يمر شهران والحال كما هو؛ تخرج سيلا في الصباح بعد ذهاب سيف ونوران للحضانة، وتذهب إلى المستشفى بسيارتها المستعملة. ثم تحضر ما يحتاج له المنزل في طريق عودتها إلى المنزل وتظل به. وإسلام يراقبها ويراقب تحركاتها بين الحين والآخر. والبواب يخبره بكل تحركاتها، ومن يزورها حتى لو كان الحاج رشدي أو أخيه رمزي.
ترفض سيلا عرض الحاج رشدي بالذهاب بأبنائها إلى منزل جدهما؛ حتى لا تلتقي بإسلام. وترسل سيف ونوران مع جدهما لقضاء أسبوع هناك واللعب مع أبناء أعمامهم، وتبقى هي في منزلها.
كان هدف الحاج رشدي التقريب بينهما ولكنها رفضت الذهاب. وإسلام كذلك عندما علم أنها رفضت بسببه، رفض هو أيضًا بسببها. نوع من العند والكبرياء يؤثر عليهما معًا. هي تحافظ على كرامتها التي بعثرها إسلام ولم تجد في قلبه ذرة حب لها، وإنما وجدت الكثير من القسوة. وهو نوع من الغضب الممزوج بالغل من عدم معرفته حتى الآن إذا ما كانت سيلا خائنة له أم مظلومة. ولكنه لا يمنع أنه شك بها عندما رفضت الحضور للمنزل حتى لا تراه. عقله أخبره أنها ربما تريد أن تبقى بمفردها لمقابلة عشيقها، أو لمقابلة أحمد فهو معها أثناء العمل في المستشفى.
نار تحتاجه لا يعرف له شاطئ يرسو عليه. هل هي ظالمة له أم مظلومة منه؟ يريد أن يعرف الحقيقة. عقله مشتت، وذهنه مفتت، وكبرياؤه كرجل مبعثر. يريد أن يعلم الحقيقة. أما شيماء...
فدوام الحال من المحال. ما أن اطمأنت أن إسلام قد طلق سيلا، ولم يعد يطيق ذكر اسمها، حتى عادت إلى طبعها القديم وخروجها واهتمامها بنفسها فقط. لا تعلم أن ما يفعله إسلام ليس كرهه لسيلا، وإنما عشق لها. كلما زاد الغضب منها كلما كان هذا دليلاً على محبته وعشقه لها. وكيف لا وهي من دق لها قلبه، هي من ملكته، وختمته بخاتم حبها وعشقها. عشقها ومتيم بهواها ولكنه بمقدار عشقه، بمقدار صدمته منها وعنفه وغضبه عليها.
خلال الأسبوع الذي قضاه سيف ونوران في منزل جدهما بالبلدة. كان إسلام يراقب سيلا كظلها؛ يتابعها في كل تحركاتها وتنقلاتها منذ الصباح وحتى عودتها إلى شقتها. ليس هذا فحسب، بل كان يظل قابعًا في سيارته ناظرًا إلى شقتها حتى منتصف الليل، حين تغلق سيلا أنوار الشقة لتنام، ليهدأ ويذهب إلى شقته وينام ويكرر ما يفعله في اليوم التالي.
لمدة أسبوع ظل إسلام يلاحظ سيلا ويتابعها. لاحظ تغيرًا في سيلا، أصبحت تلبس جاكتًا أكبر من حجمها، لا بل زاد وزنها قليلاً، وأصبحت حركتها ضعيفة؛ وقد فسر ذلك بسبب زيادة وزنها أو بسبب إرهاقها في العمل. كما لاحظ أنها أصبحت أشد جمالاً عما مضى؛ وهذا ما زاد من غيرته وغضبه غير المبرر له، وفسر ذلك بسبب الزيادة الطفيفة في وزنها. يأتي اتصال هاتفي لإسلام من صديقه المكلف بمعرفة حقيقة الصور. ما إن رأى إسلام اسم
المتصل حتى رد بلهفة وسرعة: "السلام عليكم، إيه الأخبار؟ "كله تمام يا معلم. طلع شغل عالى أوى أوى، ونضيف كمان." "يعني حقيقي ولا متفبرك؟ اخلص وقول." "حقيقي مش متفبرك." صدمة كبيرة صدم بها إسلام للمرة الثانية. كان يراقبها على أمل أنها بريئة، والآن أصبحت مذنبًة أمامه رسميًا، وبشهادة الخبراء أيضًا. غضب... نعم. كره... احتمالألم... مؤكد. غصة في حلقه. نغزة في قلبه، وخروج صوت باهت جاء من بئر عميق فارغ، شارد، مشوش:
"طب شكراً ليك، مع السلامة." دمعة غافلته وفرت من مقلته. ينتبه لها إسلام ويشعر بها على وجنته، يمسحها في عنف وغضب، يذكر نفسه بفعلتها ليكرهها، أكثر وأكثر. ويؤمن على قراره الذي اتخذه بأن يدفن قلبه، ويعيش هيكل رجل، بدون روح. يحدث نفسه: "يعني حقيقي، يعني مظلمتهاش... يعني خانتني." يلتقط الهاتف ويتصل بالحاج رشدي، ويبلغه بما علمه. ولا يصدقه الحاج رشدي مرة أخرى؛ فهو يعرف سيلا جيدًا ولن يصدق ذلك.
يجن جنون إسلام من رفض الحاج رشدي الاعتراف بأن سيلا مدانة ومذنبة، ويذهب فورًا إلى البلدة. في البلدة... الحاج رشدي وهو يتجنب الحديث مع إسلام في موضوع سيلا: "هتودي عيال أخوك لسيلا ولا أبعتهم مع رمزي ولا السواق؟ إسلام وهو شارد ويفكر: "معرفش." الحاج رشدي: "يعني هتتابع ولاد أخوك ولا أخلي رمزي يتابعهم؟ إسلام بتردد: "أنا... هاخد الولاد من سيلا لعدم الأمانة وأضمهم لوصايتي." يهب الحاج رشدي واقفًا في غضب: "انت بتقول إيه؟
استحالة دا يحصل." إسلام بحده: "وأنا استحالة أسيب ولاد أخويا مع واحدة مش أمينة عليهم؛ والصور والفيديو هيبقوا دليل ضدها." يمسكه الحاج رشدي من تلابيب ملابسه: "يوم ما تعمل كدا، تبقى لا انت ابني ولا أنا أعرفك ويتحرم عليا رؤيتك ورؤية ولادك." إسلام بجنون: "لييييه... ليه كل دا... ليه مش مصدق إنها خاينة؟ الحاج رشدي بغضب صارخًا: "علشان أنا عارفها؛ لكن انت الغضب عامي قلبك وعقلك. لو أذيت سيلا يا إسلام هبقى متبري منك. فاهم؟
اوعى تأذيها. أنا حاسس إنها مظلومة وبكرة ربنا يظهر براءتها." تدخل الحاجة صفية وهي تقول: "صوتكم عالي إيه؟ الحاج رشدي وهو يبتعد عن إسلام، ويلوح له بيده: "اسألي ابنك وهو يقولك." إسلام وهو يزفر: "خلاص يا حاج هات الولاد وأنا هوصلهم لسيلا." يأخذ إسلام الأولاد ويذهب بهما إلى سيلا. وفي الطريق ظل يفكر لماذا أخذهم؟ لماذا لم يدع رمزي يذهب بهما؟
لوهلة جفل من السبب الذي طرأ على ذهنه؛ أنه يريد رؤية سيلا. كاد المقود أن يفلت من يده، ثم استطاع أن يتحكم به بمهارة، وهو ينهج وكأنه في سباق كبير. غاضب منها نعم، ولكنه بداخله حنين لها. يريد أن يجعلها تشعر بما يشعر به من نار وجحيم مستعر، يريد أن يجعلها تتألم كما تألم هو، ولكنه بداخله يشتاق لها لحد الجنون. مشاعر متداخلة، متضاربة بين الحب والكره، الألم والاشتياق. لا يعلم شيئًا ماذا يحدث له. كل ما يريده هو رؤيتها؛ فقط رؤيتها. أخذ يردد أنه يريد أن يثأر لنفسه منها، ولكنه في قراره نفسه يعلم أنه يكذب.
يصل إسلام إلى منزل سيلا، يدق الباب وعينه متلهفة لرؤيتها. ويقنع نفسه أنها انتهت من حياته. تفتح سيلا الباب وتتفاجأ بوقوف إسلام أمامها. نظرات متبادلة بينهما، ضربات قلب متسارعة، متصارعة؛ مشاعر مشتتة بين لهفة وشوق وحزن وألم وغضب. دموع متحجرة تأبى النزول من المقل. وعناق بالعيون به لهفة حاول أن يخفيها بعينيه منها، ولكنه لم يخفيها بقلبه عن نفسه. حقًا كان يشتاق لها، وهذا تصريح له، لنفسه بذلك، وليس لها.
وصوت سيلا يخرج أخيرًا، هامسًا ضعيفًا: "شكراً ليك، وحمد الله على السلامة." يرد إسلام بصوت متحشرج: "العفو." يقطع ذلك الاتصال البصري، صوت سيف: "مش هتبات عندنا يا عمو زي زمان؟ إسلام وهو ينظر له وسيلا تتركه وتدخل إلى الداخل لتخفي نفسها منه ومن نظراته تلك التي ينظرها لها. "مرة تانية، أنا عندي شغل كتير أوي يا حبيبي." يغادر إسلام وهو مشتت الذهن. عقله يخبره أنه على حق، وقلبه يخبره بأنها بريئة.
يمر شهران آخران، وإسلام يحضر لرؤية سيف ونوران مرة كل أسبوع أو أسبوعين. وتتعمد سيلا أن تظل في حجرتها، لا تراه ولا يراها؛ حتى لا يلاحظ حملها. وكفاها ما ظنه بها وجرحه لها. تجلس سيلا في غرفتها، تسند ظهرها على الأريكة وتمسد يدها على بطنها وتحدث جنينها، قائلة: "عارف إن أبوك بره، هو طول المرة دي عن كل مرة. الصراحة هو كل مرة بيطول عن اللي قبلها. حاسة إنه بيتعمد كدا عشان يشوفني، بس أنا استحالة أتكلم معاه تاني." تتلقى ضربة من
الحنين تتألم ضاحكة وتكمل: "كلامي مش عاجبك ليه يا ابن إسلام؟ انت عايز تسمع صوت أبوك؟ تظهر الدموع في مقلتيها وتقول: "بس هو لو عرف مش هيعترف بيك، مش هيصدق إنك ابنه أو بنته. يبقى زعلان ليه بقى مني؟ تتلقى ركلة أخرى، وتتألم:
"عارفة إنك مالكش ذنب، بس أنا كمان كفاية عليا كدا. مش هكدب عليك إن حبيبت أبوك، وساعات كتير بلاقي في عينيه كلام كتير. ساعات بحس إنه بيطمن عليا، وساعات أحس إنه بيقسى عليا. ساعات أحس إنه بيحبني أوي، وفي نفس الوقت أحس إنه بيكرهني أوي. مبقتش قادرة أعرف عينيه فيها إيه من ناحيتي، عشان كدا أنا بعيدة عنه." تفر منها دمعة، تمسحها بسرعة وتكمل: "المهم انت معايا ومع إخواتك."
عدة ركلات تتلقاها فتتألم بصمت حتى لا يسمع إسلام صوتها بالخارج. "بس بقى، شكلك عايز تخرج تلعب معاهم، ولا عايز إخواتك؟ اعمل إيه يعني، أبوك طول أوي المرة دي." يحاول إسلام بشتى الطرق أن يتحدث معها ولكن سيلا لا تعطي له فرصة. يظل هناك. اتصال قائم بين سيلا والحاج رشدي للاطمئنان عليها. في منزل خالد...
حيث كانت هناك خطيبة صادق ونشوى ورمزي والكل على مائدة الغذاء؛ التي أعدتها هند احتفالاً بالشقة التي تم تجهيزها لعرس صادق. فإذا بآلام المخاض تهاجم هند. خالد بزعر شديد: "أعمل إيه؟ جد يقولي بسرعة؟ نشوى بسرعة: "كلم الدكتور، وإحنا رايحين له حالا. رمزي جهز العربية انت كمان." هند بصريخ: "آاااااه... إلحقوني." نشوى بغضب: "بالراحة يا أختي، انتي هتولدي في السابع. ينفع كدا؟ هند بألم: "هو بإيدي يعني؟ نشوى:
"يلا بقى، ربنا يسترها. فين شنطة هدومك انت والعيال؟ هند بزعر: "مفيش شنطة، هو أنا لازم أعمل شنطة؟ نشوى بصدمة: "أمال أنا قاعدة أقول لك إيه في التليفون؟ بنصح وبكلم روحي. خليكي لما أروح أجهز بسرعة." تنهض نشوى لتحضير شنطة هند وملابس المولود ويتجهوا بسرعة إلى المستشفى لتلد هند صبيًا وبصحة جيدة. خالد وهو غير مصدق لحاله: "الحمد لله... الحمد لله يا رب."
الممرضة وهي تعطي الطفل لخالد، يمسكه خالد وتفر الدموع من عينيه وهو يشكر الله، يؤذن في أذنه اليمنى، ويقيم الصلاة في أذنه المولود اليسرى، ويتلقى التهاني والمباركات من إخوته ويسأل عن هند. في غرفة هند بالمستشفى: رمزي مشاكسًا نشوى ضاحكًا: "يلا بقى يا نشوى، شدي حيلك وهاتي بنت علشان أجوزها ل... ينظر إلى خالد وهند ويسألهما: "صحيح هتسميه إيه يا خالد؟ خالد: "محمد إن شاء الله." رمزي ضاحكًا:
"ماشي يا أبو محمد. خلي أختك بقى تجيب بنت علشان أجوزها لمحمد." نشوى بامتعاض منهما: "إيه؟ هو سوبر ماركت أجيب بنت؟ هو أنا اللي بجيب؟ طب بالمرة عايزها عينها لونها إيه؟ كاروهات ولا منقط بمبي؟ يضحك الجميع. بعد مرور أسبوع يحضر الجميع سبوع هند وكذلك الحاج رشدي والعائلة وأبناء سيلا بدونها طبعًا. سيف وهو يحمل الصغير: "الله يا تيتيه... نونو حلو أوي." الحاجة صفية بابتسامة هادئة: "قول ما شاء الله يا سيف." سيف ببراءة مكررًا:
"ما شاء الله. طب ممكن أخده معايا؟ الحاجة صفية: "لأ... هو هيفضل مع مامته لأنه لسه نونو." سيف غاضبًا منها وببراءة الطفولة: "مش مهم... ماما هتجيب لي نونو صغير، وهلعب معاه. هي قالت لي كدا. وخلي النونو ده هنا." الحاجة صفية بدهشة: "هي ماما سيلا هتحيب نونو يا سيف؟ سيف مبتسمًا في سعادة: "آه... بس متقوليش لحد، لأن ده سر وهي عملاها مفاجأة." الحاجة صفية وهي مندهشة وفرحة تبتسم وتقول: "طيب يا حبيبي." في منزل الحاج رشدي:
تخبر الحاجة صفية؛ ما علمته من أخبار حمل سيلا للحاج رشدي، الذي يصر على الذهاب لها في الحال لرؤيتها والحديث معها. في منزل سيلا: يرن جرس الباب تفتح سيلا وتجد الحاج رشدي أمامها. سيلا بدهشة: "بابا الحاج... إزيك وحشتني." تفسح له الطريق ليدخل وهو يتفحصها ليرى أي علامات للحمل. الحاج رشدي: "إزيك يا سيلا يا بنتي، وحشتيني. بس أنا زعلان منك." سيلا بدهشة: "ليه يا بابا... أنا عملت حاجة تزعلك؟ الحاج رشدي:
"يعني تبقي حامل وتخبي علينا." سيلا بحزن: "عايزني أقول إيه... إذا كان إسلام اتهمني بتهمة بشعة... عايزني أقوله إني حامل. تفتكر هيصدق إنه ابنه؟ إذا كان مصدق إني خنته... يبقى هيصدق إن الطفل دا ابنه؟ أنا مقدرش أحرج نفسي تاني بكلامه." الحاج رشدي: "بس أنا مصدقك وده كفاية. المشكلة إنه ودى الصور والفيديو لواحد وقاله إنهم حقيقي." سيلا بدهشة وبدون فهم: "صور وفيديو إيه؟ قص عليها الحاج رشدي كل شيء. سيلا بدهشة وبكاء:
"والله ما حصل حاجة من دي." الحاج رشدي مقاطعًا: "أنا مصدقك يا بنتي. بس إنك تخبي حملك ده هيزود شكه فيكي أكتر. إسلام عاد بيشك في كل شيء." سيلا باكية: "بابا... أنا هسافر عند محمد أخويا دبي. معدتش قادرة أقعد هنا. أنا كلمته وحكيت له على كل حاجة وهروح عنده أنا والأولاد." الحاج رشدي بصدمة: "لأ... خليكي هنا. ليه تحرميني من ولاد مازن. خليكي هنا وأنا أوعدك إني هشوف الموضوع ده. وهحله. وربنا يوفقنا." سيلا:
"كله على الله. طب ممكن بس متقولش لإسلام على موضوع الحمل ده؟ الحاج رشدي في محاولة منه لإقناعها: "لازم يعرف. كدا غلط. بتزودي شكه فيكي أكتر." سيلا بألم: "مش هقدر أسمع منه كلام تاني يجرحني يا بابا. كفاية اللي عملوه فيا. مش عارفة لو قال كلامه القاسي ده أنا ممكن أعمل إيه؟ الحاج رشدي وهو يتنهد: "خلاص... براحتك. هنشوف وربنا يسهل." يذهب الحاج رشدي عائدًا إلى البلدة. في منزل الحاج رشدي:
يتساءل الجميع عن سر غياب الحاج رشدي، وأين ذهب ولكن لا مجيب سوى أن لديه بعض الأعمال التي يتابعها. إسلام متسائلاً: "إيهمال إيه اللي بيتابعها الحاج؟ انت بتعمل حاجة من ورانا؟ الحاج رشدي بتهكم: "بكلم شغلكم الناقص. بدور على الغايب منكم." إسلام بعدم فهم: "شغل مين اللي ناقص يا حاج؟ وغايب مين ده؟ الحاج رشدي: "بكرة تعرف. بس يا ريت متتهورش وتندم يا إسلام." إسلام بقلق واضح: "انت قلقلتني يا حاج. في إيه؟ الحاج رشدي بهدوء:
"كله بوقته يا إسلام. انت هتروح ولاد مازن إمتى؟ إسلام: "بكرة الصبح." الحاج رشدي: "طب ابقى شوف سيلا لو محتاجة حاجة ولا ابعت حد من عندي ليها؟ إسلام باقتضاب: "لأ يا حاج. هاشوفها عايزة إيه وأجيبه." الحاج رشدي وهو يحاول أن يجس نبضه من ناحيتها: "لسة برده فاكرها خاينة؟ إسلام بتذمر: "يوووه يا حاج. متفتحش السيرة دي." الحاج رشدي بغضب: "ماشي. براحتك."
وهو في قراره نفسه يعلم أن سيلا كان لديها الحق في أن تخفي حملها عن إسلام. يعلم أنها مظلومة وأن إسلام سوف يندم ندماً شديداً ولكنه سيكون بعد فوات الأوان. لا يزال هناك فرصة ضئيلة لهما معًا ولكن إسلام بغضبه الأعمى سيبددها من يده. ترتدي سيلا إسدالاً لكي يخفي حملها غير الظاهر جداً وتأخذ أولادها من إسلام، وتشكرُه باقتضاب.
إسلام وهو يتفرس ملامح سيلا المضطربة ولا يعرف سر توترها، فيضطر للدخول إلى الشقة ظناً منه أنه يوجد لديها أحد.
إسلام وهو يجلس بالشقة، لا ينكر أن رؤيته لسيلا تشتت أفكاره وتبعثر غضبه منها. لا ينكر أنه اشتاق لها وكلما رآها وقد ازدادت جمالاً وإشراقاً وهو يذوب بها. رؤيتها وهي متوترة أشعل غيرته عليها وجعله يدخل الشقة كحجة يقولها لنفسه بأنه يشك بها أو يريد التأكد من أنها بمفردها؛ ولكنّه في الحقيقة كان الشوق لها فاق الحد بمراحل كثيرة.
جلس على الأريكة وهو يلتهمها بنظراته، وهي تقف أمامه بخجل وارتكاب من أن يلاحظ حملها تبتعد عنه بنظراتها. "ممكن قهوة يا سيلا؟ سيلا بارتباك: "حاضر." تدخل سيلا لعمل القهوة ويدخل إسلام لغرفة نومها وغرفة الأطفال ثم يرجع ثانية للصالة والجلوس على الأريكة مع سيف ونوران. نوران وهي تجلس بين أحضان عمها: "مش هتجيب عز الدين ورنا هنا يا عمو زي ما قلت لي؟ إسلام وهو يمسح على شعرها: "انتم مش كنتم سوا عند جدو رشدي يا نوران؟ نوران: "آه...
بس أنا عايزهم هنا أو هناك في شقتنا التانية. تعتدل في جلستها وتنظر له في وجهه. هو إحنا سبناها ليه؟ إسلام بغصة في حلقه: "معرفش. اسألي ماما وهي تقولك." لكنوران: "طب ابقى هاتهم هنا علشان نبقى نلعب سوا ونجيب النونو يلعب معانا." ظن إسلام أنها تتحدث عن ابن هند وخالد، ولم يكن يدري أنها تتحدث عن أخيها المنتظر. تستمع سيلا لحديث نوران وترتبك وهي تضع القهوة على المنضدة. وسط نظرات إسلام المتسائلة والمتشككة لها. سيلا بارتباك:
"نوران... يلا يا حبيبتي متتعبيش عمو." نوران وهي تكمل حديثها: "يعني يا عمو هتلعب معانا مع النونو بتاعنا." إسلام مبتسمًا: "آه يا حبيبتي." نوران وهي تهلل وتقبله قائلة: "وتلعب كلنا سوا." يزداد ارتباك سيلا ويزداد شك إسلام من سبب ارتباكها. يشرب إسلام قهوته وهو ينظر لها ويفكر في لماذا كل هذا الارتباك؟ هل تنتظر أحدًا؟ أم ماذا؟ لا أحد في المنزل. ربما تنتظر أحدًا ما؟
سيظل إسلام في المنزل وسيلا تجلس مع نوران في حجرتها وإسلام مع سيف في الردهة حتى يدا النعاس تغلبهم وينام الأطفال. تذهب سيلا إلى المطبخ ويتبعها إسلام. بسرعة، تجفل من ملاحقته لها وتنظر له في حيرة، في حين ينظر لها بحب وغيره، بعشق وغضب. سيلا بصوت واهن متحشرج جاهدت في خروجه: "عايز حاجة. في إيه؟
إسلام وهو يتقدم نحوها مسلوب الإرادة؛ أخيرًا أصبحا بمفردهما، أخيرًا يمكنه التحدث لها بدون أي عائق أو بوجود أي أحد. يمشي بخطوات تجاهها وسيلا تشعر بالتوتر منه ومن نظرات عينيه لها التي لا تعرف قراءتها الآن. ترتجف شفاها وهي تقول: "في إيه يا إسلام؟ إسلام بنظرات مسلطة عليها وبصوت متحشرج: "في إنك وحشتيني أوي." يتأملها ويتأمل وجهها ويكمل: "مش عارف إيه متغير فيكي بس التغير للأجمل." سيلا بهمس:
"معدتش ينفع الكلام ده خلاص. متنساش انت عملت فيا إيه؟ وليه؟ إسلام وهو يضع يده على شفتيها بهمس: "شششششش... متكمليش. مش عايز افتكر الألم ده." سيلا وهي تنظر له بغضب: "والألم اللي اتسببت فيه ليا مش عايز تفتكره كمان، وكرامتي اللي اتهانت منك مش عايز تفتكرها كمان." تتحد نظرات إسلام لها وهو يقول بغضب: "مش قد ألمي واللي حسيت بيه، ولسه بحس بيه. عايزة تعرفي كان قد إيه؟
ينظر حوله في أنحاء المطبخ ثم تقع عيناه على سكين كبير يلتقطها في يده، ويمسكها من نصلها الحاد بقوة، فتسيل دماؤه وتتقطر على الأرض وسط ذهول سيلا وعيناها الحاظة عليه. تحاول لتمسك يده وتصرخ: "ليه كدا... كفاية يا إسلام... حرام عليك." إسلام وهو ينهج من شدة الغضب، مستلذاً بألمه، ينظر لها:
"هتصدقي لو قلت لك إن الألم اللي أنا حاسس بيه دلوقتي أخف بكتير أوي من اللي كنت حاسس بيه وأنا بشوف الصور والفيديو. هتصدقي إني اتمنيت لو أصفّي دمي وأبعد حبك من قلبي، بس مقدرتش، لأني لقيت نفسي بحبك أكتر. كل ما أبعد وأقسي قلبي عليكِ أول ما أشوفك بنسى كل حاجة ومفتكرش غير حبك." سيلا صارخة: "كفاية يا إسلام إيدك بقى. لو حبيتني بجد كنت عرفت الحقيقة ومش محتاج حد يقولك ولا حد يكشف لك الحقيقة. لو حبتني بجد كنت سألت دا...
وتشير إلى قلبه وتكمل: "وهو كان هيقولك إني بريئة. لو حبتني بجد كنت سألت احساسك هيقولك مش أنا اللي تعمل كدا. انت محبتنيش يا إسلام للأسف. محبتنيش." يترك إسلام السكين ويقع أرضاً فيرع يده المدماة إلى وجهها ويتحسسه وأنفاسه لفح وجهها، في حين كانت سيلا في قمة ذعرها لقربه منها وخوفها من أن يكتشف حملها.
"سألته والله سألته بس عايز دليل. انتي متعرفيش يعني إيه راجل يحب بعد ما كان بيسخر من الحب. متعرفيش كمية الغضب وأنا عايز أعرف مين الحيوان اللي اتهنت بيه معاه وليه؟ بس بما بشوفك بنسى كل حاجة أبقى عايز أشوفك وأفضل جنبك وأتمنى كل اللي حصل يكون حلم، أو كابوس وانتهى." يقترب منها كثيراً يريد تقبيلها، فتبتعد سيلا وجهها عنه جنباً. "معدتش ينفع خلاص. مع السلامة يا إسلام."
إسلام وقد ابتعد هنا قليلاً يزفر في قوة. تبتعد عنه سيلا بسرعة وتجلب قطعة شاش ومطهر. تغسل له الجرح، وتضع المطهر وتلف بالشاش دون أن تنبس ببنت شفة وإسلام ينظر إلى وجهها الذي لطخ بدمائه. تنتهي سيلا وتقول له: "أنا طهرت لك الجرح. روح على مستشفى وشوف إيدك. الجرح عميق. أنا عملت كدا عشان انت عم الولاد وبس." ينظر لها غاضباً ويقول: "عم الولاد بس. أنا جوزك يا هانم." سيلا مقاطعة له بحدة:
"كنت واطلقنا يا إسلام. تصبح على خير بقى لأن وجودك كدا غلط." إسلام وهو يخرج من المنزل: "وانتي من أهل الخير." يخرج إسلام وتتنفس سيلا الصعداء من شدة خوفها أن يلاحظ إسلام حملها.
أما عند إسلام فيوصي البواب على ملاحظة سيلا وإبلاغه بأخبارها، ويعطيه مالاً لذلك. يجلس إسلام في سيارته يراقب شقتها وحتى غلبه النوم وهو جالس يراها وهي تقف في شرفة غرفتها. كانت سيلا تقف في غرفة شرفتها تتنسم بعضاً من الهواء البارد وتربت على جنينها في حنان وتفكر في ما حدث منذ قليل مع إسلام. في الصباح وفي الشقة: إسلام يتحدث مع وليد، يسأله وليد عن الجرح فيخبره أنه جرح نفسه أثناء تحضير الطعام لنفسه.
عندما يفتح إسلام الخزينة يقع مظروف سيلا الخاص بالصور وتقع الصور ويراها وليد ولم يستطع إسلام أن يمسكها لإصابة يده. وليد بدهشة وهو ينحني يلتقط الصور ويرى: "إيه دا... الصور دي مزيفة! إسلام بحده: "هات الصور دي يا وليد. دي مش مزيفة للأسف." هو لا يريد أي أحد أن يشاهدها ويشاهد جسدها سواه. لا يزال يشعر بالغيرة عليها. وليد بحده وغضب: "استحالة دي تكون سيلا. مش ممكن أصدق." إسلام بألم:
"انت هتعمل زي أبويا. هو برضه بيقول كدا. بس الخبير بقى بيقول إنها حقيقية." وليد بسرعة: "اكيد في لعبة وأنا لازم أكشفها. عشان كدا بقى اتطلقتوا. صح؟ إسلام بغضب: "اكيد. كنت عايزني أخليها على ذمتي بعد ده." وليد بذهول: "غلطان. إنت محبتش سيلا. لو كنت حبيتها كنت اتأكدت الأول. طلاقك ليها كسرها. انت المفروض تبقى أمنها وحمايتها. كان لازم كان لازم تتكلم معاها. كان لازم تصدق قلبك وعقلك." إسلام مقاطعاً بحده:
"انت إزاي تتكلم معايا كدا؟ يفرق إيه حبيتها ولا لاء؟ انتم ليه مش حاسين بيا؟ يجلس بوهن على مقعد ويكمل: "عارف يعني إيه تحب واحدة لدرجة الجنون بيها؟ عارف يعني إيه تبقى مش عايز حاجة من الدنيا وأنت قاعد معاها؟ عارف لما تلاقي نفسك بتنسى كل شيء حتى شغلك اللي كان نمرة واحد في حياتك وأنت معاها. وفجأة تلاقي صور زي دي وفيديو ليها مع واحد تاني." يلتفت له بحدة وغضب والنار تكاد تخرج من عينيه:
"أنا مكنتش شايف حاجة قدامي غير الصور. مكنتش مصدق نفسي. كنت بتمنى إني كنت أموت ولا أشوفش الصور دي. أنا اتطعنت في قلبي، وكرامتي ورجولتي. كنت عايز آخد بتارها منها. ألمتها ووجعتها وكسرتها بس كسرت نفسي قبل منها." يلتفت له ويكمل:
"مش هتحس باللي حاسس بيه. عمر ما حد هيقدر يحس باللي أنا حاسس بيه. ولا هيعرف إيه بيحصلي أول لما عيني تشوفها. ببقى قاعد أحفظ نفسي إنها غلطت وخانت عشان أوجعها وأول لما بشوف وشها وبراءة عينيها بنسى كل شيء. بس حوايا حرب ونار. عايز أتأكد. جزء مني بيقول بريئة وجزء تاني بكلام الخبير بيقولي عبيط." يزداد حدة صوته وهو يقول: "محدش حاسس بالنار اللي جوايا واللي بتحرق فيها غيري." وليد بحده:
"اللي يحب ويحب بصدق مش ممكن يصدق حاجة زي دي. واحدة محترمة إيه اللي يخليها تخون؟ لو مش بتحبك كانت اتطلقت منك. واحدة زي سيلا استحالة تعمل حاجة في الحرام وتغضب ربنا. وأنا لازم أعرف الحقيقة." ويخرج وليد سريعاً من المكتب. ويبقى إسلام يفكر في كلامه ويحدث نفسه: "معقولة أنا محبتهاش؟ معقولة كلهم صح وأنا غلط؟ طب لو غلط يبقى إيه حكاية الصور دي؟ ومين اللي يعمل كدا؟
وأنا إزاي معرفتش أصدقها. لو محبتهاش أمال النار اللي جوايا دي من إيه؟ لو محبتهاش أمال الألم اللي في دا من إيه؟ لو كانت شيماء مكانها مكنتش هزعل كدا ولا هتأثر كدا؛ لأني محبتهاش. أنتم كلكم متعرفوش أنا قد إيه حبيتها. أنا عديت مراحل الحب دي من زمان. أنا عشقتها. عشقت كل تفصيلة فيها، كل حركة ليها. للأسف محدش هيقدر يعرف ولا يقدر اللي جوايا غيري أنا وبس."
يخرج وليد من مكتب إسلام والغضب يتطاير منه. يهاتف شيماء ويعرف منها أنها بالنادي ويذهب إليها. يقبل وليد على شيماء ويجدها تجلس وسط صديقاتها. وليد: "إزيكم يا قمرات عاملين إيه؟ شيماء والبنات: "إزيك يا ليدوا... أخبارك إيه؟ وليد بابتسامة جذابة: "الحمد لله. شيماء ممكن كلمة على انفراد؟ شيماء وهي تنهض بامتعاض: "في إيه يا وليد؟ إحدى الفتيات: "هو سر يعني ولا إيه؟ وليد للفتاة وهو يحدثها ويغمز لها: "هقولك على السر بعدين." وليد:
"يلا شيماء... عايزك بسرعة." تذهب معه شيماء ويجلسون على طاولة بمفردهم. شيماء بملل: "عايز إيه يا وليد؟ وليد بابتسامة لعوبة: "لعبتيها صح يا شيموا. يغمز لها ويكمل؛ بس مش كنت أنا أولى بسيلا؟ شيماء بابتسامة كبيرة وضحكة عالية: "آهى عندك روح لها." وليد: "بس اعرف بقى عملتيها إزاي؟ آآآه عايز أطمن على نفسي، هو أنا مش أخوكي ولا إيه؟ شيماء وهي تضع رجل على الأخرى في تفاخر: "اطمن يا سيدي." وليد بسرعة ولهفة مزيفة:
"اطمن إزاي أنا شايف صور وفيديو زي الزفت." شيماء: "مفيش حاجة حصلت." وليد: "طب إزاي بقى أفهم؟ والصور مش متفبركة؟ شيماء بمنتهى الثقة بالنفس والسعادة من نفسها: "شوف يا سيدي؛ عشان انت بس أخويا هقولك. الحكاية كلها في قميص نوم لسيلا جايبه إسلام، تلبسه واحدة شمال ليها نفس مقاس وجسم سيلا ولون شعرها، وتتصور على الطبيعة كدا كام صورة وفيديو يبقى كله حقيقي ومش متفبرك. ولا حاجة." وليد: "طب واللي معاها كان مين؟ شيماء بضحكة شديدة:
"فخري ابن عمتك." وليد بدهشة: "فخري؟ شيماء: "آه. هو كان هيموت عليها وهي صدته. ففكرت أنا وهو نعمل كدا. ولما إسلام يشوف الفيديو والصور اكيد هيطلقها. وبكدا أخلص أنا منها ويبقى إسلام ليا لوحدي. وفخري ياخد سيلا؛ بس لحد دلوقتي بيحاول معاها وهي صدّاه. جرب انت بقى يمكن تلين معاك." وليد بسخرية: "تفكير شياطين صحيح." شيماء بحقد دفين:
"متخلقتش لسه اللي تقف قدامي وتاخد حاجة مني؛ لا وايه تاخد جوزي يا وليد. أنا قلت لك قبل كدا. ادخل انت في الخط معا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!