يشعر وليد بالغضب الشديد من شيماء ومن إسلام وتهوره. يتجه إلى إسلام وهل عليه مكتبه بدون استئذان ويكيل له اللكمات. إسلام وهو يمسح الدماء التي سالت من جانب فمه: أنت اتجننت. إيه اللي بتعمله ده؟ وليد بغضب عارم وبحدة: لأنك غبي. ظلمت أشرف إنسانة في الدنيا ومصدقتش كلامي أنا والحاج. سيلا أشرف واحدة في الدنيا، وأنت أغبى إنسان. إسلام مذهولاً، مصدوماً: يعني إيه مظلومة. انطق بسرعة وقولي.
يخرج وليد هاتفه ويسمعه الحديث بينه وبين شيماء. تتسع عينا إسلام من شدة الصدمة ويردد: يا دي المصيبة. يا دي المصيبة، إيه اللي أنا عملته ده؟ أعمل إيه؟ قول لي أعمل إيه دلوقتي؟ وليد وقد رفق عليه من حاله: دا مش عايزة كلام. تروح لسيلا وتصالحه وتبوس رجليها قبل إيديها كمان. إسلام وهو ينهض بسرعة: أختي حسابها معايا بعدين. وليد وهو يمسك ذراعه بقوة:
أختي ست بتغير على جوزها، أنانية آه، ما أهملك آه، بس في النهاية وانت بتحاسبها لازم تحط في اعتبارك إنها أم ولادك. إسلام يغضب وهو يلتفت له كلياً: دي خربت بيتي. هدمت حياتي. خلتني أشك وأطلق الإنسانة اللي بعشقها. أنت فاعل أنا كسرتها قد إيه وكسرت نفسي معاها. وليد منهياً الحديث: شوف سيلا الأول وبعدين شوف شيماء. يلا مستني إيه. إسلام يحدث الحاج رشدي وهو متوجه إلى سيارته ويخبره بكل شيء عن براءة سيلا. الحاج رشدي:
شفت. مش قلت لك دي أكيد مظلومة، وإن سيلا متعملش كدا أبداً. روح صالحها بقى وشوف ابنك. إسلام بدهشة وهو يقف عن السير: ابني! الحاج رشدي: أيوه سيلا حامل ومردتش تخليني أقول لك.
يتجه إسلام بسرعة إلى عمل سيلا في المستشفى وهو يسير يأكل الطريق بسيارته. لا يعرف ماذا سيقول لها أو كيف سيعتذر لها، وهل ستقبل أن ترفض. كل ما كان يعلمه أنها بريئة، أنها لم تخنه. يعلم أن لديها كل الحق في الثأر لنفسها منه وأنه على أتم الاستعداد بإعطائها ثأرها وحقها وردًا لكرامتها منه بالطريقة التي تريدها. تتردد كلمة ابنه في ذهنه. يضحك كثيرا ويبكي أيضاً كثيرا. مشاعر مضطربة. فرح بأن هناك رابط بينهما، دليلًا على عشقه لها،
قطعة منه في داخلها، تجمعهما معاً إلى آخر العمر. وحزن وبكى لأنه لم يكن معها منذ اللحظات الأولى. كان يريد أن يشاهدها ويتابع نموه. يمسح عينيه من الدموع وهو يسب نفسه غاضباً من خاله ومن غضبه ومن تهوره. ندم. نعم. ولكنه على أتم الاستعداد لترضيتها، وأخذ يقسم بينه وبين نفسه أن لن يخزلها أبداً، ولن ترى منه إلا السعادة فقط.
يصل إسلام إلى المستشفى ويجد سيلا تخرج منها وهي تستند على أحمد في ألم وتركب معه سيارته. يخطف قلبه من منظر سيلا وهي ضعيفة هكذا ولا تجد غير أحمد من يقف معها وهو... ليس له وجود. بسرعة تابعهما إسلام حتى وجداهما يركنان العربة أمام مستشفى أخرى ويدخلانها. يترك إسلام سيارته بسرعة ويذهب إليهما ويرى سيلا وقد ظهر عليها التعب جلياً. إسلام وهو يتقدم منهما في لهفة وينادي عليها بصوته الرجولي: سيلا حبيبتي. سامحيني أنا آسف.
سيلا بدهشة منه ومن وجوده معها، ومن حديثه أيضاً. لا تنكر أنها كانت في أشد الأوقات احتياجه له، كانت تريد أن تراه، أن تشعر بوجوده معها اهتمامه بها. كانت تريد ضمه منه. فقط ضمة تشعر بها بالاستكانة والحماية. ولكنها تماسكت، كرامتها أبت أن تستجيب لقلبها. سيلا بدهشة: إسلام. إيه اللي جابك، وأسف على إيه؟ إسلام وهو ينظر لها: أنا عرفت كل حاجة. عرفت إني ظلمتك. أنا آسف.
ويتقدم منها ويمسك يدها ويرفعها لفمه ويقبلها وسط نظرات سيلا المندهشة ونظرات أحمد الحانقة منه. تبتعد سيلا عنه بتوتر وتعب وهي تقول: ابعد بعيد عني. إسلام وهو يقترب منها أكثر: مش هبعد عنك تاني أبداً. حتى لو بعدت ابني، أو بنتي هتقربني منك. أنا قدرك يا سيلا وأنتي قدري. سيلا بتعب أكثر:
القدر. القدر دايماً بيلعب لعبته ضدي، وأنا خلاص مش عايزة حاجة. أنا قررت أفضل لوحدي ومش عايزة حد يأذيني تاني. كفاية بقى كل ضربة من ضربات القدر كانت بتقسم ضهري. وأنا قررت أبعد عن الكل، وأكون لوحدي. إسلام مقاطعاً بإصرار:
عمرك ما هتكوني لوحدك. هفضل جنبك وقدامك وحواليكِ زي ما كنت دايماً تحت عيني، وزي ما كنت دايماً، حواليكِ حتى لو انتي مش شفتيه برده كنت جنبك. أنا كنت بنام في عربيتي تحت بيتك يا سيلا. قلبي مكنش مطاوعني إني أبـات بعيد عنك. مكنتش بنام غير لما أشوف نور الشقة وهو مطفي، أعرف إنك نمتي خلاص. يقبل يدها ويقول:
أنا آسف على كل جرح جرحته ليكي، بس عذري إني حبيتك. أول مرة أحب، صدقيني حبيتك وغيرت عليكي. من شدة حبي فيكي بغير عليكي يا سيلا، والغضب والغيرة عموا عنيا. سيلا صارخة من الآلام حملها: آااااااااه. أحمد بحدة وصوت عالٍ: يلا بسرعة دخلوها العمليات.
في قراره نفسه يعلم أحمد أن سيلا تحب إسلام. الكثير من المواقف التي أثبتت له ذلك، بفضلها لمقاضاة إسلام على ضربه لها، عيونها التي تلمع بلمعة غريبة عندما يأتي ذكر اسمه، ثم مسحة الحزن التي تظهر بها بعد ذلك. فضل أن يبقى بقربها حتى ولو بصفة صديق لها. ولكنـه لا يعلم ماذا سيكون قرار سيلا مع إسلام. يقف إسلام وأحمد أمام باب غرفة العمليات، ويتصل إسلام بالحاج رشدي ويبلغه بولادة سيلا، بينما يذهب أحمد لإحضار سيف ونوران من الحضانة.
تخرج الممرضة وهي تحمل طفلاً جميلاً. يتقدم منها إسلام بلهفة: أخبار الأم إيه؟ طمنيني. الممرضة بابتسامة: زي الفل. اتفضل ابنك أهو، يتربى في عزك، والأم شوية وهتروح غرفتها. في حجرة سيلا. تتلقى سيلا المباركات من الجميع. يقترب سيف ونوران من الطفل. سيف بفرحة: بقى عندنا نونو إحنا كمان زي زيد. نوران وهي توجه كلامها لإسلام: هتلعب معانا ومع النونو يا عمو؟ إسلام بابتسامة سعيدة: أنا مش هسيبكوا تاني أبداً وهلعب مع النونو كمان.
يضحك الجميع، ويقترب إسلام من سيلا ويهمس لها: صافي يا لي. تنظر له سيلا ولا ترد. يلتفت إسلام إلى الحاج رشدي والحاجة صفية راجياً لهما. إسلام: يا حاج والنبي تحنن قلبها عليا شوية. خليها تسامح بقى، عايزين نكتب ونرجع لبعض. الحاج رشدي بمكر: سيلا حرة. تاخد حقها منك زي ما هي عايزة وأنا معاها. يريد الحاج رشدي أن يبث الطمأنينة في نفس سيلا، وفي نفس الوقت يريد أن يؤدب إسلام على فعلته معها. سيلا بحزن:
مش هرجع له يا بابا. إسلام هاني وكسرني حتى مسمعنيش. الحاج رشدي: خلاص بقى يا إسلام قفل على الموضوع ده. إسلام بجدية: أقفل إيه يا حاج. لا. أنا مش مستعد أقعد العمر كله بايت في العربية تحت بيت سيلا. وأولاد فوق. ارحموني. أنا قعدت تسع شهور بايت في العربية. الحاج رشدي: عندك صاحبة الشأن. اتصافى معاها. الحاجة صفية: خلاص يا إسلام لما تشد حيلها كدا. يأخذ رمزي إسلام ويخرج. تجلس نشوى بجوار سيلا وتقول لها:
والنبي دا طيب وبيحبك. سامحيه بقى، إنتي متعرفيش كان حاله عامل إزاي. سيلا أنا عارفاكي طيبة، جبتي القسوة دي منين؟ سيلا بأعين دامعة وهي تستمع لها: من كتر القسوة اللي شفتها منه. اتعلمت يا نشوى. اتعلمت أبقى قاسية. نشوى ناصحة لها: المسامح كريم، وبعدين العيال بيحبوه، ومتعلقة بيه. سيلا وهي تنظر إلى أبنائها: قلبي مجروح منه أوي يا نشوى، مش قادرة أصفاله. نشوى بتردد:
يمكن. تستغربي إني أنا اللي بتكلم. بس والله هو فعلاً بيحبك. وده اللي مجننه، ومجنن شيماء، إنه بيحبك وهو أول مرة يحب. تتلاقى نظراتهما في معنى واضح فهمته سيلا، فأكملت نشوى: تعرفي هي نفسها حست بده، إنه محبهاش. هو جوزها آه بس قلبه كان معاكي، وشيماء حست بده برده. وعشان كدا كانت بتكرهك، حتى قبل ما تتجوزي إسلام. كانت بتكره حب مازن الله يرحمه ليكي. وهي مش عارفة تخلي إسلام يحبها. حرام تكسري بقلبه. حرام.
سيلا وهي ترد عليها ببكاء: وأنا قلبي اللي اتجرح، وكرامتي اللي اتبهدلت، وسمعتي. نشوى مقاطعة لها وهي تضع يدها على يد سيلا: محدش يقدر يدوس ليكي على طرف. كفاية إنه ندمان، حرام تضيعي أحلى أوقات حياتكم في خصام وزعل. ثم استطردت قائلة: شوفي. أدبيه، وطلعي عينه، وخذي حقك منه، بس ارجعي له. تنظر لها سيلا وتقول: ماشي هفكر.
فيضحكان معاً، وتتساءل الحاجة صفية عن سبب الضحك، فيزداد ضحكهما معاً ويخبراها عن حديث نشوى وتتفق معهما الحاجة صفية ويضحكون جميعاً. يدخل إسلام ورمزي ويروا الجميع يضحك ولا يعرفان السبب ويتساءلان. رمزي: طب ما تضحكونا معاكم. نشوى وهي تضحك: حاجة بتاع ستات ملكيش فيها. رمزي متوعداً: بقى كدا. طيب، ماشي يا نشوى. على فكرة فرح صادق كمان شهر. لسه خالد مكلمني وقايل لي. نشوى بسعادة: بجد؟ ألف ألف مبروك. هكلمه أبارك له حالا. يقترب
إسلام من سيلا ويهمس لها: إيه رأيك نكتب معاهم؟ تنظر له سيلا وتقول في حدة: لأ. إسلام مشاكس لها: أنا بقول إنه بعيد برده، نخليها لما تخرجي من المستشفى. سيلا بدهشة وقد جاهدت حتى لا تخرج ابتسامتها: لأ برده. ينظر لها إسلام ويصمت.
تخرج سيلا من المستشفى، وتذهب إلى شقتها ويظل إسلام معهم طول اليوم، وينزل في المساء في عربته للنوم. تظل عيناه معلقة على نافذة غرفة سيلا، وتظل سيلا تنظر عليه من نافذتها بعد أن تطفئ الأنوار. لا ينكر إسلام أنه كان سعيداً عند رؤيته لظل سيلا ينظر عليه من خلف نافذتها، يعلم أنه بقلبها ولكنها تكابر على نفسها، مستسلماً لها ولعقابها له، فهو أشبه بنسمات هواء باردة في ليلة صيفية حارة. لا ينكر أنه ببعده عنها قد فاق الحد التحمل،
ولكنه إن كان هذا ما يسعدها فهو مرحب به. حتى مع نومه العربة غير المريحة. يكفيه أن يكون بقربها، أو حتى في نفس المكان التي هي به مع أبنائها وابنه. عند تذكرة لابنه لمعت عيناه وهو يتذكره ويتذكر كيف ينام معه من مجرد حمله له، ويستيقظ عن وضعه على السرير المخصص له. وكان هذا الصغير قد اتخذ من حضن إسلام مهداً له، أو يشعر بفقدانه له. أما عن سيلا. فكانت تنظر عليه من نافذة حجرتها، تطمئن عليه، هل نام أم، لا يزال مستيقظاً. تعلم أنه
يتعذب، ولكنها لم تصفي له بعد. عندما تراه وهو يحمل صغيرة ويضعه على صدره، وينام الصغير، بينما يحتضن إسلام نوران وسيف، تشعر بمدى الحنان الذي لديه والذي يكفي الجميع. وتتعجب في نفس الوقت كيف لقلب به كل هذا الحنان أن تخرج منه كل هذه القسوة التي عاملها بها. في قرارة نفسها هي تحبه، ولكن كرامتها وتأبى أن تستسلم له، أو أن ترجع له. تريد أن ترجع له وهي صافية القلب تجاهه. وإلى هذا الإشعار ستبقى كما هي وسيقى كما هو.
في الصباح يصعد إسلام لشقة سيلا ويفطر معهم ويذهب إلى شركته، ويعود ويتناول وحبه الغذاء معهم ويبقى معهم حتى ساعة النوم. ويخرج إسلام ليجلس في سيارته ناظراً إلى نافذة سيلا، وسيلا تقف في نافذتها تنظر له. استمر الحال فترة طويلة من الزمن. حتى جاء يوم يحضر إسلام أبناءه لسيلا، وظلوا يلعبون مع أخيهم الصغير، وغفل إسلام النوم فنام على الأريكة، فرق قلب سيلا له، ولمنظره المرهق. فطلبت منه أن يدخل لينام في حجرة الأطفال.
سيلا بتردد وتوتر: طب ادخل نام على سرير الولاد. إسلام بتعاس وصوت متحشرج: لو هتيجي معايا شقتنا. ساعتها بس هدخل أنام هناك. مش هنا يا سيلا وإنتي عارفة ليه؟ سيلا بخجل: ولحد كدا بقى. إسلام وهو يتثائب: ولحد كدا هفضل أنا بنام في العربية، ومش هستريح أبداً إلا وإنتي معايا وجنبي يا سيلا. سيلا بخجل وحياء: طب أنا موافقة. إسلام وهو يقفز من مكانه ويتجه لها: بجد. موافقة. يعني أجيب المأذون؟ سيلا تهز رأسها موافقة ولا تتكلم.
إسلام بحب وعدم ثبات: ثواني أكلم رمزي، ووليد والحاج. ساعات قليلة ويحضر الجميع، ويتم عقد القران وتذهب سيلا معه والأولاد إلى شقتهما معاً. تعلم شيماء خبر عودة سيلا إلى إسلام وتستشيط غضباً وتذهب لهما في شقتهما. في الشقة عند إسلام وسيلا. يذهب الأطفال إلى النوم بعد اللعب مع أخيهم طوال اليوم، وتذهب سيلا لوضع صغيرها في سريره، لتجد يدا إسلام تحاوطها في حنان وتملك، وهو يهمس لها بعشق بالغ واحتياج شديد:
وحشتيني. أخيراً بقينا لوحدنا. تلتفت له سيلا وتصبح في مواجهته تنظر في عينيه وترى مدى حبه لها، تكاد تقطران حباً وعشقاً وافتقاداً. فتخفض عيناها خجلاً منه، ومن نظراته الجريئة. فيضحك إسلام ضحكة رجولية عالية. فتنظر له سيلا بدهشة وتضع يدها على فمه، حتى لا يوقظ الصغير. سيلا: ششششش. هيصحى كدا ويعيط.
يمسك إسلام يدها الموضوعة على فمه ويقبلها بإشتياق إصبعاً إصبعاً وهو ينظر لها بأعين مثبتة على عينيها في رسالة طويلة منه لها، وأسرار منه له. تخفض نظرها ووجهها عنه، فيرفع وجهها ممسكاً بذقنها وهو يهمس: وبعدين في الكسوف والخجل دا. بلاش تحرميني من إني أبص في عينيكي من قريب، بحس إني في بحر وأنا باصص لعنيكي بـ.
يقطع تواصلهما صوت طرقات شديدة على الباب. تجفل منها سيلا برعب، ويذهب إسلام بسرعة ليرى من الطارق بهذا العنف تتبعه سيلا بسرعة. يفتح إسلام الباب فيرى شيماء أمامه. نظرات غاضبة بين إسلام وشيماء، ونظرات قلقة، خائفة من سيلا. إسلام بغضب شديد: لسة ليكي عين تيجي هنا بعد اللي عملتيه؟ شيماء وهي تدخل الشقة بصدمة: عملت إيه؟ وإنت ترجع لها تاني ليه؟ عشان الولد! إيه اللي يخليك متأكد إنه ابنك مش يمكن.
تقطع شيماء حديثها جراء صفعة قوية من إسلام على وجهها وضع فيها كل غضبه منها ومن أفعالها وأنها آتية لتكمل نفس عملها القذر مرة أخرى، وصوت إسلام هارداً: اخرسي. ليكي عين تكملي لعبتك الحقيرة دي. خلاص عرفت كل حاجة. عرفت لعبتك القذرة إنتي وفخري. هو خد جزاءه بس بشغل نضيف مش وسخ زيه. كل المناقصات اللي دفع فيها رشاوى اتفتح فيها تحقيق واتلغت. دا غير السجن اللي منتظره. لكن إنتي بقى. شيماء مقاطعة له باكية: ليه حبيتها ومحبتنيش؟
إسلام بسرعة: لأنها لقيتها إنسانة. قلبها أبيض شفاف. مش قلبها كله حقد وغيرة. إنتي محبتيش غير نفسك يا شيماء. حتى ولادك محبتهمش. إنتي حبيتي شيماء وبس، وعايزة الكل يحب شيماء وبس. يزفر في قوة ويكمل: عشان كدا أنا حبيتها. آه حبيتها. لما ألاقي قلب بيحب الكل وبيدي حنان ودفا واهتمام. يبقى آه حبيتها. وبعترف قدامك وقدام أي حد، إني لا حبيت، ولا هحب غيرها. شيماء بصدمة: محدش حبني منكم. لا إنت ولا أيوب ولا أمك. محدش حبني ليه؟
إسلام بغضب شديد: لأنك مدتيش لحد الحب. اللي بيدى حب واهتمام بياخد حب واهتمام. وإنتي أنانية يا شيماء. إنتي عايزة الكل يحب شيماء وبس، يهتم بشيماء وبس، وإنتي محبتيش حد. زي ما بتدي، هتاخدي يا شيماء. وإنتي مدتيش حاجة لحد يبقى عايزة تاخدي ليه؟ وتاخدي كل حاجة ليه؟ شيماء وهي جاحظة العينين:
عشان أنا شيماء. متخلقش اللي ياخد مني حاجة أنا عايزها أو بدون رضاي. اللي يعمل كدا أنا أمحيه من على وش الدنيا. وأنت تكون فاكر إني هسيبك ليها تتهني بيها وتتهنى بيك، لا. أنا هحرق قلبك عليها، زي ما حرقتـه قبل كدا وانت فاكر إنها خانتك. تضحك ضحكة هستيرية عالية وتكمل:
مش هسيبك ليها. مش ههنـيك بيها. هاخدها منك يا إسلام. صدقني هاخدها منك ومش هتلاقي غيري أنا. أنا شيماء مراتك. زي المرة اللي فاتت يا إسلام، ومش هتحب غيري أنا شيماء.
وفجأة تنقض شيماء على سيلا التي تقف خائفة منها وهي تمسك سكيناً حاداً من على المنضدة، وتحاول أن تغرسها في قلب سيلا ليقف إسلام أمامها ويتلقى الضربة القوية في صدره وتغرس في صدره السكين وسط صراخ سيلا الهستيري وجحوظ عيني شيماء. وشهقة مكتومة خرجت من حلق إسلام عند انغماس السكين في صدره. صرخة صدرت من فم سيلا ملتاعة وهي تنطق باسمه غير مصدقة ما فعله إسلام من تضحية بنفسه من أجلها. شيماء:
لااا. لاااااا. ليه كدا. مش لازم إنت اللي تموت، هي. هي اللي لازم. إنت بتاعي أنا وبس. ملكي أنا وبس. سيلا لازم تموت. لا. يدخل إسلام المستشفى، ويقبض على شيماء وتوضع في مصحة للأمراض العقلية. يقف الجميع أمام غرفة العمليات وسيلا ترتعش من الخوف. دموعها تنهمر بغزارة، وشفاها ترتجف من شدة الخوف ولا تكف عن الدعاء لإسلام حتى يخرج الطبيب فيهرول الجميع عليه. الحاج رشدي بلهفة: طمني يا دكتور أخبار ابني إيه؟ الطبيب:
هو نزف كتير جداً، والجرح كان عميق جداً. ادعوا له، ربنا معاه. لو مرت الأربعة وعشرين ساعة دي على خير، يبقى اتكتب له عمر جديد. هو هيفضل في العناية. يعني ملوش لزوم وجودكم هنا. سيلا راجية الطبيب: والنبي يا دكتور أنا مراته. عايزة أشوفه بس. هبص عليه بس من بعيد. بس أشوفه بس. الدكتور باعتراض: مينفعش حضرتك. هو لسه مفقش، وحالته حرجة جداً. عن إذنكم.
يتركهم ويمضي وتجلس سيلا أرضاً وتبكي بقهر. يذهب الجميع إلى المنزل وتظل سيلا مع رمزي ومعها ابنها نور. في منتصف الليل تقصد سيلا الممرضة المناوبة في غرفة الإنعاش، وتطلب منها أن تدخل فقط لرؤية زوجها، يرق قلب الممرضة لسيلا وهي ترى دموعها وتسمع شهقاتها. الممرضة: صعبتي عليا. طب بصي. تدخلي خمس دقايق بس. لو الدكتور مر وشافك أنا اللي هتجازى. وهيتخصم من مرتبه. وإنتي ميرضكيش أذيتي. سيلا بلهفة:
حاضر. هم خمس دقايق بس. طب أدخل وابني. الممرضة معترضة: مينفعش يا مدام إنتي بس. سيلا بلهفة ورجاء وهي تدمع: هحطه على خده بس وأديه لعمه. الممرضة وقد رقت لها ولحالها: بس بسرعة. تدخل سيلا ومعها نور، ويبقى رمزي أمام الباب.
سيلا وهي ترى إسلام نائماً على السرير ومتصلاً به عدة أسلاك كهربائية متصلة بأجهزة، قلبها يخفق بشدة، تشعر بالبرودة تسري في كامل جسدها، تقترب منه وترى وجهه شاحب اللون، دموعها تخدعها وتهبط بغزارة، شهقة تخرج منها لكي تأخذ نفساً. وصرخة من نور وكأنه شعر بوالده وبألم سيلا. كأنه يصرخ لإسلام بصوته لكي ينهض ويحدثهما، يضمهما له، يطمئنهما عليه. تضع سيلا نور بجوار أذن إسلام وهو يبكي، ثم تضعه على يد إسلام الناعمة عن الوعي،
وتهمس في أذنه: حبيبي. نور بينادي عليك. تعال خده يا قلبي. أنا ونور وولادك كلهم محتاجينك أوي. متغيبش عننا. تأخذ نور الذي هدأ عندما وضعته سيلا على صدر إسلام وتعطيه إلى عمه رمزي. ثم تجلس بجواره على ركبتيها وهي تمسك يده وتقبلها بكل حب وشوق وخوف. سيلا:
مكنتش أعرف إنك بتحبني الحب ده كله. ولا كنت أعرف إني بحبك الحب ده كله. أنا محتاجة لك أوي أوي يا إسلام. اوعى تبعد عني. أنا من غيرك أموت أنا والولاد. ارجع لي يا حبيبي. خلي الأيام تصالحني بيك يا إسلام. اوعى تسيبني وتكسر قلبي. مش هسامحك لو سبتني. ومش هسامح نفسي. ارجع لي. لو بتحبني زي ما بحبك ارجع لي يا إسلام. تستمع إلى صوت الممرضة وهي تقول لها: يلا يا مدام بقى، كفايه كدا.
تنهض سيلا وتقبل يد إسلام وجنته وجبينه، وتتساقط دموعها على وجهه وعينيه. وتمشي وهي تقول له: أنا قاعدة بره مستنياك يا إسلام. متغيبش عليا يا حبيبي. حبيبي. نعم أنت حبيبي. يا من أعطيت لحياتي لوناً. يا من أعطيت لأيامي طعماً. أحببتك. وعشقتك. ولا أستطيع الحياة بدونك يوماً. لا تتركني وحيدة بهذه الحياة. لا تحرم عيني لذة رؤياك. لا تحرم لساني لذة النطق باسمك. قلبي ينبض لك. روحي ملك لك. أشتاقك. وأفتقدك. حبيبي.
تمر مرحلة الخطر وبعد يومان يستيقظ إسلام، وينتقل إلى غرفة أخرى، ويقبل على زيارته الجميع. ينظر إسلام في الوجوه باحثاً عنها، يتطلع للجميع من حوله في الغرفة وهو يبحث باشتياق عن وجهه ومحبوبته، بأعين متلهفة ومتسائلة عليها، لم يراها بينهم. يعود بنظره إلى والده وعيناه تصرخان في السؤال عليها. تجيبه الحاجة صفية بابتسامة: بتصلي وجاية.
تدخل سيلا وتتلاقى العيون في عناق طويل باشتياق وحنين وحب. يظل إسلام ناظراً لها، وأنفاسه تتصارع وكأنه في سباق للجرى، تقترب منه سيلا وتحلس بجواره لتهمس في أذنه: حمد الله على السلامة. إسلام بهمس عاشق لها: الله يسلمك. أنا سمعت كلامك ورجعت لك. سيلا بخجل منه وهي تخفض وجهها عنه وتهمس: كلام إيه؟ إسلام بهمس: بحبك. سيلا بخجل وهي تنظر للجميع وهم ينظرون لهما ولا يسمعونهما فقط يرون خجلها: إسلام.؟ إسلام بهمس:
عيون إسلام. هأجل الكلام لحد ما أخرج. يمر أسبوع ويخرج إسلام من المستشفى، ويتجه مع سيلا إلى منزلهما ليعيشا به معاً مع عز الدين وسيف ورنا ونوران ونور. إسلام مشاكساً سيلا: على فكرة كلام لسه مخلصتوش من المرة اللي فاتت، وأنا ناوي أخلصه وأكمله كله. تضحك سيلا وتخجل منه وتقول: إنت تعبان لما تخف بقى. إسلام صارخاً: مين دا اللي تعبان أنا زي الفل أهه، تحبي تجربى كدا. سيلا بخجل: إسلام. الولاد. إسلام معترضاً:
هم الولاد دول مش ناويين يناموا ولا إيه؟ حاسس إنهم جايين يربوني. تضحك سيلا ولا ترد. إسلام ضاحكاً: بموت في خجلك وكسوفك دا. يتلقى ضربة على صدره من كره عز الدين ينظر له في غضب ويقول: يا ابني براحة مش عارف إني تعبان. عز الدين بمشاكسة له: إنت مش بتقول بقيت كويس ومش تعبان. تعال العب معانا بقى. ينظر إسلام له ولسيلا ويقف معترضاً مثل الأطفال: لا دا ظلم. أنا داخل أنام. ويدخل غرفته وسط ضحكاتهم الجميلة.
لم يطلق إسلام شيماء، بل ظلت زوجته، وظل يذهب لها لزيارتها. ولكنها كانت تظنه شبح إسلام وجاء ليقتص منها ويقتلها. يعيش إسلام وسيلا سعداء. وقد صالحتهما الأقدار أخيراً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!