الفصل 8 | من 27 فصل

رواية مأساة حنين الفصل الثامن 8 - بقلم ايه الفرجاني

المشاهدات
21
كلمة
2,215
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

رفعت سماح حاجبها وبصت لها وقالت: "وانتِ فاكرة إني هسمع لك؟ كريم ابني أنا، ومش هاخد إذن منك عشان أتكلم مع ابني." حنين بصت لها باستغراب، وهي مشيت وسابتها. الساعة عدّت نص الليل، وكريم لسه مرجعش. أول مرة يعملها من يوم ما اتجوزوا. مش عارفة هي خايفة عليه ليه، بس مش قادرة تنام وهي عارفة إنه مش موجود، خصوصًا إنه خرج مدايق. فضلت رايحة جاية قدام الباب، كل شوية بتبص في الساعة، والقلق باين عليها.

أول مرة تحس إنه بعيد ومحتاج حد يطبطب عليه، وهي مش عارفة تعمل إيه. صوت المفاتيح رن في الباب. لفت بسرعة، وقفت قدامه، قلبها بيدق وهي بتحاول ترتب ملامحها. دخل كريم، كان باين عليه التعب، بيترنح في مشيته. ريحة الخمرة كانت واضحة وعينيه حمرا. بص لها وابتسم ابتسامة صغيرة وقال بصوت مبحوح: "لسه صاحية ليه يا حنين؟ ردت بسرعة وهي بتهرب: "مكنش جايلي نوم، كنت لسه هقوم اهو." حاولت تعدّي من جنبه تروح أوضتها، بس هو مدّ إيده مسك إيدها.

وقال بحب: "استني." بصت له وهي متفاجأة منه. قرب منها، عينيه كانت كلها وجع. مسك وشها بإيده وهو بيقول: "أنا تعبان يا حنين، أنا مش كويس. خليكي جنبي متسبنيش انت كمان زيهم." حنين اتلخبطت، قلبها دق جامد. بتحاول تبان إنها طبيعية. مش قادرة تبص في عيونه. قالت وهيا بتهرب من نظراته: "طيب تعالى نطلع الأوضة، شكلك تعبان." لفت إيدها على كتفه وسندته. كان ماشي بتقل، زي اللي شايل وجع سنين فوق كتافه. بيبصلها بحب.

دخلوا الأوضة، ولما قرب من السرير ونام عليه، مسك إيدها وشدها ناحيته. هزّ راسه وقال بهمس: "أنا آسف." حنين قالت وهي بتحاول تبعده: "خلاص، نام دلوقتي، بكرة نتكلم." قام قعد على السرير، وبص لها. عينه كانت زيغة، بس كلامه طالع من جوه قلبه: "أنا آسف عشان كل حاجة. أنا آسف إنك في يوم انتِ بكيتِ بسببي." حنين وقفت مكانها، مش قادرة ترد. هو كمل بكلام متقطع: "بس أنا كمان... أنا موجوع. كنت وحيد طول الوقت. كنت محتاج حد...

وانتِ جيتي فجأة... وأنا كان عادي عندي، مكنتش عارف أميز بين الغلط والصح. بس لما جبتي محمد، غيرتي حاجات كتير. كنت كل يوم ببص لك... وأقول: 'هي دي؟ هي دي اللي ربنا بعتهالي؟ سند بضهره على السرير. كانت هتمشي، بس هو قرب منها. وفجأة، وهو نايم، مسك إيدها: "متروحيش... متمشيش." اتلخبطت وقالت بتوتر: "كريم... نام، انت مش كويس دلوقتي." شدها أكتر... وقعت على صدره. وبص في عنيها... سكتت مش قادرة تتكلم. كان فيه لحظة سكون...

غير كل اللي فات. "عينيكي حلوة أوي... " قالها بصوت واطي، وإيده لفت عليها بهدوء. "أول مرة أحس إني عايز أعيش. كنت ببصلك وانتي نايمة جنب محمد، قولت: 'أنا عايز بيت زي ده'... بس معرفتش أقولك... كنت خايف." حنين حاولت تقوم، بس هو ضمّها أكتر. "أنا بحبك... " قالها بصوت مكسور وهو بيقفل عينه وينام. وهي كانت لسه في حضنه، ساكتة... بس قلبها بيدق بجنون. اتصدمت من اللي قاله. كانت بتحاول تقوم من حضنه... بس إيده كانت متثبتة عليها.

قلبه بيدق في صدره وهي سامعة صوته: "كريم... سيبني... " قالتها بهمس مرتبك. مش عارفة هي خايفة منه ولا عليه. بس هو كان مغمّض، وشه هادي لأول مرة من سنين، وصوته طالع ناعم كأنه بينام على أمل: "خليكي كده... متتحركيش... قلبها دق أكتر... وفيه حاجة جواها بدأت تتحرك وهو بيقول لها الجملة دي. قالتها وهي بتبلع ريقها: "طب... ومحمد؟! فتح عينه لحظة، عينه كانت دبلانة... جواها وجع بيطلب الطبطبة: "متخافيش عليه… هو نايم...

وبعدين ضمّها أكتر، كأن حضنها المأوى الوحيد اللي بيحس فيه إنه بني آدم مش حتة حجر متشقق من جواه. كان بيتنفس بصوت تقيل… وهي بتحاول تهدي دقات قلبها اللي بتصرخ: 'ابعدي، ده خطر، ده اللي اذاكي'. بس جزء تاني منها كان بيقول: 'سيبيه… يمكن دي أول مرة يحس إنه مش لوحده، هو محتاجك'." هو كمل بكلام متلخبط وهو بيغرق في النوم: "أنا كنت بردان… بس دلوقتي دفيت… كنت خايف… بس انتِ هنا… بقيت مستريح."

وغمض عينه تاني… وبإيده كان لسه ماسك إيدها كأنه بيمسك الحياة كلها. وحنين… كانت ثابتة، لا بتتحرك ولا بتتنفس… كلها ارتباك وتوهان. بس جواها حاجة بتتبدل… لحظة كانت بين "هو عاوزني؟ " وبين "هو أنا... لسه خايفة منه؟ ولا خلاص؟ ". سابته… ينام وهي لسه في حضنه، سايبة كل الأسئلة في عقلها … وكل الإجابات في حضنه، بس بيجاوب عليها. الصبح... حنين فتحت عينيها على نور الشمس اللي بدأ يتسلّل من الشباك. وبسرعة اتفاجئت… لسه في حضنه!

كريم نايم جنبها، وشه هادي… ملامحه ساكنة، كأنه ولد صغير مرمي من التعب. فضلت تبص له لحظة… وقد إيه كان شكله بريء وهو نايم… عينه مقفولة، بس ملامحه فيها حزن غريب. مدّت إيدها بتردد… ولمّا لمست خده بإيدها، اتحركت شفايفه تلقائي، وابتسم… وبهدوء… فتح عينه. بصلها بثقل نوم، وبصوت مبحوح قال: "صباح الخير." حنين اتكسفت… وشالت إيدها بسرعة. وقامت تتحرك بسرعة تقوم، بس أول ما قامت من السرير، كريم وقف وسبقها. وقف قدام الباب،

وسند جسمه عليه وقال بحزن: "مش ناويه تسامحيني؟ حنين اتلخبطت… وسكتت. تقرب منها، مسك إيدها بلُطف، وسحبها بخفة، وقعدها على السرير، وقعد هو على الأرض قدامها، زي طفل بيترجا حنية أمه: "حنين… صدقيني أنا اتغيرت، والله اتغيرت. أنا عارف إنك لسه خايفة مني، ومش واثقة فيا، بس أنا... أنا بحبكمعرفش إزاي، ولا امتى، بس كل مرة ببص في عينيك بحس إني لقيت نفسي ببقى مبسوط جدا."

حنين عينيها بتهرب من عينيه… قلبها اتلخبط، ولسانها مش عارف يقول إيه، بس قالتها: "لأ… يا كريم، لسه متغيرتش بجد. وأنا مش هقدر أثق فيك… غير لما أتأكد إنك فعلا اتغيرت." بصت له بتركيز، فأكملت: "لما تقترب من ربنا وتنسى الحياة اللي كنت عايشها كلها." كريم بص لها باستغراب وتوهان: "ربنا؟! "آه… امبارح كنت سكران. وطول ما إنت بعيد عن ربنا، أنا هفضل شايفاك بعيد. وكل مرة هتقرب هفضل خايفة… منك." سكت، وبعدين قال بصوت مبحوح: "بس....

أنا..... أنا حاولت... بس مقدرتش." رفع عينه وقال بندم: "تفتكري… ربنا ممكن يسامحني على اللي عملته؟ حنين ابتسمت ابتسامة كلها نور وقالت: "ربنا قال: 'قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا'. ربنا مش بينسى حد… لو خبطت على بابه وقولت يارب هتوب، هيفتحلك كل الأبواب. أقرب طريق للأمان… هو ربنا." كريم فضل ساكت… عينيه مليانة دموع. ابتسم وقال: "إنتِ عرفتِ ده كله منين؟

"بابا… كان بيحب الدين وبيحببنا نحب ربنا. كان دايمًا يحكيلي عن الصحابة، ويحفظني قرأن. بس بعد ما مات… كل حاجة اتشقلبت." سكتت لحظة… وكريم سألها بصوت هادي: "هو أنا ممكن أسألك سؤال؟ بصت له بتوتر: "إيه اللي خلاكي تسيبي بيتكم؟ حنين قامت تقف… كانت هتهرب بس صوته رجّعها: "مش عشان حاجة… بس نفسي أعرف. نفسي أفهمك." عينيها دمعت… صوتها اتكسر وهي بتحكي:

"بعد ما بابا وماما ماتوا… عِشت مع عمتي. جابت عيالها وسكنت معانا، جوزها كان ميت. كان عندها بنت وولد… ابنها… كان بيبص لي دايما بالشكل مش مريح، نظراته غريبة، دايما كان بيحاول يضايقني ويقرب مني بأي طريقة، كنت بصده وأهرب منه. وفي مرة وأنا نايمة، صحيت على إيده...... كانت… سكتت فجأة. وكملت: "كانت فوق جسمي." صوتها اتقطع… لكن كملت وهي بتبكي:

"صرخت، زقيته بعيد عني. بس هو كمّم بُقي لحد ما حسيت إن نفسي هيتقطع. بعدين مشي. ولما حكيت لعمتي، ضربتني، وقالت إني كدابة… واتهمتني إني بحاول أوقع ابنها. كل حاجة بعد كده كانت سواد. بقيت تعاملني كخدامة، وبنتها كانت بتكرهني. وفي يوم.... حاول إنو... إنو يع*ت...

سكتت. طلعت تجري على بره، وعمتي كانت قاعدة، مسألتنيش حتى في إيه. بعدها بقيت خايفة منهم، مكنتش قادرة أقعد أكتر من كده. لما قولت لها ترجع بيتها تاني عشان عاوزه أقعد لوحدي، رفضت وضربتني واتهمتني إني بعمل كده عشان عاوزه.... إني... مقدرتش تكمل وسكتت. بس هو فهم قصدها. لحد ما قررت أهرب… ومشيت.

حنين كانت بتبكي… صوتها بيتهز مع كل كلمة. كريم كان قلبه بيولع نار… غيرة… وحزن… وقهر. قام، وقعد جنبها. وبمنتهى الحنية… حضنها. حنين حضنته حضن طفل تايه لقى حضن أمه. كانت بتبكي جوه صدره، وكان هو ساكت… بس عينيه بتتكلم. كانت بيحلف إنه هيرجع حقها بأي طريقة. بعد لحظة… حنين اتكسفت ولحّظت وضعها، وبعدت عنه، قامت ماشيه بسرعة… بس هو… فضل باصص لطفها، وابتسم… ومد إيده على شعره بتوتر، وقال بهمس:

"يا رب… ساعدني أكون قدها وأخليها تسامحني....

بعد وقت على السفرة، قاعد على طرف السفرة بينه وبين الكرسي التاني مسافة… بس عينه على اللي قاعدة قدامه ومركز في كل تفصيلة بتعملها. كان بيبصلها وهي بتحط الأكل على الترابيزة، كل حركة منها بتزود مشاعره أكتر وبتخليه يبتسم… كأنها بتتحاشى تلمس إيده بالغلط وهي بتاكله. وبكل بساطة… كان مبتسم. ابتسامة باينة في عينه… باصص ليها كأنه أول مرة يشوفها، بيشوف ملامحها وهي مركزة في الأكل، أو وهي بتعدل كُمّها وهي بتقعد… كل تفصيلة منها خدت جزء من قلبه، وهو حتى مش بيقاوم!

حنين قعدت قدامه، وابتدت تاكل في هدوء… بس حسّت بعينه اللي عالياها، اتحركت في مكانها بتوتر خفيف. بصّت في طبقها، وبصّت ناحيته بسرعة… ولما شافته لسه بيبص، وشها احمر فجأة. وخبطت في الكوب بالغلط، وقّعته. "آسفة… مكنتش قصدي…" كريم ضحك بخفة، وقال وهو بيعدل الكوب: "إهدي مفيش حاجة حصلت…"

سماح قاعدة على الكرسي التالت، باصة للاتنين بنظرة فيها استغراب وقرف متغلف باستنكار. بصّت لحنين وهي بترتب العيش، وبعدين لكريم اللي مبسوط ومش واخد باله منها… سكتت شوية وبعدين قالت بحدة قطعت كل حاجة: "هو في إيه بالظبط؟! أكريم بص لها ببرود، وقال: "أظن شيء ميهمجكيش قوي... سماح عضّت على شفايفها من الغيظ، وحنين بصّت في الأرض… واتكسفت. بس لأول مرة، في لمحة صغيرة، عرفت إنها مش لوحدها.

في مكان تاني، تحديدًا في مطار القاهرة، بنسمع صوت إعلان وصول الطائرة: "السادة الركاب القادمين على متن رحلة رقم ٩٤٣ القادمة من نيويورك، نحب نبلغ حضراتكم إنكم وصلتم بسلامة الله إلى مطار القاهرة الدولي… ونتمنى لكم إقامة سعيدة في وطنكم."

الأبواب الزجاجية اتفتحت، وخرج شاب منه… كان لابس قميص أبيض مفتوح من فوق زرارين وبنطلون جينز غامق، وجاكيت جلد شيك متعلق على كتفه. وفي شنطة صغيرة ماسكها في إيده، ونضارة شمس سودة على عينه، دقنه خفيفة وشعره متسرّح بترتيب بسيط. مشي بخطوة واثقة. أول ما عدّى الزحمة… سمع صوت جه من بعيد وهو بيقرب منه: "نــورت مصر يا بطل! حمدلله على السلامة." صاحبه حضنه بشوق جامد وقال: "حمد لله على السلامة يا جدع… والله البلد نورت برجوعك."

ابتسم وهو بينزل نضارته شوية على مناخيره وبص له وقال بهدوء: "الله يسلمك يا صاحبي…"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...