استيقظ هاكان وفتح عينيه فجأة كأنه مر بكابوس بشع. اعتدل من الفراش وتنهد بعمق، ثم نظر للساعة واتسعت عيناه بصدمة. أسرع للحمام ليأخذ دشًا سريعًا قبل أن يستعد للذهاب. دقائق وكان يخرج وهو يجفف رأسه المبتل بالمنشفة. تسللت ابتسامة سريعة على وجهه، سرعان ما تحولت لضحكة عندما تذكر ذلك الحلم العجيب.
وبعد دقائق، دلفت نورمان للغرفة مع إحدى الخادمات. ظنت أن هاكان ذهب لعمله، لكنها تفاجأت عندما وجدته يرتدي جاكت بدلته الرسمية الأنيقة باللون الجملي المناسب للطقس الراهن، وبنطالًا أسود من الجينز. فقالت بلغتها العربية الركيكة: "أنت لسه ما روحتش للشغل! مشط هاكان شعره الأسود الذي يصل لبعد أذنيه بقليل، ورد بعجالة تاركًا المشط من يده: "اتأخرت في النوم شوية."
أخذ مفاتيح سيارته وهاتفه الخاص، ثم أشار لأمه بسلام مؤقت وخرج من الغرفة. تنفست نورمان ببعض الضيق من أمر ولدها المحير، ثم بدأت تخبر الخادمة عن مهمة التنظيف العميقة للغرفة، مع الحرص الشديد ألا تقترب لمكتبته الخاصة. ***
دخلت ليلة العيد للمصعد بمبنى الشركة بمفردها. حمدت ذلك الانفراد الذي جعلها تنظر بتمعن في مرآة المصعد لترى مظهرها اللطيف بذلك الفستان الخريفي باللون الجملي الدافئ، ويتوسطه حزام عريض أسود يعطيه مظهرًا أنثويًا أنيقًا. تنهدت بمزيج محير من الرضا عن مظهرها والقلق من رؤيته. وقد بدأت تتقبل عملها المؤقت هذا حتى إشعار آخر. وحينما خرجت من المصعد، لمست نظارتها بحركة لا إرادية. بينما أوقفتها تلك الفتاة اللطيفة منة وتبسمت، معربة:
"إيه الجمال ده يا لولو ما شاء الله! الفستان ده ذوقه يجنن." ابتسمت ليلة بفرحة كالصغار وهي تنظر لفستانها، وقالت بابتسامة عريضة: "بجد عجبك؟ أكدت منة بقوة: "جداً جداً.. هسألك جبتيه منين بس مش دلوقتي، روحي بسرعة على شغلك قبل Hk ما يوصل." أسرعت ليلة العيد بخطواتها بمجرد الإشارة إليه. وحينما دخلت المطبخ العريض، وجدت ذلك الصبي اللطيف سقراط جالسًا ويبدو على ملامحه الهم والضيق. فدخلت وهي تجر مقعدًا وتجلس قبالته:
"مالك مكشر كده على الصبح يا سقراط؟ حد زعلك ولا إيه؟ رد سقراط بتقطيبة: "محدش يقدر يزعلني." نظرت له ليلة بشك. فخر سقراط معترفًا بغيظ وسخط: "بصراحة كده أنا في خطر.. أصل في بلطجي في الشارع عندنا رامي بلاه على كل الناس والكل بيخاف منه.. ومن كام يوم خرجني من شقتي بمنتهى الاحترام." تألم سقراط سرًا وهو يتذكر الصفعات المتتالية التي أمطرت على وجهه وخلف رقبته. واستطرد بتقطيبة:
"ومصمم ياخد الشقة.. أصلها بتطل على ناصيتين، أول ناصية الصرف الصحي يعني موقع ممتاز وبحري، وتاني ناصية مقلب الزبالة يعني فيو ولا أروع." سألته ليلة العيد باهتمام: "وأنت عملت إيه؟! تهرب من عينيها وقال وهو يتظاهر بقوته الخارقة: "ضربته لما كسرت عظمه. شيلته كده على إيدي الاتنين وقومت حادفه في الشارع.. لولا الناس لحقوه كان اتدغدغ من شدة الوقعة.. كان بيصرخ وبيترجاني أسيبه في حاله وأنا أبداً ولا ممكن آه."
تعجبت ليلة وسألته مجددًا: "طب أومال زعلان ليه لما أنت ضربته؟ اغتاظ منها سقراط وهتف: "إنتي بتسألي كتير كده ليه؟ ما تسبيني في أحزاني! اغتاظت منه وشكت بالأمر برمته، ولكنها نهضت وهي تعد كنكة القهوة وبجانبها البن المميز، قبل أن يرن الجرس وتذهب إليه بقهوته الخاصة. *** وبالحارة الشعبية... وقف الطفل بودة، الذي لا يتخطى عمره التسع سنوات، أمام مدخل ذلك المنزل المهجور وعلى وجهه أمارات الخوف. حتى قال بصوت مرتعش:
"يا عم غريب.. يا عم! كان سركن جالسًا على إحدى درجات السلم، تائهًا بالفكر ومعاتبًا نفسه بقسوة على هذا المنعطف الذي مال قلبه إليه دون إدراك. وتعجب كيف لهذا الشيء المسمى بالحب يستطيع أن يقتحم قلوبًا لا تريده! حينما انتبه لصوت يناديه بالاسم التي أطلقته عليه تلك الفتاة التي سرقت خفقات قلبه بلحظة، نهض وانحدر عدة درجات حتى بات أمام ذلك الطفل الصغير الذي يحمل صينية صغيرة تحمل عدة أطباق شهية ومغطاة بمنشفة كبيرة ونظيفة.
نظر الطفل بودة للأعلى بقوة لهذا الرجل العملاق الذي يقترب طوله لـ 200 سم أو ربما تجاوزهم! وقال: "شقاوة بعتلك الفطار ده وبتقولك بالهنا على قلبك يا سي غريب." تبسم سركن للصغير ومرر أصابعه على شعره بمشاكسة، ثم أخذ صينية الطعام منه وقال: "شكرًا يا صغير."
ابتسم الطفل بودة وركض من أمامه عائدًا لأمه بائعة الخضار. ونظر سركن للأطباق، الذي يبدو من رائحتها أنها شهية، ولاحظ أن لم يختلف ذوق المصريين بالطعام الشهي اللذيذ على مر العصور. أخذ الطعام وصعد تلك الدرجات حتى سطح المنزل المتهالك تقريبًا. وحينما نظر للسطح المقابل، وجد شقاوة تنظر بلهفة لرؤيته. فأفتر ثغرها عن ابتسامة واسعة وقالت:
"فطار سريع كده على ما أدوقك أحلى محشي ورق عنب من إيديا الجوز.. لا ومش بس كده، دبحتلك بطة من اللي مربياهم في العشة اللي جنبي عشان ترم عضمك كده.. بس بأمانة تبقى تقولي رأيك في عمايل إيديا يا سي غريب." نظر سركن لعينيها الحبيبتين بعمق، كأنه يقسم على نفسه أن يغادر ويرحل قبل أن يتورط قلبه بطريق لا رجعة فيه. ولكن إن قاوم عينيها.. كيف يقاوم ابتسامتها تلك! لاحظت شقاوة أنها صامت ويبدو على ملامحه القسوة والجمود،
فسألته بقلق وارتياب: "فيه إيه مالك كده يا سي غريب... أنا زعلتك في حاجة تاني؟ وعندما ظل على حاله، قالت شقاوة بلهفة وألم: "والله ما أعرف زعلتك في إيه.. طب يعني حقك عليا لو كنت زعلتك، ده أنا عبيطة وأغلب خلق الله وما أقصدش حاجة." تبسم لعينيها بدفء عنيف ولم يستطع المقاومة، وقال:
"لا تنظري إلي بتلك الحبتان السوداء وأنا غاضب يا فتاة القمر.. سأغفر دون كلمة اعتذار واحدة، عينيك وآه من عينيك.. ثمة شيئًا بيننا أكبر من الوقت والزمان.. رفقًا بقلب القائد الذي لم تهزمه سوى عينيك." تسحبت ابتسامة على ثغرها بحياء، ثم قالت وهي تريد أن تصرخ من شدة السعادة: "طب والله لأعملك مع ورق العنب بتنجان وكرنب ها."
ركضت شقاوة لداخل شقتها الصغيرة وهي تقريبًا تقفز مثل الصغار. بينما اتسعت ابتسامة سركن بعاطفة جامحة لن يستطيع بعد اليوم السيطرة عليها مهما قاوم. أدرك ذلك للتو! *** دخل هاكان بخطوات سريعة لمكتبه وهو يلوم نفسه على هذا التأخير بموعده وإفساد هالة الانضباط الذي تحيطه! وعندما جلس أمام مكتبه، أسرعت خلفه سكرتيرته منة بجدول مواعيد اليوم. وقالت بشكل روتيني: "مواعيد حضرتك النهارده و... قاطعها هاكان وقال بجدية:
"هاخد نص ساعة ليا قبل أي مواعيد ومش هلفت نظرك للموضوع ده تاني يا آنسة." تجعد ما بين حاجبي منة بضيق، ووضحت تصرفها: "أنا منتبهة لكن حضرتك اللي لأول مرة توصل متأخر ساعة بحالها عن ميعادك.. فتخيلت أنك هتقابل العملا على طول." مرر لها تلك الكبوة وتحدث بهدوء: "خالص، اعرفي نظامي واحفظيه.. سواء جيت بدري أو متأخر مش هبدأ شغل قبل نص ساعة بعد وصولي." وتابع حديثه وهو يضغط على جرس الكافيتريا ليأتوا إليه بقهوته الخاصة الصباحية. ***
انتظرت ليلة العيد صوت الجرس بتعجب من تأخره هذا. وحينما ارتفع صوت الجرس، ارتفعت دقات قلبها. ولاحظت أن سقراط ينهض ببطء وهو يعرج بقدمه. فركضت إليه لتساعده حتى يعد القهوة بأسرع وقت. وبالفعل، أنهى سقراط فنجان القهوة بوقت قياسي. وأخذته ليلة العيد وهي تقول بضحكة مكتومة: "أنت متأكد إنك أنت اللي ضربت البلطجي يا سقراط؟ كشر سقراط بطريقة مضحكة، فارتفعت ضحكة ليلة وهي تبتعد وتخرج من الكافيتريا متوجهة مباشرة للسيد المغرور.
وحالما دَقت على باب المكتب دقات متتالية خفيفة، سمح لها هاكان بالدخول وهو يتفحص جريدة اليوم. دخلت ليلة العيد المكتب وغاصت قدميها بالسجاد العجمي الفاخر وهي تسير وجهته، ثم وضعت القهوة على المكتب بأصابع مرتعشة. رفع هاكان رأسه من الجريدة حتى فنجان القهوة الذي أخذه بلهفة. ولكنه توقف عند ملاحظة مضحكة. لون فستانها هو ذاته لون بدلته، مثلما كان بهذا الحلم العبثي لون فستانها نفس لون بذلته الملكية.
وضع هاكان فنجان القهوة على المكتب وظل صامتًا وناظرًا لها بصمت للحظات. ثم وبدون أي مقدمات، ضحك ضحكات متتالية كلما تذكر ذلك الحلم العبثي مجددًا. ولكنها يبدو ذهب ظنها بأنه يسخر منها! فقالت بعصبية: "هو أنا شكلي مضحك للدرجة دي؟ لم يجيب، ولكنه لم يتمالك نفسه من حالة الضحك هذه. ونهض ووقف أمامها محاولًا السيطرة على نفسه وهو يقول بلمحة اعتذار مبتسمًا ابتسامة مهلكة: "مش أقصد.. بس افتكرت حاجة كده."
لمست ليلة العيد نظارتها بارتباك، وهذا جعل نوبة الضحك تعود له مجددًا. ورغم عصبيتها، ولكنها ابتسمت رغما عندما وجدت لأول مرة ينظر لها بلطف ويبتسم ويضحك هكذا. كان جميلاً فاتنًا وساحرًا.. يستطيع أن يسرق قلب أي امرأة! خرجت ليلة العيد من شرودها على صوت فتح الباب ودخول لارا للمكتب دون أدنى استئذان!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!