وهي ما زالت تأخذ المهدئات والأدوية وتنفذ تعاليم الطبيبة (حياة المدبولي) التي أصبحت صديقتها.
رواية ماضي لا يغتفر الفصل السادس عشر 16 - بقلم ريتاج ابو زيد
كانت جميلة ما زالت جالسة وسط ذكرياتها، بين ماضيها وحاضرها، وسط الفوضى التي أحدثتها في الغرفة بسبب الماضي، أو الماضي هو الذي أحدث فوضى داخلها.
تتمنى تقص بكل ما تعرفه لأمها ولعائلتها لكنها خائفة من تهور أنس، وغضب رحيم، وصدمة وفاء وقهر عبير.
لو كان بيديها دليل لأعطته للشرطة وتحاكمهم على ما فعلوه، لكن هل مذاكرات الخادمة تكفي لتكون دليل ضدهما وتأخذ بثأرها منهم؟
نامت من فرط التفكير والبكاء، وتركت سرها بجانبها على السرير والباب مقفول من الداخل.
في صباح اليوم التالي.
أشرقت الشمس بصباح يومٍ جديد وهناك الكثير من الأسئلة في رأس رحيم حتى أنه جلب الأوراق والأقلام لكي يتوصل إلى أي شيء لكنه فشل في النهاية.
كان جالسًا في غرفة أنس على مكتبه ويفكر، وقطع تفكيره أنس:
- رحيم الموضوع واضح خلاص، مظهر قتل نبيل عشان عرف كل حاجة، والدليل على كده إنه قبل ما يموت بكام يوم أعترف لفوزية بكل حاجة، يعني خلاص كده الموضوع اتحل، محتاجين بس دليل.
- أنا حاسس إن الموضوع أكبر من كده، تفتكر خالد ممكن يساعدنا.
- أكيد لأ، وبعدين خالد هيساعدنا إزاي أصلا؟
قبل أن يُجيب عليه رنّ هاتفه برقم غريب فأشار إلى أنس بأنه سيجيب، وخرج من الغرفة متجهه إلى الشرفة.
- ألو، سلام عليكم.
جاء الرد من صوت رفيع رقيق لفتاة:
- ازيك رحيم.
ابتسم حتى وصلت ابتسامته لعينيه عندما تعرف على الصوت:
- انسة نور، عرفتي رقمي إزاي؟
- من نفس الطريقة إللي عرفت بيها عنوان بيتك، من المستشفى.
- ده مش بيتي، بيت خالتي، المهم إيه سبب المكالمة.
صمتت لبرهة ثم تنهدت وقالت بخجل:
- أتصلت عشان اطمن عليك، امبارح سيبتني ومشيت بسرعة، فاتصلت اطمن بس.
لمعت عيناه وتهللت أساريره وقال بتلعثم من فرط الحماس:
- فرحان إنك اتصلتي، وإحنا كويسين متقلقيش، شكرًا لسؤالك يا انسة نور.
- سنيورة بقى، والعفو أنا مضطرة أقفل سلام.
انتهت المكالمة ورفع رأسه ينظر إلى الأفق وعلى وجهه ابتسامة مريحة وقد قل التوتر عن قبل من المكالمة.
التفت لكي يُغادر، لكنه تفاجأ بوجود خالته تنظر إليه وعلى وجهها مزيج من الدهشة والفضول والسعادة.
اقتربت منه وأجلسته على الكرسي وجلست هي الأخرى مقابلة له ثم قالت وهي تضيق عينيها بفضول:
- طبعا مش بنخبي حاجة عن خالتو، احكيلي بقى.
شعر بالخجل والتوتر منها لكنه قال بابتسامة مضطربة:
- كنت بكلم نور إللي عملت الحادثة معانا، اتصلت تتطمن علينا عشان أمبارح كنت بوصلها ولما نادر اتصل، روحت سيبتها نزلت من العربية، بس كده، بس هو إزاي نادر عرف وهو مكنش موجود؟
- عشان نادر كان موجود معانا، طلع تاني لما أنت مشيت معاها، ومظهر قاله يتصل بيك ويمشي ونادر طبعا رفض أنه يمشي بس مظهر أجبره.
أومأ لها بحزن وقهر ثم قال متعود لصديقه الخائن:
- يعني اتفاقي معاه أن ماما متعرفش أن فين ونمثل إني معاه يروح هو يطلع، ماشي يا نادر الكلب.
فقالت هي بسخرية وهي تضحك عليه:
- طب ما الموضوع عادي يعني، انت مكسوف تقولي كده ليه.
تأفف بضيقٍ زائف ثم قال:
- أنا مش مكسوف عادي، أنا اتخضيت لما لقيتك ورايا بس كده.
ضمت يديها على صدرها ورفعت حاجبيها ثم قالت:
- أنا قصدي على أنك روحت توصلها من غير ما حد يعرف، إنت معجب و لا إيه؟
زفر بضيق زائف ثم قال بتعلثم:
- معجب إيه، هو أنا أعرفها، بس بقى يا خالتو الله يباركلك، ومتجبيش سيرة الموضوع ده قدام أمي، عشان مش هخلص من التحقيق معاها سلام بقى.
كان متجهِهًا إلى غرفة ابن خالته كما كان لكنه تذكر إنه لم يرى أخته اليوم، فطرق على باب غرفتها وجاء الرد من الداخل بالإذن للدخول.
كانت تجلس قرفصاء في أبعد ركن في الغرفة والعتمة تحتل المكان، فتح رحيم نور الغرفة، ووجد عيناها متورمة من البكاء، ووجهها شاحب، فانتفض قلبه لأجلها واقترب يجلس بجانبها وقال:
- حصل إيه يا جميلة؟
قالت ودموعها تنزل باستمرار على وجنتيها دون توقف:
- تعبانة أوي يا رحيم، كان نفسي تيجي من شوية وتقعد معايا، فرحت لما خبط على الباب عشان مفيش غيرك بيستأذن قبل ما يدخل.
وضع يديه حول رأسها وضمه إليها برفق ثم قال:
- أنا أسف حقك عليا، تعبانة عندك إيه، أوعي تكوني خايفة من مظهر الكلب ده، أنا أختي متخافش أبدًا، ده أنا بخاف من أمي أكتر من مظهر المعفن.
ضحكت من وسط بكائها ثم ابتعدت عنه وقالت:
- إنت مزعل ماما أصلا.
- والله مش قصدي أزعلها، كل الحكاية إن هي عايزاني اعرفها كل حاجة في حياتي واسمع كلام أنس وأنا رافض كده.
- لأ يا رحيم هي مش عايزة تسمع كلام أنس، هي عايزة تفهمك إنك بتتصرف بهدوء وبعاطفة عشان كده بتسمع من أنس أكتر منك، وهي قالتلك كده في مرة، بلاش تعمل زي أدهم وتكون هادي ولما يحصل حاجة تنعزل، وهي عايزة تتكلم وتخرج وتفرح وتعرف كل حاجة عنك إنت مش بتعرفها حاجة.
- عشان مفيش حاجة أقولها، أنا حياتي أنزل الشغل وأقعد مع نادر شوية وأرجع البيت أنام هحكي إيه بقى، بعدين هي ضربتني يا جميلة.
- عشان عملت حاجة هي متوقعتهاش منك، وهي إنك تتهجم على مظهر، إنت عارف ماما بتخاف علينا إزاي وربيتنا لوحدنا وهي صغيرة، رحيم الفرق بينك وبين ماما ستاشر سنة أو سبعتاشر سنة، واهتمت بينا في سنها الصغير لوحدها وشافت كتير أوي من الدنيا، وخايفة يحصل حاجة فينا.
- حاضر يا جميلة، هعتذرلها وهكلمها.
رنّ هاتفه مرة أخرى وكان رقم غير مألوف بالنسبة له، لكن هذا الرقم ليس رقم نور، هذا رقم أخر.
أجاب على الهاتف، وقد تغيرت تعابير وجهه إلى توتر وقلق وصدمة، فقال بتلعثم وهو ينهض بسرعة:
- أبعتلي العنوان بسرعة.
قالت جميلة باضطراب وهي تمشي خلفه:
- حصل إيه؟
- أدهم في المستشفى، فيه ناس اتهجمت عليه في الشارع وهو خارج من كباريه.
وضعت يديها على فمها بصدمة وقلق ثم نادت بصوت عالي على أمها، فاجتمع جميع من بالشقة وقالت أمها هي تأتي من المطبخ بخطوات واسعة:
- مالك يا جميلة، حصل إيه؟
- بابا في المستشفى.
حالة توتر وتساؤل ملئت المكان، وكان أول من تحرك ونزل من الشقة هو رحيم وقال لأخته وهو يُدير مقبض الباب:
- هبعتلك عنوان المستشفى يا جميلة.
نزل مسرعًا وأوقف سيارة أجرة وهو يتمتم بالدعاء لوالده تارة ويأمر السائق أن يسرع تارة أخرى حتى وصل إلى المستشفى ونزل بسرعة دون دفع الأجرة، فنادى عليه السائق فالتفت له وهو يركض للداخل والسائق يقول له الأجرة، فأخرج رحيم ورقة من فئة المئتي جنيه وأعطاها له ولم ينتظر ليأخذ الباقي.
- لو سمحت فين أدهم القماش، أنهي غرفة؟
- أستاذ أدهم في غرفة طوارق يا فندم، ومش هينفع تدخل غير لما ينقل غرفة عادية، بس شوية وهنطمن حضرتك على حالته.
سيطرت مشاعر الخوف والقلق عليه وهو يفكر في أسوأ الإحتمالات ويتخيل فقدان أبيه.
أدمعت عيناه وارتعش جسده وهو يمسك رأسه بقوة يحاول طرد أفكاره السلبية لكن دون جدوى، حتى جاء له صديق والده الذي تعرف عليه ذات مرة من المقهى الليلي:
- متخفش يا رحيم خير، انا أول ما شفته مرمي في الشارع جيت بيه على المستشفى.
أبعد يده عن رأسه ثم قال مستفسرًا:
- هو حصله إيه؟
- أنا مش عارف هو من يومين كده وهو مش مظبوط ومش طايق حد، والنهاردة جاتله مكالمة وهو معايا وقالى أنا رايح عند مراتي وعيالي بسرعة، وخرج، بعدها بشوية لقيت الناس بتصوت وبتجري والشارع مقلوب، خرجنا نشوف حصل إيه لقينا أدهم مرمي في الأرض ومضرب برصاص في كتفه، وناس بتضرب فيه، وطبعا محدش فينا قدر يعمل حاجة عشان معاهم مسدسات.
احتقنت الدماء في وجهه ثم قال بحزم:
- تعرف حد منهم؟
- أنا مش عارف، بس أكيد إللي كلمه في التليفون قبل ما يخرج هو إللي عمل كده.
جاءت في تلك اللحظة عائلته، وقفت أمامه عبير وعيناها حمراوتان من كثرة البكاء على من كان أحن عليها من نفسها في يوم، على رجل غدرت به الحياة فأمسى شخص أخر، أمسكت رحيم من مرفقه ثم قالت:
- فين أبوك يا رحيم؟
- في الطوارق، ومش هينفع ندخل دلوقتي.
بعد مرور ساعة.
جاء إليهم نادر وأمه ومعه روان وأمها، ليطمئنوا عليهم، خرج الطبيب من الغرفة ومعه أدهم محمولًا على النقّالة لغرفة أخرى، وقال لهم الدكتور بأن حالته ستتحسن مع الوقت، وأن الجروح ستأخذ وقت حتى تتعافى.
دخلت أسرته له الغرفة بعد ما عاد إلى وعيه وكان جسده مليئًا بالجروح والكدمات، وعيناه متورمتين بشدة، ويده مجبسة بسبب الرصاصة التي تلقاها ويديه الأخرى يلتف حولها ضماد.
جلست بجانبه عبير وقالت والدموع تتسابق على وجنتها:
- ألف سلامة عليك، طمني بالله عليك وقولي إنك كويس.
ابتسم ولم يعرف أحد إذا كانت هذه الأبتسامة شوق وحنين أم سخرية، ثم قال بصوتٍ واهن بالكاد يُسمع:
- أنا كويس، جميلة ورحيم كويسين؟
أقتربت منه جميلة وأمسكت يده برفق وقالت بحنان:
- ألف سلامة عليك، إحنا كويسين وإن شاء الله إنت كمان كويس.
أقترب منه رحيم هو الأخر ومال بجسده عند موضع يديه وقبّلها برفق ثم قال:
- متخافش يا بابا أنا مش هسيبك تاني، مش هخليك تبعد بعيد عني.
وأخذت تأتي في رأسه ذكرى أليمة وهي يوم طلاق والديه.
منذ خمس سنوات.
ساءت حالة أدهم أكثر من ذي قبل، وفي يوم رجع من الملهى الليلي في الساعة الخامسة صباحًا وكان رحيم يجلس مع نادر وجميلة مع روان.
كان في ذلك اليوم شرب الكثير من الكحول، ودخل في غرفة زوجته وتهجم عليها عنوة عنها، وأخذت هي تصرخ وتكسر حتى سمعها الجيران ومن بينهم جميلة ورحيم نظرًا إلى قرب المسافة بينهم.
وقد قرر رحيم أن يبعد والده عنهم إلى الأبد ورفع دعوة طلاق من المحكمة وانفصلوا.
رجع رحيم من ذكرى الماضي إلى الحاضر على صوت أدهم الواهن:
- نفسي أصلح كل إللي فات يا رحيم نفسي أرجع بالزمن، أنا مش وحش يا رحيم، أنا الدنيا قست قلبي وأنا عمري ما كنت قاسي، أنا غلطت كتير واستاهل إللي حصل، بس أنا والله كنت عايز أصلح علاقتي معاكم، بس كنت خايف، أنا كنت جاي ليكم عشان مظهر كلمني وقالي إنه هيقتلكم وبعتلي صورة لجميلة و على راسها المسدس.
ابتعدت عنه عبير ورمقته بقسوة ثم قالت:
- خوفت عليهم، والله يا أدهم إنت تستاهل إللي حصل ليك فعلا، سايب عيالك السنين دي كلها و دلوقتي خايف علينا، بعدين علاقة إيه إللي تتصلح، إنت لسه مولع في شقتنا الحاجة الوحيدة إللي كانت فاضلة، ولسه عامل توكيل إنك تتصرف في فلوس رحيم وأخدت قرض من البنك وحبسنه، وجيت البيت شمتان في رحيم.
قال رحيم بانفعال:
- أمي مش وقت الكلام ده.
صرخت فيه قائلة:
- لأ وقته، أنا مش صغيرة هيعرف يضحك عليا، أدهم استحالة يدخل بينا تاني يا رحيم، اطمن على أبوك إنت واختك عشان نمشي، خلي صحابه بتوع الكباريهات يراعوه في تعبه.
خرجت من الغرفة وجلس رحيم بجانب والده يصفف له خصلاته بهدوء ثم قال:
- متقلقش أنا معاك يا بابا مش هسيبك، إنت عارف ماما أكتر واحدة خايفة عليك في الدنيا، بتحبك أوي والله.
قال أدهم بتعب بالغ:
- أنا عارف عبير، وفاهم إنها خايفه عليا أوي بس بتعاند، دي بنتي الكبيرة، والله يا رحيم أنا معملتش حاجة، الناس هي إللي لعبت في دماغي بالشرب والبنات والسهر وأنا كانت حالتي صعبة أوي ساعتها، أنا شفت كتير أوي، والبيت أنا مكنتش أقصد والله أنا أكتر واحد زعلت على البيت لأن هو ده الحاجة الوحيدة إللي كانت متبقية، ولما جيت البيت أنا كنت خايف عليك من مظهر بس نادر ضربني، رحيم متسبنيش أشرب تاني أنا كنت هموت على معصية أنا كنت خارج من كباريه، أنا عايز اتعالج، عايز أروح مصحة.
ظل أدهم يبكي ويشتكي حتى بترت كلامه جميلة وقالت بثبات وقد حسمت امرها:
- إنت هتروح معانا بيت خالتو يا بابا، عشان عندي كلام كتير أوي عايزة أقوله.
رواية ماضي لا يغتفر الفصل السابع عشر 17 - بقلم ريتاج ابو زيد
مر يوم على حادث أدهم ووافق الطبيب على خروجه من المستشفى بشرط الاهتمام بحالته الصحية. وبعد إقناع الجميع من جميلة ورحيم بمكوث أدهم معهم، وافقوا حتى تتحسن صحته.
بعد ثلاث أيام، وقد استرجع أدهم صحته نوعًا ما، جمعتهم جميلة ومعها الأجندة بيدها وقالت بثبات:
- أنا عارفة حاجات من الماضي مفيش حد فيكم يعرف عنها حاجة، جاهزين تسمعوها.
ارتبك الجميع من أسلوبها في الحديث، لكنهم هزوا رؤوسهم موافقين ومشجعين لها على الحديث.
فقالت موجهة حديثها إلى أخيها أولًا:
- رحيم، لما دادة فوزية ماتت واعترفت لنا بسر، السر ده مكنش كامل، ملحقتش تقوله كله. قالت إن مظهر قتل نبيل.
عقد أدهم حاجبيه في صدمة ثم قال:
- أيوه، هي قالت مظهر سبب موته.
تنهدت بثقل وضحكت بسخرية مريرة متهكمة، ثم قالت بنبرة حاربت لكي تخرجها ثابتة:
- أنا قلت أستعد، من غير ما حد يقاطعني.
ثم أكملت حديثها مع أخيها وهي تعيد تلك الذكرى المريرة:
- وساعتها يا رحيم، هي ادتني أجندة، كانت بتكتب فيه كل حاجة حصلت زمان.
صمتت لبرهة تترقب تعبيراتهم الذي كانت مزيجًا بين الحماس والقلق والخوف والصدمة، ثم أكملت وهي ترفع الأجندة في وجوههم جميعًا:
- هنا هنعرف إن خالد مكنش سبب أي حاجة حصلت، وهنعرف إنه اتحبس ظلم مرتين. هنعرف إن أدهم القماش الدنيا غدرت بيه. هنعرف إن فيه ناس من أقرب الأشخاص لينا غدرت بينا زي سلوى ونبيل ومظهر. هنعرف إن فيه ناس ماتت من غير ما حد يحس، أو اتقتلت من غير ما حد يحس زي...
سمعت خفقان قلبها وغصة في حلقها، لمعت دموعها في مقلتها وبكت وهي تقول بتردد:
- ناس اتقتلت زي جدي محمد القماش.
وقع حديثها عليهم كالسوط، انتفضوا جميعًا من أماكنهم وظلوا يتساءلون ويستفسرون، حتى قالت لهم:
- أنا هقول كل حاجة من الأول، بس استحملوا اللي هقوله.
قصت لهم كل ما حدث من بداية الحكاية، حيث اجتماع مظهر مع نبيل في المرة الأولى بعد العزاء، حتى النهاية. صُدموا في نبيل وسلوى.
كيف لفتاة أن تقتل أباها؟
وكيف لشخص عاش عمره في خير رجل كريم، وفي النهاية ينتهي الأمر بقتله دون رحمة؟
كيف لشخص أن يعيش عمره كله يثق في تلميذ إبليس؟
لماذا تفعل معهن أختهن ما فعلته؟
لماذا تريد الذل لهن، لأنها كانت تغار منهم في الطفولة، هل هذا سبب كافٍ؟
تبًا للبشر جميعًا، لا أحد يصون العشرة، ولا أحد يقدر ما يفعله الآخرون له. الأخت غدرت، الصديق خان، والأب طمع وغدر وخان بقلب بارد.
سالت الدموع المكتومة من أدهم وقال بتحشرج وانكسار وهو مطأطأ رأسه بانحناء:
- أنا أبويا اتقتل، مظهر السبب في موت أبويا.
بدأت الدموع تنهمر منهم جميعًا، ولطموا على وجوههم، والحسرة في قلوبهم سكنت. لم يتجرأ أحد لكي يرد عليه، ماذا سيقولون له وهم أشد صدمة منه؟ لا شيء سيثلج قلوبهم سوى روح مظهر وسلوى.
أول من تكلم من بينهم كان رحيم بنبرة تملؤها الإصرار والقسوة المريرة:
- مظهر وسلوى نهايتهم على إيدي.
نهض من مكانه بانفعال وكاد أن يخرج من الشقة، لكن استوقفته جميلة وهي تمسكه من مرفقه بقوة معترضة طريقه:
- رحيم بالله عليك متعملش حاجة وتضيع نفسك، أنا كنت مخبية عليك عشان خاطر متتعصبش وتعمل حاجة. إنت كنت لسه بتقول على أنس متهور وبراس كبش، بلاش تهور يا رحيم عشاني.
رمقها بغضب ثم أهدر فيها بانفعال وتخلى عن طبعه الهادئ وهو يزيحها من طريقه بقوة:
- أنا سكت لمظهر كتير، المرة دي مش هسكت، وسلوى هجبها واقتلها بإيدي.
قبل أن يخرج من باب الشقة، صرخ فيه أدهم أن يتوقف واقترب منه وهو يعرج على رجله من أثر الجروح التي تسبب فيها القاتل الخائن، ثم وقف أمامه وقال بحسرة:
- أنا هستفاد إيه لما أخسرك؟ رحيم يا ابني، أنا خسرت نفسي قبل كده بسبب إني كنت عايز أنتقم من مظهر عشان نصب عليا، لغاية ما ناس جاتلي وأنا قاعد لوحدي بعيط على حظي في الشارع وكنت فاكر إنهم هيساعدوني، بس للأسف اكتشفنا أهو إنهم كانوا تبع مظهر. وزي ما مظهر علم خالد المخدرات والخمرة، أنا كمان روحت للطريق ده.
سكت لحظة نزول دموعه على وجنته ثم أكمل بنبرة واهنة متحشرجة:
- كان غصب عني روحت للطريق ده، وبسببه كنت بضربك إنت وأمك وأختك، مع إن أنا قلت لأمك قبل كده متخافيش مني وهعوضها عن حنان الأب والأم، بس المخدرات والخمرة لحست دماغي، أنا مكنتش أنا، ده كان تأثير المخدرات.
أهدر فيه رحيم بعنف وقسوة وصدره يعلو ويهبط وهو يشير بسبابته إليه باستحقار واستياء:
- إنت اتظلمت بس غلطت كتير. خالد اتظلم وظلمك يا أدهم، بس إنت ظلمت عيالك ومراتك ونفسك. الوحيد اللي ضيع أدهم القماش هو إنت، مش شوية فلوس ضاعت هما اللي يغيروك و...
- لأ، دول مش شوية فلوس، دي حياتي كلها ضاعت. أبويا وأمي وشغلي وشركتي اللي معرفتش أحافظ عليها، سمعتي اللي اتبهدلت واسمي واسم عيلتي بقى في الأرض. استغلال من جدك عشان اتنازل عن نص ما أملك ليه، وبعد كده اتهام في قضية قتل واترفض من كل الشركات والشغل كله، وبعد كده اتنصب عليا في بقية فلوسي من الشخص اللي كنت بنام على كتفه وأشكي من هموم الدنيا. متقولش شوية فلوس غيروك.
كان هذا رده على ابنه بصراخ وجمود، وجميع من حولهم ينظرون إلى الموقف بقليل باكٍ مع محاولة تهدئة الأوضاع بينهم، ثم أضاف بصوت مبحوح متحشرج وهو يتكئ على الكرسي اللي بجوار الباب بضعف كأنه رجل في عقده التاسع:
- أنا ضيعت نفسي يا رحيم خلاص، إنت خليك مع أمك وأختك.
قال رحيم بعد ما استجمع هدوءه وثباته:
- أنا آسف.
اعتدل أدهم في وقفته وكاد أن يرحل، لكن استوقفه رحيم وصفق الباب بخفة وقال بنبرة متعبة:
- أنا مش هنزل يا أدهم، ولا أنت كمان خليك معانا.
جلسوا جميعًا وكل منهم يواسي الآخر بقدر ما استطاع، وكان أكثرهم انفعالًا وعصبية أنس، الذي ظلت أمه ممسكة بيديه خشية من فعل أي شيء متهور.
رن هاتف رحيم برقم غير مألوف له، فتجاهله ولم يجب، لكنه رن ثانيةً، فتجاهله ولم يجب، رنّ الثالثة فأجاب عليه بضيق:
- أنا مردتش مرتين بتتصل التلاتة ليه، عايز مين؟
فجاء الرد من رجل صوته كفحيح الأفعى:
- عايزك إنت يا رحيم.
- مين معايا؟
- هبعتلك العنوان عشان تيجي تطمن على السنيورة.
عقد حاجبيه باستغراب ثم قال باستنكار:
- مين؟!
لم يجب عليه لأنه قد أنهى المكالمة، فنظر رحيم للهاتف باستغراب وتجاهل المكالمة من الأساس.
لكن أنس علق على المكالمة وقال له:
- مين اتصل؟
رفع كتفيه وهز رأسه يشير لعدم المعرفة، فقالت جميلة التي كان سحب وجهها وازرقّت شفتاها وغاب عنها صوتها ليصبح متحشرجًا وواهنًا وغير واضح:
- أيوه يعني اللي اتصل كان عايز إيه؟
زفر رحيم بضيق ثم قال:
- هتفضلوا تسألوا دايمًا على حاجات تافهة في مواقف غريبة ولازم تعرفوا كل حاجة.
رد عليه أنس بفعال:
- أيوه يعني مين اتصل، أخلص.
قام رحيم من مكانه وقال وهو يتجه إلى الشرفة ضاربًا الأرض اعتراضًا:
- واحد بيقولي هبعتلك عنوان عشان تطمن على السنيورة وقفل.
انكمشت ملامح جميلة الواهنة ثم قالت:
- يعني إيه ومين السنيورة؟ طيب بعتلك عنوان؟
- هشوف يا جميلة.
دخل الشرفة، جلس على الكرسي، أرجع رأسه للخلف وزفر بعنف، ثم نهض واقترب من الدرابزين ورفع رأسه ينظر إلى الأفق ثم أغمض عينيه، وهنا تذكر شيئًا.
فتح عينيه على اتساعهما ثم أخذ الهاتف بسرعة يفتحه وهو ينظر إلى العنوان الذي بُعث له من رقم مجهول الهوية.
ركض من الشرفة إلى الخارج حيث يجلسون يبكون ويندبون وقال بتلعثم للجميع:
- السنيورة دي نور، أنا متأكد، أنا هروح للعنوان اللي اتبعتلي.
خرج رحيم من الشقة راكضًا ومعه أنس، ركبا السيارة واتصل أنس بنادر ليقول له أن يذهب إلى العائلة حتى نأتي، لكن أصر نادر على إرسال العنوان له حتى إذا حدث شيء يبلغ الشرطة، فلبى طلبه.
وصلا إلى العنوان، كانت منطقة مهجورة بها بيوت قديمة مر عليها زمن والمكان معتم تمامًا إلا من مخزن صغير يضاء بمصباح باللون الأخضر.
أخذ رحيم يلتفت حوله برهة وخلفه أنس الذي قال إلى رحيم:
- متأكد إن العنوان صح؟
- أكيد يا أنس، تعالى ندخل المخزن ده، أكيد حد.
اعترض أنس طريقه وقال بضيق:
- لأ مش هندخل، هما أكيد عارفين إننا جينا، وأكيد الناس دي مسلحة. إحنا كنا اتصلنا بالشرطة.
تقدم رحيم للأمام بحذر وخلفه أنس حتى وصلا أمام المخزن القديم مباشرةً، وقال بصوت واضح عالٍ:
- أنا رحيم أدهم القماش، جيت على العنوان اللي اتبعتلي عشان أطمن على نور.
فُتح الباب المتهالك الذي أخرج صوت مزعج مع آخر كلمة، والذي فتح الباب كان مظهر.
رحيم عندما رآه تملك أعصابه، لكن أنس اندفع يمسكه من تلابيبه بقوة، فجاءت ناس كثيرون من الداخل يصوبون أسلحتهم عليهم، فتركه أنس.
ابتسم مظهر باستفزاز ثم قال لرحيم:
- عرفت إزاي إنها نور؟ إنت واقع أوي كده وبتحبها؟ طيب ادخل خدها.
أفسح له الطريق، فرآها تجلس على كرسي مقيدة اليدين والرجلين ولاصق على فمها، وفوهة المسدس على رأسها.
دخل رحيم وخلفه أنس واقترب الأول منها فلم يعترض أحد طريقه عندما حرر لها قيودها، وكانت رد فعلها على ما حدث فيها، صفعة قوية على وجهه بكل ما أوتيت من قوة ثم أهدرت فيه:
- مين الناس دي؟ إنت عارف عصابات؟ أنا مالي أصلاً ليه بتخطف أنا؟
كان ما زال يستوعب إنها صفعته حقًا، فقال بغضب من تصرفاتها الغريبة وتفكيرها الأغضب:
- أنا مش شغال مع عصابات أكيد، وأنا جيت أهو محصلكيش حاجة، حقك عليا.
ضحك مظهر بهيستيرية مرعبة حتى أدمعت عيناه ثم قال بسخرية من وسط ضحكاته:
- إنت فاكر إنك أوبر؟ طلبته للسنيورة عشان توصلها لبيتها بأمان.
قال أنس بثبات وصوت غليظ:
- إحنا فعلًا هنوصلها البيت بأمان، هي ملهاش علاقة بحواراتنا.
قهقه مرة أخرى بسخرية ثم قال بنبرة احتقار وتكبر:
- ملهاش علاقة إزاي؟ مش حبيبة أخوك وابن خالتك وابنك؟ ولا كنت هتفرح لما أخطف البت بتاعتك إنت.
قال رحيم باندفاع:
- وإنت تخطف حد ليه أصلا؟ خليك في حالك يا مظهر، ومتنساش إني عارف إنك قتلت نبيل الحداد.
ضحك للمرة الثالثة، لكن هذه المرة كانت بجنون، ثم تغيرت تعابير وجهه من ضحك إلى غضب وأخذ يقترب منهم ببطء وقال بفحيح:
- أنا اللي قتلته ولا سلوى؟
صُدم رحيم، فكيف يعرف أن سلوى هي القاتلة الحقيقية؟ وإذا كان يعرف إنها القاتلة، فلماذا كان يخاف منه ومن أخته.
قال رحيم وتعبيرات الدهشة ما زالت على وجهه:
- إنت عرفت إزاي؟
- أحكيلك أنا عرفت إزاي، لما هجمت عليا في البيت طلبتلك الشرطة عشان أقهر أمك عليك وتتخانق معاك، وبعد كده خرجتك وكنت عامل حساب إني هراقبك وهعرف تحركاتك عشان متعملش حاجة تضرني، لكن وانت راجع من القسم عملت حادثة مع السنيورة.
قال كلمته الأخيرة وهو ينظر باحتقار وسخرية إلى نور ثم أكمل:
- وفضلت براقبك بردو، وعرفت إنك معجب بالأستاذة، ولما نزلت توصلها قبل كده أنا جيت. وقررت إني هحط في الصالة مسجل صوت من غير ما حد يلاحظ وكمان في الأوض كلها وعملت نفسي بفتش إذا كان فيه حد في الشقة ولا لأ، وقررت إني هعلم أدهم درس حلو كده عشان بقالي كتير معذبتهوش وعشان أقهر قلبك إنت وأمك عليه، وطبعًا سمعت أستاذة جميلة وهي بتتكلم مع نفسها في الأوضة عن الحكايات القديمة، وسمعتها لما حكت ليكم كل حاجة من شوية، مع أول الحكاية، قررت إني هخطف الحلوة دي عشان تيجي ليها زي البطل الشطور، بس أحلى حاجة في اللي أختك حكته هو إن الورق اللي بتهدد بيه مع خالتك سلوى.
ضحك بسخرية ثم أكمل بابتسامة عريضة وبفرحة انتصار:
- عارف أنا اللي سرقت فلوس خالتك سلوى، هي حكت ليا وللناس كلها إنها دخلت مشروع خسر، بس أكيد ده محصلش، أنا اللي ضحكت عليها وبعتلها ناس تقنعها إنها تعمل مشروع بكل فلوسها، والمشاريع دي هتخليها تقبض بالدولار وخلتها تشتغل كام شهر كده عشان توافق تحط فلوسها كلها في المشروع، يعني عملت زي ما عملنا أنا وهي في أدهم.
قالت نور بتلعثم وهي تقف خلف رحيم وتمسكه من كتفه:
- طيب يا أستاذ أنا مش عارفة مين سلوى والله، ومش عارفة حد فيكم، عايزة أمشي أنا، وإنتو إن شاء الله هتلاقوا حل للمشاكل العائلية دي.
صرخ فيها وهو يقترب منها لكن اعترض رحيم طريقه بثبات قائلًا:
- كلامك معايا يا مظهر، هي متعرفش حاجة عننا وعن حياتنا.
تنهد مظهر ثم التقط مسدسه من على الطاولة الصغيرة التي تفصل بينهم وأخذ يحدق به ثم قال:
- إنت عارف يا رحيم أنا جبتك هنا ليه؟
لم يعطه فرصة للرد، مد يديه لواحد من رجاله فاعطاه هاتفًا فقال وهو يضغط على تطبيق الكاميرا، ثم مد يديه مرة أخرى يعطيه له، وصوب المسدس ناحيته وقال:
- عشان أقتلك وأحرق قلب أبوك وأمك عليك.
فُتح الباب في تلك اللحظة وكانوا جميع العائلة ومعهم نادر، قال أدهم وهو يدخل بخطوات بطيئة بسبب حالته لكن نبرته صارمة حازمة:
- ما إنت مش هتفضل طول عمرك تغدر بيا يا مظهر، الواحد بيتعلم بردو.
صوب مظهر المسدس نحوه وقال باستخفاف به:
- أنا طول عمري بضحك عليك، بس تصدق إني لو قتلت ابنك ومراتك، قصدي طليقتك قدام عينك هيكون قهر ليك أكتر، حلو ده.
في لحظة حاسمة، وقبل أن يضغط على الزناد، رفع رحيم رجله وضرب يديه التي كانت تمسك المسدس بعنف، فسقط المسدس من بين أصابعه.
في حركة سريعة وخاطفة، التقطه أنس وصوبه مباشرة نحو مظهر ورجاله، الذين بادلوه بنفس الحركة، حيث صوبوا مسدساتهم نحوهم جميعًا.
أهدر أنس بعنف:
- قوللهم ينزلوا سلاحهم.
لم يستجب له فقال بصراخ وهو يهدده:
- قوللهم ينزلوا سلاحهم، أنا ممكن أضرب نار عادي.
قال رحيم بثبات ممسكًا بيد نور ويقترب من عائلته:
- إحنا هنمشي من غير ما حد يتصاب، خلينا نمشي بس من غير مشاكل يا مظهر.
ابتسم بسخرية ثم قال:
- محدش هيطلع من المكان ده حي.
وبمجرد انتهاء جملته، التقط بخفة مسدس آخر من جيب بنطاله وصوبه ناحية أنس، وضغط على الزناد مسببًا إصابة لأنس في كتفه، ليسقط من يديه المسدس.
صرخ رحيم وركض تجاه أنس المصاب، فصوب مظهر المسدس تجاه رحيم، وكاد أن يفعلها لكن جاءت رصاصة من جهة أخرى استقرت برجل مظهر، وقال صاحب التصويب بثقة:
- أكيد مش هتقتل ابني قدام عيني يا مظهر، كفاية إنك قتلت أبويا.
تكلم واحد من رجاله قائلًا بنبرة جمهورية بعنف:
- أنا عايز إشارة يا ريس إني أضرب نار، وهخلص عليهم كلهم، قولي إشارة و....
رفع يديه بإشارة عن التوقف، وقال بإستفزاز:
- بس أنا يا أدهم مخلتهوش يتوجع، أنا حطيت سم مفعوله بيخليه يموت من غير ألم، وهو أصلا كان تعبان وبيموت أنا كده خففت عنه الألم.
بصق أدهم تجاهه وهو يظهر له باشمئزاز:
- إنت مجرد واحد شحات يا مظهر، عملنا ليك قيمة، أبويا رباك معايا، مكنش يعرف إنه بيربي إبليس، واحد غدار وشايف نفسه ناقص، إنت نكرة يا مظهر.
بصق ثانيةً ثم أشار لهم جميعًا بالرحيل، وبين الخوف والتوتر والقلق استداروا جميعًا لكي يرحلوا ممسكين ببعضهم البعض يشدون من أزر بعضهما يبكون خوفًا على المصاب بينهم ويتمنون أن يذهبوا من هنا بسلام لا مصاب آخر ولا فقيد بينهم، لكن ضُربت أمانيهم بعرض الحائط عندما جاءت رصاصة من مسدس مظهر استقرت بجسد واحدًا بينهم.
سقط أدهم الذي كان يتكئ على طليقته وابنته بسبب الإصابات السابقة.
الجميع في حالة إنكار، في حالة صدمة، خفقان في القلب، شلل في حركة اللسان والأجساد، تجمدت أطرافهم. تحرك رجال مظهر يحملون رئيسهم ويفروا هاربين من الباب الآخر.
وبعد ثوانٍ مرت كالسنوات عليهم، صرخت عبير بقوة وجثّت على ركبتيها أمام أدهم.
- أدهم أقوم هنروح المستشفى وهتكون كويس، متسبنيش لوحدي يا أدهم، إنت لسه معوضتنيش عن حنان الأب والأم، أنا محتاجاك معايا.
التفتوا جميعهم حوله، واقترب منه رحيم والدموع مكتومة في مقلته لم تصدق أنها ستنزل على جثة والده، تكلم أدهم وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة:
- عبير، سامحيني، بحبك.
ربت بيديه الدامية المرتعشة على وجهها وأكمل والدموع سبقت حديثه:
- أنا كان نفسي أرجع أعيش معاكي إنت ورحيم وجميلة.
ثم نظر لابنه وقال:
- أنا آسف يا رحيم، أنا غلطت لما...
شهق بعنف ودماء تخرج من فمه وعينيه تُقفل:
- غلطان إني مشيت وسيبتك لوحدك.
رد رحيم ببكاء وإنكار هيستيري وهو يضرب على الأرض بعنف:
- لأ يا بابا إنت مش غلطان، أقوم نروح سوا، وهنكون كويسين مع بعض.
نظر إلى ابنته الواقفة بصدمة كأنها لا حياة باتت فيها وأن روحها خرجت قبل روحه:
- حقك عليا يا جميلة، سامحيني، إنت أكتر واحدة عارفة إن اللي حصل غصب عني.
قالت عبير وهي تصرخ وتبكي بقهر وتقبض عليه أكثر بقوة:
- هتكون كويس والله، أنا آسفة، حد يتصل بالإسعاف.
نظر مرة أخرى في عينيها العسليتين الباكيتين لآخر مرة ثم قال من بين الشهقات وتقيؤ الدماء بنبرة معافرة مجاهدة:
- ادعيلي عشان عملت ذنوب كتير، وخايف أقابل ربنا، خايف أوي، كنت عايز أكفر عن ذنوبي، متنسنيش يا عبير واعرفي إني حبيتك بجد، حافظي على رحيم وجميلة.
نطق الشهادتين بوهن ثم سقطت يديه من بين أصابعها وأغمض عينيه للأبد لينتهي أدهم القماش صاحب الابتسامة الجذابة والقلب الحنون.
رواية ماضي لا يغتفر الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ريتاج ابو زيد
الحبيب غادر الدار لكنه مكث في القلب، ثم غادر الحياة لكنه ما زال يسكن قلبها.. شعورها كان لا يوصف، حبيب غادر، وماذا بعد؟! إنكار، بكاء، صراخ، ثم انهيار، ثم تكمل حياتها على ذكراه محطمة الأحلام والآمال، وتتذكر ما حدث مرة أخرى يوم الوفاة، ثم تتمنى أن يكون كابوسًا، تلوم نفسها على عدم إنقاذه، بكاء، انهيار، وتظل هكذا كأنها في دائرة صعب الخروج منها إلا في حالة وفاتها.. تفتح ألبوم صورهما وتبكي، ثم تغلقه، ثم تفتحه، تنظر إليه في صورهما وقت شبابه وتتغزل في صاحب أجمل ابتسامة، ثم تدقق في ملامحه وتفاصيله كأنها أول مرة تراه، تأخذ صورة أخرى وتكرر فعلتها الأولى. حتى وقعت بين يديها صورة لعائلتها كم كانت رائعة في ذلك الوقت، كانت الصورة بعد أيام من ولادتها لابنتها، كانت واقفة تحمل صغيرتها ويطوق عليها (أدهم) بذراعه الايسر وأمامهم واقف الابن البكري يمسك يد أمه الثانية، وجميعهم يبتسمون بسعادة حقيقية نابعة من داخل قلوبهم، لكنها جذب نظرها شيء آخر في صورة، جمال أسنان (أدهم) البيضاء المتراصة وضحكته الصافية الحنونة الجذابة الواصلة إلى عينيه. ثم أمسكت بصورة أخرى وهي كانت يوم زفافها عندما التقطت لهما حماتها صورة. دخلت عليها (جميلة) تحمل لها الطعام حيث مر ثلاثة أيام على ما حدث وهي ترفض الطعام والكلام والحياة بأكملها. جلست (جميلة) متورمة العينين شاحبة الملامح على طرف السرير لتطعم أمها: - عشان خاطري تاكلي انهاردة، أنا و رحيم مش نحمل خسارتك إنت كمان. ضحكت (عبير) بسخرية والدموع لامعة في عينيها وقالت: - إنت مصدقة إن أدهم مات، أدهم حبيبي أنا يموت، حبيبي وعدني إنه هيفضل معايا، وقالي هيعوضني عن كل حاجة صعبة عشتها مع أبويا، وقالي كمان إنه هيرجع يعيش معانا تاني يا جميلة مش إنت كنت قاعدة لما قال من كام يوم إنه هيرجع أدهم القماش حبيبي؟. راحت في خاطرها الذكرى الأخيرة لها مع والدها في نفس يوم الوفاة حيث جمعهم حوله قال والندم ينهش بقلبه ويخفض عينيه إلى الأرض: - أنا غلطت كتير، بس محتاج فرصة واحدة، أنا ضربتك وهينتك يا عبير وغلطت في حقك، بس كان غصب عني والله مكنتش أنا كانت المخدرات والخمرة، أنا حبيبك عمري ما أزعلك، حتى البيت لما ولع مكنش بسببي كان بسببها هي مش أنا، الفلوس إللي استلفتها مكنتش عشاني كانت عشانها هي، الخمرة. وضع يديه على وجهه وبكى بخجل، ثم رفع رأسه من يديه دون النظر في أعين أي منهما وأكمل بتحشرج: - أنا مشربتش خمرة في حياتي غير لما كل حاجة باظت وضاعت من إيدي، بس أنا عايز أرجع أهم حاجة ضاعت مني، وهي إنت يا عبير، إنت ورحيم وجميلة أنا نفسي أكون أبوهم وجوزك وأنا واخد عهد على نفسي إني هبطل كل حاجة غلط بعملها. صمت منتظر رد أي منهم لكنهم لم يجيبوا، فرجع هو للاعتذار والبكاء مرة أخرى ورأسه منحني وعينيه منخفضة لأسفل، حتى تكلم (رحيم) بهدوء متقربًا منه بلطف: - حصل خير يا بابا، إن شاء الله كل حاجة هتكون كويسة، ممكن بلاش عياط عشان مش هقدر أشوفك كده. قالت (عبير) بثبات خارجي وإنهيار داخلي وهي تستعد للولوج إلى غرفتها: - أنا وإنت أنتهينا من زمان يا أدهم، إنت عندك عيالك، الأول كانوا صغيرين دلوقتي كبار وفاهمين الصح والغلط، إللي عايز منهم يفضل قريب منك ومعاك ده حقهم إنت بردو أبوهم، لكن أنا لأ. خرجت (جميلة) من بين ذكرياتها المؤلمة وتأنيب نفسها إنها لم تأخذه في حضنها وقتها وتوعده إنها ستظل معه للأبد، على صوت نحيب أمها المنهارة وهي تقول: - كان نفسي احضنه بس، هو الوحيد إللي حسيت معاه بالأمان، نفسي أحسسه أنا بحبه إزاي، ملحقتش أقوله إني بعدت عنه عشانك إنت وأخوكي، عشان خوفت في يوم يعمل فيكي إنت وأخوكي حاجة مش عشان كرهته أو خايفة على نفسي منه، كان نفسي أقف معاه وأساعده، بس أنا أنانية هو وقف معايا في كل حاجة وأنا تخليت عنه في أصعب وقت في حياته، لو حد مسؤول عن موته هيكون أنا. دخل (رحيم) على صوتها وقال بثبات: - محدش مسؤول يا أمي عن حاجة غير مظهر، قسمًا بالله العظيم مظهر هيدفع تمن أفعاله كلها على إيدي. أطلق تنهيدة قوية وضمها إليه ولثم جبينها ثم قال بهدوء: - إنت مش سبب حاجة، أدهم حقه هيرجع. خرج (رحيم) بعد ما اطمأن عليهن، واستضافت (جميلة) أمها معها في الغرفة الخاصة بها في شقة خالتها، حتى تواسي أمها وتواسي نفسها. دارت (عبير) وجهها وهي تبكي بدون صوت حتى لا تفزع ابنتها، وعلى الناحية الأخرى كانت (جميلة) تفعل نفس الشيء بالإضافة إلى ضجيج رأسها المزعج، فقررت ألا تترك نفسها إلى عقلها كما قالت لها طبيبتها، ففتحت الهاتف الخاص بها واشتغلت تطبيق "التيك توك" لتلهي نفسها وتغفى، لكن تطبيقها كان له رأي آخر حيث أول مقطع خرج لها من التطبيق كان مقطع من أغنية حزينة للفنان "محمد حماقي" الحقيقة إن الحياة ضحكت علينا، لا الفراق ولا اللقى كانوا بإيدنا، لما يومها حضنتني وبعدين مشينا، ليه مقولتش أن ده الحضن الأخير. كنت سيبني لحد آخر لحظة جنبك، سيبني أقولك أد إيه وإزاي بحبك، مهما طال بينا البعاد مش هنسى حبك وأشوفك يوم على خير. اخترقت الكلمات سمع (عبير) وبدأت في النحيب بصوت عالي، وهي تتمنى أن يمنحها الله يوم واحد فقط لرؤية حبيبها وتقسم له أنه كان من أعز الخلق على قلبها، كانت تتمنى لحظة واحدة تعتذر فيها على تخليها عنه، تطلب حضن أخير من أحضانه الدافئة، تتمنى تغبير ما حدث، تلوم نفسها على تركه وحده، وأنها لم تظل بجانبه إلى آخر لحظة. وفي غرفة (أنس) حيث العتمة، كان صاحب الغرفة في ثبات عميق، والضيف فيها كان في أشد لحظات حزنه، وضع سماعته ثم انتقى أغنية حزينة لكايروكي وأغمض عينيه اللامعة بالدموع. كنت فاكر لسه بدري وأتاري العمر بيجري الفراق بيجي من غير معاد يعلم جوانا، يكتب نهايات شايفك قدامي قدامي وما بينا فاصل بشكيلك وكلامي مش واصل كلامك بيجري في دمي و لآخر العمر هفضل مستنيا أشوفك تاني واقفة بعيد بتشاوري تقولي، ده ابني من لحمي ودمي نزع السماعات من أذنيه وهو يحاول كتم بكائه وكي لا يزعج النائم، ثم استعاذ بالله وقرر فتح القرآن الكريم على هاتفه وينام. بعد مرور أسبوعين من يوم الوفاة. كان (رحيم) يخطط كيف سينتقم من كل من ظلمه وظلم عائلته. دخلت (جميلة) له الغرفة بثوبها الأسود الكئيب وعينيها المتورمتان الباكيتان وجلست بجانبه ثم قالت برجاء: - أنا خايفة أخسرك يا رحيم، أنا مش نحمل خسارتك ده أنا أموت بعدك، عشان خاطري تعالى نسافر إسكندرية مع أنس ونعيش هناك ومنرجعش القاهرة تاني، نعيش لوحدنا. لم يأتِها الرد منه فقالت مرة أخرى برجاء: - طيب إعمل إللي يريحك بس عشان خاطري عرفني هتعمل إيه وريحيني. زفر بحنق ثم قال معارضًا لها: - جميلة أنا طول حياتي عايش في حالي مش بتعامل مع الناس عشان عارف إنهم كلهم مرضى نفسيين ومبيفهموش وغدارين، وقررت أعيش لوحدي من غير مأذي حد، إنما لغاية كده مش هسكت، أبويا اتقتل قدام عيني من واحد دمر حياة كل الناس، أكيد مش هسكت، وإنت عارفة أنا مش بخاف يا جميلة. مع انتهاء كلامه طُرق باب الغرفة بخفة فأذنت (جميلة) للطارق بالدخول. كانت (وفاء) واقفة على باب الغرفة وخلفها ظهر وجهه (نور)، قالت الأولى: - رحيم في ضيفة عايزة تعزيك وتتكلم معاك، تعالى أخرج. خرج (رحيم) مع خالته وأشار لـ(نور) بالدخول إلى الشرفة. جلست مقابلة له ثم قالت بهدوء وخجل في آن واحد: - البقاء لله، ربنا يرحمه ويصبر قلبك، هو أكيد ارتاح، خليك قوي عشان مامتك وأختك. - شكرًا إنك جيتي، وأسف على البهدلة إللي حصلتلك معايا. - أنا عايزة أسأل سؤال وأطلب طلب. - اتفضلي طبعًا. - أنا عايزة أعرف الحكاية بالظبط حصل إيه زمان وخالتك إزاي قتلت أبوها ومين خالد؟ قال بصوت حازم: - ده السؤال ولا الطلب؟. ردت بتلعثم: - السؤال، الطلب هو ممكن أساعدك؟. قال بضيق: - لأ شكرًا متتعبيش نفسك. - أنا بتكلم جد، وممكن أقول لبابي يساعدك كمان هو عنده معارف كتيرة وصديقه ظابط كبير، ممكن يساعدك ويقبض على قاتل والدك. ابتسم بسخرية ثم نهض يفعل كما يفعل دائمًا يستند على الدرابزين ويرفع رأسه ينظر إلى الأفق وزفر بعنف، ثم التفت لها وقال: - إنت فاكرة إني هرتاح لو اتسجن أو حتى مات، أنا هقتله بإيدي بس بعد ما أذله وأعذبه، وسلوى هرميها في الشارع زي الكلبة وهذل فيها لغاية ما تموت من الحسرة على نفسها، زي ما قهرت أبويا وأمي وخالتي. نهضت بعنف وأمسكته من ياقته وقالت: - إنت مجنون عايز تخسر نفسك، طب وجميلة وطنط هيعيشوا إزاي من غيرك، بلاش غباء يا رحيم، حقك عند ربنا، متعملش زي باباك لما راح بهدل نفسه وشرب مخدرات وبعد عنكو، بلاش عبط مامتك محتاجاك. قال وهو يمسك يديها يبعدها عنه: - طب ما إنت عارفة الحكاية أهو أمال بتسألي ليه. - أيوه عارفة كل حاجة، خالتك اتصلت بيا وحكتلي كل حاجة، وقالتلي أجيلك يمكن تسمع مني، بس إنت عندي أوي. أهدر فيها بعنف بعدما اقترب منها أكثر: - وتتصل بيكي ليه، طب مظهر كان فاكر إنك حبيبتي، إنما إنت تيجي بصفتك إيه وتتكلمي معايا ومستنياني أسمع كلامك، أنا أصلا معرفكيش. دخلوا جميعًا على صوته وقالت (وفاء) صارخة به: - إنت بتزعق ليه عيب كده اتكلم بـ..... . - عشان إنت بتدخليها بينا، إحنا منعرفهاش يا خالتي، وقلت قبل كده أنا سكت كتير، مش هسكت تاني، هقتله وهذله قدام عيني قبل ما أقتله، ومش خايف من حد. تركهم وغادر من الشقة بأكملها ذاهبًا إلى صديقه، وقص له ما حدث فقال (نادر): - إحنا خايفين عليك والله، بلاش يا رحيم الشرطة بتدور عليه وهتحاسبه وهيتحكم عليه بالإعدام كمان. - نادر أنا لو الشرطة لقيته ههربه عشان أقتله أنا، خلص الكلام. صرخ فيه (نادر) بعنف وعروقه قد برزت وعيناه جحظت من شدة انفعاله: - بلاش عناد أنا مش هخسرك يا رحيم، وهقف قصادك ومش هخليك تأذي نفسك وتطلع في الأخر غلطان زي أدهم. أنهى حديثه ثم تركه وذهب غرفته يضرب بابها بعنف. تنهد (رحيم) لكنه لم يبال بفعل صديقه وذهب إلى الشرفة يخرج هاتفه واتصل برقم رد عليه على الفور: - ألو رحيم، إيه أخبارك. - عملتي إللي قلت عليه يا سلوى، عرفتي مكانه؟. - اه عرفت مكانه، قاعد في يخت بتاع واحد من معارفه في أسكندرية. - إنت فين أنا عايز أقابلك وش لوش يا سلوى. - أنا في البيت. - طيب سلام. خرج من شقة صديقه متجهًا إلى بيت خالته الخائنة دون علم صديقه. وصل إليها ورحبت به وأدخلته بيتها الذي كان عبارة عن غرفة صغيرة بالطابق الأرضي متهالك الأثاث أضواؤه خافتة. جلس على الأريكة المتهالكة وأخذ يحدق إليها بشر، حتى انتفضت هي من مكانها وقالت بتوتر: - أعملك حاجة تشربها. - اقعدي. جلست والتوتر ينهش قلبها، تكلم (رحيم) محاولًا التحكم في نظراته ونبرة صوته: - إنت هتيجي معايا عند مظهر في المكان إللي قولتي عليه. - ليه أنا ست كبيرة وعجوزة يا رحيم مش هقدر أروح معاك. - الاتفاق اتفاق جهزي نفسك هنتحرك دلوقتي. رفعت حاجبيها وجحظت عينيها بذهول ثم قالت بتلعثم: - دلوقتي؟! قال بقسوة وعنف وعينيه لم ترحمها من التحديق فيها بشر: - مش بكرر كلامي مرتين، جهزي نفسك بسرعة. انتفضت تلملم أغراضها بسرعة، وهو أسند ظهره يسترجع ما حدث في بعد انتهاء ثلاث أيام العزاء. كانوا جميعهم في أسوء حالاتهم، لكن (رحيم) لم ينتظر حتى يستوعب ما حدث، ونزل في كل الشوارع والطرقات يبحث عن (سلوى)، وظل هكذا لمدة يومين حتى عرف طريقها. طرق على الباب وفتحت له دون العلم بأنه الطارق، استغربت في البداية لكنها رحبت به ظنًا منها إنه سيأخذها تمكث معهم أو شيء في هذا القبيل. قال بثبات ونبرة جامدة صارمة قبل أن يجلس: - مظهر قتل أبويا، أدهم اتقتل بسبب واحد كلب نكرة. - لا إله إلا الله، محدش عرفني ليه عشان أعزيكم، شد حيلك يا حبيبي. - مظهر قبل ما يقتل أدهم قال حاجة غريبة عنك. نظرت بدهشة وقد بدأ عليها علامات التوتر والانفعال فحاولت إخفاء توترها وقالت: - قال إيه؟ قال بثبات واضعًا يديه في جيبيه: - قال إنك زي ما ساعدتيه ينصب على أبويا، هو نصب عليكي وخسرك فلوسك وإنت متعرفيش إنه هو إللي عمل كده. ظهرت حبات العرق على جبينها وتلعثمت: - أنا أعمل كده، أنا أنصب على أختي وجوزها، مش لو كنت نصبت زي ما بتقول كنت خدت نسبة من الفلوس، فين الدليل. أجابها بابتسامة تهكمية واثقة: - أنا مش مصدق طبعًا يا خالتي، بس هو نصب عليكي فعلاً،
وبعتلك ناس عشان تفتحي المشروع وسلّمك أول كام شهر الفلوس عشان توافقي تحطي فلوسك كلها فيه، هو اللي حكالي كده، افتكري اللي حصل براحة كده، هتلاقي إن مظهر نصب عليكي فعلاً.
تنهّد بعمق وأرْدَف:
- نصب عليكي وقَتَل أبويا، يبقى هنتفق نخلّص منه، صح ولا إيه يا سلوى؟
بدأت الأفكار تتراوح في فكرها وتسترجع ما حدث معها من اغتيال، حيث أن جاء لها سيدات يعرضون عليها شراكتهم في مشروع، يحتاج إلى الكثير من المال وبعد تفكير عميق منها وافقت عليه، لكنها لم تجازف بجميع أموالها حتى تتلقى المكسب من المشروع، وبالفعل تلقت أول مبلغ وكان بعملة أجنبية.
فوافقت على زرع مالها في هذا المشروع كاستثمار لأموالها، لكنها خسرت كل ما تملك عندما أمْضَتْ فقط على ورقة من ضمن الأوراق التي كانت تحتاج توقيعها عليها، كان هذا بعلم من المحامي الخاص بها، الذي مشيتْ خلفه كالعمياء، تنصاع لأمره في التوقيع والإمضاء على كل ما هو مطلوب منها، لأنها أمية ولم تتعلم الكتابة والقراءة.
وبالطبع أمرأة متكبّرة مثلها خسرت زوجها وعائلته وصداقتها، عندما وقعت في مأزق لم يعِينْها أحد على ابتلائها، بل شَمِتُوا بها وطَرَدُوهَا من بينهم، بالتأكيد الجميع نَفَرُوا منها ولم يتقبّلوها يوم وسطهم، فهي التي كانت تُهين أي شخص لأي سبب وفي أي وقت ومكان.
اخترعت فكرة إن بعد وفاة زوجها اشتركت في مشروع ولم ينجح لوقتٍ طويل، وهذا سبب إفلاسها، ولم تعترف بإنها نُصِبَ عليها بفخٍ واضح كما فعلت من قبل بـ(أدهم).
أطلقت تنهيدة قوية بأنفاس حارّة متوترة وقالت:
- مظهر خدع الكل، شيطان بس أنا عمري ما كنتْ كده ولا أذِيتْ أبوك في حاجة زي ما قالك.
ابتسم بتهكّم واضح وهو ينظر لها من رأسها حتى أخمصي قدميها باستحقار كأنه يريد البصق أو التقيؤ عليها وقال:
- أنا مَقْلْتِشْ إنك أذِيتِي حد، أنا عايزك معايا عشان ننتقم من مظهر، أنا طيب أه، بس كفاية طيبة، طبعي هادي، بس اتْقَى شرَّ الحليم إذا غضب، قولتي إيه؟
رَمَقَتْه بتوتر وقلق لكنها تماسكت وأخرجت نبرة صوتها طبيعية:
- عايز تعمل إيه؟
- أعرف مكان مظهر وطبعًا إنتِ يا خالتي هتقدري تعرفي، أصل مظهر قال لنا إنه عِشْرَة عمرك وبيثق فيكي.
لم تستطع إخفاء توترها أكثر من ذلك وقد ظهرت حبات العرق على جبينها بوضوح ويديها لم تكفْ عن الارتجاف وصدرها الذي يخْفِقْ بشدّة.
تلاعب (رحيم) بها أكثر وقال عاقدًا يديه أمامه وينظر بدهشة مُفْتَعَلَة قائلًا بنبرة بها شيء من الحماس:
- أنا حاسّ إنك تعبانة يا خالتو، موت أدهم أثَّر فيكي أوي كده، للدرجة دي كنتِ بتحبيه؟
ردت بنبرة غاضبة مرتعشة:
- هو مظهر قال عني إيه بالظَّبْط؟
مال بنصْفِهِ العلوي للأمام تجاهها مما جعلها تتراجع للوراء بخوف وهو يرمقها بحدَّة:
- محدش قالي أنا عارف كل حاجة إنتِ عملتيها زمان، شوفي إنتِ عملتي إيه في حياتك، مثلًا إنك قتلتِي نبيل الحداد، مثلًا خلَّتِيهْ يمْضِي على الورق وهو بين الحياة والموت، مثلًا إنك بتهدِّدِي مظهر بالورق اللي خبَّيْتِيهْ يوم جريمة قتل أبوكي.
استقام في وقفته واضعًا يديه في جيبيِّ بنطاله الأسود الرياضي وأضاف:
- ساعديني يا خالتي ننتقم من مظهر، مش عشان أنا عاجز ومحتاجك، ده عشان إنتِ لو مساعدتنيش هنتقم منك زيك زيه.
انصَاعَتْ إلى أوامره ووافقت تساعده لأنها لا تملك خيار آخر، وأول أمر هو أن تعرف أين هو الآن.
وكانت مهمة سهلة بالنسبة لها، لأن جميع من يتواصلون مع (مظهر) يعرفونها، ويعرفون إنها لها عمل خاص معه، وذلك الغبي لم يخطر بباله للحظة إنها ستقف ضده مع أكثر من تُبْغِضْهُمْ، لم تأتِ بخاطره بتَّة لكي يُحْذِرْ رجاله من التواصل معها.
علِمَتْ مكانه بعد يومين فقط من رجاله دون رجوع أي منهما ليستشيروا (مظهر)، لأن التواصل معه ممنوع حتى لا يتوصَّلْ إليه الشرطة.
انتهت (سلوى) من ترتيب أغراضها وتجهيزها لنفسها ثم انطلَقَا سويًا للذهاب إلى الإسكندرية.
وفي شقَّة (وفاء) كان الأمر في غاية الصعوبة، بدتْ (عبير) كأنها حطام منزل قديم مرَّ عليه أعوام، وهي تنظر في الخلاء بقَهْرٍ وحزن، هذه النظرات كانت تكسر قلوبهم.
جَثَتْ (نور) على ركبتيها أمامها واضعة يديها على فخذَيْهَا بلين وقالت:
- لو قلقانة على رحيم فأنا متأكِّدَةْ إنه هيعمل الصَّحْ، رحيم جميل يا طنط مش شبههم ولا هيكون شبههم، إنتِ بس خلِّيكِي قوية وأنا هكلِّمْ بابا يمكن يعرف يتصرَّفْ أو يلاقي حل.
وقفتْ واستدارتْ لتتلاقى أعينها بأعين (جميلة) التي قالتْ لها باستنكار:
- شكرًا على وقفتك معانا، بس إنتِ بتعملي كده ليه معانا؟ إنتِ اتخَطَفْتِيْ وكنتِ هتموتي، وفيه واحد منّا اتقتل قصاد عينك وإنتِ لسه مكلِّمَةْ معانا.
أطلقتْ تنهيدة وردَّتْ بتلعْثُمْ:
- عشان خالتك اتصلتْ بيا، فأنا جِيتْ بس كده.
ضحكتْ بسخرية وقالتْ وهي عاقدة ذراعَيْهَا وترفَعْ حاجبَيْهَا:
- والله؟ واعرفْتِيْ منين إن رحيم قلبه أبيض وكويس ومش شبههم.
صَمَتَتْ لبرْهَةْ حتى تتلقَّى الإجابة منها، لكنها جاءتْ من (أنس) بغضب:
- بَطْلِيْ لعب العِيَالْ ده يا جميلة، إنتِ إزَّايْ لِيكِيْ نَفْسْ للكلام أصلاً.
قالتْ (نور) بابتسامة محرجة ومتوترة وتلعْثُمْ:
- أنا آسِفَةْ لو دخلتْ نفسي في مواضيع خاصَّةْ، بس أنا كنتْ بساعد بس، سلام عليكم.
مَرَّتْ ساعات حتى الوقت تخطَّى منتصف الليل و(رحيم) لم يَعُدْ إلى البيت، ويتجاهل المكالمات الآتية له من أخته و(أنس) حتَّى في النهاية أرسل رسالة صوتية على تطبيق الواتساب لأخته يقول فيها:
"أنا كويس يا جميلة خلِّيْ بالك على ماما وعلى نفسك أنا محتاج أرتاح يومين وأفْصَلْ عن العالم متتصلِيشْ بيا أنا هطمِّنْكْ عليَّ"
ثم أغلق هاتفه، مع وصوله إلى المكان المنشود.
رواية ماضي لا يغتفر الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ريتاج ابو زيد
في مكان يسيطر عليه الهدوء والأسترخاء، وصوت أمواج البحر ونسمات الهواء الباردة، وصلا إلى المكان المنشود بالتحديد، في اليخت اللاجئ إليه البغيض القاتل.
كان المكان هادئ تمامًا خالي من أي جنسي هنا، وكأن المكان بلا روح.
أخرج (رحيم) مسدسه الذي يخفيه في بنطاله وأمسك خالته الخائفة المتوترة التي لم تعرف ما يفعله، وعندما تتكلم يخرصها على الفور بإشارة من مسدسه الموجه إليها.
وعندما اقترب من اليخت وضعها أمامه ليتخذها درع حماية من أي هجوم سيتعرض له من الداخل.
دخل بحذر يلتفت حوله مستعدًا لأي هجوم، لكن المكان لم يسكنه أحد من الداخل.
ترك خالته ليتأكد (رحيم) من خلاء المكان، وأخذ يبحث في الأرجاء بحذر شديد، لكن باغتته ضرب قوية على مؤخرة رأسه من خلف أطرحته أرضًا.
فتح عينيه بإعياء، لم يتذكر ما حدث، لا يعرف كم مر من الوقت عليه، يريد استعمال يديه والفرك في عينيه لكن يداه مقيدتان بالأصفاد خلف ظهره.
"ماذا أحل بي؟ ماذا حدث؟ أين أنا؟ اللعنة عليها هي من غدرت بي، لكن أين أنا الآن؟"
كان هذا صوت (رحيم) الداخلي الذي يلعن حظه ألف مرة، ويفكر في حل للمأزق الذي أحل به.
لكن بدا المكان مألوفًا عليه، أحس أنه يعرف كل شبر بالمكان، لكن هناك جزء رافض تصديق الحقيقة.
"هل هو حقًا في بيت جده (نبيل الحداد) بالقاهرة؟!"
لحظة، كيف له أن يكون بهذا المنزل بالقاهرة وهو في مدينة الإسكندرية؟
لقد استوعب الآن، تم اختطافه من قِبل خالته الخائنة، وستفعل معه كما فعلت مع أبيها.
يريد أن يخرس الأصوات الداخلية ليفكر في حل للمصيبة التي وقع بها، لكنها أبت ذلك، ولم تكف عن الأسئلة واللعنات، حتى جاء من خلفه أكثر الناس شرًا على وجه الأرض.
كان (مظهر) جالسًا على كرسي متحرك، والتي تحركه هي خالته، لكنه برجل واحدة!
ضحك (رحيم) بفخر بوالده حيث أن رجله المبتورة كانت هي الذي تلقى بها برصاصة من (أدهم) قبل موته، وبالتأكيد أخذ وقت ليستطيع الهرب، وفي ذلك الوقت كانت جميع أعصاب رجله تلفت والدماء هربت، واضطر لبترها.
ضحك (رحيم) بهيستيريته حتى أدمعت عيناه واحمر وجهه ثم قال بين ضحكاته:
"أدهم قبل ما يموت سابلك حاجة تفتكره بيها عشان تفضل طول عمرك متغاظ منه حاقد عليه وهو ميت وهو حي، والله أدهم برنس."
أطلق (مظهر) ضحكة متهكمة وقال باستياء:
"أوعديني يا رحيم أنك لما تروح لأدهم تقوله مظهر رجله اتقطعت بسبب الرصاصة بتاعتك، خليه يفرح يمكن يحس إنه خد حقه من إللي عملته فيه."
حدق (رحيم) في عينيه بتحدٍ وثقة ثم قال بملامح جامدة:
"إنت إللي هتقوله بنفسك يا مظهر، قريب، قريب أوي كمان."
قالت (سلوى) باستهزاء:
"عارف يا رحيم، إنت أغبى واحد في الدنيا، بجد إنت غبي كده إزاي يا حبيبي؟ أنا لما رحت لرجالة مظهر عشان أعرف مكانه قلتلهم على كل حاجة، ومظهر قالي سيبيه يعمل إللي عايزه، وساعديه."
صمتت تتفرس تعابير وجهه ثم أردفت:
"أيوه فعلاً مظهر هو إللي نصب عليا في فلوسي، بس مش من مصلحتي ولا مصلحته نقلب على بعض، صح يا مظهر؟"
في آخر حديثها أخذت حقيبتها وأخرجت مسدسًا صغيرًا وبه كاتم للصوت، ووجهته ناحية رأس (مظهر) من خلف.
قال (مظهر) بابتسامة خبيثة وهو يضع يديه داخل جيب سترته الرمادية ليخرج مسدسه الذي أيضًا به كاتم للصوت:
"أيوه طبعًا."
وفي حركة سريعة ومفاجئة، لف بكرسيه المتحرك بحركة دائرية مما جعلها تنتفض وتفقد توازنها من شدة المفاجأة.
وفي لحظة لم تكن تتوقعها، وقبل أن تطلق هي الرصاصة من مسدسها، أطلق هو ثلاث رصاصات متتالية.
الأولى اخترقت بطنها.
والثانية استقرت في صدرها.
والأخيرة أنهت كل شيء عندما استقرت في رأسها.
سقطت على الأرض، وخرجت أنفاسها الأخيرة، لتسكت للأبد.
العالم قد تخلص أخيرًا من شرها وخداعها.
كل هذا حدث بينما كان رحيم، مقيد الأيدي بالأصفاد الحديدية، يشاهد المشهد بألم وعجز، والخوف يتسرب إلى قلبه مع كل رصاصة تُطلق.
قال (مظهر) بنبرة مخيفة والدماء تناثرت على وجهه وعلى بدلته:
"كانت فاكرة بعد ما خدعتني وهددتني بالورق إللي سرقته مني وتخليني أبعتلها كل شوية فلوس، وإنها وهمتني إني أنا السبب والمسؤول عن موت نبيل، إني هسامحها."
حدق فيه بشر ثم وجه المسدس ناحية رأسه ثم أكمل:
"أنا كنت عارف إنها مش هتعدي موضوع إني نصبت عليها، وكنت عارف إنها أكيد هتفكر تقتلني، بس أنا أذكى منها أكيد."
صمت لبرهة ثم أضاف بهدوء مخيف تحت نظرات (رحيم) المرتجفة العاجزة عن فعل أي شيء:
"أنا عمري ما فكرت أقتلك يا رحيم، بس إنت غبي، وأنا مبحبش الغباء. قول الشهادة يا رحيم، وأمانة عليك متنساش تسلملي على محمد باشا وجميلة هانم ومعاهم أدهم."
أطلق ضحكة ساخرة وقال وهو يضع سبابته على زناد المسدس:
"والله أنا طيب أوي، هجمعك مع عيلتك يا رحيم، كل عيلة القماش هناك فاضل بس جميلة الصغيرة، بس البت دي ذكية مش غبية زيك الصراحة، أنا معجب بيها."
أغمض (رحيم) عينيه بشدة، متمتمًا في سره الشهادتين، وقلبه يخفق بشدة، وشعر بالألم والعجز من أنه سوف يموت على يد هذا البغيض دون أن يأخذ حقه وحق والده وعائلته بأكملها.
ظل يتمتم داعيًا ربه للنجاة من الموت حتى يأخذ حقه فقط.
أطلق النيران!
سمع صوت رصاصتين، لكنه لم يشعر بشيء يألمه.
كيف حدث ذلك؟!
فتح عينيه ببطء وجفونه ترتجف تأبى أن تُفتح، لكنه فتحها، وفتحها على مصاريعها حين وجد رصاصة في منتصف جبين (مظهر) وأخرى استقرت في صدره، ومسدسه وقع أرضًا، ورأسه متدلية جانبًا وجالسًا على كرسيه برجل واحدة.
نظر خلفه بانتفاضة وأطرافه ترتجف بخوف حقيقي من مشاهد القتل والدماء المتناثرة من حوله.
وجد (خالد) ممسكًا بمسدسه وموجهًا ناحية (مظهر) بشموخ وكبرياء وتفاخر، كأنه حرر بلده من الاحتلال وهو الآن بطل العالم الذي سيخلد اسمه في التاريخ.
أنزل (خالد) المسدس، وضحك والدموع تلمع في مقلته لكنه ما زال واقفًا بشموخ:
"كان لازم أعمل كده يا رحيم، كان لازم."
فرت منه دمعة لكنه لم يكترث بها وأكمل:
"أنا من ساعة ما عرفت بموت أدهم وأنا حاسس إني السبب وعاجز عن أي حاجة، وأقسمت بالله إني هقتله، مظهر هيموت على إيدي أنا."
صمت أطلق تنهيدة حرة كأنه أول مرة يتنفس ثم قال:
"الحمدلله يا رحيم أنك كويس، عبير مكنتش هتستحمل ابنها يحصله حاجة، ممكن أطلب منك حاجة؟"
لم يُصدر أي رد فعل فقط الدموع تنزل باستمرار على وجنته دون توقف وكأنها شلالات.
استمر الآخر في الحديث مع نفسه بحسرة:
"طلبي هو يا رحيم تقول لأمك إني محبتش في حياتي كلها زيها، والله بجد، ولا أي حد، كنت فاكر في الأول إنه هوس زي ما أبويا قالي، لكن أنا اكتشفت إنه مش حب تملك ولا هوس زي ما قال، لأني نفسي أشوفها مرتاحة وسعيدة بس. الأول كنت ماشي مع مظهر فإني أدمر أدهم، لكن اكتشفت إنها بتتعذب لما بيحصله حاجة، فوافقت واقتنعت إنها خلاص مش من نصيبي، بس قلبي معرفش يحب أدها."
ألقى مسدسه تحت قدميه ومسح عينيه ثم قال بابتسامة زائفة:
"إنت عارف أنا عرفت مكانكم إزاي؟"
لم يأتيه الجواب فأكمل هو الحوار مع نفسه:
"سلوى اتصلت وقالتلي، تعالى الحق رحيم مظهر خطفه وعبير هتجنن عليه، بيلعبوا على الوتر الحساس، بس أنا كنت عارف إنها خطة منهم عشان يقتلوني زي أدهم والحكاية تنتهي بموتي أنا وأدهم، بس أنا على الرغم من إني كنت عارف بس جيت، عشان أنفذ القسم اللي عليا، وعشان أنقذك قبل ما يحصل حاجة."
سمعا صوت صفارات الشرطة آتية من الخارج، فجحظت عينا (رحيم) بخوف، لكن (خالد) كان محافظًا على ثباته:
"أنا إللي اتصلت بيهم يا رحيم، إنت كنت مخطوف وأنا جيت دافعت عنك وعن نفسي، وإنت أصلًا إيدك مربوطة بالكلبش وأنا قصدت إني مفكهاش عشان لما ييجوا يصدقوا إللي حصل، وسلوى اتقتلت من مسدس مظهر وعليه بصماته، أنا قتلت دفاع عن النفس، هاخد كام سنة سجن زي ما خدت قبل كده وهخرج."
ضحك بتهكم أقرب للكوميديا السوداء ثم أردف:
"المرتين دخلت فيهم ظلم وبتخطيط من مظهر، المرة دي داخل بتخطيط مني وأنا منتقم من مظهر وقاتله بإيدي بكامل إرادتي ومعترف بجريمتي ومبسوط كمان، الحمدلله."
اقتحم رجال الشرطة المكان وأخذوا الأسلحة والبصمات والجثتين للتشريح و(خالد) و(رحيم) للتحقيق معهما في الجريمة.
أخذ التحقيق يومين حتى قص عليهما (رحيم) ما حدث من يوم قتل (أدهم) حتى الآن، واعترف (خالد) بجريمته بدافع الدفاع عن النفس وعن (رحيم).
تم إخلاء سبيل (رحيم) بعد عدة إجراءات قانونية وإثبات إنه كان مقيد اليدين ومسدسه لم تخرج منه رصاصة واحدة.
وسُجن (خالد) للمرة الثالثة.
وظف له (أنس) محامي دفاع والجميع كانوا بجانبه.
بعد مرور شهر، وفي ذلك الشهر لم يكن (رحيم) فيه طبيعيًا، تطارده الكوابيس ليلًا، كثير الصمت أكثر من طبيعته، لم يعد لديه شغف في حياة، بغض كل شيء، حتى عمله لم يستمر فيه، وظل يبكي ليلًا ونهارًا على والده، ويتمنى ألف مرة أن يكون كابوسًا، لقد اشتاق له كثيرًا، يريده بجانبه، يحتاجه معه.
طُرق باب الغرفة بواسطة (نور) التي كانت تتابع معهم ولم تتركهم للحظة، وكثيرًا ما تتردد عليهم، كانت تعرف بأن (رحيم) لن يسمح لها بالاقتراب منه، ولا يريدها بجانبه، لكنها تريد أن تبقى معهم جميعًا، ومعه بالأخص.
لم يستجب للطرق على باب الغرفة، فلم تنتظر منه الجواب ودخلت بهدوء وجلست على طرف السرير الذي كان هو في منتصفه جالسًا يربع رجله ويضع يديه على وجهه.
قالت بصوت غلبه الرقة والحنان:
"رحيم، إنت ليه بتعمل كده في نفسك، مش إنت إللي قلت ربنا رحم ماما من تعبها، أكيد كمان ربنا رحمه من الدنيا."
رفع عينه المتوهجة بألم وعجز وفتور من الحياة وقال بصوت أجهش:
"أبويا مات على إيد مظهر يا نور."
مسح وجهه بيديه بقوة، لكن دموعه ما زالت مرافقة له:
"أنا مكنتش عايز حاجة من الدنيا غير إني أرجع علاقتي بيه."
أخرج شهقة متألمة بعيون فاترة وقسمات عاجزة وشعره الأشعث:
"كان نفسي بس أعتذر له إني اتهمته، كان نفسي أفضل جنبه ومأسيبهوش، أنا إللي طلقت أمي منه، أنا إللي اخترت أبعد عنه، أنا السبب."
اقتربت منه برفق ورتبت على فخذه بيد وأخرى ممسكة بيديه ودموعها تنسال حزنًا عليه:
"والله ربنا رحمه، والحمد لله هو كان ناوي التوبة، ومات على ذكرى حلوة تفضل فاكره بيها، مات وهو بيدافع عنك وعن عيلتك يا رحيم، وقبل ما يموت خد حقه من مظهر لما ضربه بالرصاص في رجله، وأكيد هو فرحان دلوقتي أنك مش متورط في أي حاجة."
"أدهم يا نور عاش حياته كلها متعذب، يارب يرتاح في الآخرة ويجمعني بيه قريب."
"بعد الشر عليك، ليه تقول كده، ربنا يريحه في الآخرة، ويجمعك بيه بعد عمر طويل إن شاء الله."
ابتسم بهدوء ثم أخذ منديلًا ورقيًا من على الكومود مسح دموعه الممزوجة بالمخاط، وبأتها بسؤال احمر وجهها منه:
"إنت معجبة بجد؟"
تورّدت وجنتاها وسحبت يديها من على فخذه بسرعة وقالت بتلعثم:
"لأ، قصدي اه، مين قالك الكلام ده؟"
ابتسم برقة واعتدل في جلسته وقال بهدوء:
"خالتي بتقولي إنك دايمًا بتسألي عليا وعلى الكل، وخالتي مشاء الله عليها ذكية، استنتجت بقى."
"طيب الحمدلله شكلك بقيت كويس، ربنا معاك."
خرجت من الغرفة وتركته في قوقعته الكئيبة وعندما يحاول الخروج منها تسحبه إليها مرة أخرى تأبى أن يتركها ويغادر.
قرر النوم لعله ينسيه ما حدث ويرتاح من البكاء والندب على حياته وعلى موت والده.
لكنه بمجرد ما تسطح على السرير وأغمض عينيه، رنّ هاتفه، تجاهله في المرة الأولى، لكنه رنّ ثانيةً، فتجاهله مرة أخرى، وفعله على وضع الصامت، ليهنأ قليلًا بالنوم الذي فر منه إلا من سويعات قليلة في اليوم.
لم يغفُ في نومٍ عميق، ودخلت له (جميلة) توقظه لشيء ضروري، فاعتدل بامتعاض متأففًا، فقالت:
"المحامي كلمني وقالي إن خالد نقل كل أملاكه وفلوسه ومشاريعه إللي كبرها من فلوس أبوه لأسمك إنت، وبيقولك لازم تروح تقابل خالد لإنه محتاج يتكلم معاك."
أشرقت شمس اليوم التالي وقد ذهب (رحيم) إلى (خالد) وهي المرة الأولى الذي يخرج فيها (رحيم) بعد ما حدث، غادر الحياة وهو حي يرزق، وجسد غرفة ابن خالته بأنها قبر الذي دفن نفسه فيه حيًا.
يمشي بين المساجين يتطلع إلى وجوههم ومنهم من كان غاضبًا بسبب زيارة أحدهم، وبعضهم مشتاقون متلهفون للقاء الأحبة، الآخرين جالسين بمفردهم فاقدين الأمل في لقاء الأحبة والأصدقاء.
وكان يناقضهم جميعًا (خالد) الذي لم يضحك هكذا من قلبه من قبل، لم يبدو عليه أنه سعيد مثل هذه اللحظة، كان في حالة جيدة كأنه هنا لرحلة على الشاطئ، أو نزهة في حديقة الحيوان، لدرجة أن (رحيم) فكر في ارتكاب جريمة ليدخل السجن ويكون حتى في نصف سعادته.
سلم (رحيم) بفتور وجمود بعض الشيء دون أن يقصد ذلك لكن هذا هو تصرفه هذه الفترة، لكن قابله (خالد) بحرارة بالغة حتى إنه احتضنه وظل يثني على ثيابه الأنيقة وإنه مثل والده في هيئته وهدوئه، وعلى الرغم من الهدوء والثبات الذي كان يظهر على هيئته إلا أنه جذاب بشكل كبير على الرغم من أن جماله يملكه الكثير.
جلسا وأول من تكلم كان (رحيم) الذي قال بثبات:
"ليه يا خالد عملت كده، إنت قضيتك دفاع عن النفس وكام سنة وهتخرج على خير، ليه تخسر نفسك فلوسك."
أطلق ضحكة هادئة وقال:
"أنا مش عايز حاجة من الدنيا تاني بعد ما اقتلت مظهر وسلوى ماتت، خلاص أنا الحمدلله على كده، لما أخرج إن شاء الله هبقى أستلف منك يا عم."
"بجد يا خالد عملت كده ليه، لو عملت كده عشان أمي يـ..."
"لأ يا رحيم، أنا سبب إن أدهم خسر شركته وحلمه إنه يمسك شركة أبوه، فبحاول أكفّر عن ذنبي، وأنا أصلًا محبوس الفلوس هتقعد بره تعمل إيه؟"
أومأ له بتفهم وبادله بابتسامة بشوشة ثم قال:
"أوعدك هحافظ على مشاريعك واستثمارك، وهتخرج هتلاقي الوضع كويس، بس أخرج بسرعة عشان أنا محتاجك جنبي."
لمعت مقلتاه وقال باستنكار وهو يشير بسبابته على نفسه:
"محتاجني أنا جنبك؟"
ابتسم (رحيم) بحب له وهذه المرة الأولى الذي يفعلها معه:
"أنا آسف على كل حاجة عملتها معاك وحشة، وبجد شكرًا ليك من قلبي."
لم يرد عليه بل اختطفه في حضنه وقلبه محلقًا في السماء وقال بتحشرج بنبرة مختنقة من الفرحة:
"أحلى حاجة سمعتها طول حياتي، ربنا يفرح قلبك دنيا وآخرة وتتجوز البت إللي بتحبها من غير تعب وشقا."
ضحك على سخريته فاهم ما يرمي إليه ثم قال:
"طيب يا عم شكرًا، كنت عايز حاجة مني تاني؟"
قال مترجيًا له وقد ظهرت على قسماته الخجل بعض الشيء:
"محتاجك تجيلي دايمًا، مش عايز أحس إني لوحدي، ممكن؟"
"طبعًا ممكن."
ظلا طوال الزيارة يتحدثون عن العمل وعن المال الذي وسعه، حيث أن أبيه تنازل عن ورثه لأخيه، لكنه كان يملك منزلًا وأرضًا خاصة به من ماله الخاص وكانت أمه مدخرة له حليها.
لقد انتهت الزيارة، ووقفا يودع بعضهما البعض وقال (خالد):
"سلميلي على جميلة والواد نادر إللي بيكرهني، وخلي بالك عشان الغدر بيجي من أقرب الناس ليك."
"نادر غير كل الناس."
"ربنا يباركلك إنت ونادر، خليه يشتغل معاك، وكمان الواد أنس المتهور."
"حاضر، وهسلملك كمان على بنات عمك."
قال جملته ساخرًا ثم غمز له بطرف عينيه، ورحل وفي قلبه أمل أن حياته ستتغير للأحسن بعد ذلك اليوم.
أخذ شهيقًا مستعدًا لبداية جديدة في حياته خالية من شيطان من شياطين الإنس، وأخرج زفيرًا أزاح عن قلبه همًا كبيرًا.
رواية ماضي لا يغتفر الفصل العشرون 20 - بقلم ريتاج ابو زيد
بعد مرور عامين كاملين.
استمرت الحياة بحلوها و مرها، سوف تستمر مهما كانت الظروف، لكن اليوم هو من أفضل الأيام في حياة الجميع، يومٍ مختلف يعيد الذكريات الأليمة وكذلك السعيدة، فمهما كان الماضي أليم سوف نتعافى يومًا ما، صحيح أن الماضي لا يتغير ولا يُغتفر لكن في النهاية الحياة ستستمر، عليك أنت اختيار هل ستستمر الحياة وأنت حي في كهف الذكريات الأليمة أم إنك تريد التعافي و تعيش ما تبقى من العمر تواجهة الصعاب و تتغلب عليها جميعها حتى تموت؟
لا تُفكر في حياة بدون صعاب هذا مستحيل، لكن يوجد فرق بين من سيتغلب عليها و يصمد، ومن يبقى معزول في كهف يندب على حياته، يسعدني أقول لك عزيزي أن الحياة لن تتغير، أنتَ فقط من يستطيع يغير حياة نفسه، لا تظن أنك إذا قلبت كل يوم في ألبوم الذكريات على أغنية حزينة لكاريوكي سوف ينتهي الأمر، أنتَ هكذا تُثبت فشلك و ضعفك، وتزيد حُزنك، وحياة الجميع سوف تستمر دونك.
الحياة ليس واقفة عليك، ولا الزمن سيتوقف حتى تنهي حُزنك، أو غباءك.
اليوم (عبير) أمام ڤيلا كبيرة أشبه بالقصر،واسعة الأرجاء، مترامية الأطراف، ذات ديكورات فخمة وأنيقة، مزودة بحمام سباحة كبير وحدائق واسعة خلابة.
ظهرت الدموع في مقلتها واضعة يديها على قلبها و تبتسم بأوسع أبتسامة لتظهر أسنانها، لكن هذه المرة لم يكن معها حبيبها، لم تخرج السيدة الأنيقة لترحب بها و تثني على جمالها.
وقف خلفها يطالعها بحب (رحيم) الذي في الشهور الأخير حقق أرباح كثيرة، واكتسب مهارة والده في العمل و في حياته كذلك، و أخيرًا استطاع شراء منزل جده وعائلة القماش، بعد ما حجزت عليها الدولة بما إنها ملك (مظهر) الذي ليس له أي وريث شرعي، و بعد عامين أستطاع شرائها من الدولة أخيرًا ليهديها إلى أمه.
وضع يديه على كتفها برفق وابتسامته لم تفارقه، و أخيرًا استرجع البيت الذي نشأ فيه، البيت المحبب للجميع.
كانت واقفة بجانبه (جميلة) ترفع رأسها بشموغ و تحدق في البيت بكل حب، على الرغم من إنها لم تُولد فيه لكنها أحست بالأنتماء إليه.
وبعد ذلك جاءت العائلة و الأصدقاء جميعهم ليكونوا معهم في جزء سعادتهم كما كانوا في حزنهم و كربهم.
اطلقت (وفاء) زغروطة طويلة، تعبر بها عن فرحها، و بجانبها زوجة وحيدها (روان).
تكلم (نادر) بذهول من خلف (رحيم) زعجه بصوته و اخرجه من ذكرياته مع والده:
إنت كنت غني أوي كده و أبوك كان ساكن هنا، أومال إيه إللي جابك المعادي يا عم.
قال (أنس) بعد ما صفعه على مؤخرة رأسه ويحدقه باشمئزاز:
إنت غبي كده لمين، أبوك الله يرحمه كان غبي كده؟
متغلطتش في أبويا لو سمحت.
علق (رحيم) قائلًا باستنكار من غباءه:
عايز تتجوز ندى البنت المثقفة المتعلمة إزاي بجد، أنا بقول حرام هنظلم البنت معانا.
امسك (نادر) يده مترحيًا:
بالله عليك يا رحيم تيجي معايا بكرة و نتقدم بقى، أنا زهقت يا عم، طب يارب تتجوز نور.
قال (روان) المتحمسة دائمًا:
صح يا رحيم يلا روح اطلب إيد نور، و نادر يطلب ندى و نعمل فرحكم في نفس اليوم.
سكتت للحظة ثم قالت مبوخبة نفسها:
إيه الغباء ده، إحنا عايزين أفراح كتير، خلاص يا شباب بلاش في نفس اليوم.
ضحكوا عليها جميعًا ثم قالت (عبير) الذي خرجت من ذكرياتها وقررت تعيش اللحظات الأولى لها في البيت في فرح و سعادة:
طب إحنا لسه واقفين في الجنينه ممكن ندخل نتكلم جوه.
أيدتها (وفاء) في ذلك نظرًا للشمس الحارقة في فصل الصيف.
خطو الخطوات الأولى داخل المنزل ثم سمعوا صوت من خلفهم ينادي على (رحيم) بعفوية، فالتفت لها و هو على يقين بأن صاحبة الصوت هي من خطفت قلبه ذات الشعر القصير.
اقتربت منه وقالت واضعة يديها على خسرها وتُجعد وجهها:
والله؟ إنت ناوي تدخل البيت من غيري.
حمحم وقال بطريقة كلاسيكية و هو يشير نحو البيت:
أكيد طبعًا لأ يا فندم، حضرتك شريكتي و ليكي الفضل بعد ربنا إني أشتري البيت، تُشكري.
ضحكت بدلال حتى ظهرت نغازتها ثم احتضنت جميع النساء و أخذت تبارك لهم، ثم أمسكت يد (عبير) و قبّلتها بحب و قالت:
أنا و رحيم عملنا كل إللي نقدر عليه عشان تكوني فرحانة يا ماما، مبسوطة؟
حدّقت فيها و عينيها تلمع من شدة الفرح، ثم احتضنتها بقوة وقالت:
أنا أكتر واحدة مبسوطة في الدنيا الحمدلله.
ابتعدت عنها ثم اضافت بعد ما رمقت (رحيم) بطرف عينيها بخبث:
وهكون مبسوطة أكتر لو تاخدي خطوة إنت و ابني.
تبدلت قسماتهما من فرح إلى ارتباك بالإضافة إلى حمرت الوجهة الطبيعية التي ظهرت على وجهها أثر الخجل، لكن صياح الآخرين مشجعين لـ (رحيم) على أخذ هذه الخطوة الآن، و صياح (نادر) و (روان) كأنهم يشجعون الفريق المفضل لكرة القدم، نطقها أخيرًا بنظرات هيام و إعجاب شديد:
بحبك يا نور، و أتمنى زي ما إنت شريكتي في شغلي و صديقتي، تكوني مراتي و تنوري حياتي.
صاحوا جميعهم كأن أخيرا أحرز الفريق المفضل هدف، احتضنه (أنس) بقوة حتى كاد أن يكسر له ضلع وقال بصوت قد غلبه التأثر بهذه اللحظة:
الف الف مبروك ربنا يتمملك على خير يا غالي، يارب افرح بيك يا رحيم.
باعد بينهم (نادر) بغضب زائف:
إيه يا عم عايز أحضن صاحبي، و بعدين ما تفرح بيه دلوقتي لازم يعني تفرح لما يتجوز، و أصلا نور لسه مقررتش.
قالت (جميلة) التي ضربت كفها ببعضهما بحنق:
يابني بلاش نبر بس، طول عمرك بومة عمرك ما هتتغير.
طلع لها لسانه مخرجًا صوت كالاطفال،فضحكوا عليه وقالت (نور) بخجل:
أنا هكون محظوظة يا نادر، لو بقيت حرم رحيم أدهم القماش.
زغاريد!
ضحكات!
غناء!
بهجة!
فرح!
قفز!
يحتفلون بالضيفة الجديدة التي ستنضم إليهم قريبًا، حتى جاء الليل و اضطرت أن ترجع بيتها، كانت حزينة لأنها ستذهب إلى وحدتها بعيدة عن تلك العائلة المبهجة، وقد أصر (رحيم) على توصيلها، ورفضت لأنها معها السائق في الخارج لكن هو أصر وقال له أن يذهب هو.
ركبا السيارة و بدأت هي بالكلام حيث قالت بنبرة جامدة جدية:
إنت إزاي تُحفة كده؟
حدّق بها باستغراب ثم انفجر في الضحك فرد عليها بعد ان توقف:
كلمة تُحفة دي بتاعتي، بس هنعديها.
لأ يا حبيبي إنت بتاعتك براس كبش، هو إنت صح ليه بتقول لأي حد برأس كبش؟
ضحك لتلك الذكرى ثم قال بعدما زفر بقوة:
ليها حكاية، بصي في يوم كنت قاعد مع أدهم و كان بيتكلم في التليفون كانت علاقتنا باظت خلاص كنت كبير يعني تقريبا خمستاشر سنة، المهم سمعته متعصب و قال ده إنتو عالم برؤوس كبشه كلكم، فسأته بعد المكالمة إيه الشتيمة الراقيه دي، قالي يا رحيم براس كبش بتعبر عن ناس عنيدة غبيه مش بتتقبل رأي غير رأيها زي الكبش الغبي العنيد المتهور إللي فاكر إنه صح، وهو أصلا بقرنان.
ضحكت على أخر جملة حتى أدمعت عينيها وأخذت منديلًا تمسحها لكي لا تفسد كحلتها ثم قالت:
عحبتني والله و معبرة فعلا.
تعرفي أنا ساعتها قولته زي أنس يعني متهور و عنيد ، راح قالي بالظبط إنت كده فهمت.
ضحكت مرة أخرى حتى فسدت كحلتها و هو يضحك عليها و ينظر لها بهيام ولمعة في عينيه ثم اردف:
انا بحب أنس أوي، أنس هو حياتي، في اول فترة في حياتي كنت مبحبش زي أدهم، لغاية ما حصل إللي حصل و من ساعتها و أنس هو ابويا و صاحبي و اخويا، بجد بحبه و هو علمني حاجات كتيرة، عارفة قالي إيه؟
كانت تنصت له باهتمام لكل حرف ينطقه، أردف هو بكلاسيكية محاولًا تقليد صوت (أنس) في ذلك الموقف:
أسمع مني متوثقش في حد، ولا تبالغ في حبك لحد، ولا تسكت لحد لما يزعلك، إللي يزعلك زعله، العين بالعين، إللي معملش خاطر ليك متعملهوش خاطر، هما بدأوا الفعل يبقى ميزعلوش من رد الفعل.
رفعت حاجبيها بكلاسيكية مثله ثم قالت:
طب حلو والله أستاذ أنس بكر بيقول حكم، بس إنت مبتزعلش حد يا رحيم ولا بتتكلم مع حد و لا عندك علاقات كتير، ليه؟
اطلق تنهيدة ثم أوقف السيارة الواقفة بين مئات السيارات المتكدسة ينتظرون الأشارة للتحرك:
عشان أكتشفت إن أكتر حاجة متعبة هي التعامل مع البشر، تحسي إللي قدامك برأس كبش والله، فقررت مخليش لحد فرصة إنه حتى يزعلني، لأني مش بتعامل مع الناس أصلا، هي حياتي إنتو بس.
توردت وجنتها بفرح و تُحلق فوق معدتها فرشات بسبب أنه جمعها معهم، وقد لاحظ هو ما قاله فأحس بإحراج و قرر أن يبدل الموضوع فقال:
أحكيلي إنت يا نور.
أنا عادية بنت بحب صحابي جدًا وحيدة لبابا ماما توفت و بشتغل مع أحسن واحد في الدنيا و أول حرف من أسمه رحيم القماش.
ضحك (رحيم) ثم قال مقترحًا لها:
بما إنك خلتيني أقطع علاقتي مع أغاني كايروكي الحزينة، إيه رأيك نشعل أغنية فرفوشة فيهم؟
هو أمير عيد الكئيب عنده أغاني فرفوشة؟ و رومانسية كمان، اسمعي دي.
من زمان نفسي اغنيلك وأحكيلك أد إيه أنا بحبك
وأمسك قلمي وأكتبلك وأعمل أغنية بأسمك
واسرح بعيد وأفتكرك
كل الكلام إللي جوابا مش كفاية و ميكفيش حتى البداية
لما كنتي واقفة معاي
بداية الطريق والحلم كان لسه بعيد
في عز يأتي وكل الدنيا ماشيه عكسي
كان يغني بحماس مفرط و صوت عالي وهي تنظر له باسمة الوجه، ثم نظر هو إلى عينيه وهو يغني بحماس.
عشانك أنا قادر أكمل
عشانك قادر أتحمل
وكل مرة بشوفك بحبك تاني من الأول
عشانك أنا قادر أكمل
عشانك قادر أتحمل
وكل مرة بشوفك
ثم قال (أمير عيد) "ليلى" لكن (رحيم) بدلها بـ"نور".
ثم أكملت الأغنية وهو معها وهي تضحك من قلبها وتحاول تشاركه حماسه.
كنا أطفال و كبرنا، ومع بعض إحنا كملنا الحكاية
حب البراءة و السذاجة غلب الدنيا الكدابة
واسع عايش جوايا
بشوفك زي أول مرة كنتي غيرهم كنتي حره
وإللي في قلبك كان بره
أنتي كل حلم عدى واستخبى، خرجتيه مني بزقة
بتشديني ودايمًا سابقة.
استمر الكلام و الضحك والغناء بينهم حتى أوصلها و عاد إلى منزله الجديد الذي استضاف فيه خالته و ابنها و زوجة ابنها.
عندما ولج اشار له (أنس) بالجلوس بجانبه ثم قال بابتسامة مشرقة:
أحب افرحك اتكلمت مع أبو ندى و وافق مقدمًا إننا نجي نتقدم و حددنا معاه المعاد، هنروح بعد بكرة، و كمان بكرة هروح لأستاذ ضياء و هكلمه عليك، خلينا أفرح بيك إنت و الواد العبيط نادر.
تُشكر يا أنس عقبال ما نفرح بيك يوم لما تكون أب.
حبيبي تسلم.
صح النهاردة قلت لنور على كلامك ليا، وحبته أوي ووقالت عليك بتقول حكم.
تحب تسمع حاجة كمان.
طبعًا اشجيني.
الناس مش بتبطل كلام على بعضها مهما كانوا بيحبو بعض و قريبين من بعض، أقولك حاجة حتى بعد ما تموت مفيش حد هيترحم عليك من غير ما يجيب في سيرتك بعد ما يخلصو كلام عليك هيقولو أهو مات الله يرحمه و يغفرله، عشان كده أعمل إللي عاوزه و كلام الناس متهتمش بيه، عشان ملهوش لازمة و مش هيخلص، عشان كده يا رحيم متهتمش لأي حد يستغرب من إنك ابن أدهم القماش بتاع الكاس، محدش فيهم يعرف الحقيقة، ولا حد يعرف مين أدهم القماش نفسه، ووالله لو كان شيخ في مسجد هيتكلموا عليه بردو.
تُشكر مره تانيه، تصبح على خير.
بعد مرور ستة أشهر.
اليوم زفاف (رحيم) على حبيبته (نور)، الجميع في سعادة بالغة، و بعد إنتهاء اليوم، دخلت ضيفة جديدة إلى بيت القماش، وهذه المرة سوف ترحب بها سيدة المنزل الأنيقة ذات العيون العسلية (عبير)، اليوم هي من تستقبل لا تُستقبل، احتضنت ابنها و زوجته، و ادخلتهما غرفتهما، ودخلت هي غرفتها، لتنظر على ألبوم ذكرياتها في هذا البيت، لكن هذه المرة لا تبكي، بل تتذكر و تضحك، و تأتي الذكريات الأولى لها في هذا البيت مع حبيبها و كيف كانت تخجل من حنيته عليها و هي كانت معه كالبومة، تتمنى أن تحصد زوجة ابنها ذكريات رائعة تتذكرها عندما تكبر، لتكوّن ماضي مدهش، لا أليم.
ظلت طول الليلة تدعي ربها أن يرزقهما الذرية الصالحة و يبعد عنهما أي شر، وكذلك دعت إلى (روان) و (أنس) أن يرزقهما الذرية الصالحة و تتم ولادتها على خير دون ضرر، و لم تنسى من دعائها (نادر) و خطيبته، و ابنتها الجميلة.
مرت سنة أخرى بذكريات ملئية بالبهجة.
ذهب (رحيم) زيارة لـ (خالد) بس هذه المرة لم يكن بمفرده، جاء له بضيفٍ جديد اعطى للحياة نكهة خاصة.
وقف (رحيم) أمامه بشموخ وثبات ثم مد له يده بالطفل الذي يحمله وقال بابتسامة واثقة:
اتفضل يا جدو، شيل حفيدك، أدهم القماش الصغير.
نظر (خالد) بغير تصديق و مستنكرًا كلمة حفيدك، ثم قال وهو يحدّق ليده الممدودة نحوه بالطفل:
مراتك خلفت و معرفتنيش.
يعني ده إللي فرق معاك، يا عم كنت عاملها مفجأة مش عايز تشيله ولا إيه، ده إنت حتى جدو.
حمل منه الطفل برفق وحدّق بملامحة التي تُشبه طفلته و حبيبته الوحيدة، ثم قال:
جميل مشاء الله و عينه شبه جدته، ربنا يحفظه.
أيوه فعلا طلع شبه ماما و جميلة أوي، و اسمه على أسم أدهم، و إن شاء الله يطلع شجاع زيك يا خالد.
أنا شجاع؟ والله يا رحيم أنا من غيرك و من غير كلامك كان زماني ميت، ربنا يباركلك فابنك يا أبو أدهم، يارب يطلع زي جده الحقيقي.
أحب أفكرك إن خلاص متبقاش كتير على خروجك بالسلامة يا بطل، و إن شاء الله تمسك معايا شغلك و نعمل شغل جامد مع بعض، قول آمين.
انتهت الزيارة، لكن لم تنتهي الحياة، لثم (خالد) جبين الصغير بعمق يستنشق رائحته ثم أعطاه لوالده.
غادر (رحيم) حامل على ذراعيه (أدهم) الصغير و هو يتمنى أن يصبح كـ (أدهم) دون مصيره، و يُشغل تفكيره بتفاصيل حياته وهو وعائلته محللًا لها، و أول من خطر على باله والده، هل قُتل ولم ينعم بالحياة لأنه ظل يبكي على ما فات و غير حياته و حياتهم للأسوء؟
و (خالد) نعم بالحياة و نال شرف قتل البغيض و سيخرج عن قريب يتمتع بأمواله و أملاكه لأنه لم يفعل المعاصي و يبكي على الماضي كـ (أدهم) ويوقف حياته.
لقد كانت حياته مليئة بالتناقضات، فصادف الصديق الغادر والوفي، و الأب القاسٍ و كذلك الحنون، والأخت الرقيقة التي يمليء قلبها حنان و أيضًا القاسية التي يمليء قلبها أنانية، و رد فعل كل شخصية بعد ما خسرت املاكها و حياتها، فـ(خالد) قرر أن يبني مستقبله و تستقر حياته، لكن (أدهم) ذهب إلى الخطأ و المعصية، و تأثيرها عليه أخسره الباقي من عائلته.
أنتَ من تختار حياتك، و أنتَ من تقود أفكارك، لا أنكر أن الحياة قاسية و أننا نمر بمواقف عصيبة ليس لنا يد بها، لكن أنتَ الوحيد الذي تستطيع خروج نفسك منها، إذا الحياة أظلمت معك ولا تستطيع تحملها فتذكر إن مع العسر يسرا، أحيانًا نظن أنها النهاية، لكن أحب أخبرك إن لكل نهاية بداية.
فلنفترض أنك يأست لدرجة إنك لم تستطع تحمل الحياة و تريد الانتحار، سأخبرك شيئا من ينتحر كافر، فهل تريد أنت أن تدخل جهنم بسبب دنيا فانية وأناس حمقاء؟
بسبب أشخاص استغلوا الصداقة الكاذبة الناشئة بينكم لتدميركم؟
بسبب أحبه غادروا ولم يبقوا معنا حتى نهاية الرحلة؟
بسبب أب يقسو على أبنائه؟
بسبب أخت أنانية طماعة لم تملك من الأنسانية شيئًا؟
الجميع سيلقى مصيره، لا الأصدقاء سينجو و لا الأب و لا حتى الأخوة، إذا لم يلقوا مصيرهم في الدنيا، سيلقونه في الآخرة.
تذكر شيء أخير قبل المغادرة من يظل يبكي على الماضي، سيخسر حاضره و مستقبله، ومن آذاك سيكمل حياته منتصرًا عليك حتى يلقى مصيره.