بعد مرور أكثر من ساعة عقب مغادرة سميرة وابنتها التي خدشتها القطة "شفيقة" وذهابهما إلى المشفى لأخذ المصل المضاد، جلست "ليلة العيد" بغرفتها شاردة الذهن تفكر بما حدث اليوم. تسللت ابتسامة لشفتيها وهي تتذكر ذاك الرجل الفاتن التي رأته اليوم، كأنه خرج من قصة أسطورية رومانسية وتجسد أمامها. اختفت ابتسامتها وهي توبخ نفسها بسخرية لاذعة: _بتفكري في إيه يا عبيطة أنتي، أحمدي ربنا أنه وافق يشغلك مؤقتا. وتذكرت شيئًا
جعلها تتنهد بعمق وخوف: _طب حتى لو قررت أكمل دراسة، هجيب الفلوس منين؟ أنا محلتيش غير الخمسين جنيه اللي في البوك بتاعي على ما أول الشهر الجديد يبدأ بعد يومين وأخد الملاليم اللي باخدها كل أول شهر. وشعرت بمرارة وهي تتحسس القرط الذهبي بأذنها الذي كان الهدية الأخيرة من والديها قبل الحادثة المشؤومة بأيام بسيطة. وقالت بغصة تكورت بحلقها: _غالي عندي أوي الحلق ده ومش هيهون عليا أبيعه.. لكن هبقى مضطرة.
وطفرت دمعة من عيناها وهي تشعر بالأسف والعجز. ولكنها مسحت عيناها سريعاً وتظاهرت بالنوم وهي تسحب القطة بين ذراعيها بضمة محكمة، وذلك عندما انتبهت لصوت فتح باب الشقة ويبدو أن "شلة اللصوص" قد عادوا، وبالتأكيد يضمران الشر لها وللقطة المسكينة.
وما هي إلا عشر دقائق وكان باب غرفتها يُفتح وتهجم شاهندة عليها لتوقظها وتأخذ القطة إجبارًا لتلقيها خارجًا. انتفضت "ليلة العيد" من فراشها بعصبية وحاولت إنقاذ تلك القطة المسكينة من براثنها، بينما هتفت "شاهندة" بصياح وهي تلكم ليلة على كتفيها بغلظة وكراهية: _أنا مش هستنى لما نمرض ونموت بسبب المقرفة بتاعتك دي! نظرت لها القطة "شفيقة" بغضب مخيف، وصدمت الفتاتان عندما نطقت القطة بصوت بشري قائلة:
_سيبيني لأحسن أولع فيكي وفي أمك ده أنا أجن مجنونة!! شهقت "شاهندة" بفزع ودفعت القطة بعيدة عنها بصراخ وهي تخرج من الغرفة كأن يركض خلفها ثعبان، ثم ارتتمت أرضاً فاقدة الوعي بصالة الشقة وهرعت إليها سميرة صارخة.
بينما تجمد صوت "ليلة العيد" بوجه شاحب هربت منه الدماء وجسدها متيبس الحركة بغرفتها. ونظرت القطة لها بقلق وماءت مثل القطط الطبيعية لكي تبعد الشكوك والظنون. ولكن ليلة لم تكن تتوهم هذه المرة أيضاً وعلى يقين أن تلك القطة أضحى بها شيء مخيف وغير طبيعي.
فركضت القطة وأغلقت الباب جيدًا، ثم اقتربت من ليلة التي التصق ظهرها بالحائط وهي ترتعش بهلع وتردد آيات من القرآن الكريم. وبعدها تشكلت القطة بثوانٍ قليلة إلى هيئتها الحقيقية، لتقف أمام ليلة امرأة بأواخر سن الأربعين ولكنها مذهلة الجمال وترتدي زي فرعوني بكامل زينته وأناقته المعروف بها عبر الأجيال، بينما شعرها الأسود الحريري يسترسل لمنتصف ظهرها تقريبًا وكأنها تستخدم أغلى أنواع الزيوت بعصرنا الحالي. وابتسمت لها قائلة بمحبة:
_مكنتش عايزة أظهرلك دلوقتي ولا أعمل أي حاجة تثير شكوك أي حد هنا.. بس مقدرتش أسيبها تمد إيدها عليكي تاني وأسكت.. أنا حبيتك أوي واعتبرتك بنتي اللي مخلفتهاش. تمتمت "ليلة العيد" بدهشة وصوت مخنوق: _أنتي مين يا ست أنتي؟ اتسعت ابتسامة المرأة وقالت:
_أنا زوجة الوزير الأول "لوتس در مون".. جيت في الزمن ده من غير إرادتي، ومش همشي قبل نهاية قمر ليلة ٣٠ في الشهر الجديد. ولأني من زمن تاني مكنش ينفع أظهر بهيئتي الحقيقية.. فتشكلت بقطة.. كان معايا قوة خفية في ست من العبيد أهدتني بيها.. لكن ما لحقتش أستخدمها، وفضل معايا بقايا منها.. احتفظت بالبقايا لوقت اللزوم. صدمت "ليلة العيد" مما تسمعه وسألتها: _أنا مش فاهمة حاجة، زمن إيه وقوة إيه اللي بتتكلمي عنها؟ عرّفت "لوتس"
عن نفسها بفخر: _أنا زي ما قولتلك.. لوتس زوجة الوزير الأول "حات حوت"، كنت عايشة في القرن التاسع عشر قبل الميلاد.. بلادي كيميت العظيمة.. أم التاريخ والحضارات. وتابعت بألم ظهر بعينيها المكحلة بكحل شديد السواد:
_من كتر حبي لزوجي كنت دايمًا بشك فيه، وبدأ بعض الجواري يوصلولي أخبار أنه بيحب ست تانية وبيِروح لها.. كنت هتجنن، ولقيت ست من العبيد جيالي وبتديني شربة أعشاب.. وقالتلي أن الأعشاب دي سحرية، هتخليني أسمع أفكاره، وكمان أعرف أدخل جوا دماغه وما أخليهوش يفكر غير فيا ويطيع كل أوامري.. هيفضل قلب الأنثى واحد في كل زمان وآوان. وتنهدت "لوتس" بضيق شديد وهي تتذكر شرود الاتفاقية:
_بس الشرط أني لازم أبعد عنه شهرين كاملين، فقررت أسافر لوالدي في الجنوب.. وفي الطريق دخلت كهف ظهر قدامي فجأة أنا والجارية بتاعتي عشان نستريح من تعب الطريق.. وبعدها معرفش حصل إيه ولقيتني في الأقصر على شكل قطة.. وواحد بيقولي بسخرية أنه عرف ينتقم من أخويا سركن وخطفني.. ومش هعرف أرجع لزماني غير بقمر ليلة ٣٠.. لكن للأسف القوة الخفية اللي معايا ضعفت جدًا وبتقل يوم عن يوم.. وبتقل أكتر لما بستخدمها.. عشان كده ما حاولت أستخدمها خالص الفترة اللي فاتت.
وعادت ابتسامتها الصادقة ونظرت لوجه "ليلة العيد" المصدوم مما تسمعه وقالت: _لكن بالبقايا دي مش هتردد أبدًا أني أساعدك بيها. رددت ليلة بعض الكلمات وقالت: _القرن التاسع عشر قبل الميلاد يعني الملك أمنمحات الثالث.. سادس ملوك الأسرة الـ ١٢.. الدولة الوسطى ووالده سنوسرت الثالث. رفعت "لوتس" يدها لقلبها بالتحية الملكية عندما ذكرت ليلة اسم الملك وقالت: _آمون.
نظرت لها ليلة بذهول وحاولت أن تصدق ما تراه عينيها، لا يمكن أن امرأة فرعونية من سلالة النبلاء في المملكة تخرج من خيالها المهووس بالفراعنة وتقف أمامها هكذا! وخرجت ليلة من أفكارها على صوت صريخ "شاهندة" وهي تخبر أمها ما حدث، وانتبهت أيضًا لصوت أقدام تقترب، فعادت "لوتس" لشكل القطة بأقل من الثانية، وذلك عندما دخلت سميرة بوجه ممتقع وتهتف بعصبية: _أنا لازم أتصرف في القطة دي بالذات بعد اللي بنتي شافته منها...
القطة دي لابسها جن. ماءت القطة بصوت عالٍ جعل سميرة ترتجف خوفًا منها وتردد: _أعوذ بالله.. اللهم احفظنا. تمتمت "ليلة العيد" بخفوت: _اللهم احفظهم كلهم في ثلاجة الموتى. وعادت لخالتها قائلة: _مافيش حاجة حصلت من اللي شاهندة قالتها، ما أنا واقفة أهو ما سمعتش حاجة. بدأت تشك سميرة بما قالته ابنتها، ريثما أن ليلة تبدو طبيعية وثابتة تمامًا وتكذب الأمر أيضًا، ولو كان مثل ما قالت شاهندة لكانت ليلة الآن فاقدة للوعي من الهلع!
فذهبت سميرة من غرفة ليلة دون إضافة المزيد. بينما أسرعت ليلة للباب وأغلقت من الداخل بالمفتاح حتى لا يتسنى لمخلوق اقتحام جلستها مع تلك الأميرة الفرعونية. وعادت "لوتس" لشكلها البشري من جديد. ثم وقفت أمام مرآة الغرفة تتفحص مظهرها قائلة بأشتياق: _وحشني أوي حات.. ووحشني القصر. نظرت لها ليلة العيد ورفعت كعادتها نظارتها أعلى عظمة أنفها وقالت وهي تنظر لها بإعجاب:
_أنتي جميلة أوي أوي يا لوتس.. بس إزاي بتقوليلي أنك بتعتبريني زي بنتك يا مزة أنتي... ده أنا اللي ماما. ضحكت "لوتس" من قلبها وقالت بعد ذلك: _أنا مش بنت مراهقة يا ليلة العيد.. أنا سني ٤٨ سنة.. يعني فعلًا أنفع أبقى أمك.. لكن الكل أتفق أن سني مش باين عليا، يعني بالكتير شكلي يدي في العشرينات. اتفقت ليلة مع هذا الرأي، وقالت: _لما جيتيلي في الحلم مكنتيش بالجمال ده.. بس إزاي جوزك يخون واحدة زيك كده؟
اختفت تعابير المرح من وجه "لوتس" وقالت بمرارة: _متأكدتش من خيانته.. بس مجرد الظن كان هيموتني من القهر.. أنا بعشقه، والمفروض أن هو كمان بيعشقني. سرحت ليلة العيد بخيالها وتساءلت بفضول شديد: _يا ترى عامل إيه دلوقتي من غيرك. تنفست لوتس بعمق وقالت: _منتظرة أشوف رد فعله لما أرجع. انتبهت ليلة العيد لشيء وسألتها: _أنتي عرفتي تتكلمي بالعامية المصرية كده بسرعة إزاي؟ أجابت لوتس بثقة:
_مش صعبة.. وبعدين في كلام كتير لسه باقي من اللغة القديمة. جرى بفكر ليلة شيء واضيق عيناها بشك قائلة: _أتمنى ما يكونش مقابلة الشغل واللي حصل فيها النهاردة أنتي اللي وراه؟ اقتربت "لوتس" منها ووقفت أمامها قائلة باعتراف: _أيوة أنا.. وكان لازم ده يحصل، وإلا كانت هتضيع منك الفرصة دي.. وأنا وجودي هنا معاكي مش هيطول ومش هبقى جنبك أدعمك يوم ما تجيلك فرصة تانية. اعترضت "ليلة العيد" وقالت: _بس ده غش!!
يعني خدت موافقة إجبارية من المدير! صححت "لوتس" الفكرة وقالت بتأكيد: _مافيش إجبار ولا ده غش.. أنتي هتشتغلي شغلانة بسيطة جدًا على ما تقدري تكملي دراستك بتعبك ومجهودك.. وبعدين تثبتي نفسك لأنك أحق حد بالوظيفة دي.. يبقى فين الغش؟ احتارت ليلة وقالت بقلق: _خايفة من اللي جاي. ابتسمت لوتس لها بحنان واقتربت منها قائلة: _متخافيش.. وبالنسبة لفلوس دراستك برضه ما تقلقيش هعرف أتصرف. تصبغ وجه ليلة بالحرج وما عادت تعرف كيف تقول. ***
وباليوم التالي استيقظت "ليلة العيد" على وجه "لوتس" المبتسم بحماس، وقالت وهي تسحبها لتنهض من الفراش قائلة: _جبتلك رزمة فلوس كبيرة. شهقت ليلة عندما رأت هذا المبلغ الكبير بين يديها، وسألتها بشك: _جبتي الفلوس دي منين؟ لم تخبرها "لوتس" بالحقيقة، ولكنها قالت بمواربة: _هو مش أنا معايا بقايا قوة خارقة وكده، فأكيد يعني مش صعب أجيبلك الفلوس دي.. خديها وخبيها وشوفي مصاريف جامعتك ودراستك.. وكمان جيبيلي شوية هدوم بدل هدومك دي.
قطبت ليلة العيد جبينها وهي ترتدي نظارتها السميكة بتكشيرة: _مالها بقا هدومي! قالت لوتس بغيظ: _وحشة ومش لايقة على سنك.. أنا عارفة أنك بتحبي الواسع والطويل، لكن في برضه واسع وطويل وشيك! نظرت ليلة للمبلغ بفضول وقالت: _يا ترى كام المبلغ ده؟ أجابت لوتس بحماس: _بعملتكم.. ٢٠٠ ألف جنيه تقريبًا. فغرت ليلة فاها من الصدمة، فضحكت لوتس عليها وقالت وهي تغلق فم ليلة المفتوح:
_اتبسطي وأفرحي وأشتري اللي نفسك فيه كله.. الفلوس دي بتاعتك، مش بتاعة حد.. دي هديتي ليكي. نظرت لها ليلة بذهول، ثم نهضت وهي ترمي بين ذراعيها بدموع وقالت: _مش عارفة أقولك إيه.. أنا... قاطعتها لوتس بحنان: _أنتي تحضري نفسك عشان النهاردة أول يوم شغل.. وبعد الشغل هتروحي تشتري هدوم كتير هتحتاجيها. *** وبالشركة السياحية...
دخل "هاكان" المبنى وخلفه اثنان من رجال الحراسة ذوي البنية الضخمة. وتوجه نحو المصعد مباشرةً، وتوقف حينما رأى تلك الفأرة تقف وهي تضم حقيبتها وتقف أمام باب المصعد الخاص به. أغمض عينيه بنفاد صبر وقرر أن يتخذ ذاك الإجراء الحاسم معها ويرفض عملها هنا وإذا لزم الأمر سيطردها أيضًا. وحينما تقدم للمصعد وقف خلفها وقال بعصبية: _يا آنسة... قالت "ليلة العيد" ولم تهتم لأن تعرف حتى من صاحب الصوت:
_هطلع أنا الأول وبعدين أبقى اطلع بعدي، وأصلا في أسانسير تاني ولا ده عليه شيكولاته؟ ضيق "هاكان" عينيه بذهول وقال: _أنتي بتكلميني أنا..؟
أومأت ليلة العيد رأسها بالتأكيد دون أن تستدير وتنظر له، فاستشاط "هاكان" غضبًا ورفع يده وأدارها من ذراعها بالقوة لتواجهه بوجه محتقن من العصبية. فشهقت ليلة ونظرت لقبضة يده التي تقبض على ذراعها بعنف، ولم تشعر وهي تدوي على وجهه بصفعة من اليد الأخرى نظرًا لما فعله وتعديه لحدودها بهذا الحد الخطر!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!