تحميل رواية «مأساة حنين» PDF
بقلم ايه الفرجاني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اسمى حنين... عندى ١٧ سنة، بس لو شفت شكلى هتفتكرنى عديت التلاتين يمكن من كتر التعب أو يمكن من كتر الوجع اللى شيلته على كتافى وأنا فى السن ده... أنا مش زى البنات اللى عندها حنية أم، ولا حضن أب ولا حتى إخوات يسندونها ويخبّوها من البرد. أنا بنت طردوها بعد موت أهلها. قالولى امشى برا البيت ملكيش حاجة. من غير لا سند، ولا ضهر، ولا حتى رغيف عيش ناشف آخده فى طريقى. يومها ماكنش عادى... كان يوم حر جدًا، الشمس كأنها ناوية تحرقنى وأنا ماشية بشنطتى الصغيرة اللى فيها هدومى اللى عرفت آخدها قبل ما أمشى. مكنتش مصد...
رواية مأساة حنين الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ايه الفرجاني
إسلام قاعد على الكرسي قدام خالد، ضهره محني وإيده على ركبته، شكله مرهق وعينيه زايغة من كتر التفكير.
خالد بيحطله كوباية مية قدامه وبيقوله بقلق:
مالك؟ شكلك مش تمام خالص.
إسلام بصوت واطي وتعب:
ملقتش حنين في البيت... معرفش راحت فين يا خالد.
خالد بصدمة:
إزاي يعني؟ مش كانت قاعدة مع عمتك في بيتكم؟
إسلام بياخد نفس عميق:
حصلت مشكلة... ومشيت هربت وسابت البيت.
أنا كنت مأمنها عندهم، بس... طلعوا ميستهلوش.
كنت فاكرها هتفضل هناك لحد ما أرجع، بس كنت غلطان. حطتها مع وحوش بإيدي لدرجة هربت منهم.
بس وربنا ما هيفلتوا بعملتهم دي.
قالها بتوعد وغضب.
خالد بعدم تصديق:
طب وانت مبعتهاش ليه عند خالك في ألمانيا؟ ده أضمن من هنا بكتير أهو، حتى مكنتش هتشك إنو حد يكون عارفك ويعملها حاجة.
إسلام بيهز راسه:
رفضت... وكنت خايف عليها. خفت تكون في خطر، كان لازم تبقى بعيد عن كل اللي أعرفهم، بعيد عن أي وش ممكن يكون ورايا.
ومفيش حد يعرف إني في المهمة دي.. وعمتي ست ساذجة شوية هي وعيالها، لا هيسألوا ولا هيدورا.
أهو واحد سافر وخلاص.
بيسكت لحظة وبعدين يكمل وهو بيعض شفايفه:
بس حنين عرفت... يوم ما كنت ماشي.
وقلتلها محدش يعرف... عشان حياتي ما تبقاش على المحك أو حد يعملها حاجة.
وأنا متأكد إنها مقلتش لحد... بس... راحت فين؟
هي صغيرة ومتعرفش حد... راحت فين؟!
بيحط إيده على دماغه ومفيش في وشه غير حيرة وقهر.
خالد بيقوم يقعد جنبه ويطبطب على ضهره:
متقلقش... أكيد بخير وهنلاقيها إن شاء الله. بس قوم... غير هدومك دي واستحمى وتعالى نتعشى ونفكر هنعمل إيه.
إسلام بيقوم بسرعة:
لا لا... أنا لازم أتحرك، مش هعرف أنام، لازم ألاقيها بأي طريقة.
خالد بيضحك وهو بيقف قصاده:
والله ما هتخرج من هنا قبل ما تغير هدومك وتاكل.
أقسم بالله لو طلعت من الباب لمراتي تكون طالق بالتلاتة.
إسلام بيتفاجئ وبيضحك:
إيه ده! إيه الحلفان ده؟ متقوليش إنو حرام.
وبعدين أنا مش عاوز أتقل عليك ولا على المدام... إن شاء الله مرة تانية.
خالد واقف وبيضحك:
مدام إيه بس؟ هو أنا اتجوزت من وراك؟!
إسلام بستغراب:
البنت اللي فتحتلي الباب... مش مراتك؟
خالد بيضحك بصوت عالي:
دي أختي يا عم! اسمها ريم، كانت بتدرس طب بره ولسه راجعة من كام شهر.
يعني بالذمة هتجوز وأنا مش عازمك؟ ده إنت تيجي تشهد على كتب الكتاب بإيدك.
إسلام بيبتسم لأول مرة من وقت ما رجع:
آه... تمام. بس همشي برضوا.
خالد بحسم:
خلاص بقى، ريم بتحضر الأكل، وانت هتستحمى وأنا هجبلك طقم من عندي.
وبكرة من أول النهار، ننزل ندور على حنين سوا... مش هنسكت لحد ما نلاقيها.
إسلام بيهز دماغه بيأس ويقعد.
عند حنين وكريم.
بعد العشا خرجوا من المطعم.
كريم كان فرحان بيها، ولسانه ما بيسكتش غزل فيها، وهي كل ما يسمعها كلمة تبتسم في هدوء.
وصلوا العربية، وكريم كان لسه هيفتح الباب ليها عشان تركب.
لكن فجأة وقفت... وبصّت للشارع كأنها بتشوفه لأول مرة.
بصتلها باستغراب وسألها بهزار:
مش هتركبي؟
قالت وهي لسه بصّة للشارع وابتسامة صغيرة على وشها:
بقالى كتير ممشيتش في الشارع... ممكن نتمشى شوية؟
كريم سكت لحظة... وبعدين ابتسم.
وقفل باب العربية وهو بيقول بحنية:
بس كده؟! إنتِ تؤمري يا جميل.
وفعلاً... مشيوا جنب بعض، خطواتهم هادية.
هو بيحكي عن نفسه وشغله وحياته.
وهي ساكته... بس بتسمعه وبس.
وصلوا البيت ودخلوا وهما لسه بيضحكوا.
والسلم طلعوه مع بعض، مش مستعجلين.
ولا كأنهم عايزين الليلة دي تخلص.
عند باب الأوض، وقفوا قدام بعض.
نظرة طويلة هادية.
مفيهاش كلام بس مليانة حاجات كتير.
حنين فتحت باب أوضتها، ودخلت بهدوء.
كريم لسه واقف مكانه بيبص لضيفها بهدوء.
وبعدين دخل أوضته هو كمان.
وقفل الباب وراه على ليلة من أجمل ليالي عمره.
بعد دقايق...
كريم كان لسه بيقفل باب الأوضة بعد ما غير هدومه واستحمى.
جسمه دافي من الماية، وعقله دافي من ضحكة حنين اللي لسه سايبها من شوية على السلم.
بيِقرب من السرير وبيمد إيده للموبايل.
لكن فجأة الباب بيخبط.
وقف استغرب:
مين جاي دلوقتي؟
فتح الباب... لقاها حنين واقفة قدامه بأسدال بسيط، وشها هادي وعينيها فيها لمعة.
كريم بستغراب:
في حاجة ي حنين مالك انت كويسة؟
حنين بابتسامة بسيطة:
الفجر قرب يأذن... قولت نصليه مع بعض... ينفع؟
سكت بصّلها.
الهدوء في ملامحها، الدعوة الطيبة دي، الحنية اللي في صوتها.
حط إيده على دماغه، وتنهد.
حنين باستغراب:
بتعرف تصلي ولا لأ؟
كريم بصوت متلخبط:
آه… بعرف أصلي…
سكت لحظة وقالها وهو ناظر للأرض:
بس بقالي كتير… كتير أوي مصلتش… صراحة… خايف.
حنين بابتسامة:
خايف من إيه؟ من ربنا؟ ده ربنا بيستناك… مش بيطردك.
مسكت إيده… وهو استغرب.
دخلته الأوضة بهدوء، وقعدته على طرف السرير وقعدت جنبه، لسه ماسكه إيده.
حنين بصوت دافي:
عارف؟ النبي ﷺ قال: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل".
يعني مستنيك… مش بيعاقبك ولا بيكرهك.
كريم بهمس:
بس أنا عملت حاجات كتير… مش عارف أبدأ إزاي.
حنين بإصرار:
ابدأ من السجدة الجاية… من *الله أكبر* اللي هتقولها دلوقتي.
دي مش بس تكبيرة، دي بداية جديدة.
لو كنت فاكر إنك بعيد، فربنا أقرب من حبل الوريد…
وبيقول: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله.
هو قالها صريحة… متقنطش.
كريم بصوت متأثر:
أنا عمري ما حسيت بالسلام ده.
حنين:
يبقى قوم… وصلي، وربنا هيكملك الباقي.
أنا هدخل أوضتي أجهز وهستناك.
سابت إيده وقامت وخرجت من الأوضة وهي سايبة وراها ريحة طيبة وكلمات زي البلسم وقلب بدأ يتحرك.
كريم قعد لحظة وبعدين قام بهدوء.
وبدأ يتوضى زي ماهو عارف.
وبين كل خطوة كان بيقول جواه:
يارب… رجّعني ليك.
عند اسلام.
بعد ما اتعشى مع خالد… كان حاسس بخنقة في صدره مش عارف يبلع لقمة.
بس خالد فضل يهوّن عليه ويصرّ إنه يبات عنده.
عشان تاني يوم يطلعوا بدري يدوروا سوا على حنين.
إسلام في الأول رفض… قال له: مينفعش، عندي شغل و...
بس خالد قاطعه:
شغل إيه يا عم؟! تنام وترتاح وتصحى على بهمه كده.
وبعدين لو عشان ريم وكده، فهي طلعت لستي فوق هتنام عندها.
واهلي زي ما انت عارف قاعدين في السعودية.
وفعلاً… بعد شد وجذب، وافق إسلام.
بات عند خالد بس النوم كان ليه رأي تاني وعقل إسلام منمش بيفكر.
هيا فين!؟ عايشة إزاي!؟
لحد ما الصبح طلع.
أول ما نور الشمس بدأ يطل من الشباك.
خالد صحى وفطّر هو إسلام على السريع.
ونزلوا.
ركبوا العربية، وإسلام قاعد ساكت.
وخالد بيحاول يطمنه ويثبت له إنهم على أول الطريق:
بص يا إسلام… هنروح الأول نعمل محضر غياب ليها.
بعد كده نلف على كل أقسام الشرطة والمستشفيات اللي نقدر عليها.
وإن شاء الله هنلاقيها بإذن الله.
سكت شوية وبعدين سأل:
بس قولّي… تعرفلها صاحبة أو حد قريب منها؟ يعني ممكن تكون راحتله؟
إسلام بص قدامه كأنه بيسترجع الذكريات وقال:
حنين مكانش ليها أصحاب… كان في بنت اسمها رحمة، بس دي راحت مع أهلها الصعيد من زمان.
معتقدش إنها تكون عندها.
خالد طبطب على كتفه وهو سايق العربية وقال:
متقلقش يا صاحبي… هنلاقيها وربنا كبير.
وصلوا القسم ونزلوا على مكتب الظابط.
خالد بيخبط على الباب ويفتح وإسلام داخل وراه.
الظابط عماد بيرفع عينه من ورق قدامه وهو بيبتسم:
الله… خالد بيه! إيه النور ده؟! لما العسكري قال إنك بره مصدقتش.
خالد بضحكة خفيفة:
نورك يا باشا… عامل إيه؟
عماد وهو بيقوم يسلم عليه:
الحمدلله… اتأخرت علينا بقالك كتير مظهرتش.
وبعدين بيبص لإسلام اللي واقف ساكت.
عماد بنظرة فاحصة وهو بيحاول يفتكره:
حضرتك… احنا اتقابلنا قبل كده؟ وشك مش غريب.
إسلام بهدوء:
– ممكن… مش متأكد.
خالد بيدخل في الموضوع بسرعة:
بص يا عماد، إحنا جايين في موضوع مهم أوي… صاحبي ده أخته مختفية بقالها سنة ونص، ومفيش ليها أثر ومنعرفش عنها حاجة.
عماد واقف مكانه وبانت عليه الجدية:
سنة ونص؟! ده رقم كبير… كنتوا ساكتين ليه كل ده؟
إسلام بياخد نفس طويل وهو بيقعد:
أنا كنت مسافر… ولسه راجع. أول حاجة عملتها نزلت أدور عليها ماعرفتش أوصل لحاجة، ومليش حد غير خالد.
عماد قعد وهو بيخرج ورق:
– طب اتفضل، قولي اسمها وسنّها وآخر مرة شفتوها كانت فين؟ وعلاقتك بيها كانت إيه وقتها؟ يعني الظروف وقت ما اختفت.
إسلام بصوت مبحوح:
– اسمها حنين، كانت وقتها 17 سنة، دلوقتي اكيد بقت 18.
كانت عايشة مع عمتها بعد وفاة أهلنا… أنا كنت برة مصر… الي عرفته انو ابن عمتي حاول انو يقرب منها وهيا من خوفها هربت. دا كلام ما اختفت معرفش مشيت إمتى ولا راحت فين، ولا حتى كانت لابسة إيه، ماعرفش حاجة.
عماد بيهز راسه بتفهم:
مفيش أي خلافات؟ مشاكل في البيت؟ حاجة تخليها تمشي؟ غير الي قلته ده.
إسلام بيتكلم بحذر:
لسه مش متأكد، بس الظاهر إنو فعلا هو حاول يضايقها… ومفيش حد وقف جنبها عشان كده هربت.
خالد مكمل عنه:
– وأول ما إسلام رجع، وعرف جه على طول وأنا قلتله نبدأ من هنا… نعمل محضر رسمي، وننشر صورتها.
عماد بجدية:
طب عندك صورة حديثة ليها؟
إسلام بيطلع صورة من جيبه، مبهدلة شوية:
دي آخر صورة ليها… مش واضحة قوي، بس دي هي اللي معايا.
عماد بياخد الصورة وبيبص فيها.
عماد:
طيب… هنكتب محضر تغيّب، ونبلغ كل الأقسام وهنشيك على سجلات المستشفيات واحدة واحدة.
بيبص لخالد وهو بيكتب.
عماد:
خلي بالك الموضوع ده مش سهل، بس هنشتغل عليه، ولو في أي معلومة صغيرة افتكرتوها… ممكن تساعد كتير.
خالد بصوت واطي لإسلام:
– متقلقش… عماد ده ما بيهزرش في شغله، هيعمل اللي يقدر عليه.
إسلام بصوت مكسور:
نفسي أوصل لها… حتى لو ميتة… بس أعرف.
عماد بيبص له بحزم:
لا، متقولش كده… هنرجعها، أو على الأقل هنعرف راحت فين. بس أنت ركّز معايا، وما تسيبش أي تفصيلة مهما كانت صغيرة.
الهدوء مالي الأوضة. حنين قاعدة على طرف السرير وبإيدها مصحف صغير… بتقرأ بصوت داخلي. جنبها ابنها "محمد" نايم.
بتسمع خبطة هادية على الباب… الباب بيتفتح وكريم بيطل برأسه… عيونه فيها حيرة وخجل.
حنين بصوت واطي وابتسامة فيها دفء:
جاهز؟
كريم بيبلع ريقه، ويبص في الأرض ويهز راسه بتوتر:
اه…
يقرب منها بهدوء… يبوس محمد وهو نايم.
وبعدين… يقعد على الكرسي المقابل لها، وسكون بيغلف اللحظة.
صوت جميل بيظهر.
الفجر بيأذن… الأذان صوته بيشق الهوى والسكون بتاع الليل.
حنين بهمس وهي بتقوم وتمد إيدها له بمصلية:
اتفضل… قوم صلي… أنا هقف وراك.
كريم ياخد المصلية بإيد بتترعش، يبص فيها ويفردها بحذر كأنه بيحط عمره كله فيها. يقوم ياخد نفس عميق، ويرفع إيده بتردد، وبعدين يكبر.
كريم وقف على المصليّة… إيده ترتجف.
بس عينه ثابتة على الأرض… مش بيبص لحد كأنه واقف قدام ربنا فعلاً.
قال بصوت واطي لكنه تقيل من جوّا:
– الله أكبر.
حاسس إنها مش بس كلمة… حاسس إنه أخيرًا اعترف: مفيش أكبر من ربنا.
لا وجعه… ولا ذنوبه… ولا اللي عمله.
تنقل لفاتحة الكتاب… بس المرة دي، كل آية كانت بتخبط:
– *الحمد لله ربّ العالمين*.
أنا بشكرك يا رب… مع إني معرفتش أشكرك قبل كده.
مع إني بعدت، وظلمت، وضيعت.
بس قلبي بيحمدك النهارده… لإنك مخدتنيش من الدنيا وأنا غرقان.
– "الرحمن الرحيم".
إنت رحيم بيا، رغم تقصيري… ورحيم بيها لما صبرت عليا… ورحيم بابني اللي لسه جاي.
إنت رحيم، وأنا ماليش غير رحمتك.
– "مالك يوم الدين".
أنا عارف إن في حساب… وإني جايلك يوم… بس يا رب، أنا جيتلك دلوقتي قبل اليوم ده… طمعان يكون رجوعي ليك توبة من الي فات وحزر من اللي جاي.
– "إياك نعبد وإياك نستعين".
أنا عبدك، يا رب… حتى لو نسيت نفسي.
والنهارده… أنا واقف أستعين بيك مش بعقلي، ولا بنفسي ولا بأي حد… محتاجك إنت… تسندني.
– "اهدِنا الصراط المستقيم".
وهنا دموعه نزلت بهدوء.
الطلب بسيط… بس طالع من قلب تايه بقاله سنين في حيرة.
اهديني… لوحدك تقدر تهديني.
أنا مش طالب دنيا… طالب بس طريقك.
طريقك اللي يوصلني ليك… ويوصل قلبي للسلام.
– "صراط الذين أنعمت عليهم* غير المغضوب عليهم ولا الضالين".
أنا ضلّيت، يا رب… بس مش عايز أعيش كده تاني.
أنا عايز أكون مع اللي أنعمت عليهم، مش اللي غضبت عليهم.
قال "آمين".
وكأنها نَفَس طويل طالع من صدره بعد غرق طويل في بحر وهموم الدنيا.
ركع وهو بيبكي… مش بيبكي من الخوف.
لكن من الراحة اللي عمره ما ذاقها.
وفي السجود…
حط وشه على الأرض وقال جوّا قلبه:
"أنا كنت بعيد أوي… بس إنت ما بعدتش عني ولا لحظة".
كل سجدة كانت كأنها غُسْل… كل تسبيحة كأنها مسح على جروح قديمة جواه.
لما سلّم ما قدرش يقوم على طول… فضل قاعد ووشه كله مبلول من الدموع… بس لأول مرة قلبه ناشف من الذنوب مرتاح، كأنه أخيرًا زال الهم.
بص لحنين وقال بصوت خافت:
– هو ده اللي الناس بتحس بيه بعد التوبة؟
ابتسمت وهي بتشوف النور في عينه:
– لسه البداية يا كريم… ولسه ربنا عنده أكتر بكتير من كده.
رواية مأساة حنين الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ايه الفرجاني
الساعة ٧ صباحًا
خبط على الباب جامد.
بيصحى مفزوع: مين بيخبط كده؟
بيروح يفتح الباب… بيلاقي ضابط ومعاه ٢ أمناء شرطة واقفين.
الضابط بهدوء وحزم: رمزي… إنت رمزي عبدالحفيظ؟
رمزي بيتلجلج: أه… خير ي باشا؟
الضابط: حضرتك متهم في قضية اعتداء على قاصر وهنحتاجك تيجي معانا ومعانا إذن رسمي بتفتيش البيت واستدعاء باقي أفراد الأسرة.
اللهام من جوّه بتصرخ: في إيه؟ مين دول؟
الضابط بيدخل بعد ما بيفسحله رمزي الطريق: حضرتك اللهام حسن؟
اللهام بتحاول تظبط طرحتها: أيوه أنا… فيه إيه؟
الضابط: هنحتاجك معانا في القسم… ومعانا كمان مي عبدالحفيظ.
مي من جوّه بتطلع بسرعة وهي مصدومة: أنا؟! ليه؟!
اللهام: إحنا عملنا إيه؟
الضابط بحزم: فيه بلاغ رسمي، وبلاغ اختفاء من سنة ونص واتهامات موجهة ليكم… اتفضلوا معانا.
بيبصوا لبعض بخوف وارتباك… وبيتسحبوا واحد واحد بالعربية لحد القسم.
في مكتب التحقيق قدام الضابط، اللهام كانت أول واحدة تدخل للتحقيق.
الضابط بيفتح الملف قدامه: اسمك بالكامل؟
اللهام بخوف: اللهام حسن محمد.
الضابط: تفتكري البنت اللي كانت قاعدة عندكم أو بالمعنى الأصح انتوا قاعدين عندها… حنين… راحت فين؟
اللهام: معرفش والله… دي هربت من غير ما نعرف راحت فين.
الضابط بيبصلها وبيضيّق عيونه: هربت؟ ليه هي كانت بتشتكي من حاجة؟ حد كان بيضايقها يعني؟
اللهام بنفي: لأ خالص… دي كانت زي بنتي… بتاكل وتشرب وتنام وبتخرج عادي.
الضابط: طيب… لو كانت بتخرج عادي، ليه ماعملتوش بلاغ إنها اختفت؟
اللهام بتتلجلج: يعني… قولنا يمكن راحت عند صاحبتها… عند حد منعرفوش.
الضابط يسكت ثواني… وبعدين يقول: امم... تمام… ممكن تروحي تقعدي بره.
العسكري داخل برمزي.
الضابط بيفتح صفحة جديدة: رمزي عبدالحفيظ… عندك كم سنة؟
رمزي: 25 سنة.
الضابط: إيه علاقتك بـ حنين؟
رمزي بيحاول يتماسك: زي أختي… إحنا كنا عايشين مع بعض في البيت.
الضابط: بلغني إن فيه محاولة اعتداء حصلت منك تجاهها… تعلق؟
رمزي بيرد بسرعة: كلام فارغ! أنا عمري ما لمستها! بالعكس… دي كانت بتتعامل معايا عادي زي الأخوات.
الضابط بهدوء: يعني بتقول إنك مكنتش بتقرب منها خالص؟
رمزي: ولا مرة… ولا حتى فكرت.
الضابط بيسجل حاجة في الورق: تمام… استنى بره.
بيدخل العسكري بـ مي الي واضح أنها خايفة جداً.
الضابط بصوت ثابت: مي عبدالحفيظ صح؟
مي بخوف: أيوه…
الضابط: إيه كانت علاقتك بـ حنين؟
مي: كنت بحبها… والله… كنت شايفاها أختي الصغيرة.
الضابط: بس الي واصلني إنها كانت دايمًا خايفة منك… وإنك مش كنتي بتحبيها هل دا صحيح؟
مي بتحاول تضحك: لا لا… هي بس كانت منطوية كده شوية… مش اجتماعية.
الضابط: طيب… لِما إسلام كان بيرن على تليفونها… ليه كنتي بتردي عليه وتتكلمي معاه على إنك هي؟
مي تسكت لحظة: عشان كان هيقلق… كان ممكن ييجي يتخانق أو يعمل مشاكل… قولنا نخليه يهدى… ومنقولش.
الضابط: طب ليه لما هربت مخدتش التلفون معاها؟
مي بترتباك: م...معرفش.
الضابط بصوت جامد: يبقى أنتو كدبتوا … وخبيتوا الحقيقة… وسكّنتوا على اختفاء بنت قاصر، وكان فيه شبهة اعتداء جوّا البيت… صح؟
مي بتوشك على البكاء: مكنّاش قصدنا… هيا الي مشيت.
الضابط بيطلب من العسكري يدخل اللهام ورمزي.
الثلاثة قاعدين… اللهام، رمزي، ومي… وكل واحد باصص في الأرض.
الضابط بصوت حاسم: بناءً على أقوالكم، والتضارب اللي حصل، ووجود شبهة اعتداء على قاصر، وتستر على واقعة اختفاء وعدم الإبلاغ، وانتحال شخصية… أنتم التلاتة متهمين، وهيتم حبسكم على ذمة التحقيق لحين استكمال الإجراءات القانونية.
أمين الشرطة بيبدأ ياخدهم واحد واحد.
اللهام بتصرخ: بالله عليك يا باشا أنا غلبانة والله! ملناش دعوة بيه…ملناش حاجة.
الضابط من غير ما يبصلها: الغلبانة اللي بتسكت على الظلم بتبقي شريكة فيه.
&&&
الساعة 10 بالليل.
الشقة شبه ضلمة، والنور خفيف، وفيه هدوء مش مريح… الجو مكهرب، ريحة سجاير. شباب قاعدين، وكلهم باصين على إسلام اللي قاعد ساكت، باين عليه التعب والسهر وأعصابه متوترة.
خالد قاعد على الكنبة، بيتكلم بصوت هادي وواضح: النهاردة أخدناهم القسم… عمتها، وأخوها، وأختها… كلهم أنكروا… كله كذّبوا ومتفقين كلهم ما يقولوش إنها هربت بسببهم.
إسلام راسه بين إيده صوته واطي ومتكسّر: أنا اللي سبتها في النار… وفكرتش كويس فيها. كنت فاكرها عايشة في أمان طلع أكبر خطر عليها.
حسن صاحبه اللي كان قاعد على الأرض جنب الكنبة بيحط إيده على ركبته: بصلي يا إسو… ربنا كاتبلك تشوفها تاني، وإحنا معاك… مش هنسيبك ولا ثانية.
طارق واقف جنب الشباك: إحنا لازم نتحرك بجد… نشتغل كأنها أخت كل واحد فينا.
خالد بيقوم يقف قدامهم: بصوا… لازم نوزع نفسنا. أنا وإسلام هنكمل بكرة في النيابة والمحضر، بس الباقي لازم يتقسم على مستشفيات وأقسام وملاجئ.
حازم بيقول وهو بيقلب موبايله: فيه حوالي ٦ مستشفيات في الدايرة دي لوحدها… أنا أبدأ بيهم من بدري.
حسن: وأنا هدور في دار الأيتام اللي على الطريق الزراعي… وسألت واحد صاحبي في الهلال الأحمر هيشوف لو عندهم إيواء لبنات ضايعين.
طارق: أنا هاخد القسم اللي في المرج، واللي في شبرا وأكلم ظابط نعرفه هناك.
خالد: حلو… بس كل حد يصوّر كل حاجة يعملها… لو حد شاف حد شبهها، يبعت فورًا… مافيش خطوة تتحركوا بيها غير لما نبلغ بعض. هبعتلكم نسخة من صورها على التليفونات.
ولازم نبقى عارفين ممكن اختفاء حنين ميكونش عادي خصوصاً إن فيه عيون كتير حوالين إسلام لمعرفة هويته الحقيقية وده اللي لازم ناخد بالنا منه كويس.
إسلام بيبص عليهم كلهم: أنا مش عارف أقولكم إيه… بجد.
حازم بيقطع كلامه: قول لما نلاقيها تقوم تصلي بينا ركعتين شكر… غير كده ما تتكلمش.
طارق يبتسم بخفة دم: وأنا هيتبحّ صوتي في الشارع أنادي: حنييين… حنيييين، لما تزهق مني وتطلعلي من تحت الأرض.
حسن يبصله: بس اوعى واحدة ترد عليك غيرها، نروح في داهية.
الكل يضحك عليه.
خالد بحسم: خلاص… الكل يجهز من دلوقتي… ننام ساعتين ونقابل الساعة ٦ الفجر تحت هنا ونبدأ نتحرك في صمت.
إسلام بصوت مكسور بس مليان رجاء: يارب… بس أوصل لها في أسرع وقت.
تيسود صمت تاني… بس المرة دي صمت فيه نية صافية، ووعد ما بيتكسرش بين الصحاب.
&&&
بعد صلاة الفجر والهدوء والسكينة اللي حصلت في قلب كريم بيخرج وهو مبسوط من أوضة حنين.
الساعة 8.
كريم بيخرج من أوضته لابس تريننج ووشه فيه راحة غريبة… بيبص وراه وهو شايف حنين بتقفل باب أوضتها بهدوء، وبيبتسم وهو نازل المطبخ وهيا وراه.
في المطبخ… سماح قاعدة على الترابيزة، بتشرب شاي، وهدى واقفة جنبها بتحضر الفطار.
سماح: صحيته بدري ليه؟ هو ناقص! مش كان قعد انهاردة من الشغل.
حنين بتدخل المطبخ وبترد بهدوء: صاحي لوحده… كان بيصلي الفجر.
سماح بتكتم استغرابها وبتقلب الشاي، ثم تبص لحنين من فوق لتحت: سبحان الله… بيصلي؟! ده يوم المنى!
كريم بيدخل في اللحظة دي، بيسمع الجملة وبيقف لحظة عند الباب، وبعدين بيقرب وهو بيرد بدون نبرة غضب: آه… بصلي، ولو مش عاجبك ممكن تكملي شايك في أوضة تانية.
هدى بتحاول تكتم ضحكتها وسماح بتقوم وهي ماسكة نفسها بالعافية وبتمشي.
سماح وهي خارجة: أنا خارجة النهاردة… عندي مشوار مهم.
وهي خارجة بتبص لحنين نظرة طويلة مش مفهومة… وبتخرج.
حنين بهدوء وهي بتصب شاي لكريم: حاسة إنها بتخبّي حاجة… من امبارح وهي بتتكلم في التليفون كتير.
كريم وهو بيقعد على الترابيزة: ما تشغليش نفسك… أنا عارفها هتفضل طول عمرها تدور على حاجة تتحكم فيا من خلالها… بس وجودك هو اللي مخلي كل حاجة متوازنة.
هدى بتبص عليهم وبعدين تخرج بهدوء… وهي ماشية بتبص على باب أوضة سماح اللي اتقفل.
بعد عدة ساعات كانت سماح رجعت وكريم في الشغل، والبيت هادي.
حنين قاعدة على الكنبة حاطة محمد في حضنها بتلعب في صوابعه الصغيرة وهو بيضحك وهدى كانت قاعدة على طرف الكرسي التاني بتشرب شاي وبتتابع برنامج قديم شغال على التليفزيون.
سماح كانت قاعدة قصادهم… سكتة… عينيها بتتنقل ما بين محمد وحنين كل شوية بنظرات مش مفهومة مش حقد صريح، بس حاجة شبه القرف… كأنهم مش على مزاجه.
رن تليفونها فجأة.
سماح بصّت في التليفون ومن أول ما شافت الاسم وشها اتغير… ابتسمت، ابتسامة نادرة، لا بتتشاف منها ولا بتتصدق.
ردّت: حبيبتي… استني، جاية أفتحلك.
قامت بسرعة مشيت بخفة مش متعودين عليها منها.
حنين بصلها باستغراب وهدى كمان، بينهم نظرة سريعة كأنهم بيسألوا بعض: مين؟
اتفتح الباب… ودخلت بنت في منتصف العشرينات شعرها نازل على كتفها لابسة لبس أنيق وواضح. فورًا حضنت سماح بحرارة كأنهم متقابلين من سنين.
سماح وهي بتحضنها: وحشتيني يا قلبي… نّورتي الدنيا.
البنت ابتسمت وبصّت على الصالة… شافت حنين وهي قاعدة شايلة محمد وقفت لحظة، ونظرتها اتبدلت.
دخلت مع سماح وهيا بترحب بيها. قعدوا جنب بعض قصاد حنين وهدى وكانوا بيتهامسوا ويضحكوا.
حنين نظرها اتثبت عليهم ثواني… وبعدين بصّت لهدى اللي كانت قاعدة جنبها. مالت عليها شوية وهمست: – هي مين دي؟
هدى بصّت لها رفعت كتفها بتلقائية: معرفش والله… أول مرة أشوفها.
حنين عينيها رجعت تتابع البنت اللي كانت بتبص حواليها في الشقة، كأنها بتتأمل المكان.
– شكلها قريبة سماح؟
هدى ردت بصوت واطي: واضح كده… من طريقتها معاها.
حنين همست أكتر: بس غريبة… سماح ما قالتش إنها مستنية حد دي كانت قاعدة مكشرة طول اليوم.
هدى بصوت أهدى: هي فعلاً ما قالتش حاجة… يمكن مكونتش عاوزنا نعرف.
حنين رجعت تبص تاني على البنت اللي كانت بتضحك مع سماح بس ضحكتها كانت بتتحول لنظرات جانبية كل شوية… كأنها بتحلل المكان وأهله.
حنين بصوت واطي جداً: مش مرتاحة لها… مش عارفة ليه.
هدى مالت عليها: ولا أنا… بس خدي بالك منها شكلها مش سهلة.
حنين هزت راسها بصمت وهيا بتبص عليها.
رواية مأساة حنين الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ايه الفرجاني
الساعة 9 صباحًا داخل قسم الشرطة.
إسلام قاعد قدام مكتب عماد، وخالد جنبه.
عماد واقف ورا مكتبه، ماسك ورق، وبيراجع حاجة على الكمبيوتر.
بعدين بص لهم وقال:
عماد: بصوا يا جماعة… من أول ما البلاغ اتقدم رسمي وبيانات حنين اتسجلت بدأنا نمشي في الإجراءات المعروفة عندنا.
خالد: يعني إيه بالضبط؟
عماد: يعني فيه تعميم نزل على كل الأقسام التابعة للمديرية وبيشمل صورتها، والبيانات اللي وصلتنا عنها… الاسم، السن، مواصفات الشكل، والتاريخ اللي اختفت فيه.
إسلام: يعني هيعرفوا لو ظهرت في أي حتة؟
عماد: لو اتعرضت على أي قسم أو دخلت أي مستشفى، أو حتى حد بلغ عنها أو لمحها… أول حاجة بيعملوها بيبصوا في قاعدة البيانات عندهم، ولو فيه بلاغ متسجل بنفس المواصفات، بيظهر فورًا.
خالد: والمستشفيات؟ بتبعتولهم برضو؟
عماد: آه. في حالات زي دي، بنبعت تعميم رسمي للإدارات الطبية، وبالأخص الطوارئ، وأي مستشفى حكومي أو خاص مرتبط بالمنظومة… التعميم بيتبعت عن طريق المديرية، وبنأكد عليهم يبلغونا فورًا لو حد بنفس المواصفات دخل عندهم.
إسلام: بس لو حد كان خافيها؟ أو ودّاها مكان مش رسمي؟
عماد بيهز راسه: ساعتها بتبقى شغل أجهزة تانية… مباحث وآداب ومباحث الإنترنت كمان لو في شك إنها كانت بتتواصل مع حد… بس أنا دلوقتي حاطط الموضوع تحت المتابعة… كل قسم عنده الصورة والمعلومات وأي بلاغ هييجي بيتراجع فورًا.
خالد: طيب… نقدر إحنا كمان نكمل ندور؟
عماد بحزم: طبعًا، بس تبقوا حذرين… لو شميتوا أي ريحة خطر أو خيط غريب… تبلغوني على طول.
إسلام وهو بيقوم: أنا مش هسيب حجر في الأرض إلا لما أقلبه عليها.
عماد بابتسامة خفيفة: عارف… بس خليك فاكر اللي بيدوّر من غير عقل… ساعات بيتوه وانت دلوقتي شغال بعواطفك.
إسلام بيبصله وبيخرج هو وخالد من مكتب عماد.
وقبل ما يوصلوا لباب القسم عماد ينادي عليه.
عماد بصوت جاد: خالد استنى في… حاجات لازم تعرفها.
خالد بيبص لإسلام وبيوقف، وإسلام بيرجع ناحيته وهو بيحاول يقرأ تعبير وشه.
عماد: بعد شوية ضغط على عمتك وعيالها… بدأوا يعترفوا بحاجات كانوا مخبينها.
إسلام عينه بتضيق وبيسأله بنبرة هادية لكنها متوترة: زي إيه؟
عماد: قالوا إنهم في مرة حاولوا يدوروا عليها وسألوا عليها في كذا مكان… ولما راحوا عند كوبري إمبابة، حد من هناك قالهم إنه شاف بنت بنفس الوصف تقريبًا… كانت قاعدة تحت الكوبري… لوحدها، وكان شكلها تعبان.
لحظة صدمة ثم صمت.
الكلام بينزل على قلب إسلام زي حجر.
وشه بيبهت، عينه بتتحرك ببطء… كأنه بيشوف المكان قدامه، الكوبري، الزحمة، الضلمة، البرد… وأخته هناك، صغيرة، خايفة، ضايعة… لوحدها.
إسلام بصوت منخفض جدًا كأنه بيكلم نفسه: أختي… كانت قاعدة تحت كوبري…؟
بيبص في الأرض… ضم ايده بغضب.
خالد بيقرب منه، حاسس بقلبه.
خالد بهدوء: إسلام…
إسلام بيرد وصوته مبحوح: أنا اللي مكنتش جمبها… أنا اللي سبتها لوحدها.
عماد بيقول بثبات: الموضوع لسه ما انتهاش… بس دي أول خيوط حقيقية نربط بيها الأماكن ببعض. وجودها حوالين الكوبري يفسر حاجات كتير.
إسلام بياخد نفس طويل وبيقول بنبرة تصميم: أنا مش هرتاح غير لما ألاقيها… مش هسامح نفسي لو فضلت ثانية بعيدة عني.
خالد وإسلام بيخرجوا من باب القسم بيقفوا جنب العربية.
خالد بيبص على موبايله بيفتح الخريطة:
خالد: بص… عندنا مستشفيين في دايرة المطرية، وفيه دار أيتام على طريق دار السلام. كنت كلمت واحد صاحبي هناك… نبدأ منين؟
إسلام بيرد وهو بيبص حوالين الشارع كأنه بيدوّر على أي علامة: نبدأ من الأقرب للكباري… كوبري إمبابة كان نقطة مهمة ممكن تكون اتحركت حواليه.
وهما بيتكلموا تليفون إسلام بيهز… رسالة واتساب من طارق.
إسلام بيبص… وسكت لحظة.
بعدين ابتسامة صغيرة بدأت تطلع على وشه… مزيج من أمل وخوف.
إسلام وهو بيرفع عينه لخالد: اركب… بسرعة… طارق شكله وصل لحاجة!
خالد بسرعة وهو بيركب جنبه: قال إيه؟
إسلام وهو بيقرا الرسالة: "قسم شبرا… بيقول: تعالولي على القسم فورًا… في معلومات مهمة".
خالد بيتشد في الكرسي: طارق مش هيقول كده من فراغ… أكيد في حاجة حقيقيه.
إسلام وهو بيدوس بنزين والعربية بتتحرك: هو كان رايح المرج وشبرا… وقسم شبرا هو الأقرب لكوبري إمبابة… لو الكلام ده صح، يبقى كنا بنلف حواليها طول الوقت.
خالد: يارب… يطلع خيط حقيقي المرة دي.
إسلام بصوت هادي بس مليان رجاء: يارب.
حنين قاعدة، حضنه محمد.
عينيها مش بتفارق البنت اللي دخلت … و قاعدة تضحك وتتكلم براحتها كأنها في بيتها، مش ضيفة.
بعد شوية قامت ناحية حنين ومحمد.
بصّت للولد وقالت بنغمة فيها لطافة مزيفه: يا قلبي! ده محمد مش كده؟ شبهك بس مش قوي. باين عليه واخد من أبوه كتير.
حنين قالت بابتسامة هادية: أيوه.
نادين ابتسمت وقعدت على الكنبة المقابلة، ومدّت إيدها تشرب من الشاي اللي سماح جابته.
قالت بنبرة فيها نوع من الافتخار: أنا نادين… بنت أخت سماح، وهي اللي مربّياني من وأنا صغيرة تقريبًا، يعني أختي وأمي في نفس الوقت.
هدى ردّت بلُطف: أهلاً وسهلاً.
نادين كملت وهي بتبص حوالين الشقة بنظرة فاحصة: بقالنا كتير كتير ما شوفناش بعض اصل انا كنت مسافره بس لما عرفت إنها هنا، كان لازم أجيلها… أصل كريم ابنها ما شاء الله، بقي راجل كده يتشرف بيه.
بصّت لحنين وسألتها كأنها بتحاول تدخل أكتر: إنتي مراته بقي؟
حنين بهدوء وهي بتبص لمحمد: أيوه.
نادين ضحكت ضحكة خفيفة: محظوظة والله… كريم من زمان وهو قلبه أبيض وجدع، فاكرة كان بيجيبلي مصاصة من مصروفه وإحنا صغيرين.
سماح ابتسمت ابتسامة خبيثة وهي بتبص على حنين: أيوه كانوا دايمًا قريبين من بعض قوووي.
حنين مردتش لكن نظرتها راحت فورًا على نادين… مزيج من استغراب وعدم ارتياح، وحذر بدأ يتحفر في ملامحها.
هدى مالت ناحيتها وهمست: كلامها غريب؟
حنين همست وهي عينيها على نادين: أوي… بتحاول تدخل أوي.
لسه بتكمل كلامها قطعها باب الشقة الي بيتفتح بهدوء.
كريم داخل… شكله مدايق.
بس أول ما عينه وقعت على حنين نسي كل حاجة.
كانت قاعدة قصاده بالظبط، شايلة محمد، وبصّا له بنظرة فيها راحة وسكينة.
ابتسم وهو بيقرب… مش شايف غيره.
بس قبل ما يوصللها بخطوتين، صوته اتلجم.
نظره اتشتت فجأة وهو شايف الي قدامه …اللي كانت قاعدة جنب سماح… قامت وابتدت تتحرك ناحيته بسرعة.
نادين بصوت مليان لهفة: كريم!!
جريت عليه… وبكل جرأة حضنته.
وبعدين بسرعة طبعت قبلة على خده وهي بتضحك: وحشتني يا ابن خالتي!
كريم اتجمد مكانه.
عينيه اتفتحت على آخرها، مش مصدق.
افتكرها… البنت الصغيرة اللي كانت بتقعد تلعب معاه أيام زمان؟
بس إيه ده الي عملته …؟ إزاي؟!
حنين قامت واقفة فورًا.
بصّتله وهيا مش مصدقة…
نظرتها اتثبتت علي كريم ثم علي نادين…وبعدين رجعت تبص عليه تاني.
كانت متوقعة أي حاجة… إلا كده.
هدى كمان وقفت صوت نفسها عليّ، وشها ظاهر عليه صدمه مش عارفه تخبيها.
بوقها مفتوح وهيا بتبص علي نادين بعدين بصت لحنين الي واقفه ثابته بس عينها واضح انها مولعه نار.
نادين رجعت خطوة: أنا نادين… أي نسيتني؟ بنت أخت ماما سماح.
سماح من وراها بتضحك ضحكة خفيفة وهي بتقول: ينساكِ ازاي بس ده كان بيحبك أوي وهو صغير… كنتوا ما بتتفرقوش.
كريم لسه واقف ما نطقش.
بس وشه اتبدل.
أن اللحظة دي لطمت قلبه.
عينه راحت فورًا لحنين.
كان باين عليها الحزن… وشيء شبه الكسرة.
نظرتها ليه كانت بتسأله أسئلة كتير من غير ما تنطق.
وهو… مش لاقي ولا إجابة.
كريم بص ل نادين بجمود…
ما اتحركش… ما ابتسمش… ما مدّش إيده حتى.
نادين كانت لسه ماسكه في بتحاول تكسر الجليد وهي بتمثل إنها مستغربة: – إيه يا كريم؟ مش فاكرني بجد؟
كريم بعد نفسه عنها بهدوء لكن بحزم.
بعد خطوة بسيطة لورا… مسح خده بطرف كفه.
وبنبرة باردة ما فيهاش لا حنين ولا دفء: – أهلاً… عاملة إيه؟
سماح من وراهم صوتها عالي بشوية عصبية: – مالك يا كريم! دي نادين بنت اختي ! وانت صغير كنت بتعيط لما بتسافر… كنتوا بتلعبوا سوا طول النهار لحقت تنسها.
كريم لف عينه عليها بسرعة وكأنها قالت حاجة مستفزة.
– كنا صغيرين … ودلوقتي كبرنا. المفروض كل واحد يعرف حدوده كويس جدًا.
نادين ضحكت بخفة ضحكة فيها دلع متصنع.
ومدت إيدها تمسك إيده من تاني.
– إيه يا كيمو… نسيت أيامنا الحلوة ولا اي؟
كريم لسه هيشد ايده تاني ويتكلم.
بس قبل ما يلحق يرد…
حنين اتحركت.
كانت واقفة ساكتة جسمها مشدود، عينيها فيها نار…بس اللحظة دي خلصت صبرها ينفذ.
مشت بخطوات سريعة وهادية … وقفت قدامهم.
من غير ما تقول ولا كلمة مدت إيدها.
وبهدوء … شالت إيد نادين من على إيد كريم.
نادين اتفاجئت وشها اتغير.
بصتلها.
سماح فتحت بقها هتتكلم.
لكن حنين سبقتهم بصوت هادي… لكن نبرته كانت فيها حده واضحه: – شكلك نسيتي إنك ضيفة هنا وانك مش اخته.
نادين رجعت خطوة لورا.
هدى بصّت عليها مش مصدقة اللي بيحصل.
كريم بص لحنين… حس إن في حد واقف جنبه.
سماح بحدة: إيه الأسلوب ده؟ بتكلميها كده ليه؟
حنين لفت عليها بعينها بس ما قالتش ولا كلمة.
رجعت شالت محمد من على الكنبة وقالت وهي ماشية: – عن إذنكم… واضح إن القعدة بقت تقيلة.
كريم واقف مكانه… عينه رايحة جاية ما بين أمه ونادين. بس ملامحه متجمدة برود غير معتاد، كأن اللي حصل زاده جفا مش عتاب.
سماح بصوت حاد مليان لوم: – ينفع كده؟ مراتك تعمل فيا وفي بنت أختي كده؟ تهين ضيوفنا وانت واقف ساكت؟!
كريم من غير ما يبصلها، قال وهو بيبدأ يمشي ورا حنين اللي كانت طالعة السلم من غير ما تبص وراها: – مراتي ما غلطتش.
نده عليها وهو بيمشي وراها: حنين… استني.
بس حنين ما ردتش ولا حتى بصتله بطرف عين…
كملت طرقها، وطريقة مشيتها كانت كأنها بتحبس انفجار جواها.
كريم طلع وراها وسابهُم وراه.
هدى لسه واقفة مكانها بتتابع اللي بيحصل بعينين واسعة.
مصدومة بس مش مستغربة… كأنها كانت حاسة من البداية إن اللحظة دي هتيجي.
سماح بصّت لها بقرف صريح صوتها خرج عالي: – واقفة كده ليه؟ مش سامعة؟ روحي جهزي أوضة لـ نادين! ولا عاجبك اللي حصل؟!
هدى بصّت لها بصّة طويلة… ما فيهاش كلام، لكن كلها كره صامت.
قلبت وشها ومشيت من غير ولا كلمة، خطواتها تقيلة بس ثابتة.
سماح زفرت بعصبية واتكلمت مع نفسها بصوت عالي وهي بتتفرج عليها بتمشي: شُفتي؟ حتى الخدامة بقت ترفع راسها عليا… بس والله ما أنا سايبها لا هي ولا اللي ما تتسمي… اما ورّيتك يا هدى انتِ وحنين،و قريب أوي هتعرفوا أنا مين.
رواية مأساة حنين الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ايه الفرجاني
كريم طالع ورا حنين بخطوات سريعة.
كريم: حنين… استني بس!
حنين بتدخل أوضتها وتقفل الباب في وشه. بيقف لحظة، بياخد نفس وبيخبط.
كريم: طب افتحي… مش معقول كده! أنا اتفاجئت بس مش أكتر.
حنين كانت واقفة ضهرها للباب، عينيها فيها دموع.
حنين: أنت اتفاجئت؟ وأنا مفروض أعمل إيه؟ أقف أتفرج عليهم وهما بيفكروك بحب الطفولة؟
كريم بيتنهد.
كريم: أنتي عارفة إن مفيش حاجة بيني وبينها… دي مجرد لحظة قديمة وعدّت، بس تصرفك قدامهم خلاني مش عارف أرد.
حنين بصوت مهزوز.
حنين: أنا غلطانة… كان المفروض أسيبك ترجع لحبايبك وتتصرف على راحتك.
كريم بصوت واطي.
كريم: أنا راجعلك إنتي وبحبك أنتي… تعالي نهدى بس عشان نعرف بنتكلم إزاي.
حنين ما بتردش عليه وهو بيفضل واقف مكانه.
***
تحت سماح قاعدة على الكنبة، ملامحها متحفزة بتبص لنادين اللي قاعدة قصادها.
سماح بحدة: أنا مش هسكت! شوفتي بعينك؟ الواد بقا بيبعد عني بسبب الست حنين ولازم نفوق.
نادين بهدوء.
نادين: أنا مش جايه أفرق بين حد يا طنط، أنا جيت أشوفكم وبس… وأنا عارفة إنه متجوز.
سماح بتعلي صوتها.
سماح: متجوز! متجوز واحدة وقفت تعلي صوتها عليا قدامه! وبتبعدك عن ابن خالتك! دي شايفة نفسها عليا من أول ما دخلت البيت!
نادين بغضب مكبوت.
نادين: أنا مش جايه أوقع بين حد… ومش هشارك في حاجة زي دي. لو كريم بيحبها خلاص… مش دوري أخرب عليه.
سماح بانفعال.
سماح: يبقى امشي! أنا مش مستحملة وجود واحدة تقعدلي زي التمثال لا بتساعد ولا بتخطط! أنا عايزة ابني يرجع لعقله متجوز بنت لا معروف ليها أصل ولا فصل وعاملها مرات.
نادين بتقوم.
نادين: لو بتحبيه فعلاً سيبيه يختار… مش تفرضي عليه.
سماح: أسيبيه يختار؟ ده اللي حصل لما سبته يختار… جابلنا دي!
نادين بتسيبها وبتطلع لفوق من غير ولا كلمة.
وسماح بتفضل قاعدة مكانها وهي بتغلي، بتحرك صوابعها على الترابيزة بعصبية.
***
كريم لسه واقف قدام الباب، إيده على المقبض بيحاول يفتحه وبيتكلم مع حنين.
كريم: طيب مش هتفتحي حتى نكمل كلام؟ ولا خلاص مش طايقة تسمعي صوتي؟ على فكرة أنا مليش ذنب في اللي حصل ومكنتش أعرف.
نادين طلعت السلم ووقفت، عينيها على كريم الي واقف بيتكلم مع حنين. قربت منه.
نادين: كريم… أنا آسفة.
بصلها بس ما فهمش تقصد إيه.
نادين: مكنش قصدي أخرب عليكم ولا أدخل في حياتك… أنا فعلاً بس... كنت محتاجة أحس بجو عيلة. قعدت سنين في الغربة لوحدي… وشغلي خلاني بعيدة عن كل الناس. ومصدقت لما طنط سماح كلمتني… حسيت إن فيّ فرصة إني أرجع أتقرب من اللي كنت محرومة منه طول عمري.
حنين كانت واقفة ورا الباب، إيدها على المقبض وسامعة الي بيحصل.
نادين قربت أكتر للباب وقالت بحزن واضح.
نادين: أنا آسفة يا حنين… ماكنتش عايزة أكون سبب في أي وجع ليكم … أنا همشي خلاص بس كان لازم أقول الكلمتين دول قبل ما أمشي.
لفّت وشها وهمّت تنزل.
لكن صوت الباب بيتفتح فجأة.
نادين وقفت، لقت حنين واقفة عينيها محمرة.
ثواني من الصمت… بعدين حنين قالت.
حنين: استني… متمشيش.
نادين اتفاجئت، وشها تغير. ما كانتش متوقعة رد الفعل ده خالص.
حنين بحزن.
حنين: أنا كمان كنت لوحدي… وعارفة إحساس الوحدة كويس. خليكي معانا.
نادين عينيها دمعت وابتسمت ابتسامة صغيرة وبدون كلمة قربت منها وحضنتها.
نادين بدموع: بجد شكراً ليكي يا حنين. أوعدك إني أكون أخت ليكي.
كريم كان بيتابع المشهد بهدوء وعزم خلاص إنه لازم يتكلم مع سماح ويعرفها حدودها يا إما تمشي.
***
إسلام وخالد دخلوا القسم، القلق باين عليهم. دخلوا على طول على المكتب اللي فيه طارق.
لقوا طارق واقف مع ضابط بيقلب في ورق كأنه بيدور على حاجة مهمة.
طارق أول ما شافهم.
طارق: كويس إنكم جيتوا… معتز، ده إسلام، أخو حنين وده خالد.
معتز سلّم عليهم ونظراته فيها كان فيها اهتمام.
معتز: لما طارق وراني صورة أختك… حسيت إني شوفتها قبل كده. مش متأكد 100٪، لكن في موقف حصل مش ممكن أنساه.
إسلام: فين؟
معتز: من حوالي سنتين، كنت في دورية في مول في شبرا. كان في خناقة عند محل موبايلات جنب المول. الناس كانت ملمومة حوالين بنت… شبه اللي في الصورة دي.
خالد: حنين؟
معتز: غالبًا. أنا معرفش اسمها. كانت متوترة وناس كتير كانت بتزعق لها… أنا كنت هروح أشوف في إيه لكن في ست كبيرة دخلت في النص هدت الناس وخدت البنت ومشيت بيها. بصراحة شدّني الموقف.
إسلام: عرفت مين الست دي طيب؟
معتز: سألت عنها بعدين… اسمها سميحة السيد. ست غنية شوية ساكنة في الزمالك. كانت عايشة لوحدها معندهاش أولاد ولا أي معارف ظاهرين يعني مش شخصية اجتماعية.
طارق: وعندكش فكرة حصل إيه بعد كده؟
معتز: اللي عرفته إنها خدت البنت تعيش معاها… وبعدها بفترة ماتت.
خالد باندهاش: يعني في حد كان عايش مع حنين ولا مشيت ولا إيه اللي حصل؟
معتز: معرفش. بس الغريب إن بعد وفاة سميحة بشهر، ظهر راجل فجأة… وقال إنه قريبها استلم البيت وقعد فيه.
إسلام: طب حد شاف الراجل ده؟ له اسم؟ له علاقة حقيقية بيها؟
معتز: ده اللي هنحاول نوصله. مفيش ورق رسمي يثبت قرابته بس هو ظهر فجأة وكان معاه محامي قدر ياخد البيت رسمي بعد فترة قصيرة.
طارق: يعني احتمال كبير يكون مشي حنين من البيت بعد ما استلمه.
إسلام بص لطارق.
إسلام: لازم نوصل ليه.
معتز وهو بيدور في ورق قديم.
معتز: أنا هحاول أجيب لكم العنوان القديم بتاع سميحة وأي بيانات نقدر نبدأ منها.
إسلام: أنا مستعد أفتح أي باب… بس أوصل لأختي. أنا لازم أروح البيت ده دلوقتي.
بيخرج بسرعة وخالد وطارق بيخرجوا وراه.
***
كريم قرر ينزل يتكلم مع أمه بعد ما نادين قالتله هي ناويّة على إيه. نزل وهو متعصب، وحنين ونادين نزلوا وراه.
سماح كانت لسه قاعدة ومجرد ما شافت حنين نازلة الدم غلي. وشها بيقول كل حاجة… الغل، القرف، الغضب، كل حاجة مكبوتة.
كريم بصوت حاد.
كريم: أنا كنت ساكت عشان حنين هيا اللي طلبت إنك تقعدي هنا… بس خلاص مش هسكت أكتر من كده. اللي تقعد هنا تحترم صاحبة البيت. أنا من الأول عارف نواياكِ كويس جداً بس لحد هنا وكفاية كده.
سماح ضحكت ضحكة سخرية وهيا بتقول بغل.
سماح: سلام يا سلام… صاحبة البيت؟ امم قولتلي؟ بقت اللي مالهاش أصل ولا فصل صاحبة بيت؟ اللي جابت عيل في الحرام؟ صحاب البيوت بقوا ولاد الشوارع… مش كده؟
صدمة حلّت على الجميع.
كريم اتصدم، وشه اتجمد.
كأن الوقت وقف… مفيش صوت… مفيش حركة… بس جواه كان في بركان بينفجر.
عرفت إزاي!؟ امتى؟ مين قالها؟
شفايفه اتحركت كأنه عايز يرد… بس الكلام مش عاوز يطلع كأنه اتخنق.
عينه راحت ناحية حنين مستني أي ردة فعل منها.
لكن حنين… وشها كان أبيض زي الورق. مفيش أي ردة فعل.
كأن الدم كله انسحب من جلدها فجأة.
نفسها تقيل، صدرها بيطلع وينزل كأنها بتتخانق مع الهوا عشان تعيش.
عينها ثابتة في الفراغ، مش شايفة سماح، مش سامعة.
رجليها بدأت تهتز.
دموع متحجرة تأبى السقوط.
نادين واقفه مصدومة من اللي بتسمعه ومش مصدقة.
سماح بتقرب من حنين وبتقف قدامها وبتقول.
سماح: اللي زيك ما يتجوزوش. اللي زيك يترموا. وأنا عمري ما هعتبرك من العيلة… انتِ كنتي غلطة… غلطة ابني. وجواز الغصب ما بيعملش عيلة!
نادين بتقول بصدمة.
نادين: إيه؟! هو الكلام ده… حقيقي؟
سماح وهيا عيونها لسه على حنين.
سماح: آه حقيقي… دي كمان كانت عايشة في البدروم زي القطط. مستخبية من عيون الناس. حد زيها مينفعش يطلّع وشه للنور!
كريم صرخ فيها وصوته رج البيت.
كريم: اسكتي! كفاية بقى… كفاية!
صوته طلع من وجع… مش بس غضب.
كان بيتنفض وهو بيبص لمامته.
كريم: أنا اللي غلط… أيوه غلطت… حنين كانت الضحية! هي اللي شالت كل حاجة لوحدها… هي اللي اتكتمت… واتقهرت… واستحملت. كنتي فين؟! كنتي فين لما ابنك كان بيقع؟!
سماح حاولت تقاطعه لكن هو ما اداهاش فرصة.
كريم: ما تقطعنيش! انتي عمرك ما كنتي أم.
حنين دموعها نزلت وهي مش قادرة تتكلم. رفعت عينها تبصلها.
سماح بصتلها بغل وقالت.
سماح: ما تبصليش بعينك… البريئة دي. أنا عارفة هو اتجوزك ليه. عشان غلط معاكي… وكنتِ هتفضحيه. وهو رجّع غلطته في نفسه بجوازة غصب عنه! لكن أنا؟ أنا عمري ما هقبل واحدة زيك تبقى مرات ابني.
كريم بزعيق.
كريم: خلاص اسكتي! أنا كنت ساكت كتير… بس خلاص مش هسكت أكتر من كده.
بس سماح كملت وهيا بتقول.
سماح: بنت زيك؟ تسوى إيه أصلاً؟ كنتِ فين قبل ما تتعلقي في رقبة ابني؟ كنتِ مستخبية في البدروم زي العار. ولما جتلك فرصة تخرجي… استغليتيها بشطارة.
بتكمل وهيا بتقرب منها أكتر.
سماح: – البطن اللي كانت شايلة فضيحة؟ ما ينفعش تبقى جزء من عيلتي. أنا شايفة إنه… كان لازم يتخلص منك من أول لحظة مش يتبلي فيكي بجواز!
(وقفت ثواني وبصتلها من فوق لتحت وقالت: – تعرفي يا حنين؟ أنا لولا خوفي على سمعة البيت… كنت رميتك في الشارع… زي أي حاجة ملهاش لازمة!)
حنين وقفت مصدومة.
الدنيا بتلف بيها.
كل كلمة بتغرز جواها زي سكينة.
كريم بزعيق وهو بيقف قدام.
كريم: بقولك كفاية ااااااا! خلاص!! انتي تمشي من البيت النهارده قبل بكرة. انتي مش أمي اللي أعرفها. أنا خسرت كتير بس مش هخسرها هي كمان.
حنين وقفت مصدومة.
الدنيا بتلف بيها.
كل كلمة بتغرز جواها زي سكينة.
بدأت تتنفس بصعوبة.
أيدها على صدرها…
نظرتها تاهت.
كل العيون عليه.
بس هي مش شايفة حاجة.
نادين قربت منها وهي بتقول بخوف.
نادين: حنين… إنتي كويسة؟
حنين بصوت مش مسموع.
حنين: أنا… مش قادرة… مش قادرة أتنفس…
وفجأة…
حنين بتجري.
هربت.
بتنزل السلم بسرعة وهي بتعيط.
كأن كل حاجة بتنهار حواليها.
كريم بيجري وراها، بيزعق.
كريم: حنين!! استني!
سماح واقفة في مكانها، وشها متحجر. مش مصدقة اللي عملته، أو يمكن مصدقة وفرحانة.
نادين واقفة مذهولة.
دمعة نزلت من عنيها وهي بتهمس.
نادين: إزاي عملت كده؟ إزاي جالك قلب تعملي كده فيها؟ حرام عليكي.
حنين خرجت من باب البيت، رجليها مش شايلنها.
عينيها مش شايفة بيها.
كل حاجة حواليها ضباب.
الدموع خنقاها… ودماغها بتلف.
خطوتها مش موزونة مش عارفة هي رايحة فين. هيا عايزة تهرب وبس.
عدّت البوابة وهي بتجر نفسها.
وفجأة خبطت في جسم حد… جسم ثابت… دافي.
وصوت رجولي بيقول.
صوت: خلي بالك…
رفعت راسها واتصدمت وهيا بتقول.
حنين: إس...لام.
رواية مأساة حنين الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ايه الفرجاني
عينها مشوشة، دموع كتير ودماغها بتلف.
وفي لحظة وهي بتعدي البوابة، بتخبط في حد.
صوت رجولي هادي:
خلي بالك.
حنين وقفت.
رفعت راسها ببطء. عينها تقابلت معاه قالت بصدمة لا تقل عن صدمته.
لا تقل عن صدمته.
إسلام!!!!
إسلام وقف، عيونه اتسعت بفرحة، قلبه بيدق بجنون.
مد إيده من غير ما يحس.
حنين؟؟
اتراجعت خطوة، رجليها مش شايلينها من الصدمة.
كانت هتقع بس ايده سبقتها.
ومن غير ولا كلمة ضمها جوه حضنه.
حضن عمره ما نسيه.
حضن أخته اللي اتحرم منها.
حنين أول ما حسّت بيه، انهارت.
انهارت زي طفل صغير تايه من سنين.
صرخة طلعت من صدرها مكتمومه بين ضلوعه.
بكت، بكت بصوت عالي بوجع، بكسرة قلب.
ضربت على صدره، شقها طالعة منها مش قادرة تتكلم.
- لي... ليه.... ات... أخرت ك... كده.... ان... أنا استنيتك... أنا استنيتك كتي...ر... يا إسلام.
إسلام حاول يتماسك.
لكن دموعه نزلت.
صوته اتكسر.
- آسف... آسف يا حنين... عارف اني غلطت... كان.. كان.. غصب عني سامحني.... آسف إني سببتلك ده كله.
لف إيده حواليها أكتر.
كأنها هتضيع منه تاني.
كأن الدنيا هتخطفها لو سابها لحظة.
حنين فضلت تعيط.
عن كل يوم وجع.
عن كل كلمة قاسية، عن كل خذلان، عن كل وحدة.
وهو معاها، سامع كل شهقة طالعة منها.
حاسس بكل حاجة.
وبيرد بحضنه، بدفاه، بخوفه اللي اتأخر سنين.
لحظة الي حضنوا فيها بعض.
زي ما يكون الوجع اتلم في حضن آمن.
وزي ما الزمن بيعترف إنه ظلمهم.
يمكن أخيرًا.
ابتدى يرجع لهم حقهم.
خرجها بره حضنه وهو بيبصلها.
وشه بيترعش من الفرحة والذهول.
مد إيده، مسك وشها اللي كله دموع.
كأنه مش مصدق إنها حقيقية قدامه.
حنين كانت بتنهار.
كلماتها بتخرج متقطعة مش مفهومة.
"أن ا... ك ن ت... ي... خ ا ي فة..."
بس هو مش محتاج يفهم.
هو سامع قلبها، وواجعها، وأنفاسها المرتعشة.
مسح دموعها بإيده بلُطف.
صوته متهدج وهو بيقول.
- أنا هنا... خلاص أنا جيت.
مش هسيبك تاني أبداً ي عيوني.
ابتسم وهو بيعيط.
ابتسامة راحة بعد سنين من العجز.
حاسس بنبضها اللي رجع الروح ليه مرة تانية.
سكتوا هما الاتنين.
حنين، بكل الوجع اللي عاشته.
تعلقت في حضنه تاني وهو ضمها ليه بقوة وكأنه خايف يخسرها تاني.
كأنه عاوز يخبيها من العالم كله جواه.
كأن الدنيا كلها كانت مستنية اللحظة دي.
لحظة الرجوع.
لحظة الأمان.
لحظة الحياة.
لحظات مرت عليهم متناسين العالم والي حواليهم.
صمت... ودفء... ودموع.
زمن طويل من الفقدان واخيرًا اتجمعوا.
كريم خرج من البيت بيجري.
قلبه كان هيقف من الخوف عليها.
كان بيصرخ باسمها.
"حنين!"
لف برأسه يمين... شمال.
ولما شافها؟
وقف فجأة.
اتجمّد في مكانه.
مراته... في حضن راجل.
صدمة.
عينه وسعت.
وشه اتقلب في لحظة.
دهشة، غيرة، غضب.
قرب منهم بخطوات سريعة مش فاهم اللي بيحصل.
شد حنين من دراعها بغضب وهو بيقول.
- إنتي بتعملي إيه؟!!
حنين اتفزعت.
وإسلام بصله بعصبية وغضب.
كريم بص لإسلام بعين نارية.
- إنت مين؟!
حنين بتشهق.
- كريم... استنى... ده...
بس كريم قاطعها بغضب ونسى هو كان خارج ليه وأي اللي حصل.
- ده إيه؟
- إنتي طلعتي برا البيت ذ... عشان ده؟!!
صوت كريم كان مليان كسرة.
مش غيرة وبس.
ده كان انفجار مشاعر دفينة.
حنين عينيها دمعت تاني.
حاولت تتكلم، تتنفس.
بس مخنوقة.
وإسلام اتحرك خطوتين لقدام وشد حنين من إيدها ورا ضهره ووقف قدامه بغضب وهو بيقول.
إنت مين!؟
كريم بحدة.
- و أنا برضو سألت نفس السؤال.
انت اللي مين!؟
إسلام بعصبية مكبوته.
- أنا أخوها!!
كريم بسرعه.
- و أنا جوزها!!
لحظة صدمة.
الدنيا اتجمدت.
الهوا وقف.
عين في العين.
كريم عينه وسعت.
وكأن صاعقة ضربته.
إسلام اتصدم.
قلبه دق ووشه شحب.
الاتنين بصوا على حنين.
كانت واقفة.
مابينهم.
جسمها بيرتعش.
وإيديها بتتشنج على بعض.
وشها شاحب.
عينيها متلخبطة.
مش عارفة تبص لمين.
ولا تبدأ منين.
ولا تشرح إيه.
كريم بصلها.
- حنين... ده... ده بجد؟ ده أخوكي؟
وإسلام بص لها بصوت مخنوق.
- إنتي... إنتي اتجوزتي؟
- من غير ما تقوليلي؟!
حنين سكتت.
صوت شهقة هربت منها بالعافية.
ماقدرتش ترد.
قلبها بيصرخ.
بس لسانها مربوط.
وعنيها بترجّيهم يرحموها.
كريم مش قادر يستوعب.
إسلام واقف مش مصدق، وكأنه حلم كابوسي.
حنين أخيرًا بصوت واطي مكسور.
- كنت لوحدي.
- ومحدش كان جنبي.
***
طارق وخالد كانوا واقفين عند البوابة، بيراقبوا المشهد من بعيد.
من لحظة ما حنين خرجت.
ولحد ما خبطت في إسلام.
وشافوا حضنه ليها، وانهيارها بين إيديه.
وكل ده بعينيهم.
ساكتين.
مبهورين من كمية المشاعر اللي انفجرت قدامهم مرة واحدة.
بس بعد ما كريم ظهر.
وشدّها من حضن أخوها.
والأرض اتقلبت بين الثلاثة.
طارق بص لخالد وقال بهدوء فيه لمحة ارتياح.
طارق:
أظن إحنا لازم نمشي.
كده المهمة تمت.
خالد ابتسم، عينه ما زالت على المشهد، وقال وهو بيحرك راسه باحترام.
خالد:
الفضل لربنا.
ثم ليك يا طارق.
ركبوا العربية، وسابوا المكان وراهم.
وسابوا قلوب مشتعلة، ومواجهة مفيش منها مفر.
الجنينة كانت هادية.
هدوء خانق.
كأنه بيمتص كل الأصوات اللي جواهم.
إسلام قاعد جنب حنين، اللي ما زالت ملامحها مضطربة.
دموع بتنزل من غير صوت.
كريم قاعد قصادهم متوتر، مش عارف يبدأ منين وكأن الكلام وقف في زوره.
إسلام بص لكريم بحدة.
صوته كان تقيل وحاد.
إسلام:
ممكن أفهم؟
اتخطبتوا إزاي؟ وإمتى؟!
كريم عض شفايفه.
بص لحنين.
كان واضح إنه مستني منها تقول.
تفتح السكة.
بس هي مكسورة، ضهرها محني ووشها في الأرض.
عيونها ما بتتحركش، دموعها بتنزل بهدوء وصمت.
كريم حاول يرد بس صوته كان واطي بيتلجلج وعيونه علي حنين.
- الموضوع.....هو....انو...
إسلام عض على سنانه وزفر بضيق وهو شايف عيون كريم اللي معلقة على حنين، وقال بانفجار حاد.
إسلام بزعيق:
مش بكلمها.
بكلمك إنت!
رد عليا زي ما بتكلم.
الصوت كان كفيل يخلي حنين تتنفض من مكانها وكأنها فاقت من حلم وحش.
إيدها اتحركت لا إراديًا كأنها بتحمي نفسها، خوف قديم طالع من جواها، بيحاصرها.
كريم حسّ بيها.
نبرته اتغيرت وهو بيقول بهدوء وهو بيبص لإسلام.
- أنا اللي غلط.
أنا السبب في كل حاجة.
اتجوزتها لما... لما...
وسكت.
كان الكلام مش عاوز يطلع منه.
إسلام اتصدم.
الجملة نزلت عليه زي الطلقة.
بس سكت مفهمهوش أو يمكن فهمه بس مش عاوز يصدق.
كان عاوزه يكمل.
إسلام بصوت واطي يشبه الغليان.
- لما... أي...
كمل...!
كريم قطع كلامه بهدوء مخنوق.
- غلط... ت... معاها... أنا السبب مش هيا... بس الظروف كانت أصعب مننا.
إسلام وقف.
عينيه مليانة غضب وصدمة.
الجو في الجنينة كان خانق.
الهدوء اللي سبق العاصفة اتكسر بصوت إسلام وهو بيقول بحدة.
إسلام:
غلطت معاها؟!
انت بتقول اعتد*يت عليها....اغ....ت...مكملهاش؟!!
ده انت...!
ماكمّلش الجملة.
إيده كانت أسرع من صوته.
ضربة فجائية في وش كريم.
جسمه اتزحزح من مكانه ووقع على الأرض.
أتألم بس ما دافعش عن نفسه... وكأنه بيقول: "استحقها".
بس الضرب ما وقفش.
إسلام كان بيضربه كأنه بيطلع سنين الغياب كلها.
سنين الوجع.
سنين القهر اللي عاشته أخته.
حنين قامت صرخت بخوف.
- إسلاااااام!! كفايه!!! هتموته!!!
جريت عليه حاولت تبعده.
بس مكنش شايف.
كان شايف دموع أخته وهي بتقول "استنيتك".
كان شايف عزة حنين وهي مكسورة في الأرض.
إسلام بيزعق وهو بيضرب.
- دي أختي!!!
- هقتلك!!
- ازاي تعمل كده؟! ازاااااي؟!!
حنين بتحاول تبعده، بتنهار، بتعيط.
- كفاية!!!
- كفايــــــــــة بالله عليك!!!
لكن إسلام كان غايب.
مش سامع، مش شايف.
مفيش قدامه غير وجه كريم والخذلان اللي في قلبه.
فجأة صوت خطوات جريسماح ونادين خرجوا على الصريخهدي كمان وراهم، شايلة االطفل على إيدها.
سماح جريت عليه بغضب.
- بتعمل إيييييه؟!!
- هتقتله؟!!
- اوعى ابعد عنده!
دموعها نزلت علي ابنها اللي مرمي في الارض بيصارع انفاسه.
إسلام كأنه مش سامع، عيونه حمرا من الغضب.
ما ردش.
ما بصّش.
ولا حتى سمع صوتهم حواليه.
نادين جريت على كريم، بتحاول تساعده يقومه.
هدي واقفه مصدومة مش فاهمه حاجه.
محمد في حضنها واقفه بيه بعيد عنهم.
حنين وقفت في النص.
دموعها على خدّها، عنيها بتتوسّل.
رجليها بتترعش.
قلبها هيقف من الخوف.
إسلام أخيرًا... وقف عن الضرب.
وقف لأنه سمع صوت أخته بيتكسر.
شاف شكلها وهي بتنهار.
صوتها اللي مكنش طالع.
بصله كريم... بس عيونه كانت سودة وكأنه بيقوله لسه معملتش فيك حاجه.
كريم وشه عليه آثار الضرب، نفسه متقطع.
مش قادر يقوم.
مش قادر يرد.
إسلام لف على حنين، شدّها من إيدها وهو بيقول.
- يلا...
- تعالي معايا.
حنين اتجمدت، عينيها بتدور حواليها.
كلهم بيبصولها.
كله بيبص عليها هي.
وهيا شايفه وجوهم كلهم.
سماح بتعيط.
نادين بتساعد كريم.
هدي واقفه مذهولة.
كأن المشهد أكبر من التخيل.
لكنها مشيت وراه.
رجليها ماشية بالعافية.
مش قادرة تقاوم.
وصلوا للبوابة.
إيده لسه ماسكها.
بس فجأة...
صوت صغير جه من وراهم.
هز كل حاجة وكأنه اتكلم وبينادي عليها.
- مااااماااااا!!!
محمد.
ابنها... واقف بيعيط.
إيده ممدودة ناحيتها.
صوته مرعوب.
مش فاهم هي ماشية ليه.
كأنه بيقولها ما تسبنيش.
حنين وقفت.
زي تمثال.
وإيدها مسكت في البوابة.
جسمها ماتحركش.
بس قلبها؟
بيصرخ.
إسلام وقف.
بصلها باستغراب.
- حنين؟
بس هي مش بترد.
عينها مش علي البوابة.
بصت وراها.
قلبها وقع.
ابنها بيعيط، بيصرخ عاوزها.
حاولت تشيل إيدها من إيد اسلام.
بتتسحب منه.
بدموع.
بكسرة.
بكل الصراع اللي في الدنيا.
إسلام بيشدها تاني.
- حنين! يلاااا!
- متخافيش، أنا معاكي!
بس هي بتبص على محمد.
مش سامعة.
مش شايفة غيره.
ابنها.
إيدها بتتحرك.
إسلام بيشد.
وهي بتهرب.
بتبعد عن إيده، وبتجري ناحية محمد وبتخطفه من هدي.
بتحضنه بكل كيانها.
وبتعيط.
بس مش زي المرة الأولى.
المرة دي؟
وجعها من نوع تاني.
وجع الأمل.
اللي كانت هتسيب ابنها وراها وتمشي.
إسلام وقف مكانه.
بيكتم أنفاسه.
عينه بتتحرك بين حنين، والطفل اللي حضناه بقوة.
ملامحه فيها استغراب، بس مشكوك فيه.
قلبه بيقوله حاجة، وعقله بيرفض يصدقها.
قرب منها بخطوات هادية.
وهو بيبص على الطفل.
بيمد إيده بلُطف، حطها على راسها وقال بصوت هادي فيه رجاء.
- يلا يا حنين.
- ادّي الطفل لمامته.
خلينا نمشي.
حنين رفعت عينيها ليه.
عيونها كانت بحر من الحزن.
مليانة بكاء، ومفيش كلمة خارجة.
اتجمدت.
زي اللي مش سامعة.
أو يمكن سامعة.
بس مش قادرة ترد.
مش قادرة تنطق.
إسلام بص لها باستغراب أكبر.
اتوتر، وحاول يحافظ على هدوءه.
مدّ إيده علشان ياخد الطفل منها.
- يلا يا حنين.
مامته مستنياه، وهي واقفة أهي.
وأشار لهدى اللي كانت واقفة مش فاهمة أي حاجة.
وشها شاحب.
وعينيها بتدمع وهي شايفة المشهد بس مش قادرة توصل لمعناه.
بس حنين؟
كانت ماسكة في ابنها.
قافلة عليه بإيديها كأنها بتحميه من العالم.
وشها مليان دموع، وجسمها بيرتعش.
إسلام حاول يمد إيده تاني.
لكنها اتراجعت.
هزت راسها بنفي ضعيف.
وعيونها بتتوسّل.
مش هسيبه.
مش هبعد عنه.
إسلام وشه اتغير.
داخليًا اتعصّب.
بس ملامحه لسه بتقاوم.
وهو مش فاهم.
ليه بتعمل كده؟
ليه متمسكة بالطفل بالشكل ده؟
صوته نزل هادي بس فيه ضيق مكبوت.
- حنين.
قلتلك ادّيه لمامته.
- مفيش وقت.
خلينا نمشي.
بس مفيش رد.
غير دموع بتنزف.
وصدر بيعلو ويهبط، وأنفاس مخنوقة.
حنين حضنته أكتر.
كأنها بتصرخ من غير صوت.
وإسلام حاسس بالحيرة بتخبط فيه.
في اللحظة دي.
عينه راحت على كريم.
قاعد، وساند على حضن أمه.
ونادين جنبه بتسنده.
وشه عليه آثار الضرب.
بس ملامحه مش فيها غير الوجع.
عينه بتدمع.
وقلبه بيتقطع وهو شايف مراته.
وابنه.
وهو مش قادر يتحرك، مش قادر يصرخ، ولا حتى يمنع اللي بيحصل.
سماح قاعده ابنها في حضنها.
وشها قاسي، عينها كلها دموع و غلب.
بصت لحنين.
بس نادين؟
كانت عينها على حنين.
فيها تعاطف.
فيها كسرة.
كأنها فهمت الحالة اللي هيا فيها قبل ما حنين تقول.
إسلام، بدأ يحس إن في حاجة غلط.
عينه نزلت على الطفل.
وشافه ساكن في حضن حنين زي ما يكون بيقول "ماما".
زي ما يكون بيحتمي فيها.
رجع يبص لها.
صوتُه اتكسر.
- حنين.
هو... هو ابنك؟!
حنين بصت له.
نظرة واحدة كانت كفاية.
عينيها قالت كل حاجة.
هو ابنها.
إسلام رجع خطوة لورا.
الصدمة جمدت في صدره.
إيده وقعت جنب جسمه.
ونفسه اتحبس.
هو مش قادر يتكلم.
ولا هيبص.
في الحظة دي.
كل حاجة كانت واضحة.
ابنها.
الكلمة اتقالت في عقله.
ووجعته دخل قلبه.
كان عايز ياخدها ويمشي.
بس دلوقتي؟
بقى فيه روح صغيرة ماسكة فيهم هما الاتنين.
روح اسمها محمد.
والدنيا وقفته.
هدى واقفه مكانها مش فاهمة.
بس الدموع نزلت على خدها من غير ما تحس.
الجو كله اتقلب.
والحقيقة؟
إنه مفيش حد لسه فاهم النهاية أي.
رواية مأساة حنين الفصل السادس عشر 16 - بقلم ايه الفرجاني
إسلام وقف مكانه متجمد من اللي قدامه. محمد لسه في حضن حنين بيشهق من العياط، كانت لفاه ايدها عليه بكل قوتها، كأنها لو سابته هيتسحب منها للأبد.
إسلام رفع عينه، صوته مبحوح من الصدمة:
– هو… ابنك؟
حنين ما نطقتش، بس دموعها قالت كل حاجة.
إسلام سكت لحظة، عينه راحت على الطفل، وبعدين على كريم اللي كان بيحاول يثبت نفسه على الكرسي اللي قعد عليه، ملامحه موجوعة، بيبص للمشهد بعجز.
هدى واقفة مش فاهمة حاجة، عينيها رايحة جاية ما بين حنين وإسلام ومحمد.
إسلام خد نفس طويل، بس القرار اللي مكنش فيه رجعة إنه هيخدها معاه. حتى لو عندها ابن، مكنش لازم يبين كسرته قدامهم. قرب خطوة منها:
– حنين… يلا نمشي.
حنين هزت راسها، صوتها طلع همس لكنه واضح:
– مش هسيبه.
إسلام مد إيده ناحية محمد:
– ماشي، هاتيه، أنا هشيله.
حنين اتراجعت خطوتين، ضمته أكتر ليها، صوتها اتكسر:
– مش هسيبه…
محمد دفن وشه في رقبتها أكتر. المشهد لوحده جارح، وكأنه حاسس إن في خطر حواليه.
المنظر كان زي الطعنة ليهم. الكل اتجمد من اللي بيحصل. كان الطفل حاسس باللي بيحصل حواليه.
إسلام وقف لحظة، ملامحه ظاهر عليها الحيرة اللي هو فيها. بعدين بص حواليه، العيون كلها عليه، لكن محدش بيتكلم، محدش فاهم هو مين ولا بيعمل كده ليه. بس واضح إن الموضوع كبير.
خطوة صغيرة لقدام، صوته نزل أهدى لكنه حاد:
– إحنا هنمشي… وهو معانا، مش هنسيبه.
مسك ايدها وشدها، لكن المرة دي وهي ماسكة محمد.
الطريق للبوابة كان صامت.
كريم فضل قاعد مكانه، مش قادر يقوم، عينه بتلاحقهم، ودموعه بتنزل وحدة وحدة.
هدى بصت للباب وهما بيخرجوا، مش فاهمة إيه اللي بيحصل، قلبها بيتقبض من المنظر.
حنين وهي خارجة، كانت حاسة كل خطوة زي الحجر بيتحط على قبلها. وقبل ما تخرج عينها راحت على كريم، بس كانت وصلت البوابة خلاص. حضنها لابنها كان أمانها الوحيد وسط العاصفة دي كلها.
ركبت العربية جنبه، وكل واحد ساكت. لا إسلام قادر يتكلم ولا هي.
إسلام كان سايق العربية وعينه بتبص لقدام، بس عقله شغال بأسئلة أكتر. كل شوية يسرق نظرة لحنين، شايلة الطفل في حضنها، عينيها شاخصة للفراغ وكأنها مش هنا. كان نفسه يسألها عن كل حاجة، مين؟ إمتى؟ إزاي؟ وليه؟ لكن لسانه اتقل من إنه يتكلم. مش وقته، مش دلوقتي.
عقله كان بيردد بيهم. لف راسه لها شوية نحيتها وقال:
– اسمه إيه بقى؟
حنين اتحركت بعينيها نحيته، بصت له لحظة، وبعدين رجعت تبص للطفل. حضنته أكتر، وصوتها واطي لدرجة إنه بالكاد سمعه:
– محمد.
إسلام حس الاسم دخل قلبه قبل ودنه.
– محمد… جميل.
بص للطفل وهو نايم على كتفها، نفسه يسأل عن حاجات كتير، بس فضل السكوت. أهم حاجة هيا معاه وعايشة، مش مهم أي حاجة تانية هتتحل. بس اللي هو كان متأكد منه إنه يستحيل يسبها وهياخد حقها من أي حد فكر يضايقها. رجع بعينه للطريق.
العربية فضلت ماشية، بس عقله كان مليان كلام مش قادر يقوله. كل واحد فيهم كان غرقان في تفكيره. عارف إن أي كلمة دلوقتي هتفتح أبواب مش هيعرفوا يقفلوها.
كريم لسه قاعد مكانه، بيحاول يلم أنفاسه بعد اللي حصل. أمه ونادين واقفين حواليه. نادين بتحاول تسنده وأمه بتتكلم بغل واضح:
– إزاي يعمل فيك كده وانت واقف تتفرج عليه؟! مش فاهمة! وبعدين مراتك راحت معاه… بأي حق؟! ما هو زي ما بيقولوا… 'تربية شوارع' هي اللي هتجيب لنا البلاوي! جايبالك واحد ما نعرفش هو مين يضربك… وبعدين تروح معاه كمان! والله لو اتلايمت عليها… لقطّعتها بسناني!
كريم رفع عينه بص لها. ملامحه كانت متغيرة، تعبه بقى غضب، وصوته طلع حاد:
– لآخر مرة… بقولهالك ما تتكلميش عن مراتي تاني! عشان انت متعرفيش حاجة. وبالنسبة للي خدها… فده أخوها! وملكيش أي حق تقولي عليها كلمة واحدة، فاهمة؟!
هو نفسه مش قادر يتحمل أكتر. زقها بخفة بعيد عنه وهو بيقوم. خطواته تقيلة، ونادين واقفة مش فاهمة اللي بيحصل.
لكن أمه لسه واقفة مكانها، ولسانها شغال بغل أكتر:
– ما طبيعي تدافع عنها… هستنى منك إيه! أخوها؟! ههه… بتقول أخوها! ما طبيعي… همجي زيها! تربية شوارع هيجي من وراهم أي يعني. بس أقول إيه عليك. ولا كمان وخدوا الولد معاهم… بكرة يطلع زي أمه!
كريم وقف عند باب البيت… ظهره ليها، بس عينه بتطلع شرار. لف فجأة، وبص لها نظرة حادة. وبعدين وجه كلامه لهدى اللي لسه واقفة مذهولة:
– جهّزي للمدام شنطتها… عشان هتمشي النهارده.
قالها بصوت ثابت، ودخل البيت.
طلع كريم أوضته، قفل الباب وراه بقوة وهو بياخد نفسه. دخل الحمام يستحمى. المية السخنة نازلة على وشه، بتحاول تمسح أثر الألم، بس الوجع مش من الضرب… الوجع في اللي شافه قدامه. قال الحقيقة عشان ميظلمش حنين أكتر من كده. كان عارف إن كلام أمه أثر فيها. مكنش عاوز يخبي عليها، لإن بأي حال أكيد الحقيقة هتتعرف، بس حنين مكنش لازم تواجه أكتر من كده. هو هيتحمل كل حاجة.
خرج بعد شوية، كان لابس حاجة بسيطة. وقف قدام المراية بيتأمل وشه اللي لسه وارم، ضرب وجروح صغيرة.
– واضح إن إيده تقيلة، بس يلا كله يهون عشان حنين ومحمد. بس أنا مش هسكت برضو.
مد إيده على الدرج، فتحه، طلع علبة الكريم، ضغط عليها وحط على الكدمات. لكن عقله؟ مش معاه. رجع بيه للمشهد اللي قلبه اتقبض فيه… حنين وهي ماشية ورا إسلام، عينيها فيها نظرة مليانة كلام، نظرة وجع وحيرة، حاجة فهمهاش وقتها.
اتنهد ورمش بعينه، وحاول يبعد الفكرة. لكن صورة تانية هاجمته فجأة: حنين وهي بتجري على محمد لما سمعت صوته، بتحضنه كأنها لقيت روحها في حضنه. ابتسامة صغيرة سرقت ملامحه… مشهد خلّى قلبه يدق بسرعة، لحظة حس فيها إنهم عيلته بجد. لكن الابتسامة دي اختفت أسرع ما ظهرت… لما وش إسلام وهو بيضربه طلع قدامه تاني.
حط إيده على الورم اللي في وشه وأخد نفس عميق وقعد على طرف السرير، حط إيده على راسه وقال بصوت واطي:
– وده طلع منين ده كمان؟! وبعدين… حنين عمرها ما جابت سيرة إن عندها أخ… أكيد في حاجة ناقصة، أكيد خبت عني لسبب.
رفع راسه، عينه فيها لمعة تحدي:
– بس مهما كان السبب… هو فاكر كده أخدها مني؟
ضحك بخبث وقال:
=شكلي… هرجع كريم بتاع زمان. ولا إيه؟ نبقى نشوف بعدها.
اتمدد على السرير إيده تحت دماغه، عينه معلقة في السقف، عقله شغال بألف فكرة… مش ناوي يسيبها، ولا يسيب اللي حصل يعدي كده. هيرجعها ليه مهما كان التمن.
قطع تفكيره رنة موبايله. بص على الشاشة… الرقم ده هو عارفه كويس. نفسه اتقبض. اتنهد بضيق، سحب الموبايل، وضغط على "رفض". لكن الرنة رجعت تاني. رفض. وتالت مرة… حس إن الصبر بدأ ينفذ عنده، ضغط على "رد" وصوته كان مليان غضب مكتوم:
– عاوزة إيه؟
صوت بنت ناعم ومليان دلع:
– إيه يا كيمو… مالك مدايق ليه بس؟
شدّ نبرته أكتر:
– أنا مش قلتلك مليون مرة ما ترنيش عليّ، ولا تقربي مني، ولا حتى أشوف وشك. لا انتي ولا اللي مشغلك؟
هي بدلعها المعتاد، وكأنها مش سامعة التحذير:
– مش عارفة أنت اتغيرت ليه كده… هيا البنت الجديدة عاجباك قوي كده؟
كريم صوته علي فجأة، والغضب ظهر عليه:
– البنت اللي بتتكلمي عنها دي مراتي… ومسمعش سيرتها تاني على لسانك، فاهمة؟!
هي بسرعة، وكأنها بتحاول تهدي الموقف:
– طب… أنا آسفة، بس مش كان في شغل المفروض إنك تعمله؟
كريم بنفس الحدة:
– قولي للي عندك… أنا ما بشتغلش حاجة شمال. واللي عنده حاجة يعملها بنفسه. ومشوفش رقمك تاني على تليفوني… فاهمة؟!
وقبل ما ترد، كان هو قافل الخط، رمى الموبايل على السرير، وتنفس بعمق بيحاول يطرد بيه الغضب اللي سببته المكالمة دي.
بعد دقايق قام. نزل السلم بخطوات ثابتة والموبايل في إيده. أول ما وصل تحت، شاف سماح واقفة جنب نادين… كل واحدة شايلة شنطتها. وقف قدامهم، وبص لنادين وقال بإحراج:
– أنا مكنتش عايز الأمور توصل لكده… بس غصب عني.
نادين قطعته بابتسامة صغيرة باهتة:
– أنا فاهمة كل حاجة يا كريم… وصدقني، أنا مش زعلانة. وبعدين، هقعد إزاي وحنين مش موجودة؟
كريم أخد نفس قصير:
– وهترجعي تسافري تاني… ولا هتروحي فين؟
نادين هزت راسها:
– لا، هروح عند إخواتنا… قصدي أحمد وعمرو قاعدين في شقة جنب الكلية بتاعتهم… قريبة من هنا، مش بعيدة. أكيد هشوفك يعني… وكمان عايزة أوصل لحنين برضو.
ابتسامة خفيفة ظهرت على وشه، كمحاولة يخفف الجو بيها. وبعدين بص لأمه… نظرته اتغيرت وصوته بقى فيه مرارة:
– كان نفسي تبقي أحسن من كده… أديكي بسبب طبعك، خسرْتِ أهم حاجة في حياتك… هما ولادك. مش بس أنا… دول حتى هما ما قدروش يقعدوا معاكي. راجعي نفسك… عشان هتخسري كتير لو فضلت كده.
ما استناش رد لف ودخل مكتبه، وقفل الباب وراه.
سماح وقفت مكانها، عينيها لمعت بالدموع، كانت بتحاول تسيطر على نفسها. بصت لنادين بنظرة ما بين الصدمة والكسرة وبعدين مشيت بهدوء ناحية الباب. ونادين مشيت وراها.
دخل مكتبه… ملامحه كلها تركيز وغضب مكتوم. رمى الموبايل على المكتب وبدأ يفتح الأدراج واحد واحد، الورق بيتناثر، وصوت الخشب بيحتك ببعضه بيكسر الصمت. بيفتكر يوم ما حنين حكت اللي عمتها عملته وطلب من حد يجبله عنوانهم. كان عاوز يرجع ليها حقها بس ملحقش. قلب الملفات والورق بسرعة، عينه بتدور على حاجة واحدة بس… عنوان بيتهم. إيده وقفت فجأة على ورقة صغيرة في قلب الدرج… مسكها وقربها منه… والعنوان مكتوب بخط واضح. ابتسامة قصيرة، لكنها مليانة معنى، ظهرت على وشه. قفز من على الكرسي، مسك مفاتيحه والموبايل وخرج بخطوات سريعة كأنه بيطارد الوقت وفكرة في دماغه ناوي عليها.
عند حنين وإسلام.
وصلوا قدام باب الشقة. حنين وقفت مكانها، إيدها على المقبض لكنها مش قادرة تتحرك. مش قادرة تدخل… نفس اللحظة اللي كانت دايمًا بتخاف منها رجعت تاني للمكان اللي هربت منه. بعد كل اللي شافته.
إسلام لمح التردد في ملامحها. قرب منها بهدوء وقال بصوت فيه حنية:
– عارف كل اللي حصل معاك… وصدقيني، هما دلوقتي بيتعاقبوا على كل حاجة عملوها وكل حد أذاك هيدفع التمن غالي.
فتح الباب ووقف على جنب كأنه بيحميها وهي داخلة.
حنين خطت خطوة… ريحة البيت، صوت الصمت فيه، كل حاجة في مكانها كأن الزمن وقف. عينيها غرقت دموع وهي حاضنة ابنها، قلبها بيترجف بين فرحة ووجع.
إسلام قفل الباب وراح وقف قدامها:
– هاتيه.
مدت له الولد، ما سألتش ليه. أخده بحرص، وفي حاجة غريبة بتتحرك جواه. فرحة إنه شايف دم من دمه، ووجع إنه شايفه في ظروف دي. باسه من خدّه ودخله الأوضة، حطه على السرير برفق، وبعدين خرج.
حنين فضلت واقفة رجليها بتوديها لوحدها لأوضة مقفولة بقالها سنين… أوضة أهلها. فتحت الباب والغبار كان خفيف على الأثاث، لكن كل حاجة في مكانها. السرير، الصور، كل حاجة. قعدت على السرير، إيديها بتلمس الملاية كأنها بتلمسهم، عينيها شايفة صورهم في كل زاوية.
إسلام دخل ووقف قريب منها وبعدين قعد جنبها وقال بهدوء:
=لما كنت مسافر كنت كل يوم أقول: إمتى هرجع عشان أشوفك… ولما رجعت ملقتكيش، وعرفت إنك سبتِ البيت… كنت هتجنن. من يومها وأنا بلف عليكي زي المجنون. لما كنت أنام كنت أشوفهم في أحلامي بيسألوني عنك، كأنهم عارفين إنك مش كويسة.
بص لها وقال بنبرة فيها أسف:
– أنا آسف يا حنين… عارف إني السبب. مكنتش السند الحقيقي ليكي لما كنتِ محتاجاني. فضلت واجب علي واجب تاني.
حنين كانت ساكتة بتسمعه وعينيها شاخصة في الفراغ. قالت بشرود وصوتها مبحوح:
– لما قعدت فترة أبعتلك وانت متردش… فكرت إنك… مقدرتش تكملها.
وقفت فجأة دموعها نزلت لكنها كملت:
حسيت إني بقيت وحيدة، وعايشة وأنا مش قادرة أتكلم ولا أقول عنك حاجة. كنت حاطة أمل إنك بخير، فضلت شايلة السر جوايا لسنين… وكل يوم بدعي ربنا إنك ترجع.
=كان غصب عني لإن كنت هموت فعلا.
قالها بوجع وبعدين بصلها ملامحه كانت خليط بين الندم والحب والحماية… وفي اللحظة دي إسلام مد إيده بهدوء وشدها في حضنه. حضن طويل مليان دفء وحنان، وكأنه بيحاول يلم كل السنين اللي راحت في اللحظة دي.
حنين كانت متجمدة في الأول، لكن مع أول لمسة منه حسّت وكأنها رجعت للحظة قديمة كانت فاكرها ضاعت… لحظة أمان حقيقي ما شافتهوش من زمان. قلبها دق بسرعة، مش من خوف… لكن من إحساس غريب إنها مش لوحدها أخيرًا. بعد ثواني، أخدت نفس عميق وبابتسامة باهتة مليانة دموع بعدت عنه شوية وقالت وهي بتحاول تضحك:
– أول مرة من سنين… أحس الإحساس ده.
إسلام بصّلها وابتسم، ورجع حضنها من تاني وكأنه مش قادر يسيبها لحظة، وباس دماغها بحنان وقال بصوت منخفض لكنه ثابت:
– وأنا… أول مرة من سنين أحس إني رجعت مكاني الصح… المكان اللي عمري ما كان لازم أسيبه.
عينيه كانت مليانة خليط من الفرح والندم، وكأنه بيعتذر عن كل لحظة غاب فيها عنها. غمضت عينيها، وسابت نفسها للحضن ده، عاوزه تحس بكل همسة أمان فيه، وبكل وعد صادق إنه المرة دي… مش هيسيبها تاني.
كانوا لسه غرقانين في لحظة دافية، قلبها مليان مشاعر متلخبطة بين الأمان والراحة، لكن فجأة خبط جامد على الباب قطع اللحظة.
إسلام بعد عنها رفع حاجبه باستغراب وبص ناحية الباب، قام من جنبها وهو بيقول:
– مين اللي جاي في الوقت ده؟
فتح الباب… وكانت المفاجأة. واقف ملامحه مش واضحة من الورم وفي إيده شنطة سفر صغيرة وابتسامة مستفزة مرسومة على وشه وكأنه ولا حاجة حصلت. قال بنبرة فيها تهكم وابتسامة مستفزة:
– جيت أعيش معاكم.
إسلام عينه ضاقت وهو بيقيس الموقف. أما حنين… قلبها اتقلب في لحظة، إيديها ارتجفت وهي حاسة الجو اتقلب برد فجأة. الهواء في البيت بقى تقيل، ومابين ابتسامة كريم المستفزة ونظرة إسلام الصارمة، المشهد بقى أشبه بقنبلة موقوتة… مستنية تنفجر.
رواية مأساة حنين الفصل السابع عشر 17 - بقلم ايه الفرجاني
فتح الباب، وكانت المفاجأة.
واقف، ملامحه مش واضحة من الورم، وفي إيده شنطة سفر صغيرة، وابتسامة مستفزة مرسومة على وشه وكأن ولا حاجة حصلت.
قال بنبرة فيها تهكم وابتسامة مستفزة:
– جيت أعيش معاكم.
إسلام عينه ضاقت وهو بيقيس الموقف.
أما حنين، قلبها اتقلب في لحظة، إيديها ارتجفت وهي حاسة الجو اتقلب برد فجأة.
الهواء في البيت بقى تقيل، ومابين ابتسامة كريم المستفزة ونظرة إسلام الصارمة، المشهد بقى أشبه بقنبلة موقوتة... مستنية تنفجر.
إسلام بغضب مد ايده مسكه من ياقة قميصه بعنف. عينيه كانت بتلمع شر. صوته طالع من بين أسنانه:
– شكلك جيت لقضاك، فاكر نفسك إيه بالظبط؟! تسكن فين؟!
كريم، بابتسامة باردة وكأنه مش حاسس بالقبضة اللي بتخنقه، مد ايده بيعدل القميص كأنه ما اتأثرش.
– بالراحة عليا يا أبو نسب… ده إحنا أهل ولا نسيت إنك خال العيال؟ وبعدين أنا مش عشان سكتلك المرة اللي فاتت هتسوق فيها بقى. أنا قولت إنك كنت متعصب وحقك، دلوقتي بقي جت عشان مراتي وابني.
إسلام زاد ضغطه على الياقة، لكن قبل ما يرد، ظهر حد من ورا كريم ودخل. كان ظابط ومعاه اتنين أمناء شرطة، خطواتهم تقيلة.
الظابط:
– حضرتك إسلام منصور؟
إسلام باستغراب وبنبرة حادة:
– أيوه… في حاجة؟
الظابط فتح دفتر صغير وهو بيقرأ:
– جايين ننفذ بلاغ مقدم من الأستاذ كريم رشوان… بتهمة التعدي عليه بالضرب وأخذ زوجته منه بالقوة.
كريم كان واقف على جنب، عينه بتلمع بانتصار متعمد وكأنه بيتفرج على خطته وهي بتشتغل.
الظابط كمل:
– فيه كمان فيديوهات من كاميرات المراقبة، وتقرير طبي موثق بالاعتداء.
حنين كانت واقفه ورا إسلام. حسّت رجليها بقت تقيلة، قلبها بيدق مش فاهمة إزاي الموقف اتقلب بالشكل ده.
الظابط بلهجة رسمية:
– مش هنقبض عليك دلوقتي، لكن هنعمل محضر تعهد بعدم التعرض له أو لزوجته، وأي إخلال… أنت عارف النتيجة.
الضابط سلم على كريم وقال له بهدوء:
– أتمنى أكون عملت واجبي كويس، سيادة اللواء موصي عليك شخصياً. أي حاجة تحصل رن عليا، هكون هنا.
بعد ما الظابط قال الكلام ده وسلم على كريم، كريم مد إيده بإيماءة.
– شكراً يا سيادة الظابط، وأنا متأكد إن القانون هيحمي حقي وحق اللي بحبهم. وأنا هنا عشان أقول إن زوجتي معايا تحت حمايتي ومش هسيب حد ياخدها مني بسهولة.
بص لإسلام بطرف عينه اللي كان واقف جامد وبيبنصله بغل. كريم حركة إيده كانت واضحة كأنه بيقول: "شوف القانون معايا".
ثم قال بجدية:
– أنا متفهم اللي حصل واحنا أهل برضو، بس بطلب من حضرتك تتابع الموضوع، وأتمنى تتأكد إن ما حدش يتعدى عليا أو على زوجتي، خاصة الأستاذ…
بص لاسلام اللي كان بيغلي بس ملتزم الهدوء.
الظابط، وهو بيسجل الكلام:
– تمام، ده هيتسجل في المحضر، وإنت ما عليك إلا تلتزم بالتعهد، وأي حاجة تحصل هنتصرف فورًا.
إسلام كان واقف، عينه ما فارقتش كريم وقال بصوت حاد لكنه محتشم:
– تعهد يعني… تمام مفيش مشكلة. وبعدين ده مهما كان احنا قرايب برضو مش كده ولا إيه.
قالها وهو بيضغط على سنانه.
الظابط بصله بنظرة حازمة:
– طبعًا ي أستاذ إسلام، وحضرتك عليك الالتزام بعدم التعرض ليه أو لزوجته، وأي مخالفة هتكون على مسؤوليتك انت، يعني أي حاجة هيتعرض ليها الأستاذ كريم انت المسؤول قدامي.
إسلام كتم غضبه وبصله جامد.
بعد ما مشوا، إسلام دخل قعد على الكنبه وكريم دخل وقفل الباب وراه. كان حاسس بخوف من هدوء إسلام.
أما حنين كانت واقفه مكانها، عينيها راحت على كريم اللي كان بيبصلها بنظرة طويلة فيها حب وكأنه بيقولها أنا بحبك بجد ومش هسيبك.
إسلام قاعد على الكنبه رجله بتتهز ببطء، وعينه رايحة جاية بين كريم اللي عينه مش بتفارق حنين، وحنين اللي واقفة بتبصله وهي متوترة.
ابتسامة بااااردة ظهرت على وش إسلام، وقال بنبرة تريقة لاذعة:
– تحب أجيب لك كرسي واتنين لمون ولا أكمل لكم الجو وأقفل عليكم باب؟
حنين اتجمدت مكانها وشها قلب ألوان، وكريم ابتسم بهدوء عينه لسه عليها.
– والله ما عندي مانع ياريت.
مسك الشنطة وبدأ يمشي ناحية الأوضة بخطوات ثابتة، بس قبل ما يوصل...
ظل إسلام واقف قدامه.
إسلام صوته واطي لكن مليان تهديد:
– رايح فين؟
كريم، بابتسامة باردة:
– على أوضة مراتي… ولا ده ممنوع برضه؟
إسلام بعصبية:
– مراتك انت مصدق نفسك بجد؟ بعد اللي عملته فيها وبتقولي مراتك. أنا بجد مش عارف أنا ساكت عنك ليه، المفروض أخنقك بإيدي. بس عامل خاطر للطفل اللي ملهوش ذنب جوه ده.
كريم بهدوء وحزن:
– يمكن البداية بينا كانت غلط… ويمكن السبب ما كانش صح، بس اللي أعرفه دلوقتي إني بحب حنين بجد. الفترة اللي قضيتها معاها عرفتني قيمتها وحسستني بمعنى العيلة… حاجة ما عرفتهاش قبل كده، ومش مستعد أخسرها. احنا الاتنين ظروفنا كانت غلط وانت متقدرش تحكم عليا عشان غلطة عملتها وأنا معترف بيها وبحاول أصلحها وانت واقف في طريقي.
إسلام عينه كلها رفض وغضب:
– الحب مش كلمة تقولها عشان تلمع صورتك… حنين دفعت تمن اللي انت عملته والنتيجة كانت طفل. يعني سبب جوازكم هو مش عشان انت حبيت حنين، ويمكن اتعلقت بيها مش أكتر، لأن الجلاد عمره ما بيكون الحامي.
كريم بصوت مبحوح:
– أنا غلطت… أيوه ومعترف بده، بس حتى الجلاد اللي بتتكلم عنه ممكن يتغير… وأنا اتغيرت عشانها. مش فارق معايا تصدق ولا لأ… اللي فارق معايا إنها هي تعرف ده وأنا متأكد إن حنين كمان عايزة نكمل.
حنين كانت واقفة على بعد خطوتين، إيدها ماسكة طرف بلوزتها بتوتر، عينيها بتتنقل بينهم بسرعة، قلبها بيدق بعنف. كلام كريم لمس حاجة جواها… لكن مش متأكدة هي سامحته ولا لأ، ومش قادرة تحدد هل هو فعلاً اتغير، ولا كل ده تمثيل؟
وبين نظرة تحدي من إسلام ونبرة رجاء من كريم… حنين حسّت نفسها محاصرة، وكأنها واقفة في نص طريق، مش عارفة تاخد خطوة لقدام أو لورا.
إسلام ابتسم ابتسامة قصيرة كلها سخرية:
– بيت! العيلة اللي بتتكلم عنه ده كان على جثتها… أنت ما كنتش زوج، كنت حكم مؤبد ليها وأنا هخلصها منه.
كريم مد إيده، لمس إيد حنين وهو بيبص لها:
– قولى له، إنتِ كمان بتحبيني… صح؟
إسلام باندفاع وصوته عالى:
– شيل إيدك عنها!
كريم. بابتسامة استفزازية أكبر:
– شكلك خايف يا أبو نسب… خايف أختك تختارني.
إسلام ما استحملش، قبضته طارت ناحية كريم، لكن حنين وقفت بينهم فجأة، دموعها نازلة، وصوتها مبحوح:
– كفاية بقى! كفاية!
كريم، وهو شايفها واقفة بتحميه بجسمها، ضحكة صغيرة خرجت منه… نظرة رضا في عينه وهو بيبص لإسلام وكأنه بيقول له "شوفت؟".
إسلام حس الدم بيغلي، واندفع خطوة، مسك كريم من إيده وسحبوا بعيد، ثم وجه له ضربة قوية على وشه تاني.
حنين شهقت ودموعها نازلة وهي بتبص لإسلام:
– إسلام! بلاش! بالله عليك خلاص.
كريم وهو ماسك خدّه وبيتنفس بعمق ابتسم ابتسامة جانبية وقال:
– أول ما شفتك بتضربني وقفت تحميني، وبعدين أنا مش عاوز أمد إيدي برضو، محترم الوضع وإنك أخو مراتي وخال ابني.
النظرة اللي في عينه ساعتها كانت كلها شماتة، وكأن اللحظة دي سلاح جديد بيطعن بيه إسلام.
كمل:
– إنت عارف إنها كمان بتحبني عشان كده خايف.
الشر طار من عينين إسلام، وفي لحظة كانت إيده رايحة على المسدس. طلع السلاح بسرعة ورفعه تجاه كريم.
حنين شهقت ودمها اتجمد مكانها، قلبها بيخبط وهي شايفة إسلام بيقرب المسدس من وش كريم.
كريم لأول مرة وشه يفقد التماسك... عينه لمعت بخوف حقيقي وصوته اتقطع:
– انت....بتعمل....اي.
إسلام وصوته مليان غل:
– أنا لو سبتك المرة اللي فاتت مش هسيبك المرة دي ... ومش عشان قبلت تدخل البيت يبقا عشان القانون والظابط اللعبة اللي جايبه معاك وفاكر إني هخاف منه. أنا اللي مصبرني عليك بس عشان ما أوسخش إيدي بيك قدامها.
إيده كانت على وشك تضغط الزناد. فجأة رنة موبايل كسرت الصمت.
طلع الموبايل وبص للشاشة... اللواء.
تنهد بعمق وخد خطوتين لورا من غير ما ينزل السلاح، بعدين رجّع المسدس في جرابه وهو بيبص لكريم بغضب ومشي للبلكونة.
لكن عينه ما فارقتش كريم ولا لحظة... النظرة دي قالت بوضوح "نفدت مني بس مش هسيبك".
كريم واقف مكانه، صدره بيطلع وينزل بسرعة... إيده لسه بتترعش من الموقف.
حنين قربت منه بحذر، عينيها فيها قلق:
– إنت كويس؟
كريم، وصوته مهزوز وهو بيحاول يضحك ضحكة مكسورة:
– أخوكي كان... هيقتلني.
إسلام واقف في البلكونة الموبايل على ودنه، وصوت اللواء جاي حاد كالرصاصة:
– إسلام! إيه اللي بيحصل بالظبط؟ إيه اللي يخلي واحد زي كريم يقدم بلاغ ضدك؟! وإيه علاقتك بيه أصلاً؟
إسلام باستغراب وكان متفاجئ لكنه بيحاول يسيطر:
– مش فاهم ي فندم إيه علاقة كريم بحضرتك.
اللواء:
– ي أستاذ كريم أنا أعرفه من زمان وبنا شغل من فترة. انت بقى إيه وصلك ليه.
إسلام باستغراب:
– ... أنا نفسي مش فاهم! أنا رجعت من المهمة الأخيرة لقيت أختي مختفية، ولما دورت عليها لقيتها متجوزة كريم… أخدتها من بيته، غصب عنه.
صوت اللواء ارتفع، فيه نبرة تحذير:
– انت فاكر إني بهزر معاك ي سيادة الرائد؟
إسلام:
– لا يفندم مش قصدي بس فعلا هو ده اللي حصل!
اللواء بهدوء:
– طيب حيث إنو طلع بينكم نسب فانا هسلمك مهمة حماية كريم وعائلته وطبعاً كده نفس العيلة. فانت هتحميه من الخطر.
إسلام ضحك ضحكة قصيرة ساخرة:
– خطر؟ هو الأستاذ بقى في خطر أكبر مني يعني؟
اللواء، بصوت صارم يقطع أي جدال:
– إسلام، احترم نفسك… واعرف بتكلم مين.
صمت لحظة.
– كريم عنده شركة استيراد وتصدير، بتتعامل مع قطاعات حكومية حساسة. تجار المخدرات حاولوا يستعينوا بيه علشان يدخل شحناتهم جوه بضايع الشركة.
إسلام قطّب:
– وإيه دخلي أنا بالقصة دي؟
اللواء:
– القصة إن كريم رافض، وفيه تهديد مباشر اتبعت له… لو ما وافقش، فهيهددوه بحد من عيلته وأعتقد مفيش أقرب له من أختك وابنها.
إسلام عض على أسنانه، صوته بدأ يعلى:
– يعني حضرتك عاوزني أحمي اللي أنا أصلاً نفسي أدفنه بإيدي؟
اللواء بصرامة حديد:
– أيوه طول ما إنت في إجازة، وبما إنه قريبك، الحماية عليه مسئوليتك. الموضوع مش اختيار… دي أوامر.
إسلام خد نفس عميق وهو بيبص لجوه الشقة… عينه وقعت على كريم، اللي كان واقف بيراقبه من بعيد بابتسامة هادئة كأن عارف إن المكالمة دي لصالحه.
إسلام قفل الموبايل، نفسه طالع تقيل، الدم جواه بيغلي مش مصدق، بعد ما كان بيخطط يقتله دلوقتي هيحميه ومجبر.
دخل من البلكونة، شاف كريم قاعد على الكرسي وكأنه مطمّن… وحنين جاية بكوبايه مية.
قبل ما تمدها لكريم… صوت إسلام انفجر في الصالة، عميق وحاد:
– حنين… تعالي هنا.
حنين بصت له بتوتر:
– هديله الماية، في حاجة؟
إسلام بخطوة سريعة ناحيتهم:
– آه، في… إنتِ مش فاهمة ولا بتتغابي؟ مفيش كلام بينك وبينه، ولا خدمة، ولا حتى نظرة.
كريم كان خد الكوبايه بسرعة من حنين. رفعها بهدوء وشرب رشفة، وبص لإسلام بابتسامة مستفزة:
– هيا بقت غريبة عني… ما سمعتش قبل كده إن جوز الست محتاج إذن من أخوها عشان يكلمها.
إسلام شد الكوباية من إيده ورماها على الطرابيزة بعصبية:
– ما تتكلمش معاها تاني.
كريم، وهو مائل ناحيتها متعمد:
– طب وإنتِ يا حنين… هتفضّلي ساكتة؟ مش هتردي على أخوكي؟
حنين اتوترت، صوتها منخفض:
– كريم، بلاش… اسكت.
إسلام صوته علا أكتر:
– قلت مفيش كلام! هي هتسمع كلامي أنا وبس.
كريم، بابتسامة أوسع:
– شكلها مش طايقة أصلاً إنك تتحكم فيها بالشكل ده… وعلى فكرة يا حنين، أنا بحبك، ومش فارق معايا مين واقف حوالينا وهعمل اللي في دماغي.
حنين فتحت بقها عشان ترد، لكن إسلام قاطعها وهو بيزعق:
– ما ترديش! ولا حتى كلمة.
كريم اتكأ على الكرسي براحة، عينه كلها تحدي:
– واضح إننا هنعيش سوا أيام ممتعة… أنا وهي… وإنتَ.
إسلام مشى ناحيته بخطوات تقيلة، ملامحه كلها تهديد:
– لو لمستها أو حتى فكرت تلمسها… هتندم ندم عمرك ما شفته.
كريم، وهو بيبص لها ومبتسم:
– طب ما نسألها الأول… هي عجبها الموضوع ولا لا. وبعدين يعني مش هستنى إذن منك عشان أتكلم مع مراتي أو أقرب منها.
الجو اتكهرب في لحظة، وحنين وقفت بينهم بخوف، قلبها بيخبط، وإسلام عينه على كريم، وكريم بيشوف ده وبيبتسم أكتر.
الوقت عدى وهما قاعدين قصاد بعض من غير كلام. كريم قاعد قصاد حنين اللي إسلام قاعد جنبها. ساعات مرت عليهم كده، ابتسامة كريم لحنين وتوترها ونظرات الغضب من إسلام ليهم وهو قاعد بنهم.
مر الوقت والبيت كان هادي إلا من صوت التلفزيون اللي إسلام سايبه شغال وهو قاعد على الكنبة، عينه نص مقفولة من النوم، لكن ودنه واخدة بالها من كل حركة.
حنين قامت وهي بتتمطّع:
– أنا رايحة أنام.
إسلام، وهو بيعدل قعدته:
– أيوه الوقت اتأخر روحي نامي انت … والأستاذ هينام في الأوضة التانية.
كريم، اللي كان قاعد بيراقب الموقف ابتسم وهو بيقوم:
– أنا هنام في أوضة مراتي.
إسلام قعد صوته تقلّب بحدة:
– مراتك؟ أنت هتنام بعيد عنها، والموضوع مش قابل للنقاش.
كريم اتقدم خطوة:
– ومين حضرتك علشان تمنعني؟!
إسلام:
– أنا أخوها… يعني اللي بيحميها منك ومن غيرك.
كريم، بابتسامة تحدي:
– تحميها مني؟! دي مراتي، وأنا اللي بحميها.
الجو بقى تقيل، الاتنين واقفين وجهاً لوجه، الشرر بيطير في العيون.
حنين، واقفة في النص، إيدها على راسها:
– كفاية بقى! زهقت… إنتوا الاتنين اتصرفوا زي ما يعجبكم، أنا داخلة أنام.
دخلت الأوضة وقفلت الباب وراها، لكن صوتهم لسه مسموع من جوة.
إسلام قعد على الكرسي اللي قصاد كريم، مدد رجله وباصص له من غير ما يرمش:
– طول ما أنا هنا، مش هتقرب منها خطوة.
كريم اتكى على الكرسي المقابل، إيده على دراعه، ونبرة صوته فيها لامبالاة مستفزة:
– فاكر إنك هخاف منك؟ أنا طول ما أنا هنا… هفضل أدور على فرصة أقرب منها قدامك.
الجو بقي مشحون بين الاتنين اللي قاعدين عاملين زي القط والفار، كل واحد مستني التاني يغلط عشان ينقض عليه، والليل لسه طويل.
الساعة كانت عدّت نص الليل، الشارع قدام العمارة فاضي إلا من لمبة ضعيفة بتنور فوق باب محل مقفول.
كان واقف واحد لابس كاب نازل على وشه، سيجارة مولعة بين صوابعه، عيناه ما بتسيبش باب العمارة.
رفع الموبايل على ودنه، صوته واطي لكن حاد:
– من أول ما دخل الساعة عشرة… لحد دلوقتي ما نزلش.
الصوت على الطرف التاني طلع غاضب، واضح إنه مش مستوعب:
– إنت أكيد توهته منك ي غبي … كريم ما يعرفش يقعد في مكان أكتر من نص ساعة.
الراجل هز راسه بثقة، عينه ما زالت على نفس النقطة:
– والله ابدا … من وقت ما طلع فوق، ما شفتوش نزل نهائي، حتى الشباب اللي كانوا داخلين معاه نزلوا كلهم.
الصوت في الموبايل علي أكتر:
– ممكن شافك وضحك عليك وخرج من وراك، وقتها إنت هتتحاسب. أنا عاوزه تحت المراقبة دقيقة بدقيقة، فاهم؟
الراجل رمَى السيجارة على الأرض وداس عليها ببطء. نبرة صوته بقت أغمق:
– فاهم… وأوعدك، طول ما أنا واقف هنا، لو فَكّر يخرج… هعرف قبل ما يحط رجله بره الباب.
رواية مأساة حنين الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ايه الفرجاني
أشعة الشمس اتسللت من الشباك، لمست أطراف الكنبة اللي نايم عليها كريم وإسلام.
إسلام كان قاعد نص نايم، ظهره للكنبة، رجله ممدودة بحيث لو كريم حاول يتحرك، لازم يعدي من عليها. إيده اليمين مستندة خفيف على جراب المسدس في وسطه… حتى وهو في عز النوم عامل حسابه أي خطوة هتكون بالسلاح.
كريم كان نايم على طرف الكنبة التانيه، ملامحه هادية بس عينه اتفتحت فجأة. قعد بهدوء كان حاسس بوجع في ظهره، وحاول يقوم من غير ما يعمل صوت وهو شايف رجل إسلام.
ابتسم بسخرية. وأول ما حرك رجله عشان يقوم، إسلام حسّ، وفتّح عينه نص فتحة من غير ما يغير وضعيته.
بص له بنبرة رخيمة وهو لسه عامل نفسه بيصحى:
– رايح فين يا أستاذ بدري كده؟
كريم ابتسم ابتسامة جانبية:
– هقوم أشرب مية… ولا لازم أستأذن برضه؟
إسلام مد رجله أكتر كأنه بيعمل حاجز:
– هجيب لك أنا… أنت أقعد.
كريم هز راسه بابتسامة استفزازية:
– مش ناوي تديني فرصة أتحرك من غير ما تحط عينك عليا… شكلك كنت بتحلم بيا طول الليل.
إسلام، وهو بيقوم من الكنبة:
– أنا ما بحلمش… أنا بصحى قبل ما الكوابيس تبدأ.
كريم بحزم:
مش هتعب حضرتك تجبلي مايه. إحنا أصلاً الصبح مش ليل لسه، عن إذنك.
ما أخدش رد لكن حس إن عين إسلام بتتابعه لحد ما مشي.
دخل المطبخ والابتسامه اترسمت على وشه تلقائي وهو شايف حنين قدامه. كانت لابسة إسدال وشعرها مرفوع وهي بتجهز الفطار.
كريم وقف على الباب لحظة يتفرج عليها، وبعدين دخل بخطوتين ووشه عليه ابتسامة حقيقية:
– صباح الخير… أي الجمال ده على الصبح، شكلك صاحيه بدري.
حنين ابتسمت بخجل وهي بتحط كوبايه اللبن على الرخامة:
– صاحيه من بدري… كنت بعمل فطار لمحمد.
قرب منها، لمس كتفها بخفة وهو بيمد إيده للكوباية:
– أنا هعمله… إنتِ ارتاحي.
نظرتهم لبعض كانت طويلة أكتر من اللازم، فيها دفء… لكن جواهم إحساسيس متوتره، زي اتنين عارفين إنهم مش لوحدهم.
كريم حاول يطمنها بابتسامة. وحنين كانت واقفة جنبه قريبة، كتفها يلمس دراعه. صوتهم هادي وكأنهم بيستمتعوا بدقيقة عادية وسط الفوضى.
في الصالة، إسلام حس إن كريم اتأخر أكتر من اللازم. قام.
وفي المطبخ كريم كان قريب جدا من حنين واقف وراها:
– تحبي أساعدك؟ أنا شاطر في المطبخ على فكرة.
مد إيده اخد منها السكينة، أصابعه لمست أصابعها، اللحظة كانت أقصر من ثانية لكنها كافية تخليها تاخد نفس قصير.
قال وهو بيبدأ يقطع معاها:
– شوفي… حتى بايدي الشمال بعرف اشتغل، ولا جرح ولا نقطة دم.
في الصالة، إسلام حس إن الدقيقة بقت دقيقتين… والدقيقتين بقوا خمسة.
رفع راسه ببطء، ملامحه اتشدت وبص ناحية المطبخ:
– إيه اللي معطلك؟
قبل ما يتحرك، صوت عياط محمد جه من الأوضة.
استغرب وفتح الباب. ودخل، شاله من سريره بحنية غريبة على ملامحه المشدودة:
– هشش… بس ي بطل خلاص مالك؟
– هيا ماما فين؟
عينه بتلف في الاوضه حنين مش موجوده.
دماغه اشتغلت: "حنين مش هنا… كريم مرجعش".
أكيد سوا راح للمطبخ، دفع الباب برجله.
كريم كان واقف ورا حنين ماسك إيدها عشان يوريها "إزاي تمسك السكينة".
صوتهم واطي، وضحكتها مرتبكة.
إسلام وقف على العتبة، نظرته متسمّرة عليهم، صوته طلع بارد لكنه مسموم:
– إيه الجو العائلي الحلو ده… أنا جيت في وقت غلط ولا إيه؟
حنين شهقت وسحبت إيدها فورًا. كريم بعد عنها ولف لسه مبتسم وهو يسيب السكينة:
– إحنا بس بنقطع فاكهة… تحب تشارك؟
إسلام حط محمد على الكاونتر بهدوء مبالغ فيه عينه ما فارقتش كريم لحظة:
– آه… هشارك بس بطريقتي.
المطبخ اتملأ برائحة الفطار الي اتحضر حرفياً وسط جو مشحون بنظرات متبادله من كريم واسلام.
حنين كانت قاعدة على الكرسي، بتحاول تركز في الأكل وتتجاهل الي حواليها. كريم كان قاعد جنبها وإسلام قدامهم.
من أول ما بدأوا كريم كان بيحاول بأي طريقة يكسر حاجز الهدوء مع حنين… مرة يناولها طبق، مرة يمد إيده عشان يقطع لها العيش، مرة يضحك على حاجة تافهة عشان يخليها تبص له.
حنين كانت بترد بابتسامة خفيفة أو كلمة مقتضبة وعينيها بتروح لإسلام بحذر.
إسلام كان كل ما كريم يقرب، إيده ياخد الحاجة قبل ما توصل لحنين او يتكلم معها. كان اسلام يقطع كلامه بجملة قصيرة وحادة:
– سيبها… هي بتعرف تعمل ده لوحدها.
– كل وخليك في نفسك.
التوتر بيزيد، حنين تحاول تهدي:
– خلاص يا إسلام… مفيش داعي.
كريم، بابتسامة مصطنعة:
– هو عنده حق… أنا اللي يمكن متعود أشارك مراتي في كل حاجة. هو عشان كده متغاظ بس مش متوعد علينا كده معلش بكرة تتعود.
إسلام رفع عينه عليه، نبرة صوته منخفضة لكنها قاطعة:
– مرّاتك؟ إنت نسيت إنت فين ولا إيه؟ شكل الورم الي في وشك خف وعاوزه يرجع تاني.
كريم بصله بخنقه وحنين بصتله عشان ميتكلمش.
وفعلا سكت.
لحظات صمت خانقة.
إسلام فجأة يحاول يغير الجو، يمسح بيده على وشه ويقول وكأنه بيتذكر حاجة:
– على فكرة… أنا عندي شغل مهم دلوقتي ولازم أنزل.
كريم يرفع حاجبه:
– يعني هتسيبنا لوحدنا؟ طب والله تبقي عملت فيا واجب؟
إسلام ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها مريبة:
– أسيبكوا؟… آه… لأ طبعاً.
قام من على الكرسي وهو بيجمع مفاتيحه:
– الكل هينزل معايا. هنغير جو شوية… وننجز مشاوير.
حنين استغربت:
– طب وإحنا هنعمل إيه معاك في الشغل؟
إسلام بنبرة عملية:
– هتستني في المكتب. تستني في العربيه مفيش مشكلة اهم حاجه تبقي قريبه مني.
الحقيقة إنه كان بيلعبها صح… ما يسيبش كريم مع حنين لحظة، وفي نفس الوقت يلتزم بكلام اللواء إنه يحميهم.
كريم فهم الخطة وانو مش عاوز يسبهم مع بعض لكن ما قدرش يفتح بقه هو كمان. ممكن ينزل في اي وقت، اكتفى بابتسامة جانبية.
بعد دقايق إسلام واقف عند الباب ماسك المفاتيح، عينه على كريم اللي واقف جنب حنين وهيا بتلبس الشوز وكأنه بيتعمد ما يسيبهاش لحظة.
محمد في حضنه.
إسلام مد إيده:
– هات الولد… أنا هاخده.
كريم ابتسم ابتسامة باردة وهو بيرجع خطوة:
– لأ… ابني في حضني أحسن.
إسلام شد محمد ناحيته بقوة محسوبة:
– أنا المسؤول عن حمايته لاني خاله.
كريم بص له بثبات:
– لا المسؤول عن عيلتي لاني ابوة.
حنين مش مصدقه الي بيحصل اتسمرت بين الاتنين، كل واحد بيشد من ناحية.
– كفاية بقى انت وهو بهدلتو الولد بنكم… هتعملوا مشكلة قدام الجيران كمان. هات الولد ده انا الي هشيله.
خدته من كريم.
إسلام قرب من الباب يفتحه لمح بطرف عينه من الشباك الجانبي… عربية سودا واقفة على بعد، زجاجها الأمامي معتم، مش باين فيها أي حركة، لكن إحساسه كان بيقول إن فيه حد بيراقب البيت.
فتح الباب ونزلوا.
أول ما وصلوا قدام العمارة، الجو بقى أهدى ظاهريًا، لكن إحساسه انهم متراقبين لسه موجود.
أول ما نزلوا قدام العماره محمد كان في حضن حنين، ماسك فيها بقوة.
إسلام مد إيده لياخد محمد من حضنها:
– هاتي الولد… هيكون معايا افضل ليه.
كريم شد ذراعها بلطف لكن بنبرة متعمدة:
– لأ… أنا اللي هاخده. إحنا أهله برضه، مش كده يا حنين؟
حنين اتفاجئت، تبص لده وتبص لده… كل واحد ماسك من ناحية.
إسلام شد حنين ناحية صدره:
– هيركبوا معايا.
كريم يرد وهو بيقرب أكتر من حنين:
– وأنا زوجها وأبو ابنها… لو هيركبوا مع حد يبقى أنا.
حنين وسطهم عينيها بتتحرك بينهم بسرعة:
– تاني!!! كفاية! الناس بتبص علينا متوجعوش دماغي انتوا الاتنين زهقتوني.
كريم مد إيده ناحية حنين:
– تعالي نروح إحنا سوا.
إسلام قطع عليه بسرعة:
– الكل هيركب معايا… مفيش حد هيتفرق.
كريم رفع حاجبه بسخرية:
– خايف أوي كده؟
إسلام بص له بحدة:
– احتياط… عشان ما حدش يضيع من إيدي.
إسلام سايق، كريم جنبه، حنين ورا.
في المراية، إسلام لمح العربية السودا بتتحرك وراهم ببطء… اتنفس بعمق ومشي.
عينه كل شوية تروح على المراية بيشوف العربية السودا اللي وراهم كانت لسه زي ما هيا.
جوا العربية السودا… راجل بملامح قاسية بيتكلم في موبايله بصوت واطي لكنه حاد:
– نزلوا… كريم، مراته، وابنه… وفي واحد معاهم معرفهوش.
صوت خشن جاله من السماعة:
– امشي وراهم… بس من بعيد متخلّيش حد يحس بيك. عاوز اعرف هيرحوا فين. لازم نحط رقبة كريم تحت ايدنا باي طريقه.
الراجل ابتسم بخبث:
– متقلقش… هعرف كل خطوة بيروحوها.
قفل المكالمة، وحرك العربية بهدوء، محافظ على مسافة ثابتة ورا عربية إسلام.
جوه العربية حنين كانت مشغولة ترد على كريم اللي بيحاول يخفف توتر الجو بكلام ناعم، بينما إسلام بيبصلهم بخنقه و مركز أكتر على الطريق… أو بالأصح، على اللي ماشي وراهم.
بهدوء، حرّك المراية الجانبية شوية، وعينه بقت تراقب كل انعطاف بيعملوه.
كريم لاحظ تركيزه وقال بسخرية:
– إيه؟ بتراجع الطريق ولا بتفتّش عن حد؟
إسلام رد من غير ما يبصله:
– عيني دايمًا على الطريق… بس برضوا ميمنعش انو فيه ناس ما ينفعش تثق فيهم.
ابتسم ابتسامة باردة، وضغط على البنزين فجأة دخل في شارع جانبي ضيق، بعدها لف بسرعة دخل في حارة صغيرة، وبعدين خرج لطريق تاني موازي.
حنين مسكت يد محمد بقوة من المفاجأة:
– في إيه يا إسلام؟
إسلام وهو بيركز في المرايات:
– بنزوغ من ضيف مش مرغوب فيه بس.
العربية السودا حاولت تلحقهم لكنها اتأخرت لحظة عند تقاطع مزدحم، ولما وصلت كانت عربية إسلام اختفت وسط الشوارع.
بعد حوالي عشر دقايق، إسلام هدّى السرعة، ودخل من طريق ترابي يوصل لفيلته اللي بعيدة.
كريم بص حواليه باستغراب:
– إيه المكان ده؟
إسلام وهو بيركن العربية قدام البوابة الكبيرة:
– هنا هنكون بعيد عن كل العيون… أو على الأقل عن بعضها.
كريم باستغراب:
مش فاهم قصدك اي، طول الطريق بتقول الغاز وانا ساكت بس عاوز افهم.
إسلام بجديه:
هتفهم كل حاجه متستعجلش.
دخلوا الفيلا… المكان واسع تصميمه أنيق.
إسلام كان ماسك شنطته مشى قدامهم بخطوات ثابتة، فتح باب الصالون وقال:
– من النهارده… هتعيشوا هنا. البيت ده بتاعي.
حنين رفعت عينيها عليه بدهشة:
– يعني إيه؟ هنسيب الشقة؟
إسلام رد بهدوء لكنه حاسم:
– هنا أمان أكتر… مفيش حد يعرف العنوان ده غيري.
كريم واقف، ملامحه كلها استغراب:
– أمان إيه؟ وبعدين… إنت أصلاً بتشتغل إيه؟
إسلام ما ردش، عينه اتثبتت عليه لحظة، وبعدين اتحرك من غير ما يجاوب.
كريم حس بالفضول والريبة في نفس الوقت، لكن قبل ما يلحق يسأل تاني، إسلام فتح باب أوضة في آخر الممر وبص له:
– كريم… تعالى لازم نتكلم شويه.
كريم كان واقف مكانه، قلبه بيقول إن الموضوع مش طبيعي، خصوصًا لما شاف إسلام ماسك مقبض الباب.
حنين اللي كانت واقفه اتجمدت مكانها قلبها بيدق بسرعة:
– إسلام! في إيه؟
إسلام بص لها من بعيد وقال:
– مفيش… هنتكلم راجل لرجل متخافيش انت.
الباب اتقفل والهدوء اللي بعده كان غريب لدرجة إن حنين فضلت واقفة قدام الأوضة، مش قادرة تبعد ولا تعرف إيه اللي بيحصل جوا.
إسلام قعد على الكرسي، أشار بإيده على الكرسي المقابل:
– اقعد يا كريم عشان نتكلم شويه.
كريم اتردد لحظة، عينه بتتحرك بين الباب وإسلام، لكنه في الآخر قعد، مستني يعرف هو عايز إيه.
إسلام بدأ بصوت هادي لكن تقيل:
– إنت بتشتغل إيه بالظبط يا كريم؟
كريم ضحك ضحكة قصيرة:
– إيه ده؟ تحقيق رسمي ولا إيه؟
– جاوب.
– استيراد وتصدير… عندي مكتب، وشغل معروف، إيه الجديد؟
إسلام ميل بجسمه لقدام:
– والشغل ده… بيخليك تتعامل مع ناس كتير صح؟
كريم بهدوء حذر:
– أكيد… العملاء والموردين.
إسلام:
شغلك كله ماشي تمام بدون مشاكل؟
كريم باستغراب:
ايوا كله تمام والشغل كويس جدا.
إسلام عينه ضاقت:
– والناس اللي بتهددك… من أي نوع؟
كريم جسمه اتشد فجأة، نبرته عليت:
– إنت عرفت منين الكلام ده؟
إسلام بثبات:
– قلت لك جاوب… من غير ما تسأل.
كريم اتنفس ببطء، عيناه ما فارقتش إسلام:
– وأنا قلت لك… مش هجاوب قبل ما أعرف إنت مين… وإيه اللي جابك في حياتنا أصلاً.
إسلام:
– أنا هنا عشان أحمي حنين ومحمد… حتى منك لو اضطر الأمر.
كريم بسخرية مريرة:
– مني؟! إنت حتى ما تعرفش قصتنا كاملة.
إسلام بصوت حاد:
– أنا عارف أكتر مما تتصور… وأعرف كمان إنك مش بس عندك مشاكل في الشغل… في ناس بره مستنياك، ومستنية أي فرصة توصلك… أو توصل لحنين.
كريم اتجمد مكانه، وصوته نزل:
– إنت بتراقبني؟
إسلام بابتسامة باردة:
– قولت لك… جاوب على أسئلتي.
كريم بحده:
– مش قبل ما أعرف… إنت تبع مين بالظبط.
الجو في الأوضة بقى تقيل، وصوت النفس بقى هو اللي مالي المكان. الباب مقفول، والعيون متشابكة… كل واحد مستني التاني يتكلم.
إسلام قاعد على الكرسي، جسمه متصلب، عينه ما بتفارقش كريم.
كريم واقف، إيده على مسند الكرسي كأنه مستعد يقوم أو يهاجم في أي لحظة.
كريم بنبرة مليانة شك:
– لحظة… إنت بالظبط مين؟! كل ده وبتسألني أسئلة كإنك بتحقق معايا… مش مجرد واحد بيغير على أخته او عاوز ياخد حقها مني.
عيونه ضاقت، ابتسامة صغيرة طلعت منه:
– أو يمكن… إنت أصلًا مش أخوها وبتشتغلها؟
إسلام عينه لمعت، قام فجأة، خطواته تقيلة وهو بيقرب منه:
– إيه اللي بتقوله ده ؟!
كريم اتراجع خطوة لكن ما فقدش نبرته الحادة:
– بقول إني مش فاهم… إنت عارف حاجات عن شغلي ما يعرفهاش حد، وعارف إن في تهديدات، وبتسألني كإني في قسم شرطة… إنت تبع مين؟
إسلام انفجر بصوت عالي، ضارب الطاولة بكفه:
– أنا رائد سري في الأمن! وأنا طول عمري بشتغل في مهام بره البلد… وبسبب غيابي ده، أختي اتبهدلت واتجوزتك غصب عنها! فاهم دلوقتي ليه مش طايقك؟!
كريم اتجمد، كلام إسلام نزل عليه زي الصاعقة، خد نفس عميق وقعد بهدوء على الكرسي، ملامحه فيها خليط من الصدمة والتفكير.
إسلام اتنفس بعمق عشان يهدي أعصابه، قعد قدامه مرة تانية:
– دلوقتي تسمع كويس… أنا مش هنا عشان أءذيك، أنا هنا عشان أحمي أختي وابنها… وأنت كمان للاسف، بس ده مش هيحصل إلا لو قلت لي كل حاجة.
كريم لسه مذهول:
– تحميني… من مين؟
إسلام بثبات:
– من الناس اللي بتهددك والناس دي أنا محتاج أعرف أسمائها، شغلها، كل تحركاتها.
ميل بجسمه لقدام:
– من النهاردة، أي معلومة توصل لك… هتيجي تقولها لي علي طول. حد بيحاول يقرب منك أو من حنين… أنا اللي هتعامل معاه.
كريم، بعد لحظة صمت، بيزفر ويهز رأسه:
– ماشي… بس إنت كده بتدخل في حرب مش سهلة.
إسلام بابتسامة جانبية:
– أنا عمري ما كنت بحب السهل.
بعد الحوار الحاد، الجو كان هادي لكن تقيل في نفس الوقت… إسلام وكريم قاعدين بيكملوا كلامهم.
كريم:
– أنا شايف اننا لازم نحط حراسة على البيت عشان حنين ومحمد. انا مش هجازف بحياة حد فيهم.
إسلام رفع عينه، بيدقق في ملامح كريم… ملاحظ الصدق والخوف اللي في صوته.
ابتسامة صغيرة جداً ظهرت على وش إسلام، كأنه لأول مرة يحس إن كريم فعلا بيخاف عليهم.
عند الباب، حنين واقفة، شايلة محمد، رايحة جاية قدام الباب قلبها بيدق بسرعة، عينها كل شوية تروح ناحية الباب.
في عقلها: ليه اتأخروا كده؟ أكيد بيتخانقوا.
خطواتها بقت أبطأ وهي بتقرب من الباب، مدّت إيدها بحذر عشان تفتحه… فجأة الباب اتفتح من جوه.
كريم ظهر الأول، نظرته مباشرة ليها، ابتسامة صغيرة:
– إحنا تمام… ما تقلقيش.
مد إيده بهدوء، خد محمد من حضنها، كأنه بيطمنها بطريقة عملية، ومشي بيه لبره الأوضة.
حنين واقفة مكانها، مستغربة هدوءه بعد اللي حصل.
إسلام خرج بعدها، عينه لقطت التوتر اللي في ملامحها:
– ما تقلقيش… أنا هحاول أتقبل وجوده لحد ما أتأكد بنفسي إنه يستاهلك واربيه شويه.
ابتسامة فرحة ظهرت على وشها:
– بجد يا إسلام؟
إسلام وهو بيطالعها بثبات:
– قوليلي بس … انت بتحبيه؟
حنين بصت على الأرض، وصوتها واطي:
– مش عارفة… بس أنا ببقى مبسوطة وهو معايا. وهو اتغير كتير… بس لسه بحس بالرهبة منه أحيانًا.
إسلام هز رأسه بهدوء، وعينه فيها مزيج من الحماية والحذر:
– هنشوف… الوقت هيكشف كل حاجة. ومعاك وقت كافي تديني ردك في، سواء متقبلاه في حياتك او لا. واعرفي في الحالتين ابنك هيكون معاك.
رواية مأساة حنين الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ايه الفرجاني
إسلام واقف قدام البوابة ماسك التلفون وبيتكلم:
– أيوه يا خالد… حاضر هنكون هناك.
قفل السكة ورجع الصالة، حنين كانت قاعدة على الكرسي، محمد في حضنها، كريم واقف قريب منها.
إسلام بنبرة جدية:
– حنين… النيابة طالباكِ دلوقتي، القضية بتاعة عمتك وأولادها عشان تتقفل.
حنين وشها اِتبدل فجأة بعصبية:
– لأ… مش هروح، أنا خلاص مش عاوزة منهم حاجة، ولا عايزة أشوف وشهم.
إسلام بيقرب خطوة وصوته فيه حزم:
– مش موضوع رغبة… ده حقك، وشهادتك هتفرق في القضية.
حنين وهي بتحاول تهرب بعينيها:
– شهادتي هتعمل إيه؟ الناس دي ماتت بالنسبالي، مش عايزة أعيش الذكريات دي تاني.
كريم بيتدخل، نبرة صوته أهدى لكن مليانة إصرار:
– لازم تاخدي حقك منهم، وأنا هاجي معاكي، متقلقيش.
إسلام بيرمقه بنظرة حادة:
– مش هينفع.
كريم بيرد فورًا:
– ليه ما ينفعش؟ أنا جوزها، ومن حقي أكون جنبها.
إسلام بسخرية باردة:
– النيابة مش نزهة والموضوع ليه تبعات، وأنا مش هعرضها ولا أعرضك لخطر زيادة.
كريم بيضغط سنانه، لكنه يرد بهدوء متعمد:
– متخافش، هبعت محمد لهدى، وألحقكم هناك.
إسلام بصرامة:
– البيت أكيد متراقب… وهدى مش هتقدر تحميه لو حصل حاجة.
كريم باندفاع:
– يبقى نلاقي حل تاني، بس أنا مش هسيبها تروح لوحدها، هكلم حد يجي هنا، أنا مش هسيبكم تروحوا من غيري.
إسلام بزهق:
– في ست هتجي كمان شوية هنا هتروق المكان، ابقوا سيبوه معاها.
قرب وعينه في عين كريم:
– لما توصل هتقابلنا على القسم ومن هناك نروح النيابة سوا، وخد بالك حد يشوفك، أو الأفضل متجيش.
حنين:
– خلاص… خلاص… أنا هروح، بس مش عايزة مشاكل.
إسلام وهو بيبص على كريم:
– المشاكل بتيجي من اللي بيستفز الناس.
كريم بيرد بابتسامة صغيرة:
– أنا مش بستفز حد، أنت اللي شايف إنّي عدو، مش جوز أختك.
إسلام بصله بعصبية وخرج.
حنين بمعاتبة:
– ينفع كده، بطل تستفزه عشان ميقلبش عليك.
كريم بابتسامة وضحك:
– أنت مش شايفه هو اللي بيبدأ الأول... بيقرب منهم وبيمسك إيدها وهو بيقول:
– بس عشان خاطرك استحمل أي حاجة.
حنين ابتسمت بحب، بس صوت إسلام اللي جه من ورا وهو بينادي عليها خلاها بعدت عن كريم وجرت بسرعة.
كريم حط إيده على راسه بغيظ وبصله وخد محمد ومشي.
بعد ساعة اتقابلوا أمام النيابة.
إسلام ركن العربية قدام المبنى، نزل الأول بعينين بتترقب كل اتجاه، وبعدها فتح الباب لحنين.
حنين كانت ماسكة إيديها ببعض، قلبها بيدق بسرعة.
كريم نزل وقرب منهم ومشي معاهم.
إسلام وقف وبصله:
– إنت رايح فين؟!
كريم بحده:
– داخل معاكم.
إسلام:
– لأ… مفيش دخول، دي شهادتها، ومكانش ليك وجود في اللي فات، استنى هنا.
كريم بصله بحدة، أنفاسه تقيلة:
– يعني أسيبها لوحدها؟
حنين حطت إيدها على كتفه بهدوء:
– كريم… ما تقلقش، أنا هخلص وهرجع.
كريم بصلها وكأنه بيقول مش هسيبك، ومسك حنين من إيدها ومشي.
إسلام مد إيده قدامه يوقفه:
– قلتلك، مفيش دخول، استنى هنا.
كريم يقف قصاده، يرفع صوته:
– إنت فاكر نفسك مين عشان تمنعني؟ دي مراتي، وحقّي أبقى معاها.
إسلام بنبرة جامدة:
– دي شهادة… مش فسحة، وجودك هيعطلك.
كريم يضحك بسخرية، يقرب منه خطوة:
– هيعطلنا إزاي مش فاهم... قول إنك مش عاوزني أدخل معاكم... بس أنا هدخل.
حنين بخوف، تحاول تدخل بينهم:
– كريم… خلاص بالله عليك، متعملش مشكلة دلوقتي.
لكن كريم عينه مثبتة على إسلام، وصوته حاد:
– لو حاولت تمنعني بالعافية… جرّب بس، ساعتها مش هتكون واقف على رجليك.
إسلام عينه بتلمع غضب:
– إنت بتهددني؟
كريم:
– لأ… أنا بوعدك، أنا ماليش خصومة معاك، بس عندي خصومة مع أي حد يحاول يبعدني عن مراتي، وانت معرفش مالك بيا.
الجو اتوتر جدًا… العساكر القريبين بدأوا يبصوا باستغراب.
الضابط اللي عند البوابة خرج لهم:
– إيه في إيه هنا؟
حنين بسرعة:
– مفيش … مفيش حاجة.
إسلام اضطر يسيب السكة، يبص لحنين:
– إنتِ اللي هتشوفوا نتيجة العناد ده.
كريم ماسك إيدها ويشدها ناحية الباب:
– أنا معاكي… مش هسيبك.
سلم النيابة كان مزحوم، عساكر واقفين على الجنبين، أصوات ناس داخلة خارجة.
حنين كانت ماشية وسط إسلام وكريم، عينيها في الأرض، إيديها ماسكة شنطتها كأنها بتتسند عليها.
أول ما دخلوا المكتب الكبير، ضابط النيابة رفع عينه من الورق، أول ما لمح إسلام وقف بسرعة وسلّم عليه بإيد ثابتة:
– إزيك يا باشا… منور.
إسلام رد بنبرة قصيرة:
– تمام، إزيك عامل إيه؟
الضابط لمح حنين اللي وقفت متجمدة جنب الباب، أشارلها تقرب وقعدها قدامه على الكرسي الخشبي.
إسلام راح قعد على الكنبة الجانبية، ساند ضهره بهدوء، عينه مش بتفارق حنين.
كريم ماقدرش يقعد، فضل واقف وراها كأنه بيحرسها.
المكان كله هادي إلا من صوت ورق بيتقلب وقلم بيخبط خفيف على المكتب.
حنين كانت بتبلع ريقها كل شوية، صوت نفسها مسموع لنفسها.
الضابط بص في الملف وقال:
– نندهلهم؟
أشار بإيده للعسكري.
بعد ثواني الباب اتفتح… ودخلوا إلهام وولادها مي ومعتز.
إيديهم متكلبشة وشهم شاحب، شعر مي مبعثر ومعتز عينيه محمرة.
أول ما عينيهم وقعت على حنين… الجو كله اتغير.
إلهام اندفعت لقدامها دموعها نازلة:
– حنين! يا بنتي… سامحيني، غلطة وشيطان… والله كنت غصب عني، هنعمل إيه بس خرجينا من هنا، إحنا اتبهدلنا.
مدّت إيديها تبوس إيد حنين، بس حنين سحبت إيدها بسرعة واتوترت.
كرسيها اتحرك ورا شوية، قلبها بينبض من الخوف.
إسلام كان خلاص على آخره، قام واقف فجأة، صوته غليظ:
– ارجعي مكانك يا مدام… الكلام هنا للنيابة.
إلهام وقفت مكانها، عينيها على الأرض.
مي نزلت دموعها وبصوت مكسور قالت:
– أنا آسفة يا حنين… كنت بغير منك، بس والله ما كنت عايزة أوصل للي حصل ده.
معتز كان ساكت، بس نظرته لحنين كانت واضحة… نظرة فحص، كأن بيشوفها لأول مرة بعد غياب.
كريم أول ما لاحظ النظرة… عض على شفايفه، عينه ولعت نار، إيده اتشدت كأنه هيهجم.
إسلام لمح ده بسرعة وقال بنبرة أمرية:
– مكانك خليك ثابت.
الضابط بص لمعتز بحدة:
– عينيك هنا… مش هناك.
حنين حسّت رجليها بتترعش، مسكت طرف الكرسي عشان ماتقعش.
الضابط رجّع نظره لحنين، بصوت هادي:
– يا أنسة حنين… قولي كل اللي عندك وهل التهم الموجهة من الأستاذ إسلام صحيحة؟
صوتها طلع واطي في الأول:
– كانوا بيعاملوني كأني مش من العيلة… عمتي كانت بتاخد فلوس أخويا وتصرفها عليهم.
– ماكانوش بيخلوني أروح دروس ولا أعيش زي باقي البنات.
– مي… كانت دايمًا بتكرهني، وتقلّدني، وتاخد مكاني.
– ومعتز… حاول يقرب مني أكتر من مرة.
القلم وقع من إيد الضابط على الورق… سابها تكمل.
إسلام كان عينه فيها قوة، بيشجعها بنظراته.
كريم واقف زي الصخر، نفسه بيطلع بسرعة، حط إيده على كتفها يطمنها.
حنين بصّت ليهم شافت دموع إلهام، انهيار مي، ومعتز اللي واقف ساكت ولسه رافع راسه بيبصلها… قلبها دق وولحظة صعبوا عليها.
سكتت لحظة وبعدين قالت:
– أنا… أنا بتنازل عن المحضر، مش عاوزة منهم حاجة.
الكلمة وقعت زي قنبلة على كل اللي موجودين.
إسلام عينه ضاقت، شد نَفَسه ببطء، ووشه كله غضب مكتوم.
كريم لف ناحيتها بحدة:
– إيه؟!
الضابط رفع حاجبه:
– بتأكدي كلامك؟
حنين بصت في الأرض، صوتها بيرتعش:
– أيوه… خلاص مش عايزة منهم حاجة.
إلهام انهارت تبكي أكتر، مي ضمت وشها في كفوفها، معتز ابتسم ابتسامة صغيرة خبيثة، كأن النصر رجع له.
كريم لاحظ الابتسامة… عينه ولعت، خطى خطوة كبيرة ناحية معتز، لكن العسكري مد إيده يمنعه.
إسلام رفع صوته فجأة:
– كفاية!
رجع يبص لحنين، عينه كلها غضب وعتاب:
– إنتي مش فاهمة إنتي عملتِ إيه دلوقتي.
الضابط كتب حاجة سريعة على الورق وقال:
– خلاص… المتهمين هيخرجوا بالقرار، إما بكفالة، يا أما هنحقق في الموضوع عشان الاعتداء مش مجرد موضوع خاص.
حنين قامت بسرعة، إيديها بتترعش، ومشيت ناحية الباب… بس قلبها بيخبط بقوة.
وقبل ما تفتح الباب جه صوت وكيل النيابة.
رفع عينه من الورق وقال بصرامة:
– شوفي يا أنسة حنين… التنازل بتاعك بيخفف، لكن مش بيلغي القضايا الخاصة زي التستر أو الاستيلاء. ممكن تخرج بكفالة، لكن محاولة الاعتداء دي مش موضوع شخصي… ده جناية، يعني لازم إجراءات.
إلهام اتقدمت بخطوات متلخبطة، إيديها ممدودة ناحية حنين ودموعها مغرقاها:
– بترجاكي يا بنتي… معتز أنا معنديش غيره … ما تسيبهوش هنا، هيموت!
حنين وقفت مكانها، قلبها بيدق تايه ما بين خوفها وذكرياتها المؤلمة، وبصوت واطي قالت:
– أنا… مسمحاهم، بجد… مش عايزة أي أذية تحصل لحد.
الضابط شد حواجبه، وقال:
– طيب… ده معناه إننا هنسجل تنازلك، وهنبتدي نجهز لإخلاء سبيلهم أول ما الكفالة تتدفع. لكن أنا بنبه… الموضوع ده مش بيتقفل كده.
إسلام كان واقف زي الحجر، وشه متجمد، صوته طلع غليظ:
– الكفالة دي مش هتدفع من جيوبنا، أنا مش دافع لحد حاجة. وبصلهم بعصبية.
كريم، عينه لسه مثبتة على معتز، قرب خطوتين من الضابط وقال بحزم:
– أنا اللي هدفعها…
إسلام لف ناحيته بحدة:
– إنت بتقول إيه؟!
كريم بصله بثبات، وصوته كله غيظ:
– هدفع عشان أخلص من المسرحية دي… يخرجوا، وساعتها كل واحد يبقى في وش التاني من غير لعب قاعات.
الضابط لمح التوتر، أشار للعسكري يقرب:
– اهدا أنت وهو… هنا مش ساحة خناقات.
إلهام، أول ما سمعت إن في حد هيدفع الكفالة، وقعت على الارض تبكي وتتمتم:
– ربنا يكرمك يا ابني… ربنا يكرمك.
حنين وقفت مصدومة، تبص على كريم بعينين مليانين خوف ورفض:
– كريم… إنت بتعمل كده ليه؟!
كريم ما بصش عليها، عينه ما زالت على معتز اللي لسه واقف بابتسامته المستفزة، مش فاهم مين ده...
بعد دقائق.
قدام باب القسم… الجو متوتر.
كريم واقف دراعاته متكتفة على صدره، عينه على الباب، موبايله في إيده في وضع تصوير بس محدش خد باله.
إسلام هادي كالعادة، بيشرب سيجارة ونظراته باردة كأنه عارف اللي هيحصل.
حنين مش ثابتة، بتلعب في إيديها، قلبها بيخبط وهي مش فاهمة ليه الجو مش طبيعي.
وأخيرًا خرجوا.
إلهام أول واحدة خرجت، كانت بتعيط وهي بتجري على حنين:
– ربنا يخليكي يا بنتي… إنتي ملاك! إنتي أنقذتينا!
حاولت تمسك إيدها تبوسها، بس حنين رجعت لورا.
مي طالعة وراها، عينيها محمرة من البكا، أول ما شافت حنين قالت:
– أنا غلطت… سامحيني بالله عليكي.
صوتها كان مكسور، مش متعودة تكون ضعيفة كده.
حنين اتلخبطت، عينها رايحة جاية بين الاتنين، نفسها تقطع المشهد بس لسانها اتعقد مش قادرة تتكلم.
وفجأة… معتز خرج.
وشه شاحب، شعره مبعثر، دقنه طويلة، بس عينه… فيها حاجة غريبة.
أول ما وقع نظره على حنين، وقف مكانه، ابتسامة صغيرة ارتسمت، وبص لها من فوق لتحت ببطء.
اللحظة دي بالذات… كريم عض على شفايفه جامد، كأن سنانه هتكسر بعضها، بس حاول يهدي.
إيده اتقبضت كأنه هيهجم.
إسلام لمح ده، أدار راسه ناحيته وقال بنبرة هادية لكنها حادة:
– ثابت مكانك، شوف انت واقف فين.
كريم زفر بعصبية، بس وقف مكانه، عينه مش بتفارق معتز.
معتز خد خطوة لقدام، صوته اتكسر كأنه بيحاول يبين ندمه:
– دورت عليك كتير يا حنين… والله ما كنت عايز أخوّفك مني ولا عايزك تمشي.
نبرته اتغيرت:
– كل اللي عملته كان عشان بحبك… عمري ما كنت هأذيكي، كنت عايزك بس تكوني معايا مش أكتر، وإنت اللي رفضتي نتجوز، فكنت عايزك بأي طريقة، بس إنت عارفة إني مستحيل ءأذيكي عشان بحبك.
الهوا كانه وقف.
حنين اتسمرت، إيديها تلجت.
إسلام عينه ضاقت، اتنقل من معتز لحنين كأنه بيقيس رد الفعل.
كريم فجأة اتحرك لقدام، خطا خطوتين ووقف بينهم، جسمه سد الطريق:
– الكلام ده… ما يتقالش تاني.
معتز رفع حاجبه، ضحكة صغيرة طلعت:
– وإنت مين بقى عشان توقفني؟ مالكش دعوة بيني وبينها، أنا بكلم بنت خالي، إنت مين حد غريب؟ لو على الكفالة اللي دفعتها هجبهالك بكرة، بس اوعي من قدامي.
كريم ضحك ضحكة قصيرة، بس عينه كانت بتولع نار:
– غريب؟ لأ. أقرب أكتر ووطي عليه، صوته منخفض لكن واصل بوضوح:
– أنا جوزها.
– واللي بتبص لها بالنظرات دي… مراتي، وأنا هحاسبك كويس.
الكلمة وقعت زي رصاصة.
إلهام شهقت وحطت إيدها على بقها:
– إيه!؟ إنتِ اتجوزتي من ورانا يا حنين؟!
مي فتحت عينيها بذهول، مش مستوعبة.
حنين وشها احمرّ، قلبها بيخبط، مبقتش عارفة تبص فين.
إسلام… سحب نفس سيجارته بهدوء، ضحكة صغيرة باينة في عينه من غير ما تظهر على وشه.
معتز وشه اتبدل… الأول صدمة، بعدين غضب، بعدين عيناه رجعت لحنين بنظرة مليانة قهر.
كان عايز يرد، بس كريم سبق بصوت هادي جدًا:
– لو عندك كلمة تاني… ابلعها قبل ما تندم.
معتز عض على شفايفه وسابهم ومشي، عينه في الأرض وهو ماشي.
إلهام بتعيط أكتر، مي وقفة مصدومة، وحنين لسه مش قادرة ترفع راسها.
أما إسلام… فبص لكريم بخفة، كأنه بيقول في سره:
دي لسه البداية.
الجو كان متكهرب.
حنين واقفة جنب العربية، عينيها رايحة جاية بين كريم وإسلام… مش فاهمه حاجة.
كريم كان واقف ساكت، ضامم إيده جامد، ملامحه متحجرة، لكن في عينه نار.
إسلام وقف على مسافة، متابع كل حركة من غير ما يتكلم.
هو حافظ كريم… عارف اللحظة اللي ممكن ينفجر فيها، وعارف إن الكلام دلوقتي هيوسع الشرخ مش هيصلحه.
حنين همست بصوت متردد:
– كريم… ليه عملت كده؟ ليه ساعدتهم؟
كريم لف وشه لها بسرعة… عينه ساطعة، مش غضب بس، كأن في جواه أسرار كتير أكبر من سؤاله.
بس ما اتكلمش.
فتح باب العربية بعنف، وقعد جوه من غير كلمة.
حنين فضلت واقفة قدام الفيلا، قلبها مليان حيرة وقلق.
&&&
في مكان تاني… جوه العربية اللي بتراقب.
مسك الموبايل بسرعة وكلم حد:
– باشا… في مشكلة كبيرة، لسه شايف رجالة كريم خطفوا تلت أشخاص… دلوقتي راكبين عربية سودا ومشوا بيهم.
الصوت على الناحية التانية جه حاسم:
– امشي وراهم فورًا… وابعتلي اللوكيشن أول ما يوقفوا.
=تمام.
حط الموبايل قدامه وفضل ماشي وراهم، عينه مش بتفارق نور الفرامل بتاعتهم في الشارع.
&&&&&&&
وصلوا قدام الفيلا.
العربية وقفت.
كريم نزل الأول، وشه متجمد، عينيه مش بتبين أي حاجة.
حنين نزلت وبتحاول تفتح كلام:
– كريم… أنا محتاجة أفهـ…
ماكملتش، تلفون كريم رن فجأة.
وقف في نص السلم، فتح الموبايل، رد بصوت واطي لكن نبرته حادة:
– أيوه… حاضر… خمس دقايق وهكون عندك.
قفل الموبايل بسرعة، لف لحنين وقال وهو بيحاول يخفي انفعاله:
– عندي مشوار مهم.
إسلام خطا خطوتين ناحيته، صوته هادي بس فيه قوة:
– أجي معاك.
كريم رفع عينه فيه نظرة مباشرة، قاطعة:
– لأ.
الكلمة نزلت زي السيف.
إسلام وقف ثابت، عارف إن الجدال مع كريم دلوقتي مش هيجيب نتيجة، لكن عينه فضلت معلقة بيه كأنه بيقرا ما وراه.
حنين اتلخبطت، بصت بينهم مش فاهمة حاجة:
– مشوار إيه؟ رايح فين دلوقتي؟
كريم ما ردش، مسك المفاتيح، ركب العربية وسابهم وراه وهو ماشي بسرعة.
حنين فضلت واقفة قدام الفيلا، قلبها مليان حيرة وقلق.
&&&&&
في شارع جانبي عند بيت حنين القديم.
الليل نازل، أنوار خافتة، وإلهام ماشية مع مي ومعتز.
وشوشهم لسه مش مصدقة اللي حصل جوا القسم.
إلهام بنبرة مشوشة:
– يعني إيه جوزها؟! من إمتى؟ وإزاي ما عرفناش؟ وليه طيب خرجنا، أنا مش فاهمة حاجة، ولا حتى هنروح فين دلوقتي.
مي ردت وهي متوترة:
– أكيد الموضوع فيه سر… هو مين أصلاً الراجل ده؟
معتز كان ماشي وهو بيعض على شفايفه، صوته حاد:
– أنا هعرف كل حاجة… حنين دي مش هتفضل بعيد عني كده.
فجأة… عربية سودة وقفت قدامهم بشكل مفاجئ.
الأبواب اتفتحت بسرعة.
رجالة لابسين أسود نزلوا، ما قالوش ولا كلمة.
واحد مسك مي من دراعها، التاني شد إلهام، التالت قبض على معتز.
الصوت اتملأ بالصراخ:
– سيبني! بتعملوا إيه!
– حرام عليكم!
– إنتو مين!!
الرجالة شدّوهم بقوة، رموهم جوا العربية زي شنط.
الأبواب اتقفلت، والعربية انطلقت بسرعة.
الصوت اتقطع فجأة.
على بعد كام متر… واحد من رجال المراقبة اللي بيتابعوا كريم كان قاعد في عربيته مستني رجوع كريم.
شاف كل اللي حصل.
في الأول افتكرها عصابة خطف عادية، لكن وهو بيركز في وشوش الرجالة… اتجمد.
ملامحهم مش غريبة… دول من رجال الأمن الخاص بتوع كريم.
عينيه اتسعت:
– يا نهار اسوووود…!
داس على البنزين، جري ورا العربية.
-&&&&
وصلوا قدام الفيلا.
العربية وقفت.
كريم نزل الأول، وشه متجمد، عينيه مش بتبين أي حاجة.
حنين نزلت وبتحاول تفتح كلام:
– كريم… أنا محتاجة أفهـ…
ماكملتش، تلفون كريم رن فجأة.
وقف في نص السلم، فتح الموبايل، رد بصوت واطي لكن نبرته حادة:
– أيوه… حاضر… خمس دقايق وهكون عندك.
قفل الموبايل بسرعة، لف لحنين وقال وهو بيحاول يخفي انفعاله:
– عندي مشوار مهم.
إسلام خطا خطوتين ناحيته، صوته هادي بس فيه قوة:
– أجي معاك.
كريم رفع عينه فيه نظرة مباشرة، قاطعة:
– لأ.
الكلمة نزلت زي السيف.
إسلام وقف ثابت، عارف إن الجدال مع كريم دلوقتي مش هيجيب نتيجة، لكن عينه فضلت معلقة بيه كأنه بيقرا ما وراه.
حنين اتلخبطت، بصت بينهم مش فاهمة حاجة:
– مشوار إيه؟ رايح فين دلوقتي؟
كريم ما ردش، مسك المفاتيح، ركب العربية وسابهم وراه وهو ماشي بسرعة.
حنين فضلت واقفة قدام الفيلا، قلبها مليان حيرة وقلق.
&&&&&
في مكان تاني… جوه العربية اللي بتراقب.
مسك الموبايل بسرعة وكلم حد:
– باشا… في مشكلة كبيرة، لسه شايف رجالة كريم خطفوا تلت أشخاص… دلوقتي راكبين عربية سودا ومشوا بيهم.
الصوت على الناحية التانية جه حاسم:
– امشي وراهم فورًا… وابعتلي اللوكيشن أول ما يوقفوا.
=تمام.
حط الموبايل قدامه وفضل ماشي وراهم، عينه مش بتفارق نور الفرامل بتاعتهم في الشارع.
رواية مأساة حنين الفصل العشرون 20 - بقلم ايه الفرجاني
العربية السودا الي فيها إلهام ومي ومعتز كانت ماشية بسرعة. صوت صراخهم بيخترق الشارع، لكن الزجاج المسود كان مغطي على أي محاولة استغاثة.
وراهم العربية ما زالت متبعاهم. السواق عينه عليهم، ماسك الموبايل في إيده بيهمس:
– دخلوا على الصحراوي… واضح إنهم رايحين مكان معين … هبعتلك اللوكيشن دلوقتي.
العربية دخلت من بوابة كبيرة لمصنع تابع لكريم. سور عالي وبوابة حديد بتتفتح بالكارت. الراجل ركن بعيد، ونزل بهدوء وقف قريب من البوابه.
جوه، أول ما نزلوا من العربية، مي كانت بتعيط وتصرخ:
– سيبونييي… انتوا مين؟! عاوزين مننا أي حرام عليكم؟!
واحد من الرجالة جذبها بعنف، وقعها على الأرض.
إلهام صوتها مبحوح وهي بتعيط:
– بالله عليكم… إحنا منعرفكمش ومعملناش حاجه، سيبونا نروح…!
رد عليها واحد من الرجالة بنبرة باردة:
– اسكتي أحسنلك، محدش هيعملكوا حاجه لو ما عملتوش دوشة.
أما معتز، كان بيحاول يفلت منهم. جاله واحد من ورا وضربه ببوكس في ضهره، وقع على ركبته وهو بيتنفس بصعوبة.
صوت حديد بيتسحب على الأرض كان مرعب. بيجهزوا كراسي حديد، وقعدوهم عليها وربطوا إيديهم ورجليهم كويس.
الإضاءة في المصنع كانت خافتة، لمبات نيون متقطعة، وصوت المراوح القديمة بيزود رهبة المكان.
مي كانت بتشهق من العياط:
– إحنا عملنالكم إيه؟! ليه بتعملوا فينا كده؟!
واحد من الرجالة ضحك بخبث وهو بيقرب منها:
– هتعرفوا كل حاجه في وقتها… دلوقتي اسكتوا.
إلهام عينيها كانت بتلف في المكان:
– حنين هي… ورا الموضوع ده صح؟
معتز عض شفايفه بعصبية، حاول يصرخ:
– سيبونييي… والله ما هسكتلكوا! انتوا فاكرين نفسكم مين...
اترد عليه بضربة على وشه خلت الدم ينزل من شفايفه.
راجل من اللي واقفين قدامه قال بحده:
كلمه كمان وهعمل وشك شوارع.
الراجل اللي بيراقب من بعيد، كان دخل وواقف عند فتحه صغيره. فتح الموبايل، صور المشهد بسرعة وبعت الفيديو لصاحبه وقال:
– الموضوع كبر أوي… الناس دول بتوع كريم فعلًا... وشكل في حاجة بينهم.
الصوت علي الموبايل جاله بأمر:
راقبهم كويس اكيد كريم هيظهر دلوقتي صوري كل حاجه انا بعتلك رجاله لو احتجتهم خمس دقايق هيكونوا عندك.
– متقلقيش ي باشا احسن فلم حصري هيتسجل.
بعد دقايق كان وصل عربيتن ووقفوا قدام البوابه بيهموا الدخول. فجأة ظهر نور عربيه.
واحد منهم قال:
ارجعوا ورا المخزن بسرعه … شكل دا كريم!
العربية وقفت. كريم نزل، البدلة الغامقة عليه مخلّياه يبان كأنه داخل اجتماع مش مكان خطف. رجالته اتعدلوا أول ما شافوه، وفتحوله الطريق لحد ما وقف قدام الثلاثة المربوطين على الكراسي قدامه.
إلهام أول ما شافته شهقت:
=… إنت!! إزاي تعمل فينا كده؟ بأي حق؟
مي عينيها مليانة خوف، بس بتحاول تفهم:
إحنا عملنالك أي؟!
أما معتز، كان بيعض شفايفه، عينه مولعة:
– آه… دلوقتي فهمت! أنت جوزها…
ضحك بسخرية:
– وعامل فيها راجل؟ فاكرها كده هتحبك؟
حنين بتحبني لسه لو مكنتش بتحبني مكنتش سحبت القضيه وتنازلت عنها.
كريم ما اتحركش. بص له جامد وسكت. قعد على الكرسي المقابل ليهم، سكت شوية وبعدين قال:
= ليه؟
الجملة نزلت عليهم زي الصاعقة مش فاهمين قاصده أي.
إلهام اتلخبطت:
– ليه إيه؟!
مي بصوت واطي:
– مش فاهمين قصدك.
كريم مال بجسمه لقدام، عينه ثابتة عليهم:
– ليه عملتوا كل ده معاها؟ ليه خليتوا حياتها جحيم؟ ليه خلتوها تضطر انها تسيب بيتها … عشان في الآخر تقع في طريقي أنا؟
معتز بتساؤل واستغراب:
امم وقعت في طريقك ازاي؟ اوعى تقول انك كمان حبتها.
ضحك ضحكه باهته وقال:
هيا صراحه تتحب مش هلومك. طول عمري وانا نفسي اقرب ليها بس كانت دايما بتبعد.
ضحك بخبث، عينينه كلها تحدي:
– بس بقى… انت فاكر نفسك أحسن مني؟ فاكر عشان هي دلوقتي تحت اسمك خلاص بقيت بتاعتك؟
بص لمي وإلهام بسخرية:
– دي حتى لو معاك دلوقتي… بس من جواها لسه بتحبني أنا، وانت شفت بنفسك.
مي شهقت بخوف:
– معتز اسكت..! هتولعها أكتر انت مش شايف شكله.
إلهام بصوت مرتجف:
– أنت مجنون؟ عاوز تموتنا؟!
لكن معتز مصرّ، بص في عين كريم وضحك:
– ولا يمكن… عشان كده خطفتنا؟! عشان خايف حنين تفضل شايلة صورتي جواها؟!
قرب بوجهه لقدام وقال بنبرة متحدية:
– على فكرة… لو شوفتها لما كانت في القسم وهي بتبصلي كنت هتتأكد انها لسه بتحبني.
كريم أول ما سمع الجملة دي وشه اتبدل. ملامحه تصلبت، عنيه بتطلع غضب، صوته طلع منخفض بس مرعب:
– آخر مرة… تقول اسمها بالطريقة دي انت فاهم؟
معتز ابتسم ابتسامة تحدي:
– ليه؟ هتعمل إيه يعني؟
اللحظة دي كريم فقد السيطرة. وقف فجأة، الكرسي اللي وراه وقع على الأرض من سرعته، خطى خطوتين سريعتين وضرب معتز بقبضة قوية على وشه. صوت الضربة دوّى في المكان، الدم نزل من فم معتز على طول.
مي صرخت:
– كفااااااية! بالله عليكم هيموت.
إلهام حاولت تتحرك من القيود وهي بتبكي:
– حرام عليك … هتقتله!
لكن كريم مسك معتز من قميصه، رفعه جزئياً من على الكرسي، ووشه قريب جداً منه، صوته كله غضب وانفعال:
– اسمعني كويس… حنين ليّ أنا وبس! ولو سمعت اسمها جه علي لسانك … هخليك تترحم على اليوم اللي اتولدت فيه فااااااهم؟
معتز رغم الدم اللي بينزل من شفايفه… ضحك بخفوت وقال بصوت متقطع:
– شكلك… شكلك وقعت بجد…
كريم وقتها سابه يقع بالكرسي، ولف ضهره وهو بيحاول يسيطر على غضبه، لكن رجليه بتخبط في الأرض وهو ماشي من كتر الغضب اللي جواه. مش عاوز يتهور دلوقتي، كل حاجه ليها وقتها.
رجالته واقفين متجمدين من رهبة الموقف، واللي كان بيراقب من بعيد صور المشهد كله… ولسه مش فاهم سر الغليان ده غير إنه بقى متأكد إن كريم اتحول من "رجل أعمال" لواحد فاقد السيطرة علي اعصابه بسبب الشاب ده.
كريم وهو خارج لف لرجالته:
– أنا خارج.
أشار على معتز بإيده:
– وصّوا عليه كويس عاوزه يطلع من هنا ملهوش ملامح بس ميموتش.
رجاله أومأوا برؤوسهم باحترام. وهو ماشي، صوته جه واضح وصارم:
– الشحنات اللي داخلة وخارجة من هنا لازم تفضل في أمان… مش عايز أي حد يعرف إن فيه بشر محبوسين جوه. اللي يقصّر… مصيره معروف.
خرج من القاعة بخطوات تقيلة والبوابة المعدنية اتقفلت بعده بصوت عالي رجّ القاعة كله.
رجالة الشخص المجهول اللي بيراقبوا اتبادلوا نظرات صامتة.
واحد فيهم قال بقلق:
– الراجل ده… بيتعامل كأنه عنده دولة جوه المصنع.
القائد ضغط على سنانه:
– نفضل نراقب… لحد ما نفهم هو رايح فين بالظبط. بس واضح إن هدفنا أغلى من اللي افتكرناه.
الباشا هيفرح قوي بدول بس دلوقتي لازم نمشي من هنا. انا هرجع اراقب كريم وانتوا ارجعوا انتشروا تاني. لازم نحاول نلاقي اي حاجه نضغط بيها عليه. الشحنات قربت توصل.
بصلوا كلهم وكل واحد مشي في اتجاه بدون ما حد يحس بيهم.
كريم ركب العربيه. إيده مسكت الدركسيون بقوة، أنفاسه بقت تقيلة، صوته واطي وكأنه بيكلم نفسه:
– إزاي أنا وصلت لكده؟ طول عمري كنت مستهتر. ويوم ما احب....احب البنت الي دبحتها بايدي.
ضحك علي نفسه بسخريه.
:بعاقب معتز واهله وانا كمان مفرقش عنهم حاجه.
اسلام عنده حق انا مستهلش حنين. انا عارف انو عمل كده عشان محمد وميفرقناش عنه بس...
غمض عينه لحظة… شريط ذكريات رجع يلف قدامه:
ضحكة حنين… خوفها أول مرة قرب منها… نظرتها المكسورة في القسم.
فتح عينه بسرعة وضرب إيده في الطارة بعنف:
– سامحني يارب … عمري ما كنت كده! انا بقيت ضعيف.
صوته كان كله غضب وحزن مزيج بوجع.
– عمري ما مدّيت إيدي على ست… ولا خوّفت واحدة مني …بس لما الشيطان رمى قدامي الطريق ده… ووقتها كنت أعمى مشفتش انا بعمل اي او عملت اي.
كمل في نفسه وهو بيهمس:
– سامحيني يا حنين… انا عارف اني مستهلش ده.
عربيته كملت في الطريق… واللي بيراقبه وراه لاحظ إن كريم مش واخد باله منه فكمل عادي. فضّل يلف في الشوارع لفترة طويلة، كل لفّة كأنها محاولة يهدّي النار اللي جواه، بس عقله ماكانش سايب له فرصة.
بعد وقت رجّع بعربيته على البيت بتاعه، دخل الجراج. وهو بيقفّل باب العربية… تليفونه رن. بص على الشاشه اسم ورقم هو عارفه كويس… حد ماكانش متوقع يكلمه دلوقتي.
بص للتليفون فترة، أنفاسه تقلّت… وبعدين رفض المكالمة.
ثواني بعدها… نغمة رسالة وصلت. فتحها… عينه اتسعت وصدره اتقبض. صور وفيديوهات متصورة من المصنع… هو بنفسه قاعد في المصنع قدام معتز ومي وإلهام وهما مربوطين. كل تفصيلة باينة: نظراته، كلامه، حتى الضربة اللي اداها لمعتز.
كريم وقف مكانه… الدم اتجمّد في عروقه. تمتم بصوت واطي:
– مستحيل… وصلوا هناك ازاي؟
رفع عينه وبص حواليه بحذر. طلع بسرعة بره البيت لحد البوابة… هناك شاف عربية سودا واقفة، منورة نور خفيف ومفيش حركة واضحه. وقف مكانه ثواني، وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة باهتة… كأن قلبه بيشكره على حاجة واحدة بس:
– الحمد لله… إني ما رجعتش على الفيلا اللي فيها حنين ومحمد.
رجع جوه البيت بخطوات سريعة… دماغه شغالة بألف سؤال: مين ده وعاوز منه إيه؟ وليه دلوقتي بالذات؟
قبل ما يدخل البيت، رن الموبايل تاني. نفس الرقم. كريم وقف لحظة، وبعدين رد بنبرة متحفزة:
– انت مين وعاوز اي ؟
صوت خشن وهادي طلع من السماعة:
– مش مهم مين… المهم إن الصور والفيديو اللي اتبعتوا ليك مش آخر حاجة عندنا. معتز وأمه وأخته لسه في المصنع، وإحنا اللي في إيدينا نقرر يخرجوا إزاي… أو يفضلوا زي ما هما. ولو خرجوا التهديد واضح في الفديو منك ومحدش عارف لو خرجوا هيحصل لهم اي فكر كده.
كريم اخد نفس قوي. إيده مسكت الموبايل بقوة:
– لو فكرتوا تقربوا مني أو حد يخصني… هتدفعوا التمن غالي.
الراجل ضحك ضحكة صغيرة باردة:
– هو ده اللي إحنا بنتكلم فيه يا أستاذ كريم. شكلك فاهم بس الموضوع ببساطة… هتدخل البضاعة بتاعتنا جوه شحناتك الجاية، وتخرجها على إنها بتاعتك. أنت ليك سكة مفتوحة والكل بيحترمك… والموضوع هيعدي من غير ما حد يشك.
كريم عينه ولعت غضب:
– إنت بتكلم مين؟! أنا عمري ما دخلت الوس*اخة دي في شغلي… ومن المستحيل أعمل كده دلوقتي.
الصوت بقى أهدى بس فيه تهديد واضح:
– يبقى استعد تشوف ابنك او مراتك قدامك… وهما بيدفعوا تمن عنادك.
كريم اتشد أكتر، صوته ارتفع:
– أقسم بالله لو لمستوا شعرة منهم… هولع الدنيا عليكم.
الصوت قفل بضحكة باردة، والمكالمة انتهت.
كريم وقف مكانه… وشه كله نار، صدره بيعلو ويهبط بسرعة. لأول مرة من سنين يحس إنه محاصر… مش قادر ياخد خطوة لقدام أو ورا.
حنين قاعدة في الاوضه رجليها مش ثابتة… كل شوية تقوم وتلف وترجع تقعد تاني. عينيها معلقة بالباب، والتوتر باين عليها. بصت في الساعة… عقاربها دخلت على ٣ الفجر.
قامت بسرعة على أوضة إسلام، خبطت الأول بخفة، وبعدين فتحت الباب:
– إسلام… انت صاحي؟
إسلام فتح عينه، اتعدل قاعد على السرير وهو بيبص ليها بتركيز:
– في إيه تعالي؟
حنين دخلت وهي مش قادرة تخفي قلقها:
– كريم لسه مرجعش… مش عارفة راح فين.
إسلام على طول بص للساعة، وشه اتغير:
– تلاتة الفجر؟!
مد إيده بسرعة للفون واتصل بكريم. الخط رن مرتين… وبعدين فتح. كان صوت غريب، حاد، أول ما اتفتح الخط:
– انت فين ي زفت؟!
كريم شبك حواجبه، وقال بنوم:
– إيه؟! مين بيتكلم؟
بعد لحظة فاق واكمل:
– آه… أنا… رجعت البيت.
إسلام شد نفسه، صوته حاد:
– إنت بتهزر ولا إيه؟ عارف الساعة كام؟ مراتك مش عارفة تنام من القلق! وانت نايم ولا على بالك.
كريم فتح عينه مرة واحدة، اتصدم… نسي إنه ما قالش لحنين إنه مش راجع الفيلا. صوته اتلخبط:
– أنا… نسيت أقولكم…
إسلام اتنرفز جدًا، مد الموبايل لحنين بعصبية:
– خدي كلميه بنفسك… يمكن ترتاحي!
حنين خدت الموبايل بإيد مرتعشة، مستغربة انو ادها الفون.
– ألو… كريم؟
كريم على الناحية التانية اتجمد مكانه:
– حنين… إنتي؟!
حنين بصوت كله قلق:
– إنت فين يا كريم؟ ليه ما رجعتش؟
كريم قفل عينه لحظة، اتنهد وهو مش عارف يرد. أخد نفس عميق وهو ماسك الموبايل، صوته طلع هادي لكن فيه ارتباك:
– معلش يا حنين… كان عندي مشوار مهم جدًا وماقدرتش أسيبه والله نسيت أقولكم بس رجعت على بيتنا… إنتي نامي دلوقتي، وبكره الصبح هكون عندك.
حنين سكتت ثواني، بتسمع أنفاسه المتقطعة في السماعة. قلبها بدأ يهدى، وصوتها بقى أهدى:
– طيب… ماشي المهم إنك بخير.
كريم ابتسم ابتسامة صغيرة، رغم التعب اللي في صوته:
– بخير… متقلقيش عليا، نامي إنتي وارتاحي.
حنين ابتسمت بخجل وهي بتحاول تخفي دمعة نزلت:
– حاضر… تصبح على خير.
– وإنتي من أهله يا حنين.
قفلوا الخط. حنين فضلت ماسكة الموبايل في إيدها شوية. عينيها معلقة بالشاشة، ابتسامة صغيرة طلعت رغم القلق اللي لسه جواها.
إسلام كان قاعد إيده متشابكة على صدره، عيناه فيها توتر مكبوت.
– اطمنتِ؟
حنين اتنهدت بكسوف:
– آه… قال إنه كان عنده مشوار مهم ورجع بيتنا.
قصدي يعني بيته. الصبح هيكون هنا.
إسلام ما علّقش… بس عينه ضاقت، كأنه مش مقتنع. فرد جسمه علي السرير تاني:
– نامي إنتي دلوقتي… وبكره نشوف.
حنين هزت راسها ومشيت بهدوء، بس وهي خارجة لمحت في عينه حاجة غريبة… قلق أكتر من اللازم.