الفصل 4 | من 10 فصل

رواية مديري مستر فرعون الفصل الرابع 4 - بقلم رحاب ابراهيم

المشاهدات
33
كلمة
3,202
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

توقفت عقارب الساعة عندما حدج فيها "هاكان" بنظرة نارية وأصابع يده تتحسس موضع الصفعة. توقفت أزواج العيون عليهما بانتظار بركان سيثور بعد قليل. جف ريق "ليلة العيد" بوجه شاحب كالأموات ودقات قلبها تدق بجنون وهي لا تعرف كيف فعلت ذلك. ولكنه تعدى حدوده فعليًا عندما لمس ذراعها بقوة وغرور، ظنًا منه أنه يحق له أن يعنف الجميع دون محاسبة للخطوط الحمراء. نظراته التي تنذر بقرب وقوع كارثة حتمية تقول أنه رجل اعتاد أن يأمر فيطاع.

لا مجال للجدال ولا مناقشة ولا حتى مساحة للتفكير في قاموسه. زم "هاكان" شفتيه بغضب شرس، وتلك المرة قبض على ذراعها مرة أخرى بقوة وعنف حتى جرها لخارج المبنى أمام مرأى الجميع. ثم دفعها طردًا حتى سقطت نظارتها الطبية ولم تستطع أن ترى أين دُفعت. وهتف بصوت عالٍ غاضب: "ده مكانك.. الشارع، وكده كده كنت ناوي أطردك، بس أنتي اللي قررتي تتهاني بعد اللي عملتيه ده." رماها بنظرة احتقار ثم عاد للداخل مرة أخرى.

تيبس جسدها بلا حراك وهي تقف أمام المبنى والجميع أعينهم مسلطة عليها في شفقة ونظرات أخرى ملوثة بالازدراء. ارتفعت أجراس الألم بقلبها وانهمرت دموعها على خديها قهرًا. حمدت للحظة سقوط نظارتها حتى لا ترى نظرات الشفقة في أعين الآخرين. لم تستطع سؤال أحدهم عنها، فيكفيها ما تلقت من إهانة وسخط. مضت "ليلة العيد" في الطريق ببكاء وخطواتها بطيئة يائسة من كل شيء في الحياة.

لا يبدو أن شيئًا سينصفها في هذا الكون الشاسع، هكذا سرى بعقلها وهي تبكي بحرقة وتقريبًا لا ترى شيئًا حولها بعينيها القصيرة النظر. شعرت أنها ستسقط مغشيًا عليها، فتحامت بجسد شجرة ضخمة يحاوطها فراغ صغير دائري به حشائش خضراء. جلست أسفلها "ليلة" واغتنمات فرصة بعدها عن الأنظار وظلت تبكي بحرقة وحدها. وفجأة شعرت بيد تربت على كتفها بمواساة، فشهقت بالبكاء أكثر وكأنها توقعت الأمر.

وبلحظات كانت "لوتس" تجلس أمامها بزي معاصر حتى لا تلفت الأنظار إليها. وقالت بقلق: "جيت أشوفك عملتي إيه لقيت المدير بيزعق وجايب سيرتك.. ما فهمتش اللي حصل بالضبط.. بس كويس إني لقيتك.. حصل إيه؟! انتفضت "ليلة العيد" بالبكاء وأخبرتها ما حدث. فضيقت "لوتس" عينيها بشرر وغضب ثم هتفت بتوعد: "بقا كده.. طب يستحمل بقا اللي هيحصله! منعتها "ليلة العيد" وقالت برفض وهي تبكي:

"مش عايزة أروح هناك تاني، ما تتعبيش نفسك.. كفاية اللي حصلي قدام الناس النهاردة." اعترضت "لوتس" بغضب شديد وقالت: "أنا اعتبرتك بنتي.. وأنا بنتي عمري ما هسمحلها تكون ضعيفة كده أبدًا.. أنا هعرف أرجعك بطريقتي وهتثبتي نفسك يا ليلة.. وهترجعي وهتشتغلي وفي الشركة دي بالذات بقا.. ده هيكون تحدي أكبر ليكي عشان تحققي اللي بتحلمي بيه." نظرت لها "ليلة العيد" ببكاء وضعف ثم قالت:

"الحياة تعبتني أوي.. حاسة إني مابقتش قادرة أعافر وأحلم، حاسة إن جناحي اتكسر.. أنا بنت أحلامها بسيطة أوي.. بس الدنيا مش سيباني في حالي.. كل ما أجي ألاقي أمل عشان أحلم ببكرا لازم يضيع! ربتت "لوتس" على يدها بحنان وقالت بعينين مليئتين بالمحبة: "الحياة زي ما بيقولوا فرص، وفرصتك جتلك.. صحيح فيها شوية عقبات بس محلولة.. أوعي تضيعيها منك.. أوعدك إنك هترجعي وهتشتغلي وهتكملي.. وأنتي عليكي تجتهدي."

كانت عينا "ليلة العيد" مليئتين بالحزن والتيه. فشعرت "لوتس" أن عليها أن تسرع التصرف في الأمر، فنهضت قائلة بإصرار: "هغيب شوية وهرجعلك تاني.. خليكي هنا لحد ما أرجع مش هتأخر." *** ظل "هاكان" في مكتبه صامتًا صمتًا مخيفًا. كان يزفر بغضب شديد وعيناه السوداء ناظرة للفراغ كلما تذكر صفعة تلك الفأرة أمام موظفين الطابق الأرضي. انتبه لصوت نقر على باب المكتب وسمح بالدخول. حتى ظهر حارسه الشخصي متسائلًا: "أستنى حضرتك؟ رد "هاكان"

بعصبية: "لأ أمشي." نظر الحارس لما بيده بتردد ثم قال وهو يضع نظارة طبية على مكتب "هاكان": "النظارة دي بتاعة البنت اللي... حم الحارس بتوتر ثم تابع: "بتاعة البنت اللي حضرتك طردتها، هي وقعت على الرصيف وعلى ما روحت أجيبها كانت البنت اختفت.. الحقيقة كنت محتار أعمل بيها إيه، فقولت أسلمها لحضرتك." حدجه "هاكان" بشرر وفهم ما يرمي إليه. فيبدو أن الحارس قد استخدم تلك الوسيلة لكي يحث هاكان على تأنيب ضميره.

فأشار له "هاكان" أن يغادر المكتب ويذهب. وبعد قليل تسربت نظرة هاكان للنظارة الطبية وتردد أن يلمسها للحظات. ولكنه بعد برهة أخذ النظارة وتمعن بالنظر فيها وأدرك أن تلك الفتاة تعاني من ضعف شديد في النظر. وتذكر كيف جرها بعنف لخارج المبنى كالقمامة وبدأ يشعر بالفعل بوخزة تأنيب لضميره. شرد لبعض الوقت حتى استأذنت "منة" سكرتيرته بالدخول وظهر على وجهها الضيق. فقالت بشجاعة:

"في كلمتين عايزة أقولهم لحضرتك يا فندم.. بس قبل ما أقولهم عايزة أعرف ده هيأثر على شغلي ولا لأ؟ تنفس "هاكان" بعصبية وهو يعرف مسبقًا ماذا ستقول. فقال عنها بحدة: "بصرف النظر أن أي رأي هتقوليه في أي شيء مش هيأثر على شغلك، بس مش عايز أسمع سيرة البنت دي تاني هنا.. وإلا هتحصليها." صمتت "منة" ويبدو أنها ستنفجر من الكبت. فأشار لها "هاكان" أن تخرج من مكتبه. وبالفعل خرجت "منة" وهي تنفخ بعصبية.

ولكن قبل أن تغلق "منة" الباب، دخلت تلك القطة الغريبة الأطوار مجددًا إلى مكتبه. ولم ينتبه "هاكان" بادئ الأمر. ذهب للنافذة ليستنشق هواءً نقيًا، حتى استوقفه رؤية تلك الفتاة وهي جالسة أسفل شجرة بحديقة جانبية للشركة وتبكي بقوة. أطرف عينيه وحاول أن يتجاهلها تمامًا ولكنه توقف عندما استندت تلك الفتاة ونهضت وكانت تبدو أنها تريد السير. ولكن مع عينيها المتورمتين بالبكاء ودون نظارتها أيضًا يبدو الأمر شاقًا عليها.

وذلك عندما تعثرت بحجارة صغيرة بالأرض وكادت أن تسقط أرضًا. فنظر للنظارة الطبية ثم إليها وفكر سريعًا في شيء. حتى خرج من مكتبه وهو يركض تقريبًا. وقفت "لوتس" في هيئة القطة وقالت بغيظ مستغلة فراغ المكان: "نفذ بجلده مني.. كنت هكهرب شرايين مخه دلوقتي.. بس وراه وراه." *** مسحت "ليلة العيد" يدها الملطخة بالوحل بمنديل ورقي. وأطرف عينيها بقوة بمحاولة أن تنقي الرؤية حولها ولو قليلًا ولكن هيهات.

فأصبحت الرؤية ضبابية تمامًا ولن تستطيع السير هكذا. فقالت بضعف ودموع: "أنتي فين يا لوتس؟ أغمضت عينيها بضعف شديد، حتى شعرت بشيء يوضع على عينيها فجأة. انفجر جفن "ليلة العيد" خلف نظارتها وأخيرًا استطاعت أن ترى أمامها. ولكن تجمدت عندما وجدت "هاكان" يقف أمامها صامتًا تمامًا، ولا يبدو عليه أي ملامح للغضب. أبعدت عينيها المليئتين بالدموع عنه وقالت بصوت متهدج:

"أنت عاقبتني على القلم، بس مسألتش نفسك أنا عملت كده ليه.. ما هو أكيد مش هسمح لحد يمسكني من دراعي بالطريقة دي وهقف ساكتة.. مش ندمانة ولو اتكرر الموقف هعمل كده تاني.. ولو على الشغل فأرض الله واسعة، ولو على حلمي فهاعرف أحققه في أي مكان هروحه." ثم نظرت له بحدة وهتفت وهي تبكي: "أنت شخص مغرور.. مش بتسمح لحد أنه يفكرك أنك إنسان." "خلصتي..؟ أجفلت "ليلة العيد" من رده ولم تفهم. فوضع يده بجيوب بنطاله في ثبات وثقة عالية

ثم أضاف بنظرة لم تطمئنها: "شغلك في الشركة هيبدأ من ٧ الصبح.. لما تيجي بكرة هتعرفي وظيفتك الجديدة." ورماها بنظرة ساخرة وذهب من أمامها بمنتهى البساطة. وأتت إليها "لوتس" بهيئتها البشرية ووجدتها فاغرة فاها من الذهول. فسألتها بقلق: "هو بيعمل إيه هنا؟ أشارت لها "ليلة العيد" وقالت بصدمة: "أنتي أقنعتيه إزاي إنه يجيلي ويرجعني الشغل؟ وهذه المرة شهقت "لوتس" بصدمة، ثم قالت: "وغلاوة حتحوتي عندي ما جيت جنبه!

.. ده مشي قبل ما أعرف أسيطر على مخه! .... بس ملحوقة." ضيق "ليلة العيد" عينيها بذهول وقالت: "يعني هو جاي كده من نفسه؟! صمتت "لوتس" للحظات ثم قالت لـ "ليلة" بابتسامة خبيثة: "تخيلي! .." لم تفهم "ليلة العيد" الأمر، بينما تمتمت "لوتس" بكلمات وهي تبتسم بخبث. *** بحي شعبي فقير. وقف شاب عملاق ضخم البنية كأنه مقاتل شرس من العصور الوسطى برداء انتقاه ليناسب هذا العصر ولا يلفت الأنظار إليه.

وارتسمت على ملامحه شديدة الجاذبية الصمت المطبق. لا أحد يستطيع قراءة تلك التعابير المجهولة مهما اجتهد. نظر بعينيه الواسعتين الزرقاوين رغم سمرة بشرته التي لوحتها الشمس، وتمعن في البشر حوله بدقة. يبدو أن العصر الحديث ما زال محتفظًا بالملامح المصرية الجذابة ولم يطمس تميزها وجمالها. سار بخطوات هادئة وهو يفكر أين سيقضي مهمته حتى يجد شقيقته "لوتس".

حتى استوقفه على بعد خطوات تجمع عدد غفير من الناس ويرتفع من بينهم صوت أنثوي عال وصارخ. تقدم "سركن" نحو الصوت غاضبًا وظن أن ربما هناك امرأة تطلب المساعدة وتستغيث بمن حولها. ولكنه تفاجأ بفتاة تصرخ وتصيح بخصلات شعرها السوداء الطويلة والغجرية، وترفع يدها القابضة على حذائها وتهبط على رأس أحد الرجال بغيظ: "بقا يا راجل يا ناقص يا جوز الأربع نسوان ناططلي في كل حتة وعايز تماشيني وفاكر إني هكش وأخاف وأتهدد! ... حوش حوش."

وشهقت "شقاوة" شهقة عالية وتابعت: "عارف أنا مين يلا؟ ... أنا شقاوة يا حيلتها، يعني أشقيك وأحشيك وأتغدى بيك.. ورحمة جوز أمي اللي نفسي يفلسع لو شفت وشك تاني لهخلي اللي ما يشتري يتفرج عليك." "ما هذا..؟! وجه "سركن" السؤال لها مباشرةً وهو ينوي أن يبعدها تمامًا عن هذا الشجار الغير لائق أن بداخله امرأة. بينما شهقت "شقاوة" بغضب ونظرت له بعينيها السوداوين قائلة بعصبية: "ماذا هذا وذاك يا خويا؟!! .. ما تتكلم عدل في نهارك ده!!

... انت جاي من سوق الجواري يا جدع انت!! ضيق "سركن" عينيه بغضب خطر وهمس بصوت خافت: "من هذه التي تتحدث مع قائد الجيوش 'سركن در مون' بهذه الطريقة الوقحة!! نظرت له "شقاوة" بتعجب، فهي أمام هذا العملاق مثل القطة أمام الفهد. فهمست له صديقتها "سماح": "ما تستفزيهوش انتي مش شايفة منظره عامل إزاي؟! ده لو كح هيبلعنا كلنا! اقتربت منه "شقاوة" وهتفت بغيظ:

"هعلي صوتي وأعمل اللي أنا عايزاه كله، وأي بغل في الحتة هيتعرضلي بشبشي وعلى نفوخه.. أنا رقاصة آه بس تبت.. وعهد الله توبتي" بدأ يفهم "سركن" سبب هذا الشجار بأكمله. فنظر لعينيها السوداوين بصمت للحظات، ثم اقترب لها قائلاً بنظرة غامضة: "لدي ملاحظة على عينيكِ.. أيتها الشرسة." ورماها بنظرة جعلتها تقف متجمدة للحظات وهي تنظر له بصمت. وعندما اختفى من أمامها قالت "شقاوة" بابتسامة: "يلااااهوي." استفسرت "سماح" وقالت بعدم فهم:

"ملاحظة إيه دي ياختي؟ .. أنتي مش غاسلة وشك يابت؟! ضربتها "شقاوة" على كتفها بضحكة ثم قالت: "اكتبي يابت.. ده كلام بالنحو ما يفهمهوش اللي زيك." وأضافت "شقاوة" بنظرة شاردة تتفقد خطواته المبتعدة: "ده باين في فيلم هيبدأ يابت وقصة حياتي هتبتدي." لوت "سماح" فمها بسخرية: "وهيحتووا قصة حياتك ليه يا أوخة.. كنتي الملكة ليزابسة؟! ردت "شقاوة" بثقة: "أحلى وأهم حياتك.. أما نشوف بقا إيه الحكاية! *** وأتت ساعات الليل.

وتمددت "شقاوة" بفراشها الذي يتوسط غرفة صغيرة على أسطح إحدى المباني القديمة. وابتسمت كلما تذكرت نظرة ذلك الرجل الغريب. لأول مرة تشعر بدقة القلب هذه وهي الفاتنة الذي ارتمى تحت قدميها أثرى الرجال لمجرد نظرة منها ومحادثة. فتنهدت بعمق وقالت: "ده مين ده؟ .. شكله غريب عن الحتة وناسها، لأ.. ده شكله غريب كله كده على بعضه، بس عليه حتة نظرة عصرت قلبي عصر."

وضحكت عندما سمعت نفسها تقول ذلك، فنهضت مرة أخرى وتوجهت لمرآة الغرفة وهي تنظر لنفسها بتمعن. وقالت بابتسامة وزهو: "إن كان هو سيد الرجال فأنا البت شقاوة.. اللي كل ما دا بتزيد حلاوة." وذهبت لخزانة ملابسها الصغيرة وانتقت منه فستاناً أحمر وقررت أن ترتديه الآن حتى لو كانت ستمكث بغرفتها. وبدقائق كانت بدلت ملابسها وارتدت ذلك الفستان الأحمر المحكم تمامًا حتى منطقة الخصر ثم يتسرسل واسعًا حتى الذيل.

وفردت شعرها الغجري الأسود الطويل مع لمسات صارخة من مرطب الشفاه. وابتسمت بزهو وهي تقول: "كتري يابت من الروج كتري.. هو أنتي يعني هتخرجي كده من أوضتك ولا مخلوق هيشوفك! .. أهو تتبسطي شوية." ومضغت العلكة بفمها بضحكة وهي تنظر لانعكاس صورتها بالمرآة. حتى انتبهت لصوت طرقات على باب غرفة السطح وكأن أحدهم سيكسره. فانتفضت بخوف للحظات وقالت: "مين اللي بيخبط؟! نطق بيومي "زوج أمها" وصاح بصوت عال:

"افتحي يابت والا هكسر الباب على نفوخك! أخذت "شقاوة" نفسا عميق بعصبية ثم ذهبت وفتحت الباب وهي تصيح بشراسة: "تكسره على نفوخي ليه إن شاء الله.. ليك عندي إيه يا بيومي ولا عشان اعتزلت وبت من الشغلانة السودة اللي جبرتني عليا من يوم ما اتلف عودي! نظر بيومي لمظهرها المغري وقال بنظرة ماكرة: "يابت يا عبيطة، آآه لو تسمعي كلامي.. ده الباشا إياه حفر وراكي ورايدك في الحلال وهيغرقنا كلنا فلوس وعز.. ولا أنتي عاجبك الفقر والضنك ده؟!

دفعته "شقاوة" ليخرج من الغرفة بعنف وصاحت بتهديد: "والله لو ما مشيت من قدامي وغورت بعيد عني ما حد هيخلصك من إيدي! برقت عين "بيومي" بخطر وصاح مناديًا على رجلين، واضحت نيته ظاهرة أنه سيأخذها بالإجبار أن لم تأت معه برغبتها. فصرخت "شقاوة" وهي تدفع الرجلين بيديها وقدميها حتى يبتعدا عنها، ولكنها لم تستطع صد قبضتيهما الشديدة على يدها. فصرخت مجددًا تستغيث بالجيران، فضحك بيومي بسخرية وقال:

"ومن إمتى حد بيقدر يقف قدام بيومي يابت نعيمة." بصقت "شقاوة" ريقها بوجه بيومي وهي تبكي وتلفظه بأشد الشتائم والتصقت خصلاتها الغجرية بوجهها المتعرق. وتردد صدى صوتها الصارخ حتى اندفع أحد الرجلين بضربة جعلت قلبه سيتوقف من شدتها، بينما الآخر وجد نفسه محمولًا على يدان صلبتان ويندفع بعنف على الأرض لمسافة بعيدة. واستدارت "شقاوة" لطوق النجاة الذي أغاثها لتجده ذلك الغريب.

ابتسمت بوجهها الغارق بالدموع له، بينما وجه "سركن" كان أيقونة وكتلة من الغضب وهو ينظر لـ بيومي المصدوم مما حدث بلحظات سريعة ولم يستوعب الأمر. فجر "سركن" بيومي من ياقة قميصه وصاح بشراسة: "لو لم يكن ذلك الرأس اللعين يمتلئ بالشيب لكنت الآن تلفظ أنفاسك الأخيرة أيها الحقير القذر.. ولكن يداي لن تلطخ أبدًا بدماء العجائز! رد "بيومي" بعدم فهم: "كلام مقنع.. بس مش فاهمه!

تلقى بيومي صفعة قاتلة من يد "سركن" جعلته يسقط أرضًا ويتلوى من الألم، حتى صاح "سركن" فيه وهدده بشراسة: "لو اقتربت منها مرة أخرى سأقتلع عيناك من محجرها." شعر بيومي بالخوف منه وركض هاربًا بعدما فر من معه من الرجال. وتحسست "شقاوة" معصمها إثر قبضة الرجلين منذ قليل. فسألها "سركن" باهتمام: "أتؤلمك يداك؟ رفعت "شقاوة" عينيها لعينيه بنظرة طويلة وابتسامة، ثم قالت وهي تائهة تمامًا بعينيه الزرقاوين الساحرتين: "أنت مين يا جدع أنت؟

نظر لعينيها الجميلة "سركن" بشرود لبعض الوقت ثم قاوم شيئًا في نفسه وقال بثبات: "ليس من شأنك." ووقعت عيناه رغما على ردائها الأنثوي حتى سحب نظراته بعيدًا وقد كافح لذلك. ثم ابتعد عنها قائلاً بحدة: "لا تجعلي رجلاً يراكِ هكذا مرة أخرى.. وإلا سأرتكب جريمة." اتسعت ابتسامتها وقالت: "بتتكلم بالنحو بس تمام.. عجباني اللغة، بس هو يعني ماله شكلي.. ما أنا قمر أهو." تمتم بخفوت وبعصبية: "وتلك الأزمة! استفهمت "شقاوة": "بتقول إيه؟!

رد بصرامة وهو يبتعد ويشير لها: "لن أنبهك ثانيةً.. أحذرك مني." وعندما هبط على السلم ظهرت ابتسامة "سركن" وهو يبتسم ويقول: "قطعة من القمر.. قلبي بمدينة غير آمنة."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...