الفصل 5 | من 10 فصل

رواية مديري مستر فرعون الفصل الخامس 5 - بقلم رحاب ابراهيم

المشاهدات
39
كلمة
3,932
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

وعندما هبط على السلم ظهرت ابتسامة "سركن" وهو يبتسم ويقول: _قطعة من القمر .. قلبي بمدينة غير آمنة. انفرجت ابتسامة على شفتيها، ثم هتفت قائلة وهي تركض لتسأله قبل أن يخرج من المبنى القديم: _صحيح هو أنت اسمك إيه يا أخينا؟ توقف "سركن" عند إحدى درجات السلم الأخيرة بالطابق الأرض، ثم رفع عيناه الزرقاء لها مجيبًا بابتسامة لمعت فيها أسنانه البيضاء اللامعة: _المرة القادمة عندما نلتقي سأخبرك.

وما جعلها تتجمد هي تلك النظرة الساحرة بعينيه الذي ختم لقاءه بها قبل أن يخرج من المبنى. ابتلعت شقاوة ريقها وتنفست بعمق وضربات قلبها تكاد مسموعة لها. وقالت بأنفاس متسارعة: _لا يابت يا شقاوة أهدي كده .. أهدي يخربيت ده إحساس بحسه قدامك يا دي الجدع .. ده أنا لسه شيفاك من كام ساعة! هتفت صديقتها "سماح" فجأة: _حصل إيه يا شقاوة؟ شهقت شقاوة من الفزع وصاحت بوجه صديقتها: _يخربيتك يا سماح .. خضتيني يابت! نظرت لها سماح بنظرة

ضيقة ماكرة وسألتها بخبث: _هو الجدع اللي شبه البرج ده كان بيعمل إيه يابت على السطح السعادي؟ لوت "شقاوة" فمها بسخرية وأجابت: _جه على صريخي ياختي، جه ونجدني من بيومي والصيع اللي معاه .. بيومي النتن كان عايزني أرجع للرقص تاني، وأنا ياختي توبت .. وعهد الله توبت. واستطردت بنظرة حالمة وتمنّي:

_توبت ونفسي أداري في ضل راجل يحميني من الدنيا .. راجل بجد، راجل الناس كلها تخاف منه وتعمله ألف حساب .. راجل يملا العين والقلب وأتشحتف عليه لو غاب عني يوم .. وما يسبنيش لبيومي اللي مرمطني في الكباريهات من صغري، كان بيبيعني عينك عينك زي حتة اللحمة .. ولولا ستر ربنا في كل مرة كان زماني ضيعت من زمان. وكزتها سماح بغمزة خبيثة وهمست: _راجل زي الراجل البرج بتاعك ده. ابتسمت "شقاوة" بنظرة مليئة بالدفء وقالت:

_الراجل بتاعي، يسمع من بوقك ربنا ياختي .. ده شقاوة اللي وقع عند رجليها أحسنها رجالة ولا عبرتهم قلبي بقى زي الطبل من بصة واحدة لعنيه ... جاي منين ده! .. حتى كلامه كله بالنحو زي ما يكون مدرس عربي معتمد .. مش كده يبقى معتمد أسماح؟ أكدت سماح: _معتمد ونص ياختي. تطايرت خصلات شعرها الغجرية وهي تتحرك نحو سور السطح بخطوات شاردة والابتسامة لا تزال على شفتيها وقالت: _ربنا يحرسك لشبابك يا دي الجدع يا اللي معرفش اسمك.

واستندت بيدها على السور وانفرجت شفتيها بابتسامة ظهرت غمازتيها عندما وقعت نظرتها على "سركن" الجالس على الرصيف المقابل لمنزلها وينظر لها بابتسامته المهلكة هذه واكدت: _بس هعرفه .. وعزة جلالة الله لأعرف اسمك، وهناديلك بيه. قالت سماح بتفكير: _شكله يدي على فتحي .. أو شوكت. ضحكت "شقاوة" وقالت بعاطفة شديدة بعد ذلك: _لو على شكله فهو زي ما يكون كده أمير ولا سلطان .. قيمة وسيما والله ...

مش مهم اسمه، أن شاء الله يكون اسمه عبد الجليل. همست سماح قائلة بتمنّي: _يارب يكون عنده أخوات. نظرت لها "شقاوة" بغيظ وهتفت: _أنتي لاضمة معايا في أي سكة يا سماح؟ ... ياختي فوكي الخيط وسبيني أدخل دنيا لا أرى فيها سحنة من سحنتكم. ثانية كده ... سألتها سماح باهتمام: _إيه؟! أجابت شقاوة بابتسامة: _يلااااهوي .. بقيت بتكلم بالنحو زيه. *** بقصر كبير .. ملك عائلة "هاكان كمال الريان"

التفت الأسرة المكونة من أربعة أفراد حول مائدة العشاء، وعندما انتهى الخدم من إتيان كافة الأطباق الشهية، حركت الأم "نورمان" معلقتها في طبق حساء دافئ وألقت نظرة عميقة على ابنها "هاكان" الذي بدأ يتناول وجبته بروتينه الخاص وهو ارتشاف عصير البرتقال الطازج الخالي من السكر تمامًا. وقالت بلهجة مصرية عامية جيدة نوعًا ما نظرًا لأصلها التركي: _لورا وأمها هيحضروا بعد ساعة .. أتمنى تقعد معانا وترحب بيهم.

كتم رشاد ضحكته الساخرة، بينما ابتلع "هاكان" ما بفمه ثم انتظر للحظات وبعدها قال بلا مبالاة: _لو كنت فاضي هحضر. تحدث والده "كمال" بأمر وغلظة: _لازم تفضي نفسك .. وبعدين أنت بعد ساعة هتكون بتعمل إيه يعني؟ .. هاكان! ... أنا سيبتك في أمور كتير أوي تختار اللي أنت عايزه .. بس المرادي أنا اللي هختار وده شيء مافيهوش نقاش! تنفس "هاكان" بعمق وحاول أن لا تنفلت أعصابه، فهو مخلوق لا يقبل الأوامر. فقال بلا اكتراث:

_بابا .. أنا قبل كده وافقت على طلبك وقولتلك أن الجواز مش رقم واحد في حياتي .. وأني مش مرتبط بواحدة، ويوم ما هرتبط هتكون أكيد بنت مناسبة ليا ولعيلتي .. وقولت برضه أن لورا مش بطالة ومناسبة .. أذن أنا ما رفضتش عشان كل شوية تفتح الموضوع ده معايا .. أحنا خلاص حددنا ميعاد الخطوبة آخر الشهر الجاي .. يعني المفروض دلوقتي نكون بنرتب للخطوبة مش لسه قلقان من موافقتي! ابتسم "كمال" بسخرية وقال:

_قلقان وهفضل قلقان لحد ما أشوفك بعيني في الكوشة .. البنت دي بنت أهم شريك ليا ومش مستعد أخسره عشانك .. المشكلة يا "هاك" أنك غامض حتى بالنسبالي أنا أبوك!! .. أول مرة ما أكونش عارف أفهم بني آدم ولا قادر أعرف بيفكر في إيه؟ ... عارف أخوك رشاد رغم أنه صايع ومالوش في الشغل .. بس حافظه وفاهمه وأعرف أحكمه، أنما أنت تحيّر!

التوى فهم "رشاد" بغيظ، ونظر له "هاكان" بنظرة جانبية، ولكن فجأة تذكر التعليق الساخر لتلك الفأرة ذي النظارات على شقيقه بالمكتب واتسعت ابتسامته. فقال رشاد بغيظ أشد: _أضحك أضحك. وبدأ "هاكان" يتناول عشائه بهدوء شديد، وبعد العشاء ببعض الوقت أعلنت إحدى الخادمات لـ "نورمان" الجالسة بمقعد أمام المسبح بالهواء الطلق: _الآنسة لورا وأمها وصلوا يا ست هانم. نظرت "نورمان" لابنها "رشاد" الجالس قبالتها بمقعد آخر وقالت بأمر:

_قول لـ هاكان ينزل يستقبلهم معانا. أطاع رشاد الأمر وصعد للطابق الثاني حيث جناح شقيقه الأكبر "هاكان" والذي بمثابة مملكة خاصة به وممنوع الاقتراب إلا للضرورة! .... نقر "رشاد" على الباب الزجاجي العريض حتى سمح له "هاكان" بالدخول بصوت حاد. وقال رشاد بعدما دخل وألقى نظرة متفحصة لشقيقه الجالس بمكتبته الخاصة المليئة بالكتب النادرة والثمينة في كافة المجالات، ويبدو أن "هاكان" كان يستثمر وقت فراغه في القراءة مثل العادة، فقال:

_خطيبتك وصلت مع أمها. لم يبد "هاكان" أي رد فعل ببادئ الأمر وهو ينظر بتمعن بأحد الكتب التاريخية مرتدياً نظارة قراءة برزت وسامته بشدة. فكرر رشاد ما قاله بنفاد صبر. حتى التفت له "هاكان" بنظرة حادة وقال: _أطلع وأقفل الباب وراك يا رشاد .. شوية وهنزل. رماه "رشاد" بنظرة حذرة كأنه يذكّره بما قاله لوالده: _ماينفعش تنطش! .. هتجيب لنفسك وجع الدماغ على الفاضي.

نهض "هاكان" من مقعده وبدأ فاتناً وهو يرتدي "تي شيرت" أسود دون أكمام وبنطال قطني رياضي أسود أيضاً برز برونزية بشرته المائلة للبياض. ووضع الكتاب من يده بتقطيبة ثم قال: _دقيقتين وهطلع تاني .. الكتاب ده ميتسابش. أوقفه "رشاد" قائلًا بتعجب: _طالما ما بتحبهاش ولا بتطيق تقابلها مكمل في الجوازة دي ليه يا هاك؟ .. أنت هتعيش معاها إزاي وأنت حتى مش عايز تنزل تسلم عليها كام دقيقة وتطلع؟ رد "هاكان" بسخرية وهو يضع

يداه في جيوب بنطاله بثقة: _حب إيه يا رشاد .. أنا الحب مش فكري أصلًا، وفكرة أني مش طايقها دي فكرة غلط .. هي بس دايمًا بتيجي في الوقت الغير مناسب .. مافيش حاجة اسمها حب وده اللي أنا مقتنع بيه .. الجواز بالنسبالي زوجة تؤدي دورها في حياتي وأولاد. لم يقتنع رشاد بالأمر وقال بدهشة:

_الغريب أن كل بنات العيلة شايفينك فارس أحلامهم .. بنات كتير أوي تحلم تاخد حيز من تفكيرك وقلبك .. لكن يا هاك أنت مغرور .. ساعات بحس أنك شايف نفسك خسارة في أي بنت .. عقدة نارسيس .. أتمنى يكون ظني غلط. عقد "هاكان" حاجبيه ثم قال بحدة كأنه فوجئ بنظرة شقيقه له: _خلصت كلامك؟ رد رشاد بيأس بعدما أيقن أن هاكان ينهي المناقشة: _تقريبًا. أشار له "هاكان" وقال: _طب يلا ننزل عشان منتأخرش أكتر من كده. ***

تورد وجه "لورا" بحمرة مشرقة وابتسامة مضيئة عندما لمحت "هاكان" يهبط درجات السلم الرخامي. طالعته بنظرة عاشقة. لم تكن تتخيل أن ذلك الرجل الفاتن سيتقارن اسمها به ويصبحان زوج وزوجة بالقريب. انتفض قلبها بسعادة وهي ترميه بنظرة دافئة. بينما همس "رشاد" لشقيقه "هاكان" وقال بضحكة خافتة: _البت واقعة من فوق برج القاهرة في حبك وأنت ولا هنا!

رحب بهما "هاكان" بلطف ثم جلس على مقعد بعيدًا عن الجميع واضعا ساقا على ساق بتجاهل المجلس برمته! تنفست والدته "نورمان" بغيظ منه وغمزت لولدها "رشاد" أن ينبه "هاكان" للجالستين وينظران له بتعجب كل برهة! فنهض رشاد وجلس بجانب شقيقه هاكان ضاحكاً: _افتكرت حاجة هتموتكم من الضحك .. امبارح جت بنت تقدم على وظيفة في شركتنا وشكلها لوحده انتيكة. وتابع وهو يقهقه من الضحك ويروي واصفاً ليلة العيد بدقة: _لا واسمها إيه تخيلوا ...

اسمها "ليلة العيد سعيد رمضان"! ضحك الجميع بقوة عدا "هاكان" الجالس واضعاً ساقا على ساق ولم ينفرج فمه بأقل ابتسامة ولو بسيطة حتى. فتوجه رشاد نحو شقيقه بمزاح قائلاً: _ياريتك كنت قبلتها يا هاك .. دي كانت هتبقى فقرتي الكوميديا المفضلة. قالت لورا بضحكة: _وهي بنت بالمواصفات دي جاية تشتغل إيه في شركة سياحة؟ .. طبيعي تترفض! مط هاكان شفتيه للحظة ثم قال بثبات وثقة: _اتقبلت. فوجئ الجميع لبرهة، حتى سأله رشاد بدهشة:

_أنت لما خرجتني من المكتب وسيبتها معاك .. قبلتها بعد كده؟ توجهت "لورا" لهاكان بنظرة حادة وسألته: _سابها معاك؟! ألقى هاكان نظرة جانبية سريعة للورا، كأنه يحذرها أن لا تتعدى حدودها المسموحة لها بالتدخل في شؤونه، وأجاب على تساؤلاتهم بهدوء مستفز: _آه اتقبلت .. بنت شاطرة وطموحة وهتكمل دراستها وهتجتهد .. أرفضها ليه؟ ... بالعكس أنا الكسبان. وسألته "لورا" مجددًا بعصبية: _وكسبان إيه بقا؟!

.. ومن امتى الشركات بتقبل الموظفين على حسب طموحاتهم مش شهاداتهم؟ وكزتها أمها "تهاني" لكي تصمت ولا تثير غضب هاكان، بينما اشتدت الحدة بعيني هاكان وظهر جلياً كرهه الداخلي للارتباط بتلك المخلوقة المجادلة. وقال ردًا على تعليقها المستفز لشخصه: _وقولت أنها شاطرة .. شاطرة يعني مناسبة جداً للوظيفة، ولكن اللي ناقصها الشهادة .. أنا ليا أسلوبي وتفكيري الخاص في شغلي ومقتنع جداً بالبنت دي وهساعدها لحد ما تخلص دراستها.

امتقع وجه لورا بالغضب والغيظ، وابتسمت بسخط وهي تقول: _ده واضح أنها عجباك أوي؟! أجاب "هاكان" بتأكيد وثقة: _جداً. كانت لورا تريد أن تنفجر بوجهه وتقول ما بداخلها، بينما نهض هاكان وقال بابتسامة كأنه أتم مهمته بنجاح: _بعد إذنكم .. مستني مكالمة شغل ضرورية. ولأول مرة ترتاح "نورمان" بمغادرة ابنها هاكان بوجود لورا، ولكن على ما يبدو أنه لو لم يغادر لكان سينشب شجار بينهما لا محال! فقالت تهاني بعصبية لـ "نورمان":

_هو ده ترحيب ابنك بينا؟! اعتذرت نورمان بمبالغة، ثم قالت: _هاكان دي شخصيته .. جاد وحاد، لكن قلبه زي السما الصافية .. ما يقصدش أبداً يضايقكم، ده حتى وإحنا على العشا كان بيفكرنا بترتيبات الخطوبة. هدأت تهاني بعض الشيء، بينما قال رشاد بضحكة وسخرية: _ما انتوا لو شوفتوا ليلة العيد دي لورا مش هتزعل أوي كده، دي نظارتها بس تجيب جلطة .. شكلها مبهدل أوي في نفسها، "هاكان" في الأول اتصدم أنها جاية للوظيفة وتقريبًا كان هيطردها...

بس يظهر فعلاً أن البنت شاطرة في الشغل وأقنعته في الأنترفيو .. وهاك أخويا مخه كله في الشغل والأفواج والرحلات والفنادق. هدأت لورا بعد حديث رشاد بعض الشيء، وعادت الابتسامة لشفتيها بالتدريج. *** عادت "ليلة العيد" للمنزل في ساعة متأخرة ليلاً وبيديها أكياس من المشتريات. كانت تدرك أن لا أحد سيهتم بتأخرها، ولكن حينما دخلت وجدت خالتها سميرة تربت على كتف زوجها وتقول بمواساة:

_فداك يا خويا .. فداك أي حاجة، المهم أنك بخير ووسط ولادك. كان الزوج يرمي رأسه بين يديه بكسرة، وتابعت ليلة العيد سيرها لغرفتها دون الاهتمام بما حدث، فلا أحد يشاركها أحزانها كي تشاركهم هي. بينما قالت سميرة لزوجها وأولادها بتحذير: _أوعوا حد يقول للبت دي على الـ 200 ألف اللي اتسرقوا من خزنة المصنع، لاحسن تطمع وتقول ما المصنع بيكسب أهو وهاتوا حقي وندخل في سين وجيم .. لو سألت قولوا أن المصنع جاله فلوس ضرايب ومضطرين ندفعها.

قال الزوج "شوقي" بحسرة: _كل ما أجي أكسب وأطلع فلوس وأفرح بيها لازم تيجي حاجة وتضيعها مني .. تقوليش فلوس حرام! ضربت سميرة على صدرها بخضة واعترضت: _تف من بوقك .. قال حرام قال، أومال لو مكنتش بتدي كل واحد حقه على داير المليم .. هو في زيك أنت، ربنا ما يحرمنا منك ومن حنية قلبك. *** وقفت "ليلة العيد" أمام المرآة تختبر الملابس الجديدة بسعادة. وجلست لوتس تراقبها في بهجة وابتسامة عريضة. حتى قالت بفخر:

_شوفتي ذوقي حلو إزاي يا ليلة؟ كادت ليلة العيد أن تقفز كالأطفال من السعادة: _ذوقك يجنن يا لوتس، من زمان ما اشتريتش لبس كتير أوي كده .. لا وكله تحفة حرفيًا .. أنا مش مصدقة أني اشتريت لبس ب 30 ألف جنيه مرة واحدة .. كويس أنك خبّيتي الشنطة الكبيرة عن عنيهم وإلا كانوا هيستغربوا جبت ده كله منين. ضحكت لوتس وقالت: _استخدمت قوتي وجبتها قدامهم وما شافونيش .. لما تبدأي شغل بقا جيبي بالباقي وهيبقى عندك حجة أنك اشتغلتي.

تسمرت ليلة العيد للحظة، ثم قالت بتوتر: _أحنا نسينا حاجة .. أنا ما قولتلهمش على الشغل .. ولو شاهندة عرفت أني اشتغلت في الشركة اللي اتطردت منها هتطين عيشتي .. أنا إزاي ما فكرتش وحسبت حساب كده؟ نهضت لوتس وقالت بدعم وثقة: _أنا معاكي، ومحدش هيقدر يمنعك تشتغلي، وإلا أنتي عارفة هحلها إزاي! نظرت ليلة العيد لها وتدرجت ابتسامتها على ثغرها، ثم ضمتها بعناق حنون وقالت: _ربنا يخليكي ليا يارب.

نظرت لها لوتس بابتسامة وعاطفة الأمومة تغزو قلبها. *** وباليوم التاليــ استيقظت ليلة العيد مبكرًا جدًا، وذهبت لأخذ دش دافئ، وحينما انتهت وخرجت من الحمام وهي ترتدي كامل ملابسها وحجابها كالمعتاد. وجدت سميرة قد استيقظت للتو ويدها على خدها وتتألم: _ضروسي رجعوا يوجعوني تاني، آآآه ياني. استغلت ليلة العيد الفرصة وقالت لها سريعا: _أنا هلبس وأروح الشغل، النهاردة أول يوم ليا. تأوهت سميرة بألم وصاحت فيها:

_ياختي ما تغوري في داهية هو أنا ناقصاكي. ولأول مرة لم تستاء ليلة العيد من هذا الرد القاسي، بل ابتسمت وذهبت لغرفتها لتبدل ملابسها سريعا قبل أن يستيقظ الجميع وتنهمر على رأسها التساؤلات. وحالما انتهت من ارتداء "بدلة" أنثوية باللون الأسود الفحمي، وقميص أبيض ناصع أسفل المعطف. وأحكمت حجابها الرقيق، وقفت أمام المرآة بثقة وابتسامة عريضة. لا يشوب هذا المظهر سوى تلك النظارة السميكة على عينيها.

وشردت فجأة حينما تذكرت الأمس وهو يضع نظارتها على عينيها وقف أمامها متأملاً وجهها بثبات. نفضت ليلة أفكارها سريعاً. حتى همست لها لوتس بدعم: _خليكي دايمًا فاكرة أهم حاجة .. أنك تستحقي كل خير. تبسمت ليلة العيد لها بمحبة وسألتها بصدق: _كده شكلي كويس؟ صفرت لوتس بإعجاب وقالت بغمزة: _كويس جداً جداً .. روحي أنتِ وأنا ورايا مشوار مهم وجاية وراكي.

لم تسألها لوتس لرغبتها في أن تغادر المنزل بأسرع وقت، فحملت حقيبة كتفها وأسرعت الخطا متجاهلة تماماً النظرات الجانبية لخالتها سميرة التي لاحقتها بدهشة وهي متوجهة للخارج. *** وبالشركة السياحية.. خرجت "ليلة العيد" من سيارة أجرة خاصة أمام مبنى الشركة. وسارت بثقة لم تشعر بها يوماً بنفسها، رغم أن تلك الثقة لا تزال ممزوجة بالقلق والتوتر والشك.

وحينما دخلت المبنى وسارت عدة خطوات وقفت وهي تنظر للمصعد وتذكرت ما حدث بالأمس. فابتلعت ريقها بصعوبة وابتعدت عن ذلك المصعد اللعين ووقفت أمام الآخر الخاص بالموظفين. وفتح باب المصعد ودخلته، وما كادت أن تضغط زر الصعود حتى دهشت بدخول "هاكان" بملامح وجهه الجامدة مع حارسه الضخمان، ولم يلقي عليها أدنى نظرة حتى. رفعت نظارتها أعلى أنفها بتوتر شديد ولم تستطع الاعتراض، وتساءلت بخفوت: _هو في إيه .. مش المفروض ده بتاع الموظفين؟!

ويبدو أنه قرأ أفكارها، فقال للحارسين بعصبية: _هاتوا أي حد للصيانة بسرعة .. مش معقول هستخدم الإسانسير ده؟! وهنا فهمت ليلة العيد الأمر، فالمصعد الآخر قد تعطل! .. رغماً عنها ضحكت. فألتفت لها "هاكان" بنظرة مهددة ومتوعدة أيضاً عندما لاحظ ضحكتها المتشفية فيه. حاولت "ليلة العيد" كتم ضحكتها بما لديها من قوة، ولكن انفلتت منها وضحكت بخفوت. ضحكتها جعلت الحارسين يبعدان وجهها عن "هاكان" لكي لا يرى بوادر الابتسامة عليهما! ...

ووقف المصعد أمام الطابق الخامس. وخرج "هاكان" أولاً. ولكنه توقف واستدار لها، بينما كانت ليلة العيد في طريقها لـ "منة" كي تعرف وظيفتها المؤقتة وتبدأ فيها. ولكن أشار لها "هاكان" أن تتبعه حتى مكتبه. ابتلعت ليلة العيد ريقها بتوتر وسارت خلفه مرغمة، وتحاشت أن تثير استفزازه أكثر من ذلك. وبعدما جلس "هاكان" أمام مكتبه بكامل هيبته وحضوره الشرس. رمقها بنظرة متفحصة لما ترتديه وابتسم بسخرية وقال: _تعبتي نفسك على الفاضي.

لم تفهم قصده ليلة العيد وتساءلت بريبة: _مش فاهمة حضرتك تقصد إيه؟ ضيّق عيناه عليها ثم نهض ووقف قبالتها مباشرةً بثقة قريبة للغرور: _حضرتك تقصد أن اللبس ده مش مناسب أبداً لشغلك الجديد .. أصل شهادتك ما تشغلكيش عندي غير أنك تعمليلي قهوة كل لما أطلب. فغرت "ليلة العيد" فاها من الصدمة ولم تتخيل الأمر نهائياً، واللمعت عيناها بدمعة جاهدت أن تخفيها، ثم نظرت لعينيه المنتصرة الشامتة في ضيقها وقالت بقبول لكي

لا يهنأ بانتصاره الرخيص: _تمام .. حضرتك بتشربها إيه؟ ضيّق "هاكان" عيناه بغيظ وظهرت عروق فكيه مشيرة لشدة عصبيته. وهتف بها: _لما أعوز هبقى أقولك .. هتلاقي المطبخ آخر الممر .. ده مكانك المناسب. لم تعرف ليلة لماذا فعلت ذلك، ولكنها نظرت له نظرة مليئة بالعتاب وشفتيها ترتعشان بالدموع وكأنها طفلة تشعر بالظلم. وسارت متوجهة للخارج وهي تبتلع مرارة بحلقها. هي حقاً لا تعرف لماذا يتحداها لهذه الدرجة! *** وبالمطبخ الكبير..

الذي به كل الإمكانيات لإعداد جميع المشروبات الدافئة والعصائر الطازجة.... جلست "ليلة العيد" على مقعد خشبي وجدته أمامها واستندت بمرفقيها على طاولة مستطيلة خشبية وأجهشت بالبكاء. حتى انتبهت لصوت يسألها بتعجب: _بتعيطي كده ليه؟ فزعت ليلة العيد بأول وهلة، ثم سألته وهي تمسح عينيها: _أنت مين؟ أجاب الصبي ذو الثمانية عشر عاماً وقال: _أنا سقراط .. بتاع الشاي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...