الفصل 2 | من 27 فصل

رواية مأساة حنين الفصل الثاني 2 - بقلم ايه الفرجاني

المشاهدات
26
كلمة
2,484
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

دخل الأوضة من غير ما يخبط. بصلي بنظرات غريبة. اتخضيت ووقفت من على السرير. قرب مني وهو بيقول: = أنا مش طالب حاجة… بس أنتي عارفة إن اللي زيي لما يساعد، لازم بيبقى ليه مقابل صح؟ ساعتها قلبي وقع. مكنتش فاهمه قصده إيه. لاقته عمال بيقرب أكتر. وأنا من خوفي نزلت من على السرير. كنت بتكلم وأنا خايفة جدًا. أول مرة أشوفه كده من يوم ما شفته. = مش فاهمه إنت عاوز إيه. إنت بتقرب كده ليه؟

بالله عليك يا كريم، إنت قولتلي إنك مش زيهم صح؟ ضحك ضحكة خبيثة وقال: = كلهم بيقولوا كده في الأول يحلوة… اتصدمت. حسيت قلبي هيقف. حسيت إني متكتفة من جوه. كأني رجعت تاني للشارع. بس المرة دي جوا شقة. يعني لا أمان، ولا سقف، ولا حتى جدران تحميني. قولتله بدموع: = لو كنت أعرف إنك هتبقى كده ما كنتش جيت معاك. أنا عاوزة أمشي. لسه بحاول امشي. ضحك وقرب مني جامد وقال: = وهو أنا قلتلك إن الحياة ببلاش؟ دموعي سبقتني.

كنت بدأت أحس بأمان خلاص. رغم إني عارفة إن ممكن يطلع كده، بس صدقته من كلامه. حاولت أتكلم معاه وأترجاه: = كريم بالله عليك. أنا لسه صغيرة… أنا في سنة تانية ثانوي. اعتبرني أختك وسيبني امشي. والله همشي مش هعمل حاجة. قال بسخرية: = أختي وصغيرة؟ دا إنتي كبرتي قبل أوانك يا حنين… وشكل الشارع علّم فيكي أكتر من المدرسة! اللحظة دي… حسيت بجسمي بيترعش. دموعي نزلت وزادت غصب عني. مكنتش قادرة أصرخ ولا أتكلم.

بدأ يقرب مني وأنا أرجع لورا لحد ما لزقت في الحيطة. وأخيرًا قدرت أتكلم وأنا بحاول أبعده عني. = متقربليش… بالله عليك… بس هو ما كانش سامع غير نفسه وبس. زقني على السرير وبعدها محستش بحاجة. بعد وقت معرفش قد إيه، صحيت وأنا حاسة إني ولا حاجة. مش قادرة أبص في المراية. حاسة إني ميتة بالحياء. أول مرة أحس بكسرة بجد. كسرة ضهر وكرامة وزل وشرف. ما كانش فيه صريخ… كان فيه خرس. كأني اتخرست مش قادرة لا أبكي ولا أتكلم.

جوايا حاجة اتكسرت. أنا اللي كنت بحاول أعيش، بقيت جسد ماشي على رجليه بس جسد بدون روح. قمت وقفت قدام المراية ببص لنفسي لجسمي. مقدرتش، وقعت على ركبي وأنا بنهار. = يااااااااارب يااااارب أنا معملتش حاجة عشان يحصل معايا كده. ي ماما ياريتني كنت مت معاكم. دموعي نزلت لأول مرة بالطريقة دي. أول مرة أحس بجد يعني إيه كسرة بجد. قمت بعدها استحمت وصليت. معرفتش أخرج من الأوضة. كان قافل عليا خايف إني أهرب منه.

حاولت كتير أكسر الباب أو أفتحه. معرفتش. كان بيرجع يعمل الأكل ويفتح الباب ويحطه من غير ما يتكلم. كنت بحس إنه ندمان على اللي عمله. فضلت في الشقة يومين بعد اللي حصل. مش قادرة أطلع وهو قفل عليا الباب. بس الغريبة إنه محاولش يقرب مني تاني. حتى كان بيعاملني كأني شخص مش موجود. حسيت ولا كأني كنت طفلة في يوم. وفي يوم صحيت على صوته واقف جنبي وأنا نايمة. اتخضيت. رجعت لورا شديت الغطا عليا وأنا ببصله بخوف ورهبة. لقيته بيقول:

= اللي حصل حصل… انسي وحطيه ورا ضهرك وخلينا نعيش سوا بقى كده على طول. كده كده إنتي مالكيش حد وأنا مليش حد. اتصدمت. مكنتش مصدقة اللي بيقوله. قولته بزعيق: = إنت إيه معندكش دم ولا ضمير؟ هتروح من ربنا فين؟ إنت فاكر إني عشان مليش أهل أبقى لعبة في إيدك؟ إنت كسرتني وخدت أهم حاجة في حياتي. على قد ما قعدت في الشارع محدش فكر يعمل اللي إنت عملته فيا. دموعي نزلت ومقدرتش أكمل. قالي وهو بيخرج:

= "اللي زيك ميختارش… إنتي لو مشيتي من هنا هترجعي الشارع، والشارع خلاص عرف طعمك! أظن مش هتلاقي مكان زي ده تاني أكل وشرب وسكن ببلاش. كل اللي مطلوب منك إنتي عارفاه. قالي كده بغمزة ومشي بعدها وقفل الباب. قررت أهرب. وفعلاً حاولت كتير أفتح الباب وفعلاً فتحته. حمدت ربنا مكنش موجود في البيت. نزلت جري. مكانش معايا لا فلوس ولا حتى هدومي. بس خدت نفسي، ونزلت من بيته وأنا بترعش. كنت ماشية في الشارع زي التايهة، زي المجنونة.

كل الناس تبصلي، واللي يضحك، واللي يشاور، واللي يعاكس. لحد ما وصلت على "قهوة" صغيرة على جنب. وقعدت على الرصيف جنبها وعيوني معلّقة في السما. وبدأت أعيط. بس المرة دي… دموعي كانت هادية. دموع حد استسلم. قعدت يومين مرمية في الشارع. رجليا مش قادرة تشيلني، وكأن الوجع تقيل عليها. بطني بتصرخ من الجوع. ودماغي بتلف من قلة النوم والخوف. مشفتش كريم بعدها خالص. حمدت ربنا كنت خايفة يرجع يدور عليا تاني.

كنت بحاول أنام تحت كوبري إمبابة. وسط ناس شكلي مش فاهمة هم بني آدمين؟ ولا كوابيس ماشية على رجلين. وفي ليلة… الدنيا كانت بتمطر، وأنا متلحفة بكيس بلاستيك كبير خدته من الزبالة. كنت قاعدة متكوّرة على نفسي. حسيت بخطوات حد بيقرب، وصوته غليظ. كان واضح عليه إنه سكران. قال: = أي ده مزة هنا لوحدها في الوقت ده. دا شكلي حظي من السما انهاردة. قرب مني وأنا كنت مرعوبة. مقدرتش أصرخ ولا أتحرك. ما لحقتش أرد.

كنت بردانة، مرهقة، وكل خلية فيا بتقول "سيبيني فحالي حرام عليكم". بس ولا كأني بتكلم. فجأة… إيده مسكت دراعي، وصوت تنفّسه بقى قريب من وشي. وأنا برتعش… كل حاجة جوايا بتتكسّر تاني. قلتله بصوت بيطلع بالعافية: = "بالله عليك… سبني… كفاية…" ضحك وقال: = "كل واحدة بتقول كده في الأول…" صرخت. = الحقوني حد يساعدني. ببص للناس اللي نايمة حواليا، نايمة موت مش نوم. حاولت أهرب منه مقدرتش. كنت مرهقة.

حاولت أدور على أي حاجة أدافع بيها عن نفسي. وايدي وقعت على حديدة في جنب. ضربته وجرى وسبني. بعد اللي حصل… مقدرتش أتحرك. قعدت في نفس المكان يومين تانيين. مبكلّمش، مبنطقش. بقالي أربع أيام معدتي ما دخلهاش غير حبة رز لقيتهم في كيس جنب محل فلافل، كانوا مرميين على الأرض. كنت كل يوم بدوّر في الزبالة. أي حاجة… قشرة موز، رغيف ناشف، حتى بواقي ساندويتش متعفنة. مبقتش أشكي. كنت باكل وأنا دموعي بتنزل. مش علشان الأكل بايظ.

علشان أنا اللي بقيت تالفة. الناس بقت تبصلي وتقرف. والعيال الصغيرة ترميني بالطوب وتضحك. := "شوف يا ماما… البت المجنونة بتاعة الكوبري! مجنونة؟ لا، أنا صاحية أكتر منكم كلكم. أنا بس مكسورة… ومحدش سندني. في يوم وأنا ماشية، هدومي متقطعة، شعري متلبد، ووشي كله تراب. واحدة ست عدت من جنبي، حطت إيدها على شنطتها وكأنها خايفة إني أسرقها. ساعتها ضحكت… ضحكت ضحكة وجع. أنا؟ أسرقك؟ أنا مش لاقية نفسي هاخد منك إيه؟!

رحت على مول كبير ودخلت الحمام. دخلت من غير ما حد يشوفني. وقعدت أتمسّح بالمناديل اللي في الأرض. كنت بدوّر على ريحة آدمية جوايا، بس لقيت بس ريحة الذل، والعار، واللي ضاع. في اللحظة دي… وأنا قاعدة في الحمام على البلاط. بصيت لنفسي في مراية مش بتعكس غير الخوف. قلت بصوت مسموع: = "أنا حنين… بس مش هي دي أنا". أنا اللي كنت بحلم أبقى دكتورة، وألبس بالطو أبيض، وأفرح ماما وبابا. أنا اللي كان عندي كراسة كاتبة فيها "أمنياتي".

دلوقتي أنا مش لاقية رغيف عيش. ولا حتى هدوم تسترني. ولا إنسان يسألني "مالك؟ بس… لسه عايشة. واللي لسه عايش… لسه في حكاية وراه. حتى لو الحكاية كلها سواد. لازم هتيجي لحظة… النور يدخل من شق في الحيط. وأنا لسه قاعدة جوّه الحمام. بحاول أمسح وشي، وأرتب شعري بأي شكل. دخلت واحدة من العاملات، أول ما شافتني… صرخت: = "إنتي بتعملي إيه هنا؟ إنتي جاية منين أصلاً؟ يلا برااا!! أنا اتلبشت، اتجمدت في مكاني. قلتلها وأنا برتعش:

= "والله ما عملت حاجة… بس كنت عاوزة أغسل وشي… أنا بس…" قطعت كلامي واحدة تانية دخلت معاها: = "شوفتي؟ شوفت يا أستاذة سميرة؟ دول بقوا يدخلوا يناموا في الحمامات! دي أكيد شحاتة وحرامية كمان". وبدأوا يسحبوني من دراعي. بهدلة. كل الناس في المول بقت تبص. أمن جري عليا. والشتايم نزلت فوق دماغي زي الرصاص. = "يلا برا قبل ما نوديكي القسم! = "إنتي مفكرة المول ده ملجأ ولا عنبر؟! وأنا بركع، بعيط، صوتي بيتهز:

= "بالله عليكم… ما تفضحونيش… والله ما عملت حاجة، كنت جعانة… مش ناوية أسرق ولا أأذي حد! بكيت قدامهم، بس مافيش رحمة في قلوبهم. بصيت حواليا بدور على مخرج، على أي وش طيب. لحد ما شفتها. ست كبيرة، شيك جدًا، لبسها نضيف ومحترم، شعرها أبيض، ووشها فيه هيبة. كانت واقفة قدام محل كبير. وبتبصلي بنظرة غريبة. مش نظرة اشمئزاز، نظرة حزينة. كأنها شايفة نفسها فيا. قربت منهم، بصوت هادي بس حاسم: = "في إيه؟ مالها دي وليه بتعملوا كده؟

الأمن قاللها: = "دي واحدة شحاتة داخلة الحمام، ومبهدلة المكان. مدام عاوزين نخرجها ومش راضية". الست ردت بثقة: = شحاتة؟ دي باين عليها متبهدلة. مش جاية تسرق. هاتها هنا. بصتلي وقالت: = تعالي يبنتي. أنا كنت مرعوبة. بس قربت منها. ووقفت قدامها ودموعي بتنزل. = "اسمك إيه يا بنتي؟ = "حُنين…" قالتلي: = "طب تعالي معايا… تعالي متخافيش". مسكتني من ايدي وخرجت بيا من المول. ركبت معاها عربيتها. طول السكة وأنا مش مصدقة.

مش عارفة هيا عاوزة إيه بس كنت ساكتة. وهي كانت بتبصلي كل شوية ووشها حزين أوي كأنها عارفة أنا مين. وصلنا على بيت كبير، نضيف، شكله دافي. دخلتني، وندت على الشغالة: = هاتي أكل… وبعدين هدوم نظيفة للبنت دي… وامليلها البانيو سخن عاوزها تبقي عروسة انهارده. أنا كنت قاعدة متخشبة. بعدين قلتلها بصوت مكسور: = "أنا… أنا مش متعودة على كده. انا عاوزه امشي". قالتلي وهي قاعدة جنبي: = "احكيلي يا حنين… احكيلي إيه اللي وصلك كده؟

أنا متأكدة إنك مش كده. وقعدت أحكي. من أول ما طردوني من البيت، ولحد ما قعدت على الرصيف، ولحد كريم. بس خفت أقول اللي عمله أحسن تطردني. والكوبري والزبالة والبهدلة في المول. وأنا بحكي، كنت بعيط زي العيال الصغيرة. وصوتي بيرتجف، بس هي كانت ساكتة. ووشها بيتغير. ولما خلصت قالتلي بصوت مش متوقع: = فين أهلك؟ = "ماتوا… ومحدش سأل فيا… كنت ساكنة مع عمتي، وطردتني بعد شوية مشاكل". سكتت شوية، وبعدين قالت:

= "أنا اسمي مدام سميحة… كان عندي بنت في سنك ماتت من كام سنة… بس إنتي من اللحظة دي مش هتباتي في الشارع تاني…" بصيتلها وأنا مش قادرة أنطق. قالتلي وهي بتشد إيدي: = "هتعيشي معايا وهتبقي في أمان… أنا مش هسيبك". فرحت جدا حسيت إني ممكن أرجع ألاقي الأمان تاني. عدّى أول أسبوع عند "مدام سميحة". كنت حاسة إني بدأت أتنفّس. كان أول مرة أنام في سرير براحة. أول مرة آكل من غير ما أبص في الطبق بخوف.

وأول مرة أصحى ومفيش حد هيضربني أو يشتم. مدام سميحة كانت طيبة. كنت بحس إنها بتعوض بنتها فيا. حبتها جدا لما تبقي موجودة في البيت. كانت بتنده عليا: = "حنين… تعالي ساعديني في المطبخ". = "تعالي شوفي الفيلم ده معايا…" وكنت كل مرة بسمع صوتها باسمي. قلبي بيدق، كأني نسيت إني كنت متعلقة من رقبتي على أرصفة القاهرة. بس… يوم… حسيت بدوخة. وكل يوم معدتي بتوجعني. ونفسي مش بيطلع. مدام سميحة قالتلي: = هنروح للدكتور، شكلك تعبانة. رحنا.

وعملت تحاليل. وفي اليوم التاني، وهي راجعة من العيادة. دخلت عليا الأوضة، وشها كان متجمّد، عنيها ما فيهاش لون. لما شفتها كده والتحاليل في إيدها حسيت إن في حاجة غريبة. مكنتش أعرف إنها صدمة عمري. = إنتي… حامل؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...