الفصل 6 | من 27 فصل

رواية مأساة حنين الفصل السادس 6 - بقلم ايه الفرجاني

المشاهدات
21
كلمة
2,115
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 22%
حجم الخط: 18

وعينه وسعت وقال: = إنت بتقول إيه يا ابني؟ اتجوزتوا عرفي من غير شهود ولا ولي؟ والله دا مش جواز دا لعب في الحرام! وحملت منك؟ إزاي؟ تقبل كده واستنيت لحد ما ولدت ولسه بتفكر تعقدوا رسمي؟ أي عقل بشري أنتوا؟ كريم بص في الأرض وسكت. أول مرة أشوفه بيتكسف بالشكل ده. والشيخ فضل يقول: = اتقِ الله يا ابني... إنت راجل وعارف الدين كويس. ورغم كده سبتها لحد ما تولد والنهارده جاي تكتب ورق عشان العيل يتسجل؟ ربنا فاكره غايب عنك دا؟

شايفك كويس؟ أنا كنت ساكتة وأنا بسمعه وعيوني على كريم اللي مش قادر حتى يرفع عيونه للشيخ. كل كلمة من الشيخ كانت بتخبط فيا... وفيه بس ما كنتش برد. كنت ضامة ابني... وساكتة كأني مش هنا. الشيخ تنهد. وبعدين قال: = خلاص... هنكتب العقد وهجيب الشهود وهنسجله بتاريخ قديم. وربنا غفور رحيم. كل خلية في جسمي بتترعش... مش عارفة إيه اللي بيحصل. الشيخ قرب مني. سلّم عليا وقال بابتسامة خفيفة: = أهلاً بيكي يا بنتي...

أنا عرفت إنك متجوزة من كريم عرفي وإنك حملتي منه. وجايين نكتب الجواز رسمي علشان نثبت النسب. وده شيء محترم... وربنا بيحب الإصلاح ومش هلومك على حاجة ولا هسأل. بس كنت ساكتة، ما أقدرش أنطق... لو الشيخ عرف الحقيقة؟ لو عرف إن مفيش جواز، وإن الحمل جه من وجع وخديعة؟ ساعتها كريم هينهار، والشيخ هيمشي، وابني... مش هيكون ليه حتى اسم. فضلت ساكتة. بس كريم...

كان باين عليه إنه شايل جبل فوق كتافه. ساعتها حسيت إنه بيبص للشيخ زي اللي بيطلب غفران منه. مش مجرد عقد. جه الشهود. والشيخ بدأ في الإجراءات. كله بيتم زي ما بيقول الشرع. وكريم بيرد على الأسئلة. وأنا... كل كلمة بتمضي على قلبي مش على الورقة. لما جه الشيخ سأل على اسم البيبي. أنا أتكلمت بسرعة: = اسمه محمد... على اسم النبي. كريم بصلي بابتسامة وسكت. الشيخ ابتسم وقال: = اللهم صلّ وسلم عليه...

اسم جميل، وإن شاء الله يكون من الصالحين. وبعد ما كتبنا وكله خلص. الشيخ لف لنا وقال وهو خارج: = ربنا جمعكم بالحلال... ابدأوا صفحة جديدة. وخلوا ابنكم يكون شاهد على حياة فيها طهارة وسُترة. أنا كنت باصّة في الأرض. ومافيش صوت طالع مني. أما كريم... كان باصص لي. بس نظرته مش نظرة راجل كسب. كانت نظرة حد خسر كتير... وبيحاول يرجع اللي يقدر عليه. لما الشيخ مشي. وإحنا بقينا لوحدنا. حتى هدى مشيت.

كريم مقرب. قعد بعيد، بس مش بعيد قوي. = أنا عارف إنك ساكتة... بس سكاتك ده أعلى من أي صوت. وعارف إنك بتفكري أنا ليه عملت كده؟ الشيخ ميعرفش... أو أنا ليه كذبت. بس أنا... أنا مقدرش أكذب على نفسي. أنا بكتب دلوقتي لأني كنت جبان. ويمكن مش عايزك تسامحيني. بس عايز ابني يعرف إن أمه ستّ عظيمة... اتظلمت واتكسر قلبها. بس ما رضيتش ترجع للغلط. أنا ما سألتوش قدام الشيخ... بس وأنا قاعدة، وابني نايم، ببص عليه.

وفجأة سألت وأنا عيني ليه: = هو انت عملت كده عشان تبقى أب؟ ولا عشان تخليني مراتك؟ ولا عشان تلمّ الجرح... وتلمّ صورتك قدام الناس وقدام نفسك؟ سكت. ما ردش. بس لأول مرة شفت عينه بتحمر من الدموع. قعد على الكرسي اللي جنب السرير. وأنا كنت على طرف السرير. وابني نايم في حضني. كنت سامعة كل نفس بيطلع منه. وفجأة قال بصوت واطي... صوت غريب، مش متعوده عليه منه: = أنا عمري ما كنت بني آدم طبيعي. سكت. حسيت فيه كلمة كبيرة جاية. وهو كمل:

= أبويا مات وأنا صغير. وأمي اتجوزت راجل تاني. وسابتني. قالتلي هتعيش مع عمتك. وعشت فعلاً. بس طول عمري كنت ضيف تقيل... مش ابن البيت. كان صوته فيه وجع. مش صوت راجل... صوت ولد صغير تايه. = كبرت. ودخلت جامعة، واتخرجت، واشتغلت في شغل أي كلام. بس مكنتش بشوف بكرة. مفيش هدف، مفيش حب. كنت ماشي وخلاص. والحرام كان دايمًا أسهل طريق قدامي. كنت بغلط... وأضحك...

وأنام. وعشان عمتي مكنش عاجبها حالي فسبتها. رغم إنها كانت في أشد الحاجة ليا. بنتها ماتت وملهاش حد. وأنا كنت شايف نفسي وبس. وعاوز أعيش بالطريقة اللي أنا شايفها صح. سكت تاني. وأنا ما قطعتوش... ولا بصيت له. بس قلبي كان بيسمع. = أول مرة شفتك. كنتي بتعيطي قدام المستشفى. كنتي متبهدلة. بصراحة؟ أنا ما كنتش بفكر أساعدك... بس حاجة فيكِ شدتني. يمكن ما كنتش عارف وقتها دي شفقة؟ ولا فضول؟ ولا يمكن ضعف مني؟

بس قربت. وكنت باين عليا إني بعمل خير. بس الحقيقة... الشيطان كان سابقني بخطوة. قالها. وبص في الأرض. = أنا غلطت. وكنت عارف إني بغلط، بس عملتها. ولما عرفت إنك حامل. اتجننت. مش عشان الولد. لأ... عشان اتحطيت قدام حاجة عمري ما واجهتها: المسؤولية. = كنت عايز أهرب. زي كل مرة بهرب فيها من كل حاجة. بس يوم ما سمعت صوتك من تحت. وأنتي بتصرخي في البدروم. قلبي اتحرك. لأول مرة من سنين...

مشيت ناحيتك. ولقيت نفسي بشيلك. وبجري بيكي. كنت خايف. بس في نفس الوقت، حسيت إن ربنا بيديني فرصة. العيّل اللي في حضنك ده؟ هو الباب اللي رجعني للحياة. رجعني لبني آدم كنت ناسيه جوايا. أول ما شلته حسيت بإحساس غريب عليا. أول مرة أحس بيه. إحساس قوي جدا على قلبي. كأني كنت تايه ولقيت نفسي في لمسته. كانت كأنها دار أمان. دموعي نزلت من غير ما أحس. لدرجة إني استغربت نفسي. إزاي...

إزاي ممكن طفل يعمل كده فيا. لحد ما أيقنت إنه فعلاً ده شعور الأبوة. يمكن كنت محتاجه من زمان. ولأني اتحرمت منه وأنا صغير. حسيت قد إيه الشخص بيبقى محتاج الشعور ده. سكت. ودموعه نزلت. وبعدين رفع راسه. بصلي وقالها... من غير ما يرفع صوته: = أنا آسف يا حنين. آسف على كل ثانية ظلمتك فيها. وكل لحظة كنت فيها جبان. آسف إني سبتك تولدي لوحدك. وتتعبي. وتخافي. وتنهاري. وأنا شايف وساكت.

أنا ما رديتش. كنت ببص على ابني. بس دموعي كانت بتنزل. من غير صوت. وسألني: = "هتقدري تسامحيني؟ سكت. بس كنت بقول جوايا: = لسه... بس يمكن يوم ما... بس مش دلوقتي. بعدها الأيام كانت بتمر. كنا عايشين... زي اتنين غرباء. في بيت واحد. لكن كل واحد فينا في عالم تاني. الورق مكتوب، والاسم اتسجل. بس القلب لسه زي ما هو.

كريم كان بيحب محمد. وأنا كنت شايفة ده. شايفة نظراته. والخوف في عينه عليه. والندم في كل حركة منه ناحيته. بس عمره ما حاول يلمسني. ولا حتى يقرب. كأنه بيقول لي: "أنا هنا... بس مش هدوس على وجعك تاني". في يوم. كنت في الحمام. وبستحمى. ومحمد فجأة عيط. كان صوته عالي. وأنا قلبي وقع. لكن قبل حتى ما ألف فوطة وأخرج. سمعت صوت كريم بيفتح الباب. وبيدخل جريه. وكان لسه راجع من الشغل. وما استنى. دخل على طول يشوف فيه إيه.

خرجت بسرعة. ملفوفة. وبحاول أغطي نفسي. لكن اتفاجئت بيه واقف في الأوضة. شايل محمد. وعينيه عليا. أنا اتجمدت. حاولت أخبي نفسي. لكن معرفتش. كان باصص لي... نظرة غريبة. فيها استغراب، وكسوف، وشيء تاني... مش مفهوم. محمد كان هادي. ساكت في حضنه. وكأنه حاسس إن أبوه هو اللي طمّنه. كريم لف وشه. حط محمد على السرير. وساب الأوضة. من غير كلمة. أنا فضلت واقفة. مكتفة نفسي بالفوطة. وراسي مليانة أسئلة. ليه بصلي كده؟ ليه مشي؟ هو خايف؟

ولا بيحاول يحترمني؟ ولا بيهرب من إحساس لسه مش مستوعبه؟ وفي اللحظة دي... حسيت بحاجة غريبة جوايا. أنا اللي بقالها شهور بترجف من اسمه. النهارده قلبي دق. بس مش من خوف. من حاجة تانية... حاجة أخطر: الاحتياج..... الاحتواء... الأمان.... الحب. وعند آخر نقطة وقفت. هل أنا ممكن أحبه فعلاً؟ ولا ده مجرد سؤال؟ من بعدها بقينا بنشوف بعض أكتر. بس من بعيد برضو. أنا بقيت أحس إنه بيبص لي...

مش زي زمان. مش نظرة امتلاك، ولا نظرة ذنب. نظرة حد شايفني... شايف ستّ اتغيرت، واتكسرت، وقاومت ولسه عايشة. وأنا؟ بقيت لما أسمع مفتاحه في الباب. قلبي يتحرك. مش عشان بحبه. ولا عشان نسيت اللي عمله. بس علشان... ما عدتش حاسة إني لوحدي تمامًا. الخدم كانوا مبسوطين. شافوا في عنينا حاجة اتغيرت. أنا مش عارفة هي إيه بالظبط. بس كانت شبه الراحة. كريم بقى بيضحك. وبقى بيشيل محمد من نفسه. وبيسألني لو عاوزة حاجة. مش أمر... سؤال حقيقي.

وفي يوم قال لي واحنا قاعدين على السفرة: = أنا قررت أبيع الشقة القديمة بتاعتي. والمحل بتاع عمتي... هفتح شركة صغيرة. أنا خريج بزنس. وآنه الأوان أشتغل على حلمي. وأنا سكتة. بس جوايا صوت بيقول: يعني ناوي تعيش بجد؟ مش تهرب؟ وفعلاً كريم فتح شركته صغيرة ليه. وبدأ يشتغل جد. وفلوس بقت تدخله. وحياتنا بقت أهدى. الأوضة بقت أنضف. اللبس بقى جديد. الأكل بقى من بره. وحتى محمد بقى عنده عربية أطفال شيك. بس كل ده؟

ما كسرش المسافة بيني وبينه. بقينا زوجين قدام الناس. بس أنا عارفة... ومتأكدة. إننا جوه البيت... غرباء. هو مش بيقرب. ولا بيطلب، ولا بينادي بـ"مراتي". وأنا؟ مش قادرة أقوله "جوزي". حتى وأنا متجوزاه. كل يوم بيرجع من الشغل. يحضن محمد. ويبص لي ويقول: = عايزة حاجة؟ وأنا أقول له: = "لأ... شكراً". أسكت. بس جوايا سؤال بيصرخ: هو لسه خايف يقرب؟ ولا هو شايفني لسه موجوعة؟ ولا هو... مش قادر يحبني؟

وكل يوم بننام في أوضتين. وبنعيش كأننا في فيلم صامت. نفس المشهد... بيتكرر. بس ولا كلمة بتتغير. بس الحياة مش دايما حلوة. عشان كده لازم ترجع تدبحني. لأن اللي حصل بعد كده كان قساوة جديدة من البشر. وكان الحياة بتقول لي متفرحيش قوي. في يوم كريم كان راجع من الشغل. وزي العادة دخل لعب مع محمد شوية. وبص لي بابتسامة ونظرة غريبة. ومشي. استغربت. أول مرة يبص لي كده. هل دي نظرة الحب اللي بيقولوا عليها؟ هو كريم ممكن فعلاً يحبني؟

قطع تفكيري صوت جرس الباب. = هدى لو سمحت ممكن تفتحي الباب. خرجت هدى من المطب بابتسامة. = حاضر يا ست البنات… جاية أهوراح. راحت تفتح الباب. وهي لسه مبتسمة. لكن أول ما الباب اتفتح، وشها ات بدل في لحظة. الابتسامة اختفت. عينيها وسعت. بصّت قدامها وقالت بصوت واطي: = إنتِ؟! الست اللي واقفة كانت لابسة شيك. واقفة بثقة. بصتلها وقالت بهدوء مميت: = إيه يا هدي؟ مش فكراني ولا إيه؟ هدى اتلخبطت. = لأ… يعني… مش معقول…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...