امتلأت عينا ليلة بالمرارة والدموع، وكان قرارها أن تعود وتتجنب مزيدًا من الألم النفسي عندما يتم رفضها. ولكن أتى لمنة اتصال هاتفي من رقم خالها، فأجابت سريعا: _أيوة يا خالي معاك. حدثته قليلًا ثم نظرت لليلة التائهة بعالمها الكئيب وقالت بعدما انتهت المكالمة: _خالي بيقولك كملي وقدمي.. عشان ما تحسيش بالندم بعد كده.. يمكن يحصل حاجة. ردت ليلة بيأس: _هيحصل إيه يعني..
واتسعت عينا ليلة بذهول عندما رأت فجأة آخر شيء كانت تتوقع أن تراه.. فقد فغرت فاها من الدهشة عندما لمحت قطتها السوداء "شفيقة" وهي تركض نحوها مباشرةً وتتشبث بفستانها الفضفاض لتتسلق على ساقيها بسرعة عالية، خرجت ليلة من دهشتها ورفعتها اليها قائلة بذدهول: _أنتي إيه اللي جابك هنا يا شفيقة وجيتي هنا أزاي أصلًا؟!
اصدرت القطة موءًا للحظات كأنها تشكو لها من شيء أو تريد أخبارها أمرًا هامًا، فضمتها ليلة وهي تحاول الخروج من صدمتها بوجود القطة هنا ومن المفترض أن المسافة من هنا حتى منزلها كبيرةً جدًا! تعجبت منه لمَ تراه وقالت: _هي القطة دي بتحبك لدرجة أنها تعرف تيجي وراكي هنا؟! ... شكلك ساكنة قريب من هنا. ردت عليها ليلة وأخبرتها بعنوان سكنها، فشهقت منه وقالت: _لا مستحيل تعرف تيجي وراكي المسافة دي كلها؟!!
فتدخلت فتاة من الفتيات الجالسات بالحديث وقالت بضحكة ساخرة: _تلاقي القطة السوداء دي لابسها جن. وضحك الفتيات وبدأت سلسلة من السخرية على تلك القطة المسكينة، ولكن تلك القطة لم تكن مسكينة مثل ما يعتقد البعض.. فرمتها ليلة بنظرة مغتاظة وهي تربت على فرو قطتها بحنان كأنها تعتذر عن سخافة بعض البشر.. بينما كانت القطة تنظر لها بعينان ضيقة مخيفة..
وبتلك اللحظة خرجت فتاة من المتقدمات للوظيفة بمكتب المدير بعصبية وهي تتمتم بالشتائم، ووقفت تلك الفتاة التي كانت تسخر منذ قليل وهي تعدل هندامها وتسير بتغنج مفتعل، وبيدها ملف أوراقها التي وقفت قليلًا لتتأكد من ترتيبه... فسخرت منه بضحكة وهمست لليلة قائلة: _اللي قبلها كانت كده واتطردت.. تذكرت ليلة أمر أبنة عمها الحمقاء "شاهندة" وطردها من تلك الوظيفة وفهمت الآن السبب الأساسي لطردها الذي لم تفصح عنه شاهندة.. فقالت باستغراب:
_هو في مدير ما بيحبش النوعية دي؟! قالت منه بتأكيد: _المدير بتاعنا.. هاكان كمال الريان أو HK. تعجبت ليلة من الاسم ورددت: _هاكان؟!! تبسمّت منه وقالت بمزاح: _ما هو أنا برضه استغربت كده أول ما سمعته، بس لما عرفت أن والدته تركية فهمت ليه اسمه كده، بس غالبًا بينادوله HK خصوصا الأجانب. ونبهتها منه موضحة:
_خلي بالك لأنه مابيحبش المرقعة بتاعة البنات والدلع في الشغل وآه تعبانة وآه مصدعة، جد بشكل مبالغ فيه.. أنا شغالة من أسبوعين وعمري ما شوفته بيضحك إلا نادرًا جدًا وبيمشي آخر واحد في الكام يوم اللي بيحضر فيهم.. مع أنه جامد جمودة. ضحكت ليلة ببلاهة على كلمات منه الأخيرة، ثم قالت بثقة: _لا من ناحية المرقعة بتاعة البنات ما تلاقيش.
وفجأة انتبهتا الفتاتان لصوت ارتطام بالأرض، وحينما التفتا لمصدر الصوت وجدتا تلك الفتاة التي كادت أن تدخل مكتب المدير تعثر حذائها بشكل غامض ووقعت على وجهها بطريقة مضحكة جعلت الجميع يضحك بفكاهة دون مراعاة لموقفها المحرج.. عدا ليلة التي اتسعت عيناها بدهشة وركضت مسرعة تحاول مساعدة الفتاة التي افترشت الأرض وتحاول النهوض وهي تتألم.. _حصلك حاجة..؟!
قالت ذلك ليلة باهتمام صادق ومدت يدها للمساندة، ولكن تلك الفتاة كانت على درجة من الغرور جعلتها تدفع يد ليلة وتنهض وهي تنفخ بغيظ وعصبية ولملمت أوراقها... ولكن اكتشفت أن كعب حذائها قد أصبح قطعتين منفصلتين بطريقة صادمة!!! فغرت الفتاة فاها بصدمة، ثم قالت بضيق شديد: _الكعب أتكسر أزاي؟! ... هدخل للمقابلة أزاي دلوقتي؟!! اصدرت القطة شفيقة موءًا متكرر كأنها تهتف، فذلك جعل ليلة تنظر لها بتعجب وذهب ظنها أن القطة تشعر بالجوع..
فذهبت اليها وهمست: _حاضر يا حبيبتي هجيبلك أكل بس لما نروح.. مش هينفع أمشي دلوقتي خالص. رمقتها القطة بنظرة هادئة ومسحت رأسها بخد ليلة برقة، فابتسمت ليلة وقبلتها بمحبة.. ثم اندفعت القطة من يدها للأرض وظلت تسير أمام الفتيات وتصدر أصواتا غريبة حتى اختفت تمامًا بعد ذلك... وبحثت ليلة عنها ولم تعثر عليها مطلقاً!!
وقررت صاحبة الحذاء الممزق الانسحاب من تلك المقابلة والمغادرة.. ودخلت بعدها فتاة من الجالسات بثقة، ولكن بعد عدة دقائق أرتفع صوت رجولي رخيم للغاية، ويبدو من صاحبه أنه ذو شخصية قيادية صعبة جدًا ولا ينال رضاه شيء... ابتلعت ليلة ريقها بقلق وخفقات قلبها تزداد بجنون... وفتح باب المكتب وخرجت الفتاة التي دخلت منذ دقائق وهي تتلفظ الشتائم.. ثم ارتفع صوته مجددًا وهو يقول لأحدهم بالداخل:
_مافيش موظف أو موظفة هيشتغلوا هنا معايا غير وهما يستاهلوا وعلى درجة عالية من الكفاءة.. أنا مش هشغل ناس هتكون مع سياح أجانب وهما بيتهتهوا في اللغة ومايعرفوش حاجة عن تاريخ بلدهم ولا عارفين يكلموا السياح عنه! .. يبقا لازمتهم ايه؟ رد عليه شقيقه رشاد وقال: _ما في منهم كان الاكسنت بتاعه ممتاز يا هاك وأنت اللي رفضت ورقه!!
استدار إليه هاكان بجسده المفتول العضلات بقميص لأسود لامع وبنطال بنفس اللون يبرزون برونزية بشرته وملامح وجهه المنحوتة بدقة بوسامة قاتلة.. وتطلع به هاكان بعيناه شديدة السواد و رد بعصبية: _الشغل مع السياح مش مجرد اكسنت يا رشاد، المرشد السياحي ده وجهة لشركتنا ولبقته بتتكلم عن مستوانا.. مافيش حد متوفرة لحد دلوقتي فيه كل المواصفات اللي أنا محتاجها.. سخر رشاد وهو يضع ساقا على ساق:
_أنت اللي طلباتك في الموظفين مش منطقية وعايزهم فوق كل المستويات، وده مش هتلاقيه بسهولة أبدًا.. ده إذا لقيته أصلًا.. والله دخلك شوية بنات مزز وأنت جبل ما بتتهزش.. يا قلبك الجاحد!! ذهب هاكان للنافذة وفتحها ليجدد الهواء لرئتيه وتنفس بعمق، ثم قال وهو ينظر بعيناه السوداء للطريق المكتظ بالسيارات:
_اللي أنا مقتنع بيه وهفضل مقتنع بيه طول عمري.. أن الشخص المناسب في المكان المناسب بيساوي أفضل نتيجة.. لكن شغل الوسايط والمعارف ده كله فشل في فشل ما بحبهوش ولا هقبله في شغلي يا رشاد.. شغلي عندي رقم واحد. وقطع الصمت الذي ران بعد ذلك أتصال هاتفي من والدتهما، فأجاب هاكان وتحدث مع أمه بمزيج من العربية والتركية..
بينما بالخارج انسحبت فتاة بعد الأخرى وغادرن.. ولاحظت ليلة ذلك بقلق وجبين متعرق من التوتر.. وعادت رغبة الذهاب من هنا إليها مجددًا، ولاحظت منه شرودها وتوترها فأتت اليها هامسة: _مش فاضل غيرك أنتي وبنت كمان قبلك، لو مشيت البنت دي وما اتقبلتش يبقى الدور عليكي بقا تحاولي تبيني شطارتك... النهاردة آخر يوم ومش هيعمل مقابلات شغل لوظايف تاني..
تنفست ليلة بتردد وخوف من شيء مجهول.. وانتظرت بقلق مفرط نتيجة مقابلة الفتاة الأخرى، حتى خرجت الفتاة كمثيلاتها وهي تهتف وتقول لطاقم السكرتارية: _ده أنسان مش طبيعي، عايز موظفين روبوت مش بني آدمين!! وغادرت مثل السابقات.. فأسرعت منه إلى ليلة وقالت بدعم: _الدور عليكي.. ياريتني كنت أقدر أحضر الانترفيو ده، بس ده طبعا مستحيل!
ظهرت القطة السوداء فجأة ولكن لم تنتبه لها ليلة، بينما ضيقت القطة عينيها واستمعت للحديث جيدًا، وتسحبت حتى دخلت مكتب هاكان.. ارتشف هاكان قهوته وانتبه لوقوف قطة سوداء أمام مكتبه ظهرت فجأة وتنظر له بهدوء وثبات مريب، فأنزعج رشاد وقال بتشاؤم وهو ينهض ليطردها خارج المكتب: _ما بحبش القطط السودا..
ولكن القطة سلطت عيناها على هاكان بثبات شديد ثم ذهبت اليه وتسلقت ساقيه وجلست أعلى ركبته بهدوء، بينما تفاجأ هاكان من تصرف تلك القطة المريب وعينيها المحدقتان فيه، والأعجب أنه لم يستطع أن يبعدها عنه رغم أرادته بذلك وكأن شيء يقيده!! دخلت ليلة المكتب بخطوات بطيئة ووجه شاحب من القلق، ابتلعت ريقها وهي تعدل نظارتها أعلى عظمة أنفها وتحمحم لتنقي صوتها المتحشرج..
غاصت قدميها في السجاد العجمي وهي تقف أمام مكتبه وتجمدت عندما رأت قطتها جالسةً على ساق رجل يجلس بفخامة خلف مكتبه وكأنه يمتلك نصف ثروة العالم.. !! نظر لها رشاد بدهشة واحتقار، بينما قطب هاكان حاجبيه وهو ينظر لها من رأسها لأخمص قدميها بدهشة، لا يعقل أن تلك الفأرة ذي النظارات السميكة آتية لطلب الوظيفة التي بالاساس تطلب درجة عالية من حسن المظهر!! ووجد نفسه يسألها بحدة لا تبشر بالخير: _مين أنتي؟!
جف حلقها وهي تطالعه وتدحضت فكرتها المتفائلة عنه وهو ينظر لها بتلك النظرة المحتقرة!! فقالت بارتباك شديد: _أنا جاية عشان الأنترفيو.. لأ.. أقصد عشان الوظيفة! ضيق هاكان عيناه بذهول وسألها: _وظيفة إيه؟!! غضبت من رده وقالت بعصبية رغم جسدها المرتجف: _يا عم ما تركز معايا كده.. ابتلعت ريقها ووبخت نفسها على تلك الهفوة وقالت بتصحيح: _لا أقصد.. الوظيفة اللي اعلنتوا عنها والنهاردة آخر يوم للمقابلة... بالأمارة يعني.
نظر هاكان لشقيقه رشاد بدهشة واستخفاف، بينما كتم رشاد ضحكته وهمس له: _خلينا نستلى شوية.. استنى.. وتوجه لها رشاد بالأسئلة لمزيد من التسلية: _أنتي اسمك ايه؟ كتمت ليلة سيل من الردود وقالت بحدة وهي واثقة أنها ستنهال عليها الكلمات الساخرة بعد قليل: _ليلة العيد سعيد رمضان. أطلق رشاد ضحكة عالية وهو ينظر لشقيقه الأكبر هاكان، الذي أخذ قهوته وتوجه للنافذة مجددًا وهو يخفي ابتسامته على ذلك الاسم الغريب المضحك... فعاد رشاد قائلًا:
_يعني ند*بح ولا نتسحر. وضحك ضحكات عالية متتابعة ولم يستطع التوقف، بينما اتسعت ابتسامة هاكان وهو يواليها ظهره ويقف أمام النافذة، فقالت ليلة بغيظ وتمتمة: _أبو غتاتك.. طبق بامية بيسألني، أومال لو مكنتش أقرع!! ضحك هاكان عندما انتبه لهمسها، واختفى المرح من وجه رشاد ليهتف بغيظ: _لسه الباب مفتوح.. المقابلة انتهت.
تجمدت ليلة بمكانها بعدما تعرضت للطرد الصريح هذا، وقررت المغادرة على الفور ونسيان هذا الأمر برمته، وعندما استدارت بدموع تملأ عيناها وتحركت بخطوات تجر أذيال الخيبة للخارج وجدت صوت هاكان يقول فجأة: _أستني. تسارعت دقات قلبها مع بعض الدهشة، وعندما عادت تنظر لهاكان وجدته ينظر بعينان القطة بعمق ويبدو عليه بعض التشوش والتيه، والحقيقة أن هناك وكأن صوت صارخ برأس هاكان يأمره ببعض الأشياء...
وذلك بنفس الوقت التي كانت تحرك فيه القطة فمها بصوت خافت جدًا غير مسموع، وأغمض هاكان عيناه وهو يستمع لصوت غامض داخل رأسه يقول له: _أطرد الكلب أخوك ده من المكتب.. أطـــــــــــرده!! صاح هاكان بشقيقه قائلًا بعصبية: _أطلع برا دلوقتي يا رشاد!! دهش رشاد من جملة شقيقه، ولكنه نهض عندما نظر له هاكان بغضب لينفذ الأمر... هدأ الصوت داخل رأس هاكان ليسمع تمتمة هادئة وصوت قبلة!!
وعاد هادئا مرةً أخرى ونظر لـ ليلة وهو يريد طردها وأنهاء تلك المقابلة المزعجة.. ولكن صرخ الصوت داخل رأسه مجددًا وأمره: _هات البت منه منون السكرتيرة معاك في المقابلة... أبعتلهـــا!! ضغط هاكان على جرس الأرسال لمكتب السكرتارية، لتأت بعد لحظات تلك الفتاة الرقيقة منه وقال لها وهو مشوش تمامًا وليس مدرك ما يفعله: _تعالي يا آنسة منة.. لم تفهم ليلة ما يحدث، ولكن عندما أتت منه قال لها هاكان بدهشة مما يفعله:
_أقعدي واسألي الآنسة.. فغر الفتاتات ثغرهما بدهشة... ولكن ابتسمت منه وقالت والغبته تملأ نفسها: _تمام يا فندم.. هتف صوت برأس هاكان مرةً أخرى: _شوفها بقلبك مش بعينك يا هاكونا.. التوى فم هاكان بسخرية من منحنى أفكاره!! ، وتنفس الصعداء وأبعد عيناه عنهما ولكنه استمع تماما لردود ليلة بالمقابلة.. ناقشتها منه في عدة أسئلة واختبرت مهارتها في اللغة الأنجليزية التي كانت ليلة ماهرة بإتقانها...
نظر هاكان لها بتعجب بعدما انتبه لنطقها الصحيح تمامًا للكلمات... ولكن أتى السؤال الأهم والأخير وهو أوراق شهاداتها العلمية، فقالت ليلة بصدق بعدما اجتازت جميع الاسئلة بمهارة: _مش معايا غير شهادة الثانوية العامة. اتسعت عينا هاكان على آخرهما بشراسة، واضطربت منه من رؤيته هكذا وابتلعت ريقها بقلق... فقال هاكان بذهول: _بتقولي إيه؟! ... ثانوية عامة! ... أنتي واعية للي بتقوليه ولا أنتي شاربة حاجة؟!
تلقى هاكان صفعة وكأنها بداخل رأسه وسمع نفس الصوت يقول له: _ما أنا قولتلك شوفها بقلبك ولا هو لازم استخدم ايدي يعني! .. رجالة مش بتيجي غير بالعين الحمرا، هو أنا طفشت من زماني من شوية! تألم هاكان وهو يمسك رأسه بكلتا يداه وقال بعصبية: _مش فاهم في ايه بيحصلي!! تدخلت منه وقالت له شيء طرأ بفكرها فجأة:
_لو سمحتلي يا فندم اتكلم وهقترح اقتراح.. بصراحة البنت ممتازة، نفس المواصفات اللي طلبتها بالضبط، أنا مدركة طبعا أن ماينفعش تشتغل من غير شهادة، بس فيها ايه لو تشتغل أي شغلانة هنا بسيطة لحد ما تكمل دراستها وبعدين تثبت نفسها.. تفاجئت ليلة بأقتراح منة، فغمزتها منه لتصمت وترحب بالاقتراح، وكان من المستحيلات أن يوافق هاكان على هذا الأمر، ولكن ذلك الصوت اللعين داخل رأسه سيقود للجنون وهو يهتف:
_وافق، وافق، وافق، وافق، وافق، وافق، وافق، وافق.. صاح هاكان بعصبية شديدة وهو ينظر لهما ويمسك رأسه بألم: _خـــــــلاص بقا... موافق. ونهض متنهدًا بعمق عندما أختفى الصوت وعاد لطبيعته، وخرج من المكتب بعدما القى نظرة غاضبة يإزدراء على ليلة.. صاحت منه بضحكة عقب خروجه من المكتب وذهبت لتبارك لليلة قائلة:
_اتمسكي بالفرصة دي، كملي دراستك في المجال اللي بتحبيه وأوعي تتخلي عن حلمك، أنا فرحانة ليكي أوي، مش عارفة الفكرة دي جاتلي منين، بس كأن حد همسلي بيها!! لم تعرف ليلة أن كان عليها أن تفرح أو تقلق، لأنها لا زالت لا تعرف ما سيكون عملها حتى تنهي دراستها التي لم تبدأ في استئنافها من الأساس!! فسألتها: _طب وهشتغل ايه هنا مؤقتا؟! قالت منه بتصميم:
_أي حاجة يابنتي، حتى لو هتشتغلي على البوابة برا وافقي، صدقيني دي فرصة مش هتتكرر تاني، أنا لحد دلوقتي مش مصدقة أن مستر هاكان وافق على اقتراحي!! .. ده بالنسبالي معجزة!! تعالي بكرا وهنشوف هو هيقرر يشغلك ايه.. ومهما كان اوعي ترفضي.. ده حلمك وما تستغنيش عنه. استند هاكان بظهره على مقعد السيارة في حالة من الذهول لما حدث، كيف وافق على تلك الفأرة الحقيرة أن تعمل بشركته وهو من طرد الأفضل منها!!
حتما سيكون سخرية الجميع، ولكنها بالتأكيد ستأت غدًا لبدء عملها المؤقت.. وحينئذ سينهي الأمر بالتأكيد. كان سيترجل من سيارته حتى رآها وهي تخرج من مبنى الشركة وتحمل تلك القطة السوداء المخيفة وتضحك وتمازحها.. نظر بامتعاض لمظهرها البائس الرتيب ولم يصدق أنه استطاع الموافقة بتلك البساطة على تلك الفأرة البائسة! وعادت ليلة للمنزل وقد غمرتها الفرحة لأولى خطوات تحقيق حلمها..
وحينها وجدت خالتها سميرة جالسة أمام التلفاز تشاهد في ضحكات عالية.. وأبنتها شاهندة ممددة على الكنبة وترمي رأسها بحجر أمها وتشاركها مشاهدة المسلسل.. ولكن حينما لمحا ليلة قالت شاهندة بعصبية: _يعني برضه القطة المقرفة دي رجعت تاني ومافيش فايدة.. المرادي مش هرميها في الشارع ده أنا هرميها من البلكونة.
ونهضت وهي تندفع نحو ليلة بغضب جارف.. ولكن القطة قفزت على شاهندة وغرزت أظافرها بوجهها، مما جعل الأخرى تسقط أرضا صارخة بألم شديد بعدما امتلأت الخدوش وجهها النازف بالدماء... صرخت سميرة وهي تقول لأبنتها: _تعالي معايا على المستشفى حالا تاخدي مصل.. ولما ارجع ليا تصرف تاني. نظرت سميرة لليلة بتوعد مخيف، بينما ابتلعت ليلة ريقها وركضت لغرفتها وهي تحتضن القطة، وحينما دخلت اغلقت الباب خلفها قائلة بأسى:
_عملتي كده ليه يا شفيقة، أهم هيرموكي في الشارع ومش هقدر أنطق بعد اللي حصل. وتنهدت ليلة وهي تغمض عينيها بألم وقلة حيلة، حتى أتى صوت أمرأة وكأنه من عالم آخر: _محدش يقدر يقربلي متخافيش. فتحت ليلة عينيها بفزع ونظرت حولها بخوف وهي تردد: _بسم الله الرحمن الرحيم، الصوت ده جاي منين؟! لم يصدر الصوت مرةً أخرى، بينما ماءت القطة لطلب الطعام كعادتها، فهدأت ليلة وظنت أن الأمر من نسج خيالها وقالت: _لما يخرجوا هطلع اجيبلك تاكلي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!