الفصل 1 | من 27 فصل

رواية مأساة حنين الفصل الأول 1 - بقلم ايه الفرجاني

المشاهدات
27
كلمة
1,117
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 4%
حجم الخط: 18

اسمى حنين... عندى ١٧ سنة، بس لو شفت شكلى هتفتكرنى عديت التلاتين يمكن من كتر التعب أو يمكن من كتر الوجع اللى شيلته على كتافى وأنا فى السن ده... أنا مش زى البنات اللى عندها حنية أم، ولا حضن أب ولا حتى إخوات يسندونها ويخبّوها من البرد. أنا بنت طردوها بعد موت أهلها. قالولى امشى برا البيت ملكيش حاجة. من غير لا سند، ولا ضهر، ولا حتى رغيف عيش ناشف آخده فى طريقى. يومها ماكنش عادى...

كان يوم حر جدًا، الشمس كأنها ناوية تحرقنى وأنا ماشية بشنطتى الصغيرة اللى فيها هدومى اللى عرفت آخدها قبل ما أمشى. مكنتش مصدقة إن دى آخر مرة هشوف فيها أوضتى، سريرى، ذكرياتى. بابا وهو بيشرب شاى وبيكلمنى. ماما وهى بتزعقلى كل شوية. مكنتش عارفة إنى لما هخرج، مش هرجع تانى. خرجت... وأنا ماشية كنت بعيط، بس مش بصوت. كنت بعيط من جوه... قلبى بيصرخ، بس صوتى مكسور. فضلت أمشى، وأمشى، لحد ما رجليا وجعتنى وقعدت ع الرصيف.

الناس ماشية، تبص وتعدّي، ولا حد سألنى مالك؟ ولا حد حتى وقف جنبى. مليش حد أروحله. اللى المفروض منى رمونى عشان مش عاوزين يصرفوا عليا. أول ليلة نمت فيها فى الشارع، كانت أكتر ليلة حسيت فيها إنى ولا حاجة. أتمنيت لو إنى مت مع أهلى يومها. بس يمكن ربنا ليه إرادة فى اللى بيحصلى. برد، خوف، أصوات العربيات بتكلبش فى قلبى والدموع نشفت من كتر ما نزلت. كنت جعانة... وجعانة أوي... بس أكتر من الجوع كنت عاوزة حضن...

حضن يطمّنى، يقوللى "أنا معاكى يا حُنين". حسيت إنى عاوزة بابا وماما. أترمى فى حضنهم وأنسى العالم كله. عدّى أول يوم ورا التانى، ورا التالت... كنت بصحى الصبح على صوت الزعيق والشتايم فى الشارع، والبرد لسه لافف جسمى زى التلج، والناس حواليا ماشية بسرعة، وأنا واقفة متسمّرة، مش عارفة رايحة فين... كنت كل ما أبص فى المرايا المكسورة اللى على جنب محل قافل ألاقى عينى مش أنا. أنا... عمرى ما كنت كده. عينى فيها خوف، وذل، وانكسار...

أنا اللى كنت لما حد يزعقلى أعيط، بقيت ما بدمّعش... من كتر ما اتوجعت، مبقتش بحس! فى يوم وأنا قاعدة على رصيف تحت كوبرى شبرا كنت جعانة أوي... معدتى بتقرّصنى كأنها بتقطع فيا. قعدت ألف حوالين العربيات اللى بتبيع سندويتشات على أمل حد يدينى لقمة... الكل بيبصلى بريبة، كأنى حرامية أو مجنونة! وفجأة... شفت شخص ساند على عربية وبيأكل. كان شاب فى أواخر العشرينات، شكله شيك ولبسه نضيف، وكان شايل كيس فيه أكل وشاى سخن.

كنت ببصله وهو أخد باله منى فجأة. قرب منى وقال بابتسامة وهو بيقرب الكيس منى: = انتى جعانة؟ أنا ما رديتش... خفت... بس جسمى هو اللى جاوب، عينى اللى دمعت، ويدى اللى خدت الأكل بسرعة... كنت باكل وأنا ببصله بخوف. قالى باستغراب من حالتى: = كلى واطمنى... أنا مش هأذيكي. أكلت... وكان أول لقمة سخنة تدخل بطنى من أيام... كنت بأكل وأنا بعيط... عياط مكتوم من غير صوت. قعد جنبى وفضل يبصلى باستغراب. = انت اسمك إيه؟ قلتله بصوت واطى:

= حُنين... ابتسم وقال: = اسمك حلو... بس باين عليه قلبك اتكسر كتير. كمان مش واضح إنك بنت شوارع. إيه عمل فيكى كده؟ احكى لو أقدر أساعدك. سكت... ما عرفتش أرد... أنا فعلاً قلبى اتكسر، واتردم عليه، واتنداس. لما مردتش عليه قالى: = أنا اسمى كريم... لو عاوزة مكان تنامى فيه أنا ساكن لوحدى، وفى أوضة فاضية، تقدري ترتاحى فيها... مش لازم تفضلى فى الشارع كده لأنه مش أمان لبنت زيك. بصيتله ومخى كان بيودى ويجيب... هو بيطّمنى؟

ولا بيصطادنى؟ بس وقتها مكنش عندى رفاهية أختار... كنت بردانة، مرهقة، ومفيش أي باب في الدنيا مفتوح ليا غير الباب اللى هو فتحه. رحت معاه. كان ساكن فى شقة صغيرة فى عمارة قديمة... طلعنا السلم وأنا خايفة وقلبى مش مطمئن. دخلنا. قالى بهدوء وهو بيشاور على الأوضة: = دى الأوضة أهي. اقفلى عليكِ الباب ونامي، وأنا مش هأقربلك متخافيش.

هزيت دماغى وكنت مرعوبة بس دخلت. الأوضة شكلها نضيف ومترتبة. قفلت الباب كويس. وأول ما وصلت السرير فعلاً نمت... بعد ساعات معرفش عددها قد إيه قمت وأنا مرعوبة. ببص على هدومى. شكلى. = أنا شكلى نمت كتير ولا إيه. أول مرة أحس إن في سقف فوق دماغى من أيام. صحيت على ريحة فطار... بيض مسلوق، عيش، وشاى. فتحت الباب وخرجت. كان واقف بيعمل الأكل. أول ما شافنى ابتسم. كريم كان بيحاول يخلينى أطمن. فقالي: = صباح الخير يا حنين.

سكت وأنا مش عارفة أرد. هزيت دماغى بخجل. بصلى بابتسامة وقال: عارف إنك خايفة بس... أنا مش زيهم. أنا عارف إنك موجوعة، ومكسورة. وقت ما تحبى تحكى لى أنا جاهز. صدقته... لأنى كنت محتاجة أصدق... أنا مكنتش بدور على راجل... كنت بدور على أمان، بس للأسف... ما كنتش أعرف إن الأمان ساعات بيبقى فخ. بقيت أقعد معاه فى الشقة، أنضف، أطبخ، وبيصرف عليا... وأنا شايفة نفسي برجع للحياة... بس مش حياتى! وفى يوم...

دخل الأوضة من غير ما يخبط وشكله كان غريب... وو... حصل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...