كانت تجلس حزينة تنتظر اتصالاً من خطيبها، ولكن دون جدوى. تتذكر كيف تبدل حالها تماماً في غضون أيام. بطلتنا، ذات الثانية والعشرين، فتاة رقيقة وراقية من أسرة مكافحة. كان والدها، بعد وفاة والدتها، قد كرس كل أيامه للعمل وتربيتها، وظل يكافح ويصعد بكفاحه. كانوا يسكنون في بيت شعبي بسيط، ولكن الله فتح عليهم. بمساعدة أخيه، افتتحوا شركة استيراد وأصبح الأخان شريكين في الشركة، وانتقلا إلى بيت كبير. كانت حياة جميلة وتسير بسلاسة، ليتقدم لها ابن عمها الكبير ويخطبها، فتتم السعادة على تلك العائلة.
ولكن الدنيا لا تسير أبداً كما نريد. فربما يأتي شر نكرهه وهو خير لنا. في أحد الأيام، حدث حادث مروع فقدت فيه الأسرة الأخين، رفيقا الكفاح. ليبقَ من العائلة الابنة وابن الأخ. والأخ الآخر بقي له الابن وشابان صغيران لم يتخطا سن الصغر. لتنقلب الدنيا تماماً.
تقلد الابن، ويدعي حسام، إدارة الشركة والمحلات بالكامل. لينشغل بالمحل الذي يفتتحه ويبدأ في حياة خاصة به. إلا أن جميلتنا ماسة كانت تعاني من الوحدة، فهو لم يعد يكلمها ولا يتصل ولا يرد على مكالماتها. نزلت إلى زوجة عمها. "ازيك يا طنط، كنت عايزة أتكلم معاكي." هتفت صفاء: "خير يا ماسة، قولي." هتفت ماسة: "حسام يا طنط ما عادش بيكلمني خالص، هو أنا زعلته في حاجة؟ ما عادش إلا هو ليا دلوقتي." تنهدت السيدة، فهي تحس أن ابنها تغير.
هتفت: "إيه يا ماسة، مش بيشتغل؟ ما تبقيش لحوحة الله." حزنت ماسة وهتفت: "يا مرات عمي، ده أنا بقالي أسبوع ماشفتوش." هتفت صفاء بتأفف: "بقولك إيه، بطلي دلع بنات الله، أنا مش فاضية لوجع الدماغ ده." وقامت وتركتها تجلس حزينة. لتقوم وتصعد حجرتها، فزوجة عمها تعاملها معاملة سيئة. فقررت أن تبقى بمفردها ولا تنزل لهم، وأن تذهب إلى المحل لتراه. كان حسام يقف ومعه إحدى الفتيات. "إيه يا حس، هنسهر فين النهارده؟
ضحك: "إيه وحشتك يا مز انت؟ هتفت: "آه طبعاً، بتوحشني على طول، ها هتسهرني فين؟ هتف: "هنروح شقة الزمالك، هادية ومستخبية." ضحكت: "آه، إنت هتتشاقى بقى." اقترب منها يداعب جسدها. "وماله ما كله بحسابه يا مزتي." لتضحك الفتاة: "الله، أوعى مش خايف من خطيبتك؟ هتف: "يادي السيرة الهباب، أعوذ بالله." ولكنه وجد ماسة تدخل، قطب جبينه. هتف متأففاً: "يا ربي عالخنقة، جبت يا أختي السيرة الجاز." دخلت ولاحظت قربه من الفتاة.
هتفت: "حسام، ممكن نتكلم." اقترب وهتف بغضب: "إنت إيه اللي جابك هنا؟ مش مكان شغل ده." هتفت: "إيه يا حسام، بلاش أشوفك. طب حتى ده شغلي برضه، مش ليا فيه." بهت وشعر بالغضب، وسرها في نفسه، فهي أول مرة تتحدث عن أملاكها. ابتسم ابتسامة صفراء. "آه، طبها ليكي، أمال؟ بس جاية ليه؟ تنهدت: "حد يقول لخطيبته جاية ليه؟ مسكت يده: "مالك يا حبيبي، اتغيرت ليه، فيك إيه؟
هتف: "يادي المصيبة، نغمة كل مرة، ماسة، أنا مش ناقص خنقة، وطريقتك دي مش كويسة." هتفت: "طريقة إيه؟ أنا مابشوفكش، حسام، ما عادش ليا حد." انفعل: "تقومي تخنقيني، الله، إيه ده." تنهدت: "طب ما تزعلش، خلاص، ممكن نروح نتغدى في أي مكان، محتاجك أوي والله." هتف: "ماسة، إنت واحدة فاضية، ما وراكيش هم، ما يتلم، روحي، ولما أجي بالليل نتكلم." "حسام، أنا... هتف منفعلًا: "لأ بقى، إنت لازم تتعدلي، مش هصبر كده كتير، يلا، مش فاضيلك."
خرجت وهي تنتحب. كيف تغير عليها هكذا؟ ظلت تسير بقهر. "ليه يا ربي، ده كان حنين، إيه اللي جراله؟ ليه يعمل كده؟ ده أنا ما عادليش حد." جلست على إحدى الأرائك تنتحب، لتحس بيد حانية عليها. رفعت عينيها لتجد رجلاً عجوزاً ينظر إليها مبتسماً. هتف: "ممكن أقعد؟ مسحت دموعها وهتفت: "اتفضل." قال: "بتعيطي ليه؟ حد قمر كده يعيط، وعيونك القمر دي ينفع؟ تنهدت: "بعيط من غلبي." هتف: "ليه بس؟ مش فيه ربنا موجود؟
هتفت: "ونعم بالله، بس أنا تعبانة، لوحدي، ماليش حد." ربت الرجل على كتفها: "طب ينفع أبقى معاك؟ أنا صحيح عجوز، بس أهه." نظرت إليه بحنان: "إنت طيب قوي." ابتسم: "أنا ممكن تناديني عمك جلال. بصي، أنا قاعد في المستشفى اللي قدامك دي، وده رقم الغرفة. لو عاوزة أي حاجة، أنا موجود. أنا بنزل هنا كل يوم ساعة، أفك عن نفسي من ورا الناس اللي قافشين في رقبتي." ابتسمت له.
ليخرج ورقة ويهتف: "خدي، اكتبي رقم تليفوني أهه، وكلميني، أنا كمان ماليش حد." ابتسمت له وهتفت: "إيه بجد، مالكش حد زيي؟ ضحك: "أيوه، أهو بقينا مع بعض، نطمن على بعض." رفع يدها: "ده إنت مخطوبة، إنت هتتنصبي، أمال مالكش حد إزاي؟ نزلت دموعها. فهتف: "إيه مزعلك؟ تنهدت: "مزعلني... الدنيا كلها مزعلاني." ربت على كتفها: "طب ينفع تحكيلي؟ تنهدت ونظرت إليه بغلب. هتف: "طب بس جربي." تنهدت وانخرطت تحكيله.
نظر إليها نظرة حزن وهتف: "إنت متأكدة إنه بيحبك؟ هتفت ببراءة: "آه طبعاً، من زمان، أمال هيخطبني ليه؟ وكان كويس، ماعرفش بعد موت بابا وعمي إيه اللي جرا." هتف: "طب وورثك فين؟ نظرت إليه باستغراب: "ورثي؟ هتف: "أيوه، ما تعرفيش عنه حاجة؟ هتفت: "لأ، مابأسألش في كده." هتف: "لأ يا حبيبتي، لازم تسألي وتخافي على حاجتك." ظلت تفكر: "ما حسام بيدير كل حاجة." تنهد: "حتى لو كده، لازم كل حاجة تبقى مكتوبة، مش سايباها." هتفت: "طيب، هقوله."
هتف: "طب أقوم بقى، وأي حاجة كلميني في التليفون، هستناكي تكلميني كل يوم، عمك غلبان." ابتسمت وهتفت: "متشكره يا عم جلال، إنت حد طيب قوي، أوعدك هكلمك." ليقوم ويتركها. وتذهب إلى بيتها تنتظر حسام لتسأل عن أملاكها. في مكان آخر، في إحدى البنايات العالية. كان يجلس في أحد المكاتب الكبرى. دخل عليه زوج عمته يهتف: "إيه يا سي أركان، هو إنت ماشي بدماغك على طول؟ مش معاك ناس في المجموعة؟ هتف: "خير يا جوز عمتي، داخل عليا بزعابيبك."
هتف محمود: "هيا الأسهم لما تعلى من غير ما أعرف وتعلي السعر، مش تاخد رأينا؟ هتف: "والله أنا رئيس مجلس الإدارة، مكان جدي، يبقى إيه مشكلتك؟ صرخ محمود: "فيه إن فيه ناس كبيرة عنك وتفهم عنك، ولازم تاخد رأيهم. مش معنى إن جدك حطك هنا، يبقى تطيح وتلم الجمل بما حمل." هب أركان: "لأ، تاخد بالك من كلامك، مش أركان اللي يتقاله كده. أنا محطوط في مكاني لأني استحقه."
هتف محمود: "تستحقه، آه، ما إنت ضاحك على جدك ومسنده، وقاشش الجمل بما حمل عشان إنت ابن ابنه البكري. إنما البنتين يولعوا، ياكلوا طين، يقولوا حاضر وطيب." هتف أركان بغضب: "أنا مش فاهم، إنت بتتدخل ليه؟ أنا هنا اللي أقول، والباقي ينفذ." صرخ محمود: "أنا بحافظ على فلوس مراتي." صرخ أركان: "وحد قالي إنك حرامي؟
بكبش منكم وأعبّي. من ساعة ما جدي تعب وأنا شايل المجموعة وبرفع فيها، وإنتوا بتهدوا، إنت وعمي سالم، متفقين تخربوها. أنا مش عارف ألاحقها منين." دخل سالم: "بتجيب سيرتي ليه يا ابن السويفي؟ كنت جيت جنبك." هتف: "حمد الله عالسلامة، توك ما شرفت. أهلاً يا سالم باشا، لأ بس أصل اصطباحة عم محمود كانت بدري، مالناش حق نزعلك." هتف محمود: "آه، اقلبها تريقة، وماهناخدش لا حق ولا باطل." هتف أركان: "حق إيه وزفت إيه؟ إنتوا فيه إيه؟
المجموعة من نجاح لنجاح على إيدي، وإنتوا القهرة مكلبشة في صدوركم ليه؟ بدل ما تقفوا جنبي." هتف محمود: "آه، بدماغك، ولا كاننا موجودين. وجدك حط رقبتينا تحت درسك، بس يكون في معلومك، أنا وسالم لينا حق، وحق أكبر من حقك، يبقى تخلي بالك بقى، عشان احنا عضمنا أزرق، فاهم؟ تركه يقف غاضباً. ظل سالم واقفاً. هتف أركان: "إيه، مش هتلحقه؟ روح، روح كملوا خطط." ليستدير سالم، فهو يسير وراء محمود بشكل مغيب، يأخذ من شره وتسلطه.
جلس أركان، دخل عليه ابن خالته وصديقه ليهتف: "إيه صوتكم جايب آخر المجموعة؟ هما ما بيزهقوش؟ رمى أركان أحد الملفات بعنف: "يا راجل، أنا قرفت، هم مصاعير دا إيه الهم ده؟ كل واحد عايز يتحكم وينتش من ناحية، أعوذ بالله." هتف وليد: "ما هما برضه اتعلموا عليهم صح. إنت واخد نص المجموعة من نن عينهم، ولسه جدك ناوي يتنازل عن حصته ليك، ودي اللي هتقهرهم. بيلفوا وراك زي الدبور، بس جدك راجل حويط، مش مريحهم." هتف: "هو يعني بيعمل كده ليه؟
مش عشان يحافظ عالمجموعة. أنا عارف محمود بيحرب، عايز يفشكلها وينفصل ويوزع وياخد نصيبه. وجدي عارف كده، عشان كده قالهم هديكو فلوس. ومن ساعتها الغل راكبهم، لأ، مش عايزين فلوس، عايزين المجموعة. وعماتي ماشيين وراه شورابه. خرج، وأنا تعبت." هتف وليد: "الله يكون في عونك. أنا مش عارف مامتك مستحملاهم إزاي؟ لاء، والخيبة واخدينها في صفهم، وجدك مسيطر عليك." هتف: "ربنا يهديها، أهي أكتر حد تاعبني، ما بتسكتش."
هتف: "آه، عايزة اتجوز بنت عمتك ساندي، بس هو عموماً بت حلوة، ما تتعايبش." نظر إليه أركان غاضباً. ضحك: "إيه يا عدو الفرحة إنت يا واد؟ ملعوب في أساسك؟ ما بتحنش لصنف النسوان؟ دانت عيل بومة." نظر إليه ساخراً: "أحن؟ أعوذ بالله. دول عقارب أهو، أنا قاعد في وسطهم، حاجة تحزن." "جوز عقارب تمام، وواخدين أمي معاهم، ومخلفين حاجة كده تجيب غثيان من المياعة وقلة الأدب." هتف وليد: "آه، هما مدلعين صحيح، بس هتعمل إيه؟
لازم يجيلك يوم وتتجوز." هتف أركان: "يبقى يوم أسود، اسكت، اسكت، ما تفكرنيش بالارف." اقترب وليد: "يا أركان، إنت بتكبر وشارد لوحدك، عايز قلب حنين، ماحدش بيعيش كده. البيت صعب عندكوا فيه غيلان." هتف: "ولما كان عندي القلب الحنين، إيه اللي حصل؟ هاه؟ قول." هتف وليد: "مش كل البنات لميس يا أركان." هتف أركان بغل: "لأ يا راجل، عايزني أرجع أبقى أهبل وطيب زي زمان، واتجاب واتاخد من واحدة."
هتف وليد: "إنت اللي سبت نفسك ليها، واتساقت وياها." صرخ: "عشان حبيتها وخلعت قلبي، إنت لو تعرف أنا بكرهها قد إيه، لو تعرف هيا عملت فيا إيه." تنهد وليد: "آه، عملت منها لله." هتف أركان: "عايز تقولي أكون ليا قلب حنين منين؟ أجيبه منين؟
ماهي نتشت قلبي ودعسته برجليها. حبيتها سنين، والهانم واخداني كوبري وقنطرة، تكبر على قفايا، وأنا أقف جنبها وأعلي وأكبر، وماشي زي الأَهبل، وآخرتها أشوف دعوة فرحها قدام عيني، حرقتلي قلبي من غير ما أعملها حاجة. ودلوقتي لما بقيت أركان السويفي، جاية تلف وتقولي غصبو عليها؟ زمان لما فردت، شافت وعايزة تكبش حاجة؟ تقرف. تقولي حب؟ مفيش حب. عندك سيلين، عايزة مني إيه؟
عايزة تبقي هانم وعايزة فلوسي ونفوذي. بت مايعة، لو حد شاورلها بقرش، تروح. اسكت، والنبي، دول كلاب فلوس، ترميلهم يجرو وراك." تنهد وليد، فأركان مطعون في قلبه منذ سنين، ولا ينسى أبداً. هتف: "ماشي يا أركان، مانت برضه ممشيها، مربيها، وراشقها جنبك، مفضيلك نفسها، بتلف وراك، مصاحبها، طب ليه؟ هتف: "عشان تفضل ورايا العمر كله، عشان تعيش عمرها مكرسة لي نفسها، بس ما تطولنيش، على أمل بس إني أكون ليها، وأنا قرفان منها."
هتف وليد: "إنت كده موقف حياتك، وآخرك سهراتك وبس. تقعد مع دي ودي، وترمي دي. يابني، إنت بتعمل ليه؟ بتعلق الناس فيك." هتف: "لأ يا وليد، أنا عمري ما عشمّت واحدة. آه، بقل أدبي وأهيص، مانا راجل برضه وليا طلبات، إنما أعشم حد؟ لأ، كلهم بيجوا بالفلوس، وينصرف عليهم، ولما أزهق أرميهم، وبيبقوا مبسوطين. آخرهم كده، كلاب فلوس وبس. مافيش واحدة نضيفة." تنهد وليد، فأركان لم يعد له قلب بعد أن كان يشع حناناً ومحبة لمن حوله.
كانت ماسة تنتظر حسام. دخل هو في وقت متأخر، وجدها تجلس تنتظره. تافف وهتف: "ماسة، إنت فاضية وما وراكيش غيري، ما فكك مني شوية بقى." تنهدت وهتفت: "ماشي يا حسام، بس كنت عايزة أسألك عن حاجة." هتف: "اتفضلي، أشجيني." هتفت: "كنت عايزة أطمئن على ورثي." تسمر مكانه، وأحس أن الشياطين دخلت جسده، ليستدير غاضباً و... "يا سوادك يا حزينة. أول حربوء في الرواية، والحق يتقال، مليانة حرابيق. خاف يا عيد."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!